أدونيس و " الدهر المنشد "

 

 

 

        من المتفق عليه أن الاختيار كم بالحري في الأدب هو عملية صعبة تحتاج من صاحبه أن يلم بالمادة التي ينتقي منها، يتقنها، يحدد ما يختاره ويفضله وفق رؤية يعمد إليها، حتى قيل إن أبا  تمام كان في حماسته أشعر منه في شعره ".

 

رحبت مع القراء العرب -  في تسع عشرة دولة عربية -  بكتاب " الدهر المنشد " هذا الكتاب الذي بادرت إليه اليونسكو، ونشرته اثنتان وعشرون صحيفة .

 

جاء الكتاب ( الملحق ) في اثنتين وثلاثين صفحة، وهو مختارات من شعر المتنبي ، ومن إعداد الشاعر السوري أدونيس ، فابتدأ بترجمة للمتنبي، فكلمة لأدونيس ، فمختارات مصحوبة برسوم حديثة للفنان ضياء العزاوي .

ولا بد أولاً من أؤكد ما يقوله الراسخون  :

إن عطاء أدونيس في الثقافة العربية والأدب لا مشاحّة فيه، وأدونيس قد لا تقدم شهادتي لديه ولا تؤخر .

 لكن لي ملاحظات لا بد من بيانها من منطلق أن العمل الجاد هو الذي يُعرض للمساءلة .

 

يتحدث أدونيس في الافتتاحية بلغة ضبابية على غرار -  أن شعر المتنبي فيه " الشخصي والجماعي الفني والإنساني، الأصيل والصيرورة ، ويتألف في هذا كله على الرغم من تناقضاته وربما بفضلها ".

                       فمثل هذه الجملة لا نستطيع إثباتها أو نفيها على مستوى بحث علمي، فما هي المقاييس التي تحول دون دخول أبي تمام وابن الرومي والشريف الرضي.. في دائرة هذه الجملة الشمولية التعميمية ؟

كم أود لو عاد الشاعر إلى مقدمة كتابه الرائع " ديوان الشعر العربي " ج2 ص19 ، فثمة نرى هذه الخصوصية التي نبحث عنها- وحدة المتنبي وغربته وشعوره بالعظمة ، كما يقول أدونيس -  " إنها وحدة المجابهة- مجابهة العالم واللعب به والسخرية منه، وحدة الألم الكبير.... فآلية الحكمة تنقلب إلى آلية الفاجعة ".

 

يوقفنا أدونيس على المبادئ التي استنار بها في المختارات، وهي مبادئ لا تطرد- في رأيي

واليك بيان ذلك:

  *     يقول أدونيس " أقللت من الأبيات التي رأيت أنها تتصادى أو تتقاطع في معانيها مع أبيات شعراء آخرين ".

 

يلاحظ قارئ المتنبي أن اغلب شعره فيه التصادي والتقاطع ، وهذا لا يعيبه أو يبخس مقداره ، فميزته في جودة السبك والإخراج والتوصيل، وفي فنية الإبداع، ومع ذلك فما أكثر ما كان في المختارات -  التي اختارها أدونيس - من تصاد وتقاطع، ولنأخذ مثلا من قصيدة " واحّر قلباه" ( ص19 ):

 

 البيت:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

 

                          وأسمعت كلماتي من به صمم

 

فهذا البيت فيه نظر إلى بيتي  عمرو بن عروة بن العبد، حيث يقول :

 

أوضحت من طرق الآداب ما اشتكلت

 

                                دهرًا وأظهرت إغرابًا وإبداعا

 

حتى فتحت بإعجاز خصصت به

 

                              للعمي والصم أبصارًا وأسماعا

البيت:

الخيل والليل والبيداء تعرفني

 

                        والسيف والرمح والقرطاس والقلم

 

نظر فيه المتنبي- كما يرى النقاد إلى قول لابن العريان العثماني:

 

 

أنا ابن الفلا والطعن والضرب والسرى

                               وجرد المذاكي والقنا والقواضب

البيت:

 

وما انتفاع أخي الدنيا بناظره

 

                        إذا استوت عنده الأنوار والظلم

 

نظر أو تصادى أو تقاطع وقول معقل العجلي:

 

إذا لم أميز بين نور وظلمة

                 بعيني فالعينان زور وباطل

 

ومثله قول محمد بن أحمد المكي:

 

إذا المرء لم يدرك بعينيه ما يرى

                       فما الفرق بين العمي والبصراء

 

ومن أحب أن يجد نماذج كثيرة فليعد إلى كتاب " الوساطة " للجرجاني و " المنصف " لابن وكيع  و " الرسالة الموضحة " للحاتمي و " الصبح المنبي " للبديعي فثمة " أصول " أو تصاد أو تقاطع لمعظم الأبيات التي  برّأها أو استثناها أدونيس منها .

 

        يقول أدونيس : " حرصت على اختيار ما رأيته يتصادى مع مشكلات العرب وهمومهم وتطلعاتهم ... "

إن نظرة دارسة للمختارات توصلني إلى أنها  خلو مما يشي بعروبة المتنبي ، ولو كان الأمر متيسرًا  له وديدنه حقًا  ،  فما أحرى أدونيس  أن يورد هذين البيتين مثلا في مختاراته   ( ص10 ) حيث  يسخر المتنبي  من الأعاجم :

 

في كل  أرض وطئتها أمم

                            ترعى بعبد كأنها غنم

يستخشن الخز حين يلمسه

                          وكان يبرى بظفره القلم

 

بل إن أدونيس يحذف البيتين اللذين يحفظهما الكثيرون، وهما ينبضان عروبة:

 

مغاني الشعب طيبا في المغاني

                        بمنزلة الربيع من الزمان

ولكن الفتى العربي فيها

                       غريب الوجه واليد واللسان

 

        يقول أدونيس : " اختار ما لا يحتاج بالضرورة إلى شرح معجمي".

 

كم كنت أود لو شرح للجمهور العريض ما يحتاج إلى إبانة بدلا من هذا التحفظ ، ومع ذلك فقد كان في المختارات ألفاظ لم يشرحها في الصفحة الأخيرة ، نحو " إذا ضربن كسرن النبع بالغرب " (ص23)، " شهب البزاة سواء فيه والرخم " ( ص19)،  " في سعة الخافقين مضطرب " (ص11) .

بينما شرح معاني أسهل منها نحو " رِدي، ينصدع"، " جراها "...

يغفل أدونيس في رأيي -  قصائد لها روعتها كقصيدة المتنبي التي مطلعها " أرق على أرق ومثلي يأرق "، بل يتجاهل أبياتًا -  في القصائد التي اختار منها -  هي من غرر الشعر، على نحو المطلع:

 

ألا لا أري الأحداث مدحًا ولا ذما

                  فما بطشها جهلاً ولا كفها حلما

 

كما أنه لم يختر من قصيدة " واحرَّ قلباه " البيتين:

 

يا أعدل الناس إلا في معاملتي

                    فيك الخصام وأنت الخصم والحكم

 

  بأي لفظ تقول الشعر زعنفة

                        تجوز عندك لا عرب ولا عجم

 

 

فالبيتان يفوقان بعض الأبيات التي اختارها كالبيت " سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا " ...

لقد أسفت على حظ عشرات الأبيات من عيون الشعر التي  أغفلها صاحبنا، بيد أنه أثبت أقل منها حسنًا،    ولكن لكل ذوقه.

 

*أما ترجمه سيرة المتنبي فقد وقعت فيها أخطاء  طباعية، فمن الطباعية " وقد سماه أحمدا " وطباعة همزات القطع بدل من الوصل.

ومن الأخطاء في اللغة " لقبَه  بأبي الطيب "، والصواب " كناه أبا الطيب "، فالفرق بين الكنية واللقب واضح.. ومنها " كتب الشعر وهو في حوالي العاشرة " فلفظة " حوالي " هي للدلالة المكانية، فنقول " زهاء العاشرة " ، و " يناهز العاشرة " الخ، وهو الأصوب.

وثمة خطأ في المعلومة التي وردت حول لقب المتنبي، إذ ظهر وكأن المتنبي لا قِبل له برد اللقب، وكأنه لقبه رغمًا عنه ، بينما ورد على لسان أبي العلاء المعري غير ذلك:

 

" وحدثت أنه كان إذا سئل عن حقيقة هذا اللقب قال هو من النبوة أي المرتفع من الأرض "

 ( انظر " أدباء العرب " ج2، بطرس البستاني، ص311 ) إن المتنبي- تبعًا لذلك يعتز باللقب ولا يعتذر بسببه.

 

 * ثمة ملاحظات فنية:

لماذا تدون في الملحق- الكتاب ترجمة الرسام العزاوي، ولا تدون سيرة أدونيس؟

لماذا لم تكن هناك منهجية في تعليق الشاعر على القصائد، فتارة يثبت السنة التي قيلت فيها القصيدة، وطورًا يغفلها ؟ ( انظر مثلا ص 24 ).

و من العجب أن أدونيس نقل ما دونه شراح المتنبي حرفيًا، نحو ما أثبته في ( ص 19 ) " من قصيدة قالها وقد جرى له خطاب مع قوم متشاعرين .. " فهل يوافق أدونيس على أن أبا فراس الحمداني متشاعر ؟ فلماذا نقتبس من غير أن نعمل الرأي والقناعة؟

 

وتبقى كلمة حق يجب أن تقال:

 

إن مشروع " كتاب في جريدة " هو مبارك ورائع يستحق القائمون علية كل ثناء، وخير جزاء، فتحية لكل من شد الأزر، وتحية لأدونيس الذي يظل منارة  مضيئة في أدبنا.