مداعبه/معاتبة

مقالات أحمد منير

و   الردود عليها

جمع وإعداد: محمود مرعي

مقالات عن : سميح القاسم ، فاروق مواسي ، جورج نجيب خليل ، فدوى طوقان ، شفيق حبيب ، تركي عامر ، أحمد حسين ، ميشيل حداد ، حنا أبو حنا ، نبيه القاسم ، محمد علي طه .......

ردود من : حنا أبو حنا ، تركي عامر ، سالم جبران ( ر.ش ) ،حنا إبراهيم ، نبيه القاسم ، علي الظاهر زيداني ، محمد غنايم ،شفيق حبيب ، نزيه خير ، إلياس عطا الله ، حسين مهنا ......
 

مقالات أحمد منير = فاروق مواسي

قبل أن نبدأ

تعود علاقتي بأحمد منير إلى سنة 1996، وكنت أيامها أنا والزميل محمد علي سعيد نشرف على العدد الخاص بتكريم  الشاعر فاروق مواسي-لبلوغه الخامسة والخمسين- فلما سألناه عن الكاتب  أحمد منير اعترف أنه هو،سألنا:

-من أين جئت بهذا الاسم؟وماذا كان قصدك؟ولماذا توقفت؟

-أحمد منير هو اسمي في شهادة الميلاد الرسمية التي صدرت في طولكرم ،ولذا  فعندما أقسمت أن أحمد منير هو اسمي الحقيقي عمقت التنكر،وظل القراء يتساءلون كل يوم جمعة ( يوم صدور الاتحاد الثقافي ) :

 ترى من هذا؟.....(ارجع إلى الإجابة الكاملة في عدد الشرق تشرين الأول 1996،ص 16).

توثيق مرحلة :

استحصلت مقالات أحمد منير والردود عليها، واهتممت بها لأنها تسجل مرحلة حركية كتاباتنا الأدبية، ورغم قصرها فما زالت أصداؤها فاعلة في الساحة، ذلك لأن "مداعبة/معاتبة" تراوحت فيها الغمزة واللفتة والملاحظة بصراحة وجرأة.

وفي تقديري أن الحدة والقسوة، بل التجريح في بعض الردود على أحمد منير عائد إلى الضيق بالرأي الأخر أولاً.

ولكم تمنيت على محرر "الاتحاد" لو واصل الاتفاق مع فاروق، فأبقى السرية والأمانة،ولم يفسح المجال لبعض الردود أن تهاجم فاروق مواسي مباشرة-لا أحمد منير.

أقول-كم تمنيت على صحيفتنا أن تأخذ برأي الشاعر حسين مهنا، وهو يخاطب أحمد:

 "أكتب!اكتب لنا لونًا من النقد الموضوعي الذي لا يتملق قريبًا ولا بعيدًا،كبيرًا أو صغيرًا.

وقد أورد الزميل ناجي ظاهر رأيًا مشابهًا فقال:

"لا اتفق مع أحمد منير في كثير من آرائه، لكني رفعت قبعتي احترامًا لشخصيته الجريئة..لا ينقص صاحبها الاطلاع- الأمر الذي ينقص الكثيرين ممن كتبوا في النقد الأدبي."

أؤكد القول إن أحمد شكّل ظاهرة في الأدب المحلي، حتى لأزعم أن كتابات مواسي نفسه وأبحاثه الكثيرة لم تحظ برواج كما حظيت كتاباته هو التي وقعها باسم "أحمد منير ".

وهذا بالطبع لا يقلل من أهمية دراسات الدكتور مواسي.

بقي أن أشير إلى أنني نشرت المواد كما هي ،اللهم إلا رد محمد غنايم ،فقد ارتأيت أن اسقط جزءًا منه اعتبرته خارج الموضوع ، وقد ذكرت ذلك في هامش مقالته.

ترى،هل أصاب فاروق فحصل على أجرين،أم انه اكتفى بأجر واحد؟

                      محمود مرعي   المشهد 1/1/2001

 

 

 

 


 

 مقالات أحمد منير

                                                      


 

الرّبَــذي

أقول في نفسي: لا يمكن أن يكون هذا الشعر المتمكن الذي تنشره"الاتحاد" للربذي إلا لشاعر في مستوى سميح القاسم،إنه شعر مثقف ،تلميح ذلك من خلال كل مقطوعة ومقطوعة.

وبدءًا فالربذي نسبة إلى الربذة ،والربذة هي بلدة من قرى المدينة المنورة على بعد ثلاثة أيام باتجاه مكة،وبهذا الموضع قبر أبي ذر  الغِفاري (واسمه جُندَب بن جنادة-ت32 هــ 652م)وكان قد خرج إليها مغاضبًا  لعثمان بن عفان إلى أن مات فيها.والسؤال المطروح أولا:هل ينسب (الربذي)*نفسه إلى الغفاري؟وما هي علاقته به؟

والإجابة: أن الشاعر  ينسب نفسه إلى الفعل، إلي النفي (الطوعي أو القسري)أكثر مما ينسب نفسه إلى تاريخ شخص له موقف فخابت آماله وأحلامه.

فهل الربذي هو سميح القاسم ؟

قد يكون إياه،خاصة وأن سميحًا يحسن هذه الأيام (أعترف أم لم يعترف) بخيبة أمل مما يجري مخالفًا لطموحاته السياسية، فأين حلم الوحدة العربية ؟ وأين أحلام الاشتراكية؟وأين الحلم الفلسطيني-كما بدأ-؟

لذا فقد يكون مضمون الشعر سميحيًا قاسميًا في قوله:

وأرى مدناَ

في ثياب الحداد المزركشة الزاهية

مدنًا فوق أدمعها طافية

في ميادينها

خيمتي الخاوية

ولكنه لن يكون على نفس النفَس التلقائي الموحي في المستوى الشكلي .إنه باختصار ليس سميح القاسم كما نعرفه،رغم ما نجد من ملامح التجديد في الطرح الصوفي، وكذلك في طرح بعض الرؤية الدينية كما يتجلى على الأقل في هذه المقطوعة:

يظهر مرتين/في معطفي

ومرة في جبة الحسين/ويختفي

للمرة الأخيرة

مبتدئًا ظهوره

فإن كانت القصيدة(المطولة) هذه لسميح فإنني أدعوه لأنه يفصح عن أسمه المستعار،ويعنون قصيدته بعنوان"الربذي"،بدلا من كتاب المنفي"،وبذلك يكون قد أنطق بطل القصيدة الراوي بما يعتلج في نفسه وفي خاطره.

وان لم تكن القصيدة للشاعر سميح القاسم فتحية لصاحب القصيدة،لأنه ينحو منحى شاعر نفخر به،وتعتز به فلسطيننا شعرًا وفكرًا.

ويبقى سؤال آخر:

ترى هل يقصد الشاعر "الربذي أنه منسوب إلى(الربذة)بمعنى الشدة؟

أم انه قصد الانتساب إلى موسى بن عبيدة الربذي؟ والعجيب أن هذا الأخير ذكروا عنه أنه محدث،وقالو عنه:"وهو ضعيف الحديث جدًا وهو صدوق "(انظر مادة"ربذة"في معجم البلدان لياقوت الحموي).

 وتحية حب رغم ذلك.

الاتحاد 15/11/1991

*أول من استعمل ( الربذي ) في القاموس الشعري  مظفر النواب ( انظر : وتريات ليلية ، ص 77 ، 96 ) .

 

 


 

كشاجم في باقة

 

صديقنا فاروق مواسي، وسنغيظه أولاً بأنه لم نسبق اسمه باللقب الأكاديمي، يحاول أن يلم من كل علم بطرف،فهو يريد أن يكون الشاعر والناقد والباحث والقاص واللغوي والمربي و...ناسيًا أن التخصص ضرورة ملحة لمن يريد أن يتقدم في ميدان ما.

فلماذا نجده في كل عرس وله قرص؟

ألا يخاف أن يخرج من المولد بلا حمص، وشأنه يكون كشأن الباحث عن جلده.

تذكرت أن مجلة(الحصاد) التي كانت تصدر في رام الله كتبت ذات مرة على لسان عصام العباسي أن مواسي هو (كشاجم) تيمنًا بكشاجم الرملي.

ولمن لا يذكر سبب هذا اللقب:

 إن هذا الاسم تجميع لحروف،فالكاف أول "كاتب"،  والشين"شاعر"، والألف أول"أديب"، والجيم أول"جواد"، والميم أول"منجم" ، ولكن المرحوم عصام عباسي قصد في الميم"لدى مواسي أنها أول"مؤلف".

فهل صدق مواسي أنه يجب أن يكون كل هذا معًا؟

ألا يخاف ألا يكون في أي واحد منها؟

إننا ننتظر من مواسي أن يستمر في عطائه، ولكن باتجاه واحد ومنحنى محدد،حتى يكثف تجربته ويغني أسلوبه أكثر،لا أن يمسك ست بطيخات معًا.

وسأقتطف مقطعا من قصيدة لمواسي تحمل العنوان "فاروق مواسي"(اسمه بالتمام والكمال؟!)لعل في قوله عبرة:

"فاسلك سبيلك أيها الفاروق من بدء الضياع .......وأبدأ طريقك موعظة.....كرز وأوجز! لو تختزل!"

وتحية حب رغم كل ذلك

الاتحاد22/11/1991

 

 

كومة من القمامة

 

        صديقنا جورج نجيب خليل غاضب على مادة كتبها عنه الناقد الفلسطيني حسني محمود ويسميه جورج "قبحي مذموم"(أنظر مجلة الأفق-العدد 16،أيار -1991).

وسبب الغضب أن حسني محمود كتب كتاب "راشد حسين الشاعر-من الرومانسية إلى الواقعية"وذكر فيه أن جورج لم يكن في مطالع الخمسينيات والستينيات مقبولا لدى الجماهير العربية من ناحية الوطنية.

وأخذ الناقد عليه ذلك، لأنه كتب عن الكيبوتس والموشاب وإيلات-المدينة اليهودية،وذلك  إبان الدعوة إلى هجرة المثقفين،والتي قاومها جورج بحق وحقيق .

ونحن وإن كنا لا نرى في ذلك قصورًا وطنيًا-وهذه الكلمة حق-إلا أننا نعجب من أسلوب شاعرنا جورج الحاد القاسي، ولنأخذ بعضا من"درره"لنرى حدة غضبه:

"هذا الكتاب...كومة من القمامة"، "قاذورات"، وإذا كنت قد حصلت على مثل هذه المعلومات من رجل ما يعيش بين ظهرانينا فلماذا لا تشكره في مقدمة الكتاب:أم خشيت-إن فعلت هذا- إن أقوم بنتف شاربه بسبب هذا الهراء، حيث أن شاربك في  مأمن من النتف لكونك تعيش في ....(الأردن)....

لن افعل ذلك لا لشيء، إلا لأن مسخًا كهذا لا يمكن أن يكون له شارب أصلاً...".

ويصل غضب جورج لدرجة أنه يحذر دور النشر من بث مثل هذه السموم هنا رحمة بالبيئة التي تلوثها مثل هذه القاذورات.

وعتبي على جورج-الشاعر في كل مناسبة - كبير كبير.ذلك لأن الناس تعرف إخلاصه للأدب وللكتابة،فلماذا لا يتحمل النقد؟

لماذا لا يتقبله من المحب لشعره ومن النافر عنه؟

لماذا هذه الحساسية لدى أدبائنا عامة؟

فهل ما قاله حسني محمود قول مقدس؟

إنه مجرد رأي قد لا يريحك يا جورج ، لكنه لن يلغي وجودك وحبك للكلمة، فلتكن المسألة وردًا وقتادًا!

وتحية حب رغم كل ذلك    !                                              الاتحاد 29/11/1991

 


 

فدوى طوقان....

                                                                       رومانسية

 

الشاعرة فدوى طوقان رومانسية بحق وحقيق، وبداية فليست هذه الصفة معرّة،لأنها أصلاً نهج وطبع...

وقد لمست هذه الرومانسية لديها في لقاء معها جرى مؤخرًا في مسرح القصبة في القدس ،وحاورها فيه الشاعر المتوكل طه رئيس اتحاد الكاتب للفلسطينيين.

ويومها سمعت المتوكل يصفها " الحمامة المستوحشة التي جاءت من سماق وزعفران".

فقلت:هذا القول يؤكد ما أقول.

ترفض فدوى في حوارها الأنيس أن تذكر أولاً عمرها،ثم ما تلبث أن تربط عمرها"بسنة العكوب" بتعبيرات رومانسية مجردة.

وتحدثنا فدوى أنها كتبت قصيدة رثاء لأخيها إبراهيم، وأنها نسيت أن إبراهيم مات، فحملت القصيدة وذهبت لتطرق باب غرفته،ولما فتحت الباب صرخت وضعفت ورجعت إلى غرفتها باكية حزينة.

وتحدثنا الشاعرة بعاطفية مستبدة:

"لو اذهب إلى الجنة لا أجد أحسن من سوق البصل في نابلس".

وهذه الرومانسية جعلتها تتحاشى الخوض في السياسة، وجعلتها تعزف عن معاناة الواقع كما عودتنا بعد الاحتلال مباشرة.

يسألها المتوكل الشاعر:

هناك أخطاء ارتكبها بعض الزعماء الفلسطينيين،ما هي أهم هذه الأخطاء؟

فدوى:"لا تسألني في السياسة!"

وإجابة فدوى التهربية هي إعادة لموقف غريب لها نشر في الصنارة ضمن مقابلة نشرت في 15/11/1991م. وتقول  فيها فدوى: "أنا امتنعت عن المشاركة في الندوات والأمسيات الشعرية منذ بداية الانتفاضة فقط،،ولأسباب يعرفها الجميع،فانا ممنوعة من التجول والتنقل كما أشاء وحيث أريد".

إن هذا الكلام للأسف لا يشفع ولا يقنع، فإذا كانت"فدوانا" محاصرة حقًا فليرتفع صوتها مشيرًا ومحتجًا،وليكن كبت صوتها دليلاً أخر على الكبت التعسفي للفكر الفلسطيني.

ومن مثلها يعلم أن السلطات هنا تتبجح بأنها تفسح المجال للتعبير بحرية،وأنها لا تحاسب الأدباء على كتاباتهم...ما دامت لا تتعدى الكتابة..

وما أحوجنا إليها حتى في اضطهاد كلمتها؟

عزيزتنا فدوى:

كتب عنك بعض المستشرقين أو على الأصح بعض المستعربين أن شعر "النكبة"و"النضال"بعيد عن اتجاهك الحقيقي،وقد وجدت نفسك مضطرة كابنة للشعب المضطهد أن تجاري هذا الشعر مجاراة: (مجلة"كيشت" العبرية،عدد خاص عن الأدب العربي،ربيع-1970،ص 114).

صدقًا،لا أرى ذلك شخصيًا،ولكني أراك رومانسية في هذه الآونة بالذات،وسأدلك على ذلك أيضا من خلال إجابتك عن سؤال أخر:

تسألك المحاورة في "الصنارة".

"لدينا العديد من الشعراء الشبان داخل الخط الأخضر،هل تقرئين شعرهم؟ما رأيك فيه؟"

فدوى :"تابعت كتابتهم قبل الانتفاضة هم شعراء واعون،لهم مستقبل حافل بالشعر،أعجبني من بينهم على سيل المثال لا الحصر نزيه خير من دالية الكرمل".

ولا يختلف اثنان أن نزيه خير شاعر رومانسي...ومرة أخرى ليست هذه الصفة معرة.

وتحية حب لك رغم كل ذلك.

الاتحاد 3/1/1991

 

 

 

 


 

شفيق حبيب بين مغالاة ومغالاة

 

الشاعر شفيق حبيب أمسكت السلطة بديوانه فرأت فيه خطرًا على أمن الدولة، وكأن سائر الشعراء لم يكتبوا شيئـًا في مستواه السياسي،ولذا فهم في حل من  المطاردة.

والكاتبة المصرية فريدة النقاش جعلت منه مثلاً ، بل ندًا لمحمد عفيفي مطر،وذلك في مقال لها في جريدة "الأهالي".

ونحن بالطبع لا نريد أن نغمط صديقنا شفيق معاناته،ولكنه يتفق معنا تمامًا أنه لم يعان(يلاق)معشار ما عاناه مطر،وهو يتفق معنا تمامًا أن فريدة بالغت نوعًا ما في طريق تقديم محنته على غرار ما يفعله الكثير من المصريين في أثناء مطارحتهم ومجاملاتهم.

ولكن: هل يعني ذلك أن نغض النظر عن الجريمة الأدبية التي مورست عليه،وعن الحصار الذي تلقاه نفسيًا وجسديًا وعائليًا؟

اللهم لا، ولا شماتة، فشفيق قرع ناقوس الصحوة، نبهنا إلى أن هذه السلطة تدعى الديمقراطية وحرية التعبير، ولكنها تعاملنا على طريقة"أعور على كيفه"،فلصديقنا شفيق شكرنا على شعره السياسي الواضح الأداء،لأنه عرفنا أنهم لنا بالمرصاد.

ولكن مرة أخرى: لماذا لا تنشر مجلة"أدب ونقد" في أحد أعدادها الأخيرة في زاوية"بريد القراء" ما معناه أنه وصلها من دير حنا رسالة من نائب رئيس رابطة الكتاب الفلسطينيين(شفيق حبيب)قصائد وطنية، ومنها قصيدة أهداها الشاعر لمصر..

وبعد ذلك أتت المجلة على نماذج منها..

فهل هذه مبالغة من نوع آخر يلجأ إليها أصحابنا في مصر؟

وتحية حب رغم كل ذلك

الاتحاد13/12/1991

 


 

(نزيف) تركي عامر

 

تركي عامر في"نزيف الوقت"يتابع رسالته الشعرية التي بدأها في "ضجيج الصمت".وهو واحد من كوكبة الشعراء الشباب الذين نتوق إلى تقدمهم وإلى تطور الأداة الشعرية في شعرهم.

ولعل الجدة في طرحه بأنه يحاول أن يكون "تركي عامر" نفسه لا سواه.وهو يعرف أن القصيدة الجديدة يجب أن تحمل همًا جديدًا،ولذا يبتكر بعض الصور حتى ولو كانت غير متكاملة أو مبتسرة،ولنقرأ:

جسد الوقت/نزيفا يتلاشى..

هاتوا مرهم فضتكم/من بيض أياديكم/هاتوا الشاشا

فهل علاج الزمن هو المال فقط؟

وهل حقا تكون رسالته الشعرية هي بهذه الصورة القاتلة للزمن المكسرة لساعاته؟(رسم الكتاب يذكرني بساعات سلفادور دالي).

        وتركي عامر غريب التناول،أو كتاباته غرابة،فيطلع علينا بعناوين قد يشرحها على غرار:"بوليندريا"،"حلقظة"..أن يختصر التجربة ببضعة أسطر فيظنها شعرًا، لا لسبب إلا لأنها غامضة، فاقرأ معي هذه القصيدة بعنوان"ممحاة حبر":

الصمت

                      حبر

                                      يكتب

                                                     الوقت

                                                                    والصمت

                                                                                          ممحاة

                                                                                                          تمسح

                                                                                                                   الصمت

ومن هنا أستطيع أن أفهم-قلت أفهم ولم أقل أوافق-ما قال الناقدان-يحيى جابر ويوسف بزي في مجلة "الناقد"(عدد.4ص16):

"تتحول القصيدة لدى الشاعر الفلسطيني تركي عامر إلى استعارات أبواب التسلية في صفحات المنوعات من كلمات متقاطعة وأحجية تسلل مع حلول لها في هامش القصيدة".

وفي تقديري، لقد قسا الناقدان على تركي بعض القسوة ، وخاصة في نهاية المختصر:

"والحديث عن ألم الشاعر وعلاقته المرَضية مع الكتابة هي رومانسية هزيلة مستعارة ومستعادة.

تركي عامر يخوض في القصيدة بعيدًا عن اللحظة الشعرية،يكتب للآخرين ،والآخرون لا يطالبونه بهذا الكلام الممجوج والمكرر في صورة شعرية باهتة".

والعيب الحقيقي في نقد الناقدَين أنهما لم يقدما الأمثلة على ما عمما فيه،ولكن "نزيف الوقت"-برغم ذلك-بحاجة إلى مراجعة وتوجيه ناصح ومصاحبة حقه للوقت الذي ينزف.

فهل يعتبر تركي في لحظة هدوء بما قيل ويقال؟وهل....

تحية حب رغم كل ذلك.

الاتحاد 20/12/1991

 

 


 

أحمد حسين والنزق

 

أحمد حسين أديب من أدبائنا لا يتميز بأي ميزة خاصة تجعله شهيدًا،وقد عاش أحمد ما عاش وهو معلم في مدرسة قريته(مصمص) الابتدائية،ولا يكاد يدري به أحد أنه شاعر ،اللهم عدا بعض كتابات كان ينشرها على فترات متباعدة في "الجديد" وباسم مستعار.

وما زال أحمد يتحرك هنا وهناك من غير أن يقتنع بخط سياسي فعال على الساحة،وليس له خط خاص يدعو له خطيبًا أو في مناشير،وإنما يطهو نفسه في حسائه.

ولكن محرر"كنعان"-المجلة التي يصدرها مركز إحياء التراث في الطيبة-مولع بعظمة أحمد حسين،فهو يفرد مقالاً عن شعر أحمد كتبه الفلسطيني المغترب "فواز عيد".

وكان قد نشره في مجلة"الهدف"قبل سنتين - (انظر عدد مجلة "كنعان" رقم 6 ص48 ).

ومقال فواز فيه استغراب، لأن اسم أحمد حسين سقط من دليل الشعراء،فيأتي محرر "كنعان" ليشرح السبب،ذلك لأن هناك منهجية وراء التعتيم على أحمد حسين لدرجة أن محرري الموسوعة الفلسطينية خلطوا بينه وبين اسم"أحمد حسين نمر".

ومحرر "كنعان" يسيء جدا للقاص أحمد حسين نمر- مهما كان مستواه الفني-من غير أن يكون لهذا القاص ذنب ما سوى أنه يشارك الشاعر أحمد حسين اسمه.

ويمضي محرر "كنعان"مؤكدًا  أن أحمد عانى من التعتيم المنهجي لدرجة أن التاريخ لم يعرف شاعرًا عانى التعتيم المنهجي كما عانى أحمد،لذا فهو يستحق خشبة التاريخ،لأنه حملها وصعد عليها مختارًا".

الله الله يا محرر "كنعان"!!

ماذا فعل أحمد حتى أصبح رمزًا ومسيحًا للمعاناة،وأي سجن دخله؟هل فصل من عمله معلمًا من المدارس الحكومية الرسمية؟هل منع أحمد من الاشتراك في لقاء أدبي ثقافي بأمر إداري؟هل تجاهله أحد في محفل شارك فيه؟

إن المحرر يعترف أن أحمد"لم يستطيع أن يحبو على درج المنابر المرخصة".والغمز واضح إلى درجة الصلف- إذن لماذا لم يكن صاحبه في المنابر غير المرخصة؟

لماذا لم تتناقل الناس أشعاره وأفكاره الخاصة؟

وهل بصق أحمد وحده على المرحلة؟

وهل بمثل هذا الشعر الذي استشهد به المحرر-من شعر أحمد-نحل قضية فلسطين،كل فلسطين:

رفضوا حزنك من حيث ابتدأ

ورفضت الحزن من حيث انتهى

لعنة الموج عليهم اشتهي

تصف أنثى

أم سأبكي نصف ميت

(من"ترنيمة الرب المنتظر")

إن هذه الكلمات عادية،وهي لا تؤثر في وجدان فيلسوف،ولا يرددها طفل،فلماذا يعتبرها محرر "كنعان" سببـًا كافيًا لإزالة الدهشة عن فواز عيد لكون اسم الشاعر قد سقط من دليل الشعراء؟!!

ثم إنني لأعجب أكثر من وصف فواز عيد لأحمد حسين بأنه شاعر نزق،وقد أعجب هذا الوصف محرر"كنعان:فطبعه في عنوان فرعي"يفاجئك شاعر نزق كامل".

ومبلغ علمي أن النزق هو الخفة والطيش في كل أمر أو العجلة في جهل وحمق، وأنا-قسمًا-أربأ بأحمد من هذه الصفة.

فأنا-قسمًا ثانية-لا أنكر شاعرية أحمد،ولكنني أنكر التجني عليه بالنفخ الزائد الزائف.

فهل يرعوي محرر:"كنعان"كذلك عن اتهام الآخرين بأنهم شعراء رسميون؟!!وعن إطلاق الصفات جزافًا؟!! وليثق المحرر أن ما ينفع الناس سيمكث، وأما الزبد فجفاء، وعليه العفاء، هذا أولاً، وثانيًا أن ليست المنابر هي التي تصنع الشاعر،وإنما الشاعر هو الذي يصنع المنابر.

وتحية حب لأحمد حسين رغم كل ذلك.

الاتحاد 10/1/1992

 


 

حنا أبو حنا والشعر الفلسطيني

 

أصدر الشاعر حنا أبو حنا الجزء الأول من ديوان الشعر الفلسطيني،وتضمن هذا الجزء أربعة من "أركان الشعر الفلسطيني على مر العصور":وهم :  كشاجم الرملي(ت971م) وابن القيسراني (ت1153م) ، وأبو اسحق الغزي1130م) ، والقاضي الفاضل(ت1200).

والشاعر حنا لا يجدد شيئًا في تقديم أي ترجمة،فالترجمات عنهم متناثرة في عشرات الكتب الأدبية.

ولكن الجديد والغريب معا اعتبار هؤلاء الشعراء فلسطينيين، وجدير بنا أن نبرز الترابط المستمر بين هؤلاء الأعلام ووطنهم فلسطين،كما يشير الكاتب إلى ذلك.

وأنا أعجب لهذا المنطق، وذلك لأن الإقليمية لم يكن لها أدنى اعتبار قبل"تشريف"الصهيونية إلى هذه البلاد ،فبلادنا جزء من الشام،وفلسطين جزء منها،ونحن في دراستنا لشعراء بغداد أو شعراء أي صقع عربي لم نكن نعير المسالة شيئًا من الاهتمام كان منصبًا على المستوى الشكلي والمضموني لا الإقليمي  المجرد.

ثم من قال إن كشاجم-وهو الفارسي الأصل-فلسطيني؟

إنه كما لا يخفى على أبى حنا يعرف بالسندي،ورحل إلى بلاد كثيرة،واستقر بحلب في بلاط سيف الدولة.

وهل نعتبر كشاجم فلسطينيًا لأنه عاش في الرملة البيضاء؟

وهل حمل قضايانا أو وصف بلدًا من وطننا بصورة تحبب إلينا انتماءنا؟

أما الألقاب العسقلاني، القيسراني، الغزي.....الخ، فلا تكفي وحدها لتدل على انتماء صاحبها لفلسطين، فالعائلات العربية الفلسطينية اليوم فيها العراقي والحجازي والحوراني والمصري...وهذا بالطبع لا يغير من الحقيقة شيئًا.

كنت افهم منطلق المؤرخين القدماء أو منطقهم، وخاصة الخطيب البغدادي في كتابه"تاريخ بغداد" وابن عساكر في كتابه"تاريخ دمشق"،حيث أنهم ترجموا لكل أديب عاش أو حتى أقام في المدينة أو مر عنها،فهذه الترجمة للأديب لم تكن من خلال تعصب،  بل من أجل حصر المعلومات واستيفائها.

فما هو التكلف في الانتمائية ، وأينا يعتبر المتنبي عراقيًا،أو ابن الفارض مصريًا؟

وهذا التكلف وقع فيه-مع الأسف-الشاعر سميح القاسم في كتابه الرائد في هذا المجال الخاطئ-في نظري-وهو"مطالع من أنتولوجيا الشعر الفلسطيني في ألف عام"(عر بسك-1990) ،فهو يضيف إلى الشعراء الذين أوردهم أبو حنا شعراء مثل أبي الفتح العسقلاني1022م)وأسد الدين عز الدين(ت1269م) وشافع العسقلاني(ت1333م) وابن الديري(ت1445م) ومحمد الجلجولي(ت1504م) وأحمد العناياتي(ت1606م) وإسماعيل النابلسي(ت1652م) ومحمد السفاريني(ت1774م)...

ولا أدري إن كان السيد عرفان أبو حمد في كتابه"أعلام من ارض السلام"(الشرق-1979) هو أول من أوحى بهذه التقسيمات التي لا تقف على أرضية علمية،وكنا نتقبل هذه التقسيمات،-والله-لو كان في شعرهم أو أدبهم بعض ما يغذينا فلسطينيًا-بمفهوم اليوم-.

ومن جهة أخرى لا اقبل هذه التقسيمات التي ترجعنا إلى سيدنا كنعان خبطًا لصقًا،ولي إلى هذا الموضوع عودة مشفوعة بمعلومات تاريخية أو أوغاريتية.

والى الأستاذ العزيز حنا:

أرجو أن يكون الجزء الثاني مركزًا على الشعر الفلسطيني الفلسطيني-كما نفهم من هذا المصطلح في قضية الصراع على هذا الوطن..

وتحية حب رغم كل ذلك.

الاتحاد 17/1/1992

 


 

ميشيل حداد

وشهادات النقاد

 

أكثر ما يحيرني في شعر الأستاذ ميشيل حداد هو هذا القبول الواسع الذي حظي به من فهد أبو خضرة وإدمون شحادة وأنطون شماس ونعيم عرايدي وسميح القاسم وشفيق حبيب وأحمد حسين وفاروق مواسي وطه محمد علي.

ولا ننسى بالطبع ما كتبه شموئيل موريه وساسون سوميخ.

وهذا الباحث الأخير اختار له كذلك قصائد ترجمها،ونشرت في كتاب"تراكمات" بالعبرية.

وميشيل لمن لا يعرفه نال شرف الزمالة الأدبية في جامعة"إيوا"، وحصل على جائزة رئيس الحكومة للإبداع سنة 1983م،وعلى التفرغ سنة 1989م،وترجمت أشعاره إلى العديد العديد من اللغات،وكتبت عنه مجلة"شعر"اللبنانية بضعة أسطر تزكية.

وميشيل منذ أكثر من ربع قرن جشم نفسه مشقة رعاية الأدباء الشبان ،وهو ما زال يشرف على زاوية "أقلام ومواهب" في صحيفة(كل العرب).

وأنا بعد مطالعتي لأكثر ما كتب العم ميشيل أكاد لا استسيغ شعره،ويبدو أن العيب بي والله اعلم.

ففي عدد"كل العرب"( 10/1/192م) كتب قصيدة"إعادة النظر"وفيها يقول:

ونحزم الحقائب المزدحمة

نحو الدروب نسرع

نلقى الطريق تنحدر

وكابح السيارة القديمة

في الرمق الأخير

لكننا لا نرتدع

لا نرتجع....

قال لي احدهم:انك لم تلاحظ الإيقاع الداخلي لدى شاعرنا الكبير.

قلت:ربما؟فأنا لا أعرف ما هو هذا الإيقاع .

ولكن هيا بنا لنقرا قصيدة أخرى وبصورة عشوائية،فلنقرأ هذه القصيدة الوطنية التي أخذ صاحبنا يكثر منها وعلى غرارها،وخاصة بعد إغلاق مجلة "المجتمع":

حين نصير دولة/سنلعب كرة القدم

حين نصير دولة/ونتبارى مع دول العالم

ونحتضن المجتمع/ونساويهم بنا

نقسم التفاحة

ليختاروا نصفها

نقدمها لهم

على طبق من ورد

("الوطن"-1/7/1988م)

والآن ، سأترك شاعرنا إلى شعر المواهب الذي يشرف عليها.تقول شاعرة آنسة:

أفتش عن جمري المختبئ فيك /أرضع من نهدك يا أرضي

فوق شفتيك أسكن /أرى في عيني أبي / طفلا يحبو بفرح       

                                                                               "كل العرب"10/1/1992).

فماذا لاحظتم؟

يقول محمود أمين العالم في مقالة  بعنوان"الشعروالتكتيك" ،نشرتها"الاتحاد"(23/12/1988م):

"ما أحوج حياتنا إلى شعر،وما أحوج شعرنا إلى حياة،وما أحوج إنساننا إلى شاعر،وما أحوج شاعرنا إلى إنسان!".

فماذا فهمتم؟

لن أنكر ولن ينكر أحد أن لميشيل ومضات هنا وهناك،ومن الأدب في السلوك أن نحترم شيخوخته فلا (نزيدها عليه)،ولكن الأدب يحتم علينا أن نوجه الناشئة إلى النماذج الشعرية،والى أن نكون صادقين بدراية وخبرة ومسئولية.

ومرة أخرى: يبدو أن ذوقي فيه بعض الخلل،وإلا فلماذا اقنع ميشيل حداد كبار كتابنا؟ولماذا ترجم إلى لغات عديدة؟ولماذا أهتم به العربي والغربي على السواء؟

وفي الختام أعدكم أنني سأعيد النظر حتى أستسيغ هذا الماء العذب الزلال.

وتحية حب رغم كل ذلك.

الاتحاد24/1/1992

 

ملاحظة عابرة...

عزيزي الشاعر حسين مهنا:

شكرا لك وأمل أن أكون عند حسن ظنك،وسألتزم الصدق وشرف الكلمة ما استطعت.

ولكن لماذا تصر كغيرك على أني اسم مستعار؟هل هناك ضرورة لنشر صورتي وترجمة حياتي؟لا أظن.لنناقش معا الجوهر لا العرض!

وتحية حب لك رغم كل ذلك

الاتحاد 24/1/1992

 

 


 

نبيه القاسم

والمنهجية العلمية

 

يقول الناشر أو نبيه القاسم على غلاف كتابه الأخير"حركتنا الشعرية إلى أين"جملة فيها الكثير من الجرأة أعيد نشرها للقراء:

"وتعتبر كتبه النقدية العديدة التي صدرت المرجع الأول والأساس لكل باحث".

ولو تصفحنا هذا الكتاب فإننا نجد أثني عشر استعراضًا كان نبيه قد نشرها في الصحف-هي استعراضات لنتاج بعض الشعراء المحليين،ومنهم المغمور الذي لم يعرف باسمه أحد.

والقارئ المتابع يستغرب إعادة نشر مقالات نبيه ذات المستويات المتباينة،كأن يعيد مقالة"القضية رقم 13" في كتاب(في الرواية الفلسطينية)،ومقالة "بحر النور" في كتاب(القصة الفلسطينية في مواجهة حزيران)ومقالة "الحنين إلى الأهل والوطن-عن شعر محمود الصح"و"قصائد مجلة"الجديد"عدد حزيران 1974"في(إضاءة على الشعر الفلسطيني)..وهذه مجرد أمثلة-لا أجرؤ على وصفها أنها حشو عبارات-يعيد الكاتب طباعتها وتنقيحها ونشرها.

والفاحص المدقق يجد أن أكثر المواد هذه التي استهوت الكاتب تنزع إلى التقريرية والأحكام المباشرة،وهي ليست على مستوى النقد الذي يبغيه نبيه-كما أشار في مقدمة كتاب(دراسات في الأدب الفلسطيني المحلي).ويقول نبيه:

"وكان النقد ولا يزال الحلقة الضعيفة في مسيرة حركتنا الثقافية المحلية..فالناقد يحتاج إلى المعرفة الموسوعية،والى الاكتساب الثقافي الموضوعي وإلى المنهجية العلمية."

وهذه المنهجية أو الموضوعية التي نفتقدها باعتراف نبيه-هي التي جعلته يتمثل أ.د.سوميخ بأنه أول من كتب الشعر الحر شعر التفعيلة- في بلادنا ؛ يقول نبيه : " لكن مراجعة أعداد مجلة  الجديد  الأولى ترينا أن أول قصيدة كتبت على صورة الشعر الحر " شعر التفعيلة " كانت قصيدة ساسون سوميخ"تلك القلوب"التي نشرها في عدد"الجديد"آذار1954-

وكانت هذه القصيدة عبارة عن جواب لقصيدة دافيد صيمح التي نشرها في العدد نفسه-"لحن السلام"-(نشر هذا الكلام في عدد "الجديد"حزيران1991).

والآن لنقرأ هذه القصيدة الرائدة حسب مفاهيم نبيه:

لا ليس في قلب الوديع

يشدو بأنغام السلام

إعصار عنف واضطرام

إعصار حقد وانتقام

إعصار حب لا ينام

بل في قلوب لظها الألم المريع

ونبيه ينفي علميًا كون هذا الكلام أعلاه متأثرًا بالشعر المهجري المقطعي،ويعترف بأنه شعر ،وشعر حر.

وإزاء ذلك لا أدري مدى صحة ما ذهب إليه الأستاذ حنا أبو حنا في معرض تعليقه على كتابة نبيه القاسم:

"فهذه المادة وإن استعانت بالهوامش على غرار ما يفعل الدارسون ، هي بعيدة عن الدراسة ، لأنها تفتقر إلى المنهجية في طرح الأسئلة وتقصي المعطيات،بل في تحديد الإطار"(أنظر:مقال أبو حنا-"مرايا محدبة أو مقعرة"-عدد"الجديد"حزيران1991،ص31).

ويبقى مع ذلك تقديري لنبيه على جهوده وعطائه المتواصل وتوقه للأدب والكلمة الرقيقة.

 

وتحية حب رغم كل ذلك.

 

ملاحظات إلى الأستاذ شفيق حبيب:

 

أولا اقسم أنني لست اسمًا مستعارًا ،والأيام كفيلة ببيان ذلك.

 وثانيا-بدأت هذه الزاوية بالكتابة عن سميح القاسم"الربذي"،وأشرت إلى هبوط ما في مستوى قصيدته وخاصة في الشكل،وسعدت لأنني اهتديت أن الربذي هو سميح،وقد اعترف بذلك فيما بعد في أكثر من لقاء أدبي.وتوقفت على معنى "الربذي"،ونصحت الشاعر أن يعود للكتابة باسمه الصريح.

أما فاروق مواسي فاقترحت أن  يتركز في ميدان أدبي يعرف به،فلا يكون"كشاجم"،وان يكف عن الكتابة باستعلائية ما.

وفي الحلقة الثالثة(29/11/1991)توجهت إلى جورج نجيب خليل أن يكف عن الغضب إزاء النقد الموجه إليه ،فلا يكتب عن الكاتب حسني محمود انه(قبحي مذموم) وأنه"كومة من القمامة"...الخ وهذا ما نربأ به أن يعيب أدباءنا.

وفي الحلقة الرابعة(13/12/1991)غمزت في مقالتي"شفيق حبيب بين مغالاة ومغالاة" ، لكن لم اقصد بهذا شفيقًا بالذات،وإنما أصحابنا في مصر الذين يبالغون،فتارة يجعلون شفيقًا في مستوى معاناة محمد عفيفي مطر(والموازنة ظالمة للطرفين) ، وطورا يقتطفون هم أنفسهم قصائده في"بريد القراء"، وأنا لا أريد ذلك،فما هو الخطأ الذي قمت به إزاء شفيق حتى يستعمل ألفاظًا ليست في صالحه، نحو: "حملته الرخيصة بالتحريض...."،"حقد"،هذا منطق هزيل يعيش المعاناة بمقاييس مهزوزة وبعقلية جاهلية ومنطق فج"،"القُبلة في عرفه لدغة"،"رائحة الكراهية العمياء تفوح منها"(انظر"الدرر"الأخرى في "الاتحاد"(20/12/1991).

 

سامحك الله يا شفيق فقد تجاهلت تضامننا معك سياسيًا،وكلماتي في المقالة كانت واضحة وليست مميعة-كما تظنها-،وأرجو من هذا،ألا تكون مثلا يحتذى بطريقة ردك،ولتكن شفيقًا يا شفيق.

 

وتحية حب رغم كل ذلك

الاتحاد 27/12/1991

 

 



 


 

محمد علي طه!

ماذا مع (الجديد) ؟

 

هل سمعتم أن مجلة تحتفل بعيد ميلادها الأربعين تختفي فجأة من غير أن نعرف ما دهاها؟وإلى أي أمر منتهاها؟

الكاتب محمد علي طه رئيس تحرير"الجديد"دخل المقر متحمسًا في قيادة دفتها،يعاونه سميح صباغ سكرتير التحرير،ومفلح طبعوني في الإدارة والتوزيع،وهيئة التحرير هي نخبة من الأساتذة الصائلين الجائلين في حركتنا الأدبية وهم:

أحمد سعد وأنطوان شلحت وحبيب بولس وزكي درويش وسعود الأسدي وسليمان جبران وشكيب جهشان وطه محمد علي وفاروق مواسي ومحمد نفاع ومحمود غنايم ونايف سليم ونبيه القاسم.

وهذه الهيئة المحترمة لا ادري إن كانت قد اجتمعت والتأم عقدها حتى تتدارك فراق"الجديد"،وهي-كما لا يخفى-لها علاقات اجتماعية وثقافية،فلماذا إذن لا نتوجه إلى الجمهور؟

وباختصار ماذا فعل رئيس التحرير؟وماذا فعلو هم لإنقاذ"الجديد".

يقول رئيس التحرير:

"ونحن هيئة تحرير"الجديد"إذ نشكر المشتركين والقراء والكتاب على مساهماتهم الهامة في استمرار صدور المجلة في هذه الظروف غير العادية لا يسعنا إلا أن نخص بالشكر الرفاق والأصدقاء المتطوعين في مدننا وقرانا لجمع الاشتراكات في المجلة..(افتتاحية "الجديد"عدد آذار 1991).

وبناء على هذا الشكر اسأل :

أين من تشكرهم على مساهماتهم وتطوعهم؟أين الرفاق والأصدقاء؟!!

شاهدت مؤخرا برنامج"النادي الأدبي"التلفزيوني،وكان موضوع الندوة"المجلات الثقافية"، وسمعت رئيس التحرير"الجديد"يتحدث بنوع من الاعتزاز بعراقة هذه المجلة الرائدة التي لا تضاهيها في شرقنا إلا"الهلال"(؟!)، وبأنها خرجت الأدباء الحقيقيين من شعبنا وإليه،وبأنها وأنها...

         إن محمد علي طه يعلم حق العلم أن السماء لا تمطر مشتركين،وأنه إذا أراد أن يواصل رئاسة التحرير فما عليه إلا أن يقرع الباب،ولا أظنه يتقاعس عن مجلة طرحت قضايا الفكر والفن والمجتمع...راجعتْ كتبًا محلية صدرت،رصدت النشاطات الثقافية والأدبية العربية،اهتمت بالأقلام الواعدة،وطرحت مسائل نقدية متعارضة-كي تنقل صورة صادقة لما يجري في الحياة الثقافية العربية،فلماذا بعد هذا والذي-ينحسر انتشار المجلة قراءة وتوزيعًا؟

لماذا لا يتوثق ارتباطها بالقراء،بل أجرؤ على القول إن الذين يسألون عنها صاروا يعدون على الأصابع،واللهم لا شماتة!

ولي سؤال أخير أرجو أن لا يفهم على أنه ماكر:

هل ثمة علاقة بين توقفك عن "مناقيش"في"الاتحاد"وبين هذه الغيبة غير المبررة لمجلة"الجديد"؟

شد حيلك يا أبا علي حتى لا يذكر التاريخ الأدبي"المحلي"أن الجديد كانت نبراسًا أضاء، وسطع أربعة عقود ، ثم خبا في فترة رئاستك،وأنت لا تستحق إلا كل خير.

                                         وتحية حب رغم كل ذلك

 

 

 


 

جرد حساب الأدباء

 

هذه الملاحظات هي بالجملة،ولكنها مدروسة بتأن لا بتجن. هي جرد حساب أو تصفيف أو ترتيب أوراق أو موقف،وهي بالطبع غير ملزِمة،رغم أنها من قارئ متابع ، ومن حق القراء أن يستمعوا إلى تقييم ( أو تقويم ) بعضهم البعض.

وأنا على يقين أن هذه الملاحظات ستثير غضب الكثيرين،وهو غضب صحي في ظروف نحن أحوج فيها إلى بيان صريح لا مموه،والى مجابهة لا دغدغة،والى رفض لا قبول.وسأبني ملاحظاتي هذه على الفئة من الأدباء الذين اقترح عليهم أن يفكروا مرارًا وتكرارًا  قبل نشر نتاجهم،وعلى فئة أخرى أدعوها لمواصلة البحث عن التجريبية وباستمرار،وشافعي في هذا التصنيف إخلاص للعمل الأدبي ولمستوانا الفكري.

v   في الشعر:

لا يسعني إلا أن اقدر طه محمد علي ونداء خوري وحنا إبراهيم ومحمود الدسوقي وجورج نجيب خليل وعلي الظاهر زيداني وسالم جبران وتوفيق زياد وفهيم أبو ركن وسامي إدريس وأحمد الأسدي وعامر جنداوي ونزيه حسون ومجيد حسيسي ونايف سليم وزياد شاهين وفتحي القاسم ورشدي الماضي وعمر محاميد ومنيب مخول ود.سليم مخولي ومصطفى مراد لأنهم آثروا التوقف آنيًا،وضغطوا على الكابح.

فمنهم من اكتشف أن كلامه مجرد كلام ،ومنهم من رحم أعصاب القراء من سبك عبارته الأبجدية،أو من الضحك على القراء بنثريته الفجة،ومنهم من اكتشف أنه لا يستطيع التحليق في عوالم مختلفة،وأن عطاءه يتجلى في ميادين أخرى.

وأدعو على أثرهم كلا من الشعراء د.جمال قعوار وميشيل حداد وفوزات حمدان ومحمد.ح.غنايم وحاتم جوعيه وملحم خطيب وإدمون شحادة وشفيق حبيب ود.فهد أبو خضرة ونزيه خير ووليد خليف وعبد الرحمن عواودة.

وأخيرًا وليس أخرًا - شكيب جهشان،أن يعيدوا النظر مليًا قبل نشر أية كلمة جديدة.فقد يكون ما نشره بعضهم كافيًا للتدليل على أصالة أو في حالات أخرى ضحالة.ورغم تفاوت مستوياتهم فإنهم جميعا يشتركون في خانة "التكرارية" وخانة "النمطية".

بينما أدعو كلاً من الشعراء أحمد حسين وحنا أبو حنا وحسين مهنا وسعود الأسدي وزهيرة صباغ إلى البقاء على شرعة التجدد والتجديد والتواصل الأصيل،فهم في تقديري مثابرون على نهج الكلمة الملتزمة،المكثفة جزالة،والمؤيدة رسالة.ويسير في منحاهم على أمل أن يتقدموا في أدائهم خطوات حثيثة-كل من:ناظم أيوب وأيمن إغبارية وسامر خير.

v في الفن القصصي: وتحية تجزى إلى محمد علي طه ود.محمود عباسي ومرشد خلايلة وعصام خوري وفاطمة ذياب وعفيف سالم ومحمد علي سعيد لأنهم آثروا أن يقلوا/يتوقفوا في الوقت المناسب،وبعد عطاء قد يحلق أو يسف.

وأدعو على إثرهم كلا من رياض بيدس ومصطفى مرار وناجي ظاهر أن يريحوا أعصابنا من منهجية القصة لديهم ،والتي لا تحمل الطرافة أو الرقة أو الدهشة أو المكثفة.

أما إميل حبيبي فلا اعرف ما هو مبرر إصراره على التمرجح على "الرواية الحديثة" وهو بعيد عن وعي الحداثة بمفاهيمها العلمية.

وأدعو كلاً من زكي درويش(على طريق قصة"الجليد"،لا على طريقة غيبياته التي كان ينشرها في"الشرق") ، ومحمد نفاع (رغم انشغاله السياسي)،  وسهيل كيوان وممدوح الصفدي وسلمان ناطور وراضي شحادة وسعيد نفاع وأحمد حسين أن يواصلوا عطاءهم بشكل مدروس ومجد ومجز.

في النقد:

وتحية للدكتورين جورج قنازع ومحمود غنايم وللأستاذ عطا الله جبر على هذه الشحة في الكتابة ،وأرجو من نبيه قاسم أن يجري مجراهم.

بينما أدعو إبراهيم طه ود.فاروق مواسي إلى أخذ الأمور بجدية ،فلا يتركوها لأمثالي أنا العبد الفقير لله تعالى أحمد منير إبراهيم الذي يتهمني الكثيرون بالسطحية والهشاشة.فليكن !

ومن المناسب هنا أن نميز بين مصطلحي"قيمة"و"يقيم" فخلال التاريخ "قدر"الناس الأدب..غير أن النقاد والفلاسفة الذين قيموا الأدب أو أعمالاً أدبية معينة قد يتوصلون إلى أحكام سلبية.

ونحن في كل حال نمر من تجربة الاهتمام إلى فعل إصدار الحكم.إننا نقدر منزلة الموضوع أو أهميته بالرجوع إلى قاعدة بتطبيق معايير،بمقارنته بموضوعات اهتمامات أخرى.

وأخيرا أسأل كما سأل رينيه ويليك وشريكه أوستن وارين:

على الناقد أن يسأل: أين بؤرة القيم الفنية؟هل هي قصيدة؟أو قارئ القصيدة ؟أم العلاقة بين الاثنين؟

الإجابة الثانية ذاتية،فهي تؤكد عن حق أن على احدهم أن يقيم المقوم،ولكنها لا تقرن طبيعة الاستجابة بطبيعة الموضة.

ولمن لا يصدق أن هناك أحكامًا هي نتيجة الحساسية أقول:

هناك حكم نتيجة للحساسية،وهناك حكم استنتاجي معلل-وهذا ما تريدونه طبعًا-وهما موجودان من غير تناقض ضروري ،وكذلك فإن حكمًا معللاً في شؤون الأدب ليس له أن يصاغ إلا على أساس شيء من الحساسية الفورية أو المولدة.

وشكرًا لمؤلفَي كتاب:"نظرية الأدب"الذي أسعفني أو أبعدني بعض الشيء من بعض التشاؤم.

وتحية حب رغم كل ذلك.

الاتحاد7/2/1992

 

 


 

وداعا ......و إلى اللقاء!

 

يقول أحمد حجازي :"لم يبق إلا الاعتراف".

أما أنا فاعترف أن مقالي الأخير"جرد حساب الأدباء"الاتحاد"2/7/92 كان قاسيًا من حيث لم أقصد ،ولذا فقد ترون هذه الردود الغاضبة إلى جانب مقالتي،وهي متوقعة ،ومنتهى رجائي أن تحافظ هذه على أخلاقية الأدب دون أن تنبو الكلمات وتشتطه.

أما الذي لم يكظم غيظه فسأقول له مهما احتد واشتد:"سامحك الله"و"رفقًا بأعصابك" !

طمحت بادئ ذي بدء أن أحرك جوًا أديبًا راكدًا يطغى فيه القبول والتسليم،قلت في نفسي:

إنني قارئ متابع ، أفلا يحق لي أن أقول : "يعجبني هذا"و"لا يعجبني ذاك"؟

هل ألزمت أحدًا بأحكامي؟

إنك يا قارئي الغاضب عليَّ تستطيع أن تقول أيضًا:

"أنت يا أحمد منير لا تعجبني بأحكامك"،ولكنك لا تملك الحق الأخلاقي أن تمنع عني إبداء رأيي..فهل أنا أكفر بمقدسات؟ أو اخدش شرف الأمة؟

وأعترف ثانية أنني كنت كتبت هذه الزاوية بعد أن ألحت علي هيئة تحرير هذه الصحيفة في قبول فكرتها.ويعلم الله أنهم ترددوا كثيرًا خوفًا من أن يُساء فهم عباراتي،فتعتبر تجريحًا شخصيًا لهذا الأديب أو ذاك،والأدباء كما لا يخفى-من أكثر الناس حساسية ورهافة.

وقد صدق الأصدقاء في "الاتحاد"في توجسهم وحساباتهم.

ومن هنا فأنا مدين بالشكر والعرفان لهم ،لأنهم أفسحوا لي صدر"الاتحاد" من منطلق إعطاء حرية التعبير ،متحملين بذلك غضبات أدبائنا الذين رعتهم "الاتحاد"ورعوها ،وهم لا شك أحباؤها وأصفياؤها. لقد فسحت الصحيفة المجال لي،وأتاحت للرأي النقيض كذلك أن يعبر بحرية ،فكانت كلمات شفيق حبيب الجارحة التي لا تليق به،وكانت كلمات تركي عامر ساخرة ممضة،ومع ذلك تحملتها،ولم أعاتب"الاتحاد"الغراء على رديهما الجارحين.

فماذا فعل أحمد منير حتى أصبح اسمه لعنة؟

لم أكتب عن أحد كما كتب الرافعي"على السفود"معرضًا بالعقاد؟ أو ما كتبه عن معركة الشعر الجاهلي مسفهًا طه حسين؟

ولم أكتب ما كتبه العقاد عن شوقي بأنه "خرقة مهترئة" ، ولم أكتب ما كتبه مارون عبود عن طه حسين وعماه، في مستوى شخصي جارح، ولم أكتب ما كتبه شلونسكي عن بيالك، ولا ما كتبه وليم بليك عن بايرون، ولا حتى ما يكتبونه اليوم عن دان بن آموتس.

صحيح أن المرحلة متباينة ،فهل نتأخر اليوم حضاريًا ونطالب الصحيفة أن تمنع رأيي وتحول دون وصوله للقراء؟

أما الذين اتهموني بالتسطيح فأجيبهم: هل تريدونني أن أمالئ الأديب الفلاني،أو أهاجم ذلك بسبب موقفي الشخصي منه؟فيكون نقدي ذاتيًا صرفًا؟

لقد قلتُ كلماتي ومشيت-كما قال أمين الريحاني،وأنا لا أزعم أن كلماتي حتمًا صحيحة،ولكني أؤكد أن ليس بيني وبين أي أديب موقف عدائي-لا سمح الله-ألا تعرفون أننا إذا لم نتخصص في التاريخ البشري أو في النظرية أو في التحليل المنهجي الصارم فإننا نكون في حقل شاسع لا يخضع لقاعدة محددة أو لشكل مفروض؟

إن حقل التقدير بالمعنى المزدوج للكلمة هو فن التذوق ،ولكنه أيضًا فن الحكم ،وهو حقل خصب جدًا فيما يتعلق بالكمية على الأقل.

      إنه حقل مفتوح أمام جميع هواة ومتخصصين،جماليين وأيدولوجيين،هجائيين أو شهود متواضعين(للتوسع في ذلك:أنظر "كتاب النقد الادبي"-ترجمة هدى وصفي ص79).

أفلا تقبلوني شاهدًا متواضعًا يا أخوتي الأدباء ،حتى ولو كان بعض التعسف في أحكامي؟

إنني إذ أعتذر لبعض القراء ممن استهوتهم كتاباتي-هكذا أحسست-أؤكد لهم أنني سأعود بعد غيبة قد تطول وقد تقصر في سلسلة مقالات أخرى أطول،ربما تنشر في "الاتحاد"أو في سواها فأعنّي يا رب-على حرب عوان أخرى.

أما الأدباء الذين جرحتُ كبرياءهم ونلت منهم فأؤكد لهم أن ملاحظاتي كانت لتحريكهم،لكي يكتبوا،ولكي يكون نقاش مثمر،حتى ولو إذا كان حادًا،ولكن بدون شتائم.

أما"تحية حب رغم كل ذلك" - لازمتي،فقد كانت تحمل كل مرة زحمًا حقيقًا من الحب والوفاء،رغم أن البعض نفر منها لأنها تكررت ،أو لأن حضرته توهمها تنضج حقدًا أو..أو.

      وعلى أمل اللقاء بكم في كتابة مخلصة أخرى من منطلق حب ووفاء ،يستودعكم الله"متأدب،سطحي،فارغ،ليس لديه ما يقوله سوى الشتائم".

وتحية حب لكم ، وداعِيَة مع كل ذلك،

 وإلى لقاء.

 

 

 

 

الردود على أحمد منير


 

بين الدعابة والعتاب

حنا أبو حنا

 

حبذا لو عرفنا كاتب زاوية مداعبة /معاتبة ،تحت عنوان" حنا أبو حنا والشعر الفلسطيني ".في عدد"الاتحاد" الصادر يوم الجمعة 17/1/1992 ،لأنه لم يظهر هناك توقيع صريح أو مستعار في إطار تلك الزاوية.

وقد تساءلت :هل قرأ كاتبها كتابي:"ديوان الشعر الفلسطيني الجزء الأول "،أو اكتفى بالتصفح ،أراد أن ينفذ عبر عنوانه إلى مناقشة موقف ؟

أقول ذلك الآن ،لأن مقدمة الكتاب تناقش ذلك الموقف : ما هو الأدب الفلسطيني ،وإلى أين تعود جذوره ؟ولو تعامل صديقنا مع ما ورد في تلك المقدمة لكنا الآن ننطلق في النقاش من موقع متقدم. وأكتفي الآن بإيراد بعض الملاحظات :

يقول الكاتب :"والشاعر حنا لا يحدد شيئًا في تقديم أية ترجمة،فالترجمات عنهم متناثرة في عشرات الكتب الأدبية ".هل حاول أن يرجع إلى تلك الترجمات المتناثرة والتي لا تزيد في  كثير من المراجع عن نتف ينقلها الخلف عن السلف ، وهل حاول أصلاً أن يتعرف إلى المظان التي قد يجد فيها شيئًا من تلك المادة ؟

ولكنه لو تمعن قليلاً لوجد-مثلاً أن سيرة كشاجم لا تكتفي بالاقتباس من تلك المراجع، بل تناقشها وتفند بعضها ،وتحاول أن تستنتج بعض الملامح الشخصية من خلال شعر ذلك الشاعر . وكذلك الأمر في السير الأخرى ، وما دامت الزاوية للمعاتبة أيضًا فلا بأس ،نعاتب نحن بدورنا .

يعود الكاتب إلى كشاجم ليقرر أنه "سندي"و"فارسي الأصيل" ثم يتساءل:

"وهل نعتبر كشاجم فلسطينيًا لأنه عاش فترة محددة في الرملة البيضاء ؟"

لقد ولد كشاجم في الرملة ،فيها نشأ وتعلم ،وتفتحت براعمه ، وتزود بالسلاح الأدبي والثقافي الذي يرشحه ليكون "كاتبًا" بمفهوم الزمان ،وشاعر من أبرز شعراء الطبيعة ، وعاد كشاجم إلى الرملة ليقضي السنوات الثلاث الأخيرة فيها ويموت فيها.

وإذا كانت البلاد تعرف ب"كورة فلسطين" كما يذكر الجغرافي الفلسطيني المقدسي صاحب كتاب "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم "،وهو معاصر لكشاجم- فكيف ينتسب هذا الشاعر ؟ ولماذا نحرمه من نسبه إلى هذا الوطن المعذب ؟

وإذا كان ابن القيسراني ولد في عكا ، ثم انتقل إلى قيسارية-وإليها ينسب ثم جاءت حرب الفرنجة المسماة بالحروب الصليبية ، فدمرت المدينة وقتلت وشردت ، ووجد هذا الشاب نفسه ، وهو في سن السادسة عشرة يرتحل لاجئًا إلى دمشق-حيث يدرس ويتثقف ثم يصبح شاعرًا ، ويظل متعلقًا بوطنه فلسطين ، فلماذا كانت استعادة مدينة الرها من أيدي الفرنجة قال :

فإن يك فتح الرها لجة       فساحلها القدس والساحل

فهو يريد أن يستعيد الساحل (عكا وقيسارية) والقدس ، فلماذا ننزع عنه انتماءه إلى الوطن الذي كان تحريره حلمًا؟

وهل نستعمل القياس فنقول : بعد ألف سنة من عهد ابن القيسراني ولد في عكا فتى ، كان في مطلع شبابه اسمه غسان كنفاني ، فشرد عن وطنه ،وارتحل إلى لبنان فالكويت ، وتنقل وكتب وعاش في بيروت وقتل فيها فهل يحظى بتسميته فلسطينيًا ؟ ولعل كاتب هذه الزاوية يعود  إلى سيرة ابن القيسراني وشعره في الكتاب.

وأما أبو اسحق الغزي فإن الباحث شوقي ضيف يعتبره "شاعرًا فلسطينيًا"(راجع مقدمة الكتاب) ، ولكننا نحن نضن عليه بهذا  الانتماء ، حتى ولو أكثر من تشوقه إلى غزة التي غادرها بعد أن بلغ الأربعين،  وخلف فيها زوجته وأولاده .

أقول : لو قرأ كاتب الزاوية الكتاب بتمعن لوفر علينا الكثير من الجهد .

ولنؤكد هنا أن الجغرافيا مهمة جدًا تهمنا نحن وتهم أبناء شعبنا الفلسطيني جميعهم . ولقد سعى إسحاق شامير رئيس الحكومة الإسرائيلية في خطابه في مدريد إلى إنكار وجود العرب الفلسطينيين في هذه البلاد قبل 150 سنة ، فلجأ إلى الكاتب الأمريكي مارك توين الذي زار البلاد آنذاك ، فاقتبس منه شيئًا ، وغيب أشياء .

ونحن نسعى إلى أن نؤكد أولاً  لنا ولأولادنا ثم للآخرين أن بلادنا هذه كانت عامرة بأسلافنا ، مزدهرة بالمراكز الثقافية وبالأعلام من أبنائها في شتى المجالات الأدب والعلوم ليس قبل 150 عامًا ، بل منذ دهور .

وفي مقدمة الكتاب إشارة إلى العاملين اللذين ساعدا على طمس الأبعاد المحلية الجزئية التفصيلية في الخارطة الشاملة للأدب العربي والثقافة العربية ، فليعد إليها الكاتب وليناقشها إن شاء .

ولست أدري ما الذي يكسبه الكاتب من طمس جذورنا باسم " التكلف في الانتمائية " ؟ ونحن لم ننسب إلى بلادنا إلا الذين ولدوا فيها وترعرعوا،فأي تكلف؟

ويقول الكاتب:

"أما الألقاب العسقلاني، القيسراني، الغزي .. الخ فلا تكفي وحدها لتدل على انتماء صاحبها لفلسطين ، فالعائلات العربية  الفلسطينية اليوم فيها العراقي والحجازي والحوراني والمصري .. وهذا بالطبع لا يغير من الحقيقة شيئًا".

فهو من ناحية يؤكد أهمية  النسب ، فكشاجم تنتفي عنه فلسطينيته لأنه على حد تعبير الكاتب :"فارسي الأصل ،  ويعرف "بالسندي" ، بينما الآخرون تنتفي عنهم فلسطينيتهم وإن كان لهم النسب إلى مدن فلسطين ... ولكن كاتبنا لم يدرج كل من كان في نسبه انتماء إلى مدينة من مدن فلسطين ، فهناك الكثيرون ممن عرفوا بالعسقلاني وقد ولدوا في مصر ، ولكننا لم نتحدث عنهم ، فلم يكن موقفنا مجرد التعلق بالتسمية ، وإلا فما معنى البحث والدراسة ؟ إن طلائع الباحثين عن الأدب الفلسطيني بهذا المفهوم ، يعودون إلى ما قبل 1948، وأبرزهم الدكتور اسحق موسى الحسيني- كما أشرت في المقدمة-وهناك آخرون ممن عادوا إلى الشاعر مطيع بن إياس ،والى عبد الحميد بن يحيى الكاتب (ابن قيسارية) .. وسوى هذين من الشعراء والأدباء .ومن هؤلاء الباحثين-أحمد سامح الخالدي والمصري والدباغ (في كتابه بلادنا فلسطين ) وآخرون .

وبعد فإن أبناءنا يبحثون عن الجذور وعن هويتهم الثقافية الفلسطينية ، وليس لي إلا أن أداعب كاتبنا العزيز الذي أتمنى عليه لو يميط قناعه ،فقد يكون تقنعه ناجمًا عن سبب تقنع المقنع الكندي ، ولا بد أن صاحبنا يعرف ذلك السبب .

وأخيرًا أشكر أحمد منير على أن  أتاح لنا بعض النقاش في قضية هامة جدًا .

الاتحاد 21/1/1992


 

(نزيف الوقت)

بين

(الاتحاد) و(الناقد)

تركي عامر

 

حقيقة لا أعرف من يكون أحمد منير هذا، وهذه ألـ "لا أعرف" لا تقلق قلمي البتة ،لأنني أتعامل مع النص وهكذا يجب أن يكون- لا مع صاحبه كائنًا من يكن .ولكنني أتساءل :

هل هو كاتب/ناقد معروف، ويخجل باسمه الصريح مقرونًا بهذه"المداعبات/المعاتبات" الساندوتشية ، الخفيفة ، السريعة ؟!وعلى أي حال هو حر باسمه وخجله .

في شطيرته الخامسة ("الاتحاد"-20 كانون الأول 1991)، كتب منير مداخلة "نقدية" حول مجموعة محاولاتي "الشعرية" الثانية "نزيف الوقت" معقبًا على ما كتبه يحيى جابر ويوسف بزي حول-المجموعة نفسها في مجلة "الناقد" اللندنية .

سأحاول مناقشة منير في بعض"ما" طرحه من أمور لم تخل من مغالطات وتسطيحات هدفها التهميش والإقصاء والتذويب والإلغاء ليس إلا ،وكلي أمل في أن يكون قلمي أكثر موضوعية في دفاعه عن نص صاحبه .

أيحق له الدفاع ؟!أم أن "الدفاعات" وقف على سلالة دون غيرها من المبدعين ؟

لنبدأ بالعنوان "نزيف" تركي عامر ،بدلا من نزيف وقت تركي عامر ، ويقول في آخر :"في تقديري لقد قسا الناقدان على تركي عامر بعض القسوة"فإذا كنت تعتقدني أنزف جراء قسوة جابر وبزي على حد دفاعك عني- فلا عليك يا أخي ، سأضمد جراحي و أمشي ، وسوف تبدي لك الأيام أن تركي عامر لا يموت إلا واقفًا رغم قصر قامته الفارعة. وإذا كنت "تقدر" أن قسا الناقدان " علي"بعض القسوة" فلماذا لم ينبرِ قلمك للدفاع عني في مجلة "الناقد"نفسها،سيما وتعتبر أنني "واحد من كوكبة الشعراء الشبان الذين نتوق إلى تقدمهم والى تطور الأداة الشعرية في شعرهم"!

أشكرك على هذه "التميمة"ولكن هاك تميمتي :

أحمد منير واحد  من كوكبة النقاد "الشباب" الذي نتوق إلى تقدمهم، والى تطور الأداة النقدية في نقدهم ، أراك مخضبا بحنائك  ، يا"أبا التمائم خلصونا من نقدكم"الذوقي/الوعظي/الفوقي/الأستاذي ، يا أستاذ!وتعاملوا مع نصوصنا تعاملاً مسئولاً يوحي باحترامكم لأنفسكم قبل احترامكم لنصوصنا  !

إن "قسوتك" أنت ، بعطف النظر عن "تحية حب رغم كل ذلك"لا تقل عن"قسوة"عن جابر وبزي، وتتجلى فيما يلي :

أولا : عدم نشر مداخلتك في "الناقد " بل نشرها في "الاتحاد " ، وذلك لتوسيع رقعة قراء ذلك العدد من "الناقد" عندنا ، عن طريق استنساخ بعض ما جاء فيها ، وإعادة نشره في "الاتحاد" ،علمًا بأن قراء "الناقد" لا يتجاوز عددهم بضع عشرات . وكل ذلك عملاً بحرية التعبير والنشر التي أحترمها ما دامت لا تتحول إلى إساءة وتجريح مرفوضين .

ثانيًا :"استشهادك" ببعض ما أصدره جابر وبزي من أحكام جائزة بقصد مناقشتها أو التعقيب عليها ، وذلك  لضرورة فنية أفهمها ،غير أنك للأسف الأسيف  الأسوف (على ما قولة سميح القاسم) لم تناقض الناقدين في "أحكامها" ولم تعقب على أي من تخرصاتهما ، بل اكتفيت بالقول من باب الشفقة  المائعة : "قلت افهم- ولم اقل أوافق ما قاله الناقدان"، وفي تقديري "لقد قسا الناقدان على تركي بعض القسوة" و"العيب الحقيقي في نقض الناقدين أنهما لم يقدما الأمثلة على ما عمما فيه".

ثالثًا :قولك :"إنه يختصر التجربة ببضعة أسطر فيظنها شعرًا ، لا لسبب إلا لأنها غامضة ، فأقرا معي هذه القصيدة بعنوان "ممحاة حبر" :

الصمت حبر يكتب الوقت    والصوت ممحاة تمسح الصمت !

أين الغموض في هذه القصيدة ؟! بالعكس ، إنها مباشرة وواضحة .. ثم لماذا هذه التجربة المختصرة ببضعة أسطر ليست شعرًا ؟!

إنها صورة في غاية الروعة ، لو لم تكن لتركي عامر! الصمت مشبه بالحبر الذي يكتب، وماذا يكتب ؟ يكتب نفسه(الصمت).وأين يكتبه ؟ على رقاع  الوقت . وهكذا يمر الوقت ونحن صامتون ،ثم يأتي الصوت ، وهو نقيض الصمت الذي يشبه بممحاة حبر ، ليسمح /ليحذف/ ليلغي الصمت ، إنها دعوة إلى ثورة الصمت على ثروة الصمت. وما دمنا في معرض القصائد القصيرة جدًا ، فاقرأ معي هذه النماذج :

"لأنني امشي/أدركني نعشي"           (أدونيس)

"ستضيق نافذتي /ويتسع الجدار"        (سميح القاسم)

"احبك/ولا أضع نقطة في أخر السطر   "(نزار قباني)،

 وغيرها كثير،

 ولولا ضيق المجال لسقت لك العشرات من النماذج الأخرى.

ألا يجوز لتركي عامر ما يجوز لهؤلاء ؟! الم يكونوا مثلي يومًا شعراء ناشئين؟!قد تقول بأنهم لم يكتبوا قصائد قصيرة جدًا أول عهدهم بالشعر ! وهل الشعر يكتب بحسب مواصفات كرونولوجية ؟! وما العيب في أن اتبع "توصيات" النقاد، بأن لغة الشعر يجب أن تكون في غاية الاختصار والتكثيف بعيدة عن الترهل والمطاطية ؟!

 والآن إلى سؤال كبير: إذا صح الظن بأنك ناقد معروف، فلماذا لم نسمع منك ولو كلمة واحدة في "نزيف الوقت" ومن قبل "ضجيج الصمت" قبل أن تستورد أدوات عرب "مربط خيلنا"النقدية؟! وبالمناسبة ، ثمة خطأ بصري / خطل فكري لدينا ، بأن كل ما يردنا من هناك صحيح ، ويجب الأخذ به كيفما يقوم الحال ، ألم تأتنا من هناك ترهات لاذقانية بحق كبير شعرائنا سميح القاسم ؟!

ألم تقرأ في "الناقد" نقاش علي الخليلي مع من حاول الانتقاص من قيمة قصائد الانتفاضة ؟!

ألم تقرا في "الناقد"أيضًا" كأس ويسكي في جنازة الشهيد"لسميح القاسم مناقشًا من قالوا :ما هذا الـ "تقدموا،تقدموا"  ؟!

حقًا أشكر جابر وبزي على "فك عقدة لسان" منير! قبل هذين"لم يعرف"منير كيف يتعامل مع هذا الـ "تركي عامر غريب التناول "، على حد تسطيحه غير المشفوع بالحجج والبراهين."

 "كتابته غرابة، فيطلع علينا بعناوين قد يشرحها على غرار :"بوليندريا" ،"حلقظة"،هذا ما قاله  منير ليبرهن على "إنني غريب التناول"!

وما العيب في شرح عنوان غريب ببضع كلمات في ذيل الصفحة ؟!هل كنت ستعرف معنى "حلقظة"لو لم أشرحها؟!

قلتَ: "والعيب الحقيقي في نقد الناقدين أنهما لم يقدما مثالا واحدًا على ما عمما فيه "، لكنك وقعت في العيب نفسه ،فلم تقدم مثالا واحدًا على قرارك بأنني أتابع في "نزيف الوقت " ، "رسالتي الشعرية" التي"بدأتها"في"ضجيج الصمت" .  ويبدو أن مداخلتك" الساندوتشية"تضيق بمأكولاتنا الشعبية !

وقلتَ : لعل الجدة في ما طرحه بأنه يحاول أن يكون (تركي عامر)نفسه لا سواه ،هو يعرف أن القصيدة الجديدة يجب أن تحمل همًا جديدًا ،ولذا يبتكر بعض الصور ،حتى لو كانت غير كاملة أو مبتسرة، ولنقرأ :

"جسد الوقت /نزيفًا يتلاشى هاتوا مرهم فضتكم/من بيض أياديكم/هاتوا الشاشا"

ومن ثم أردفتَ متسائلا :"فهل علاج الزمن هو المال فقط؟"؟

 كان بإمكانك سوق نماذج أخرى تمثل ما تذهب إليه بشأن"الجدة في طرحه "، لكنك اكتفيت بنموذج تزعم أنه صورة"غير متكاملة أو مبتسرة" ،وأنت نفسك حين اقتبسته-ابتسرته مرة أخرى ،حيث شطبت جملة الأولى المكررة في نهايته :"جسد الوقت نزيفًا يتلاشى"!

ثم ما علاقة المال بهذه القصيدة ؟! أظنك أسأت فهمها ،فرأيت إلى الصورة على أنها "غير متكاملة" يقينًا فإن  مفردة"الفضة" هي التي جرتك إلى هذا الفهم المونيتاري للقصيدة . دعني أساعدك : أشبه الوقت الذي يمر بنا بالجسد الذي ينزف ، وما مثيرها إلا التلاشي .ثم،أدعوني /أدعوك إلى تضميد جراح الجسد /الوقت النازفة.وذلك عن طريق شيئين هما-القول والعمل.

القول أشرت إليه بمرهم الفضة ، والفضة هنا من"إذا كان الكلام من فضة.." أما العمل فأشرت إليه بشاش بيض الأيادي .الشاش الذي نضمد به الجراح أبيض ،والأيادي البيضاء تقوم بعمل الخير في المجتمع ،ألا زالت الصورة غير متكاملة؟! وما معنى قولك :"وهل حقًا تكون رسالتها لشعرية بهذه الصورة القاتلة للزمن المكسرة لساعاته"؟! هل فهمت بأني إذا كانت لوحة الغلاف ساعة تكسرت عقاربها وتناثرت أرقامها ،أدعو إلى قتل الزمن وتكسير ساعته ؟! إني انتقد وضعية اجتماعية /ثقافية/سياسية نعيشها ونعاني منها -  ألا وهي نزيف الوقت ،أقول إن الوقت ينزف ونحن لا نقول شيئًا ولا نفعل شيئًا.

وماذا أضفت للقارئ الذي لا يعرف شيئًا عن سلفادور دالي ولا عن ساعاته ، حيث قلت:

"رسم الغلاف يذكرني بساعات سلفادور دالي"؟! إنه استعراض عضلات معرفية،الهدف منه التدليل على ثقافتك الفنية!لماذا لم تبين للقارئ أيًا من الأشياء التي لا توافق الناقدين فيها،وتناقشهما حولها؟!

بل اكتفيت باقتباس بعض ما قالاه،"لغاية في نفس يعقوب"!

اعتقد انك تستطيع لو أردت،لكنك كنت في عجلة من  أمرك،ولا تريد ن تتوقف عن"الكتابة"، لأنك في سباق مع نزيف الوقت.وما هي النتيجة؟!كتابة غير متكاملة ،  أو مبتسرة في "قصائد غير متكاملة أو مبتسرة"على حد تنظيرك الساندوتشي الشهير!

"نزيف الوقت"وغيرها  من المجموعات الشعرية التي "تغرق " الأسواق "فعلاً بحاجة إلى مراجعة وتوجيه ناصح ومصاحبة حقه "،كما قلت يا أحمد منير ، فلماذا لا تكتب "مداعبة /معاتبه" تدعو فيها النقاد والباحثين إلى الالتفات إلى ما يكتبه الشعراء الشباب والناشئون ؟!لماذا لا تدعوهم إلى إقامة ورشات شعرية/نقدية كما هو الحال عليه في أوروبا وأمريكا؟!

لماذا تدعوهم إلى الاحتفال بصدور مجموعة لشاعر شاب ، كما يجري في الأوساط الأدبية العبرية في بلادنا ؟!

 ولماذا لا تقترح على تنظيماتنا الأدبية "اتحاد/رابطة/اتحاد عام /رابطة أخرى) أن تقيم دارًا للنشر ،إذ لا تنشر مجموعة لشاعر إلا بعد أن يصادق على المخطوطة من قبل مجلس أعلى ينبثق عن اللجنة التنفيذية لـ"الاتحاد العام" ، علنا بذلك نشارك في تقدم شعرائنا الشباب وتطور الأداة الشعرية في شعرهم ؟!   ألف لماذا ولماذا في قفير الروح تعشش !

في ختام مداخلتك تساءلت :"فهل يعتبر تركي في لحظة هدوء بما قيل وما يقال ؟وهل"؟

سأشفى غليل فضولك  : هل تعرف شاعرًا يعرف لحظة هدوء ،يا أيها الناقد ؟ثم ما قيل وما يقال ، لم يكن سوى إساءة وتجريح بعيدين عن لياقات النقد الأدبي الصحيح . أعد قراءة "نزيف الوقت " يقينًا ،ستجد-لو أجدت القراءة- ما يقدم الدليل القاطع أن لتركي عامر شيئًا ما ليقوله .  

وهذا نموذج من "نزيف الوقت" ، وهو قصيدة "أحبوا أعداءكم !

"كرهك عورة آدم فيك / تين العالم   / توت العالم لا يكفيك /حاذر      /ها هو ذا موسم حبي  /تفاحًا يغري /جاء يعريك " .

  وأخيرًا،إليك هذه القصيدة القصيرة جدًا، التي كتبتها في أثناء إعداد هذه "المرافعة"، وهي بدون عنوان :

"لا تقلق

 هاهي ذي نحلة حبري

 في مرج الحلم الأخضر

 تكتب تاريخ الشهد الأشقر"...

 

 


 

(عدنا والعود أحمد)...منير!

تركي عامر

 

وأخيرًا لا فرحًا ولا شماتة ،لملم أحمد منير أشياءه" الدعابية"وأدواته العتابية ، وأجهش ببكاء طفل أضاع دميته الغالية ، وقال :"وداعا ..والى اللقاء"(الاتحاد 14/2/1992) .

أعتقد أن قراء "الاتحاد" الذين تابعوا مسلسل أحمد منير ينقسمون إزاء ذلك الوداع الأورفليسي الحزين إلى ثلاث فئات ،وكم أمنّي النفس لو أملك بيانات إحصائية حول نسبة كل منهم .

 الفئة الأولى- وتضم من فرحوا لإعلانه"وقف إطلاق النار".

 والفئة الثانية تضم من حزنوا لذلك الإعلان .

 أما الفئة الثالثة فتضم من لا يهشون ولا ينشون ولا يكشون .

أما أنا والعياذ بالله من" نون " النرجس المحصور بين "ألفي" الألم والألق أراني انتمي بكامل قواي العقلية إلى الفئة الثانية ،رغم"تورطي"مع أحمد منير برد على ما قاله في "نزيف الوقت ".

نعم انتمي-هنا-إلى"حزب"الحزن ،وإن كان حزني لا يمارس طقوس ولولة ولا مراسيم عويل ،بل يمارس عادات رفض وتقاليد غضب ، وحسبي أن حزني إذا حزنت لا يخرجني عن "نقطة البيكار" . وقبل المضي في الحديث عن "هدنة" أحمد منير ،وما يستتبعها من مشاعر فرح أو حزن أو لا مبالاة ، أريد أن أسجل ما يلي :

 لا زلت عند ردي عليه بصدد ما قاله فيّ ،وحزني لتوقفه عن الكتابة ليس "تليينا"لـ"السخرية الممضة الجارحة"التي يراها هو في ردي عليه ،ومداخلتي هذه ليست "تكفيرًا"عن ذنب كنت قد اقترفته بحق أحد .

كان ردي على أحمد منير انطلاقًا من حرية الرأي والتعبير والنشر التي تبيح لي الرد على ناقدي-كائنًا من يكون سيما وهو "أحمد منير " القائل : "إن ملاحظاتي كانت لتحريكهم لكي يكتبوا، ولكي يكون نقاش مثمر حتى ولو كان حادًا ". وهنا لا بد من نقاش ليس حادًا بل مثمرًا .

أحمد منير كتب لكي نكتب على حد تصريحه الأخير ، وكنت ممن كتبوا ردًا على ما كتب ، وتحقيقًا لتوقعاته المعلنة ، والله اعلم بتسوفاته المبطنة ! كتبت ، لأني وجدت ثمة ما يجب مناقشته مع أحمد منير ، وإيمانًا بأنه يحق لي أن أكتب .

فلماذا إذن يزعل من كتاباتي ويصفها بـ" السخرية الممضة الجارحة " ، ويحمّلني جميلاً " بأنه " تحملها "، وبأنه لم يعاتب أصدقاءنا في " الاتحاد " على نشرها ؟! ولماذا أيضًا استبعدني من جرد حسابه الذي كان قاسيًا من حيث " لا أقصد " على حد اعترافه في " خطبة الوداع " ؟!

       وعلى سيرة استبعادي "من" جرد الحساب " إياه اتصل بي صديق يسألني :" لماذا لم يذكرك أحمد منير في جرد الحساب ؟" ، فقلت لمهاتفي :" ربما لأنني رددت عليه ، فأراد أن يلقنني درسًا لن أهواه "!

 وعودة إلى الحزن ، أقول :" عدنا والعود .. حزن منير. ورغم كل ما قيل وما يقال ، إني حزين لأن أحمد منير توقف عن نشر " مداعباته / معاتباته " ، وذلك من خرم الخوف على حرية الرأي والتعبير والنشر عامة ، وعلى حركتنا النقدية خاصة سيما وأنها في حالة بائسة / يائسة من الفتور والتردي !                  يبدو لي أن حركتنا الثقافية عمومًا والأدبية خصوصًا لا زالت مع حبي لكامل التراب الإبداعي في طور المراهقة ، إذ أنها لم تستطع تقبل ظاهرة أحمد منير النقدية بصرف النظر عن أسلوبها ومنهجها ، فلم تظهر أدنى درجة من التسامح معها ، وأصرت على معرفة هوية الشخص الحقيقي أكثر من إصرارها على سبر أغوار " مداعابته/ معاتباته "!

لا زلنا في مجال الأدب والثقافة ، مثلما في مجال الاجتماع والسياسة ، قرويين / تقليديين/ محافظين/ متعصبين ، نتخوف من المجهول ونتوجس من الجديد ، فترانا لا نتناول الأشياء والظواهر والأشخاص والحوادث كما هي ، بمعزل عن تأثير " القوالب النمطية " المعششة في ذهنيتنا الفردية والجماعية .

وهذا مما يجعلنا نستميت في استبقاء الثوابت والمستتبات المألوفة ، ونستميت أيضًا في استبعاد الطوارئ والمستجدات اللا مألوفة ، لا لشيء إلا لأننا نعتقد أن القادم الجديد/ الغريب / المجهول/ اللامألوف من شأنه أن يهدد واقعاتنا المستقرة ، ويقض مضاجعنا في دفيئاتها الحميمة .

ماذا يضر وماذا يضير لو استمر أحمد منير كائنا من يكون بنشر ما يكتبه من مداخلات نقدية، ضاربين كشحًا عن شكلها ومضمونها ؟!

وماذا يضر وماذا يضير أيضًا لو ناقشه كل من كتب عنه " مداعبة/ معاتبة"،سيما وهذا هو الذي قصده : تحريك    /تفعيل  /تثوير" المعارك " الأدبية ؟!

وهل المهم أن نعرف أن أحمد منير هو " فلان الفلاني " ؟! إصرار لا ، إلحاح بعضنا على معرفة بهوية أحمد منير الحقيقية ضرب من الفضول البوليسي / المخابراتي المرَضي ، برأيي!

وأخيرًا ، لا أريد أن اعرف من هو أحمد منير إبراهيم . وليستمر أحمد منير بتلك " المداعبات   /المعاتبات " ، التي ثورت " غبارًا ذريًا " ما على ساحتنا الأدبية ! ليكتب أحمد منير ما يريد .. وعما يريد..وعمن يريد ، سيما وأن بعض القراء .. استهوتهم كتابته ! ولكن إذا ناقشك أحد فيجب ألا" تزعل" يا أحمد منير !

ومرة أخرى برغم نقاشي المشروع معك ، لا زلت حزينًا لتوقفك عن " الكتابة "!        

والله من وراء الحزن !

الاتحاد  6\3\1992


 

ما هكذا تورد الإبل

يا أستاذ أحمد منير !

 

قرأت كل الحلقات التي كتبها الأستاذ أحمد منير في إطار " المداعبة والعتاب " مع زملائه الكتاب والشعراء .

ومع عدم موافقتي على بعض " الغمزات " في هذه المداعبات إلا أنني اعتبرت أن نشرها يدخل في إطار النقاش وحث الهمم والرغبة في تنشيط حياتنا الأدبية والثقافية . وبودي أن أقول إن " المداعبة " التي تعرض فيها الأستاذ أحمد منير لمجلة " الجديد" والكاتب محمد علي طه هي أقرب إلى الإساءة المباشرة منها إلى العتاب .

فهل مهمة رئيس تحرير المجلة أن يضمن هو شخصيًا لها المشتركين ويضمن لها الاستقرار المالي ؟

إن مصاعب " الجديد" المالية هي المسئولية المباشرة لأصحاب الجديد ناشريها وليست مسئولية هيئة التحرير التي عدد الأستاذ أحمد منير أسماءهم كأنما هو يعد أسماء " لائحة متهمين " مرشحين للمحاكمة .

وأقول هذا الكلام ليس فقط دفاعا عن محمد علي طه إزاء حملة غير عادلة ، بل للتأكيد بأننا بحاجة إلى النقد الحقيقي ، العلمي ، الصريح والمسؤول،  وليس إلى " الغمز " الذي يضر فقط ، ويلوث حياتنا بتوتر نحن في غنى عنه .

            ر.ش


 

على مين الحق؟

حنا إبراهيم

 

لا أعرف الاسم الحقيقي لمن يكتب في  "الاتحاد" تحت اسم "أحمد منير "، ولكني أود أن أعرب عن إعجابي بما يكتب بخفة ظل وسلاسة لا تتوفران لهاو .إلا أنني أرجو أن يسمح لي بإبداء رأيي ملاحظة على ما كتبه يوم الجمعة الماضي عن مجلة "الجديد "ولوم رئيس تحريرها الأخير الكاتب محمد علي طه . لا أقصد الدفاع عن محمد علي طه فهو ليس بقاصر ، لكنني أعتقد أن تحميله مسؤولية انهيار  الجديد  أشبه بتحميل ( ياتسن ) أو ( غورباشوف ) مسؤولية انهيار الاتحاد السوفييتي . فمجلة عريقة كـالجديد لا يمكن أن تنهار فجأة كبيت تعرض لزلزال أو عاصفة مفاجئة ، وإن كان ثمة من لوم على رئيس تحريرها الأخير ، فذلك يتناسب طرديًا مع نفوذه في الحزب الشيوعي ومدى تأثيره مع صلاحيته كمدير مؤسسة أو كاتب. فهو أولاً غير متفرغ للعمل ، والمجلة كانت تابعة للحزب الشيوعي الذي تولى الإنفاق عليها منذ إنشائها بغض النظر عن كونها مربحة أو خاسرة ، ولكن انكماش الموارد المالية للحزب في الظروف المتغيرة الخيرة جعلهم يطبقون قاعة الاكتفاء الذاتي في المجلة. وهذا يستدعي إيجاد ألفي مشترك على الأقل ، وهو أمر من شأن التنظيمات الحزبية لا رئيس التحرير المتطوع الذي يساعده محرر أو اثنان بنصف راتب . ولكن ما ألم بالحزب من ضعف حال دون جمع الاشتراكات المطلوبة ، خصوصًا وأن الجهود موجهة اليوم لإنقاذ الصحيفة اليومية "الاتحاد" .

وهكذا أعتقد أيها الأخ "أحمد منير" العزيز أن لومك كان يجب أن يوجه إلى قيادة الحزب بشكل عام ، وإلى الأوضاع الجديدة التي أرغمت الحزب على وقف الإنفاق على المجلة .

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أظنك توافقني القول إنه في العقدين الأخيرين نشأت ظروف نمت الانتهازية في صفوف بعض المنتسبين إلى الحزب الشيوعي ، وأقصد منذ فتح باب التعليم في الدول الاشتراكية "السابقة" ، فأصبح لسان حال بعضهم يقول :ماذا استفدت من الحزب ؟ لا ماذا قدمت من تضحية ،كالحال أيام زمان التي ربما تذكرها إن كنت أكبر من إسرائيل سنًا.

ومع أني شخصيًا تعرضت لأسوا هجوم في حياتي السياسية من على صفحات "الجديد" التي كنت عاملاً بسيطًا في ورشة بنائها ،إلا أنني اشعر بالأسف لما آلت إليه في وقت تتكاثر فيه المجلات كالفطر بعد المطر الغزير .

  أذكر أن توفيق زياد قال مفتخرًا في كلمته في افتتاح مؤتمر الجبهة الديمقراطية في 15/11/91 ما معناه :آتوني بحزب أو حركة يستطيع تجميع مثل هذا الجمهور الضخم(مشيرا إلى الحضور )،لكن يبدو أن تجميع مثل هذا الجمهور أمر،بينما تجميع ألفي مشترك في الجديد من أعضاء "حزب شعب بأسره" ومؤيديه أمر آخر ، وهي مسألة تتطلب مسألة تتطلب مساءلة أناس طالما نسبوا لأنفسهم انتصارات خارقة ، لا البحث عن كبش فداء في شخص الكاتب محمد علي طه. وأعتقد أن غايتك كما هي غايتي ليست مجرد النقد ،بل إصلاح الأوضاع حياك الله . 

الديار 7/2/1992 


 

وكذلك (أحمد منير)

حنا إبراهيم  

 

ما كدنا نمتدح الملقب نفسه "أحمد منير"حتى أثبت أنه أيضًا إنسان له أخطاؤه في نظرنا على الأقل ،ففي العدد الأخير من "الاتحاد" جمع الأدباء العرب في هذه البلاد كلهم على اختلاف مناحيهم وتجاوبهم على طبق واحد ، وأصدر عليهم أحكامًا موجزة ومبرمة دون حيثيات ،  ودون شهود أو محاكمة ، وحتى دون أن يعرفوا إن كانت ثمة إمكانية استئناف .

وهنا نستطيع أن نخمن أن صاحبنا لا بد أن يكون معلمًا ، بل يمكن ذا تاريخ طويل في التعليم ،لأن معلمًا فقط قضى الشطر الأطول من حياته بين تلاميذ يسمح لنفسه بإصدار مثل هذه الأحكام .

وبالمناسبة أذكر أنني كتبت مقالة في "الجديد" في السبعينيات نقدت بها ستة كتب لأدباء محليين لم يحظ الكتاب منها بأكثر من صفحة ، فانتقدني بعضهم واعتبروا ذلك استهتارًا بالأدباء المعنيين . وأخونا "أحمد" لم يتعرض لإصدارات معينة بل للأدباء أنفسهم ، وهذا يفترض أنه اطلع على كل ما أنتجه أدباء العربية في هذه البلاد ، ما نشر منه وما لم ينشر ، وهذا لعمري أمر ليس باليسير، وأعترف أنني اعجز عنه . وعليه أتوجه إلى "أحمد منير" برجاء إذا كان مهتمًا بمستقبل الأدب العربي أن يكون أكثر تدقيقًا وتفصيلاً . نفعنا الله به !

الديار 14/2/1992


 

هموم نقدية

نبيه القاسم

 

فاجأني صديق أحترم رأيه بجوابه لي عندما سألته عن رأيه في المقالات التي تكتب ردًا وتعليقًا على ما كتب المدعو أحمد منير في جريدة "الاتحاد" بقوله :-

إنها تدل على الضحالة الثقافية التي تعانيها حركتنا الثقافية المحلية . تذكرت كلمات صديقي وأنا اقرأ كلمات د. عبد الغفار مكاوي التي جاءت على لسان "جلجامش" في نهاية كتابه الرائع الذي صدر ضمن سلسلة كتاب الهلال (1992) تحت اسم "محاكمة جلجامش " حيث استعاد ملحمة جلجامش الخالدة ليعطيها مفهومًا عصريًا تقدميًا :

أنا جلجامش عدت ومن أعماق الماضي

مثلت الدور أمامك مع أصحابي،

 فكن الشاهد وكن القاضي.

 أنا جلجامش من بابل  ،

 لكن رغم ركام السنوات ومر المحن عليكم والنكبات

فما زلت أعيش أتنفس فيكم

 ناري تتأجج تحت ثراكم ،

 يمكن أن تحرق حاضركم ، مستقبلكم

والأمر يعود إليكم أنتم :

أن ارجع كي أحكم بدوي الطبل

 وأجعل منكم جيش السخرية والذل

أو أزرع زهره أمل معكم

ونقيم سويًا بيت الحرية والعدل .

 وإذ يستغرب الجميع كلام جلجامش غير المعتادين عليه يسألونه للتأكد من صدق ما سمعوا :

- الأمر يعود علينا نحن ؟

يكرر جلجامش كلماته ثانية :

يعود إليكم أنتم

أن احكم بدوي الطبل

 وأجعل منكم جيش السخرية والذل

أو أزرع معكم زهرة أمل

 ونقيم سويًا بيت الحرية والعدل .   

وتساءلت :

-ترى أين نحن من مثل هذا العمل الإبداعي الرائع ، والرؤية الثاقبة التي ضمنها عمله ،ولماذا يفاجئنا أحد مبدعينا بمثل هذه الأعمال الكبيرة؟؟

ليس اعتراضي على ما كتبه أحمد منير من آراء مبتسرة وعارضة ، ولا تخفّيه وراء الاسم الحركي هذا ..ولا على ما كتب زملاء  من مدح وذم وسخرية .. وإنما اعتراضي على ابتعادنا عن همومنا الثقافية الحقيقية والتعلق بالشاذ العارض .

 أقول هذا الكلام بعد أن فرغت هذا الأسبوع من قراءة ثلاثة كتب محلية حاولت أن أجد فيها أن يثيرني للكتابة ففشلت.. فتشت لعل بعض الخلق والتجديد والإثارة ، فلم أعثر .. وضعتها جانبًا وصمتّ ،إلى أن قرأت رائعة عبد الغفار مكاوي "محاكمة جلجامش" فعدت لأرثي حالتنا .. ولأتذكر كلمات صديقي حول خواء حركتنا الثقافية ، ولأسأل : من المذنب؟

أترى حملة القلم عندنا ....وهم كثر ...!

أترى نقاد العرب الأدب عندنا وهم ...!

أترى من ...!

الاتحاد 28/2/1992  


 

هل نحن جيل بلا أساتذة؟ (إلى أحمد منير)

ثريا نزال

 

لا أخفي أنني أغضب حينما أستمع كلمات النقد الهدام، التي تصل إلى حد التجريح أحيانًا تنطلق من فم هذا "الناقد" أو ذاك في محاولة لاغتيال مليون زهرة تتفتح في ربوع بلادنا ، ومتوجهة نحو الأدباء الشبان . فما الذي دهاكم أيها السادة ؟ إن النقد هو ظاهرية حضارية ،لا مشاحة في أهميتها ، وبإمكانكم أن تمارسوها ،بل من واجبكم ، لكن إياكم وحمل معاول الهدم ، واغتيال الزهور ... فهذا لم يكن ولن يكون ،وليس من حقكم .

دعونا نتحدث واسمعونا قبل أن تحكموا علينا ، لا تعمموا حينما تتحدثون عن أدبنا_نحن الشبان_ فهو مثل أي نتاج آخر ، فيه الغث وفيه السمين ،وأنتم حينما تقولون أنه لا يساوي شيئًا تظلمونه .. ثم أريد أن أسألكم : ألم تكونوا شبانًا ؟ ألم تحاولوا أن تشقوا طريقكم نحو الشمس ، بالضبط مثلما تفعل الزهور؟

فلماذا بعد كل هذا كله تحاولون أن تحرجوا وتهدموا ؟ وهل تظنون أن هذا يجعلكم أكبر مما أنتم عليه من حجم ؟

 لا ، أيها السادة ،لا تجعلونا نغضب ،فأنتم آباؤنا ،ومن واجب الأب أن يبحث عن استمراره في ابنه وفي ابن ابنه ، وإن لم يفعل ذلك فإنه يتخلى عن صفته ،وسينطبق عليه قول أحد الأدباء المصريين حين صرخ :نحن جيل بلا أساتذة !!  

الصنارة

 


 

(مداعبات) ثقيلة في أجواء مكفهرة !*

محمد حمزة غنايم

 

كان هناك من نظر إلى "مداعبات" منير بتفاؤل ، ظانًا أنها ستحرك شيئًا راكدًا في أدبنا المحلي . لكن صاحبها لم يتمتع بنفس طويل ، "فانتهى إلى" جرد الحساب"سريع ومناقض لما أعلنه في المدخل إلى مقالته الأخيرة (ملحق"الاتحاد" ، فبراير الجاري ) حيث يقول :"هذه الملاحظات هي بالجملة ، ولكنها مدروسة بتأن لا يتجنن".

هذا التلاعب اللفظي يتميز به فاروق وحده . نحن لا نتجنى عليه إذ أكدنا على جنايته على الكثير من الأسماء التي حشرها عنوة في خاناته " وفي تصنيفاته التي وضعها بكثير من الانحياز . ثم إن " البيان الصريح لا المموه ، والمجابهة لا الدغدغة والرفض لا القبول " تتطلب من صاحبها جرأة أدبية كنا نتمنى لو أنه التزم بها في كل ما كتبه من "مداعبات" ثقيلة وبعيدة كل البعد عن روح المداعبة التي نفتقدها حقًا في أدبياتنا المحلية .

 اقرأوا كيف يتجنى " أحمد منير " على شاعر مبدع ومتميز مثل طه محمد علي ، عندما يحشره ضمن قائمة طويلة بأسماء الشعراء الذين أبدى "تقديره" لهم لتوقفهم عن الكتابة ( من قال إن الإقلال من النشر يعني التوقف عن الكتابة ؟ ألا يجوز أن يكتب الأديب ولا ينشر ؟!) أو عندما يتجنى على شعراء  مثل ميشيل حداد، جمال قعوار ، نزيه خير ، شكيب جهشان وغيرهم ، فيتهمهم بالتواجد بالخانة " التكرارية "و"النمطية ".

ولا ينسى " أحمد منير " أن يزكّي نفسه فيقول :"بينما أدعو كلا من الشعراء أحمد حسين ،د.فاروق مواسي ، حنا أبو حنا ، حسين مهنا ، سعود الأسدي وزهيرة صباغ إلى البقاء على شرعة التجدد والتجديد والتواصل الأصيل ، فهم في تقديري مثابرون على نهج الكلمة الملتزمة جزالة والمؤدية رسالة ".

أرأيتم كيف يرتقي إلى مستوى النزاهة والموضوعية ، فيعطي شهادات أشك كثيرًا بأنه جديرا لها ؟!

ولقد استغربت حقًا اختفاء اسم فاروق مواسي من قائمة المبدعين في القصة الروائية في "جرد حسابه " ، وبخاصة أنه أصدر مجموعة قصصية قبل سنوات ، وألحق اسمه بقائمة القصاصين والمجددين المثابرين ..الخ.

كذلك استغربت تناسيه لبعض الأسماء التي لم يوفر فرصة إلا وأشاد بقدراتها ومواهبها في القصة والشعر ، وخصوصًا تلك التي من صنع ورشاته الأدبية ؟

إن الإلحاح على قضية الحضور المتواصل على الساحة الأدبية يجب أن يكون محكومًا لتبريرات موضوعية ، ويقوم على رصيد أدبي حقيقي لا مفتعل ،ولا أدري لماذا لجأ السيد منير إلى بدعة الأسماء المستعارة للبقاء في مركز الحركة الأدبية ، متحركًا ضد الريح وضد التيار ، إلى حد أنه يجدف في واد ، والناس  يعيشون قضيتهم المصيرية في واد أخر.....

نظريات نقدية تجاوزها الزمن ... يجدر بمن ينصب نفسه ناقدًا حكمًا يتوهم أنه قادر على الفصل في قضايا شائكة تمس صميم إبداعنا الأدبي أن يتحرى الدقة والموضوعية والصدق والأمانة ، وأن يحرص على التزود بالجديد في مجال النقد الأدبي بالذات .

أما أن يتوقف الزمن لدى السيد أحمد منير إبراهيم عند رينيه ويلك وكتابه في "نظرية الأدب " فذلك يدل على "سعة اطلاعه" ، أو في أحسن الحالات على مقدرته على هضم ما يقرأ من جديد في حقل النظريات النقدية الأدبية.

ولا حاجة للقول إن طالبًا في السنة الأولى في الجامعة لا بد أن يعرف كيف ينسب كتاب رينيه ويلك إلى مدرسته النقدية وزمانه وتاريخه وسياقه الصحيح ، وإذا كان السيد منير قد انتهى عند ويلك باعتباره أخر ما وصله من نظريات في الأدب ، فذلك محزن حقًا .

ولكن ما دام كاتب الجرد قد اختار أن يقتبس عن ويلك تلك العبارات التي تحدد ماهية العفوية والتلقائية في إطلاق الأحكام الأدبية ، فلا بد لنا من محاسبته على أساس ذلك، فكل كلمة خطها في جرد الحساب مناقضة تمامًا لما أتى به من أحكام مقيدة إلى قوالب جاهزة ومحكومة لنظرة مسبقة تجاه بعض الأسماء المبدعة حقًا في أدبنا الفلسطيني ، كإميل حبيبي مثلا .

وللتمويه على الفكرة يترك السيد منير كلمات ويلك خارج الأقواس ، لنستنتج بأنفسنا أين تقع حدود الاقتباس،  والى أي شخص تنتمي هذه الفكرة أو تلك .

مهما يكن من الأمر ، فإن " الحساب العسير "الذي قدمه أحمد منير مناقض تمامًا للعفوية والنزاهة التي يتعلل بها في حسابه .

 

 

* (مقتطفات من مقالة طويلة ، تحت عنوان : أقنعة أحمد منير الخمسة الاتحاد 28\2\1992)  

 

 

 

 

كنا وما زلنا

(إلى أحمد منير)

علي الظاهر الزيداني

 

لم نبق في الأقنان ممعوطًا ولا ريشه!!

لم نبق بعد اللعب أوراقًا ولا فيشه!!

طلنا عناقيدًا حيال العرش معروشه

فزنا وانطاع الردى في الساح مفروشه

تاهت عباءات لنا بالطيب مرشوشه

خضنا بحور الشعر من كعب إلى شوشه

فالشعر إحساس ونفث الروح لا "شيشة"!!

خيامنا "بكر الندى" بالمجد منقوشه

والآن يأتينا"ربيط" حط خربوشه

نازلته كرهًا وكان القصد تطفيشه!!

هذا "مخيض" خذه في أطباقنا" القوشة"

"أبرادنا الخز ويكسى مثلكم"خيشه"!!!!

لما يزل فينا من الدهن بقايا

لما يزل فينا من السر خفايا

حتام يجلى الحسن في صدق المرايا؟؟

حتام نار الوجد تذكى في الحشايا؟؟

حتام عبق الوصل يجتاح الحنايا؟؟

حتام تدعونا خدور في العشايا؟؟

حتام نحظى حين نغزو بالسبايا؟؟

حتام تبقينا شياطين الزوايا؟؟

كنا وما زلنا خيولا لا مطايا

كنا وما زلنا رديفًا للسرايا

كنا وما زلنا عظاما في الرزايا!!

يا أيها المغرور قف!! رؤياك مغشوشه

ما ثار في "الفنجان"-يا هذا-سوى "طوشة"؟؟!!

خذها سهامًا من يميني"تقطع الكوشة"؟؟

 

 

الاتحاد 21/2/1992

 


 

هل نحن بحاجة إلى أحمد منير؟!

                  ناجي ظاهر

 

المتابعون لحياتنا الأدبية خلال السنوات الأخيرة الماضية،يتذكرون بدون شك اسم أحمد منير جيدًا،فقد كتب هذا الأحمد ونشر سلسلة مقالات حملت عنوان"مداعبة معاتبة/أدبية"، وتعرض فيها إلى معظم أدبائنا وشعرائنا المحليين،وأكاد أقول إن أحدًا منهم لم يسلم من"شره".

وما زلت أتذكر كيف أن الجميع لعن صاحب هذا الاسم ، وفي الوقت نفسه أنتظر بفارغ الصبر صدور الصحيفة التي كتب ونشر بها،كي يقرأ مقالاته الأسبوعية،وربما من أجل الاطمئنان لأن المكتوب في تلك الزاوية ليس عنه ، وإذا كان عنه فما الذي سوف يقوله عنه - صاحبها أحمد منير!

حياتنا الأدبية في تلك الفترة انخبط بعضها ببعضها الأخر-ودب الحماس في الأدباء والشعراء،فراح كثيرون منهم يتهيئون للرد على صاحب تلك الزاوية،بل إن البعض نظم القصائد في الرد على أحمد منير ،وما زلت أتذكر كما يتذكر الكثيرون كيف أن صاحب تلك الزاوية آثر أن يتخفى وراء ذلك الاسم وهو من أدبائنا المعروفين لأسباب كثيرة قد أذكرها ذات يوم،وأن الكثيرين،وهذا هو المهم،هنا راحوا يتساءلون من هو دون جدوى.

وقد يتساءل القارئ ونحن معه ما الذي جعل صاحب تلك الزاوية يملأ الدنيا ويشغل الناس- كما قيل عن المتنبي،وهنا قد تعددت الإجابات،بل هي تعددت فعلاً،فمن قائل إنه امتاز بالجرأة،ولم يجامل فلانًا ولا يحابي علانًا،ومن قائل إنه قال ما أراد أن يستمع إليه القراء ، بل ما أرادوا قوله ، ولم يتجرأوا ، ومن قائل إنه صاحب ثقافة موسوعية واطلاع دقيق على حياتنا الأدبية وخفاياها،مما يؤهله لأن يقول رأيًا مدروسًا ليس من السهل أن تختلف معه!!

وما أتذكره شخصيًا عن صاحب تلك الزاوية أنه لم يتعامل بأي تقديس مع أي من أدبائنا وشعرائنا،وإنما تعامل معهم كبشر يمكن أن يصيبوا ويمكن أن يخطئوا...وفي أحيان كثيرة تعامل مع نصوص لهم أكثر مما تعامل معهم كأشخاص كما كان سائدًا،وما زال حتى أيامنا هذه.

وللحقيقة أقول:إنني لم أتفق مع أحمد منير في الكثير من أرائه،ولكنني رفعت قبعتي احترامًا لشخصه،لقد كانت جريئة،ولا ينقص صاحبها الاطلاع،وهو ما ينقص،ونقص الكثيرين ممن كتبوا،وممن لا زالوا يكتبون في النقد الأدبي.

إلى ماذا أريد أن اخلص من هذا كله؟

أريد أن اخلص إلى أمرين:

أحدهما أن الناقد حين يكون جريئًا وصادقًا يمكن أن يقدم شيئًا ذا قيمة،والآخر أننا بحاجة في هذه الفترة المتسمة بالغموض في حياتنا الأدبية إلى مثل أحمد منير ،  أو إليه ذاته..فهل من مجيب؟؟!

الصنارة 19/12/1995

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

أحمد منير بين اللدغة والقبلة

شفيق حبيب

بعد أن فرغت من قراءة ما كتبه أحمد منير في زاويته مداعبة/معاتبة يوم الجمعة الماضي آثرت أن أرد على ما ورد في كلامه بسبب الغمز واللمز والكلام المبطن الذي ينم عن عدم إدراج ما أشارت اليه الكاتبة الناقدة فريدة النقاش في سياقه الصحيح،وقد ارتأى الكاتب أحمد منير أن خير وسيلة للنيل من مواقفي هي ذر الرماد في عيون قراء"الاتحاد"

بالرجوع إلى ما كتبته فريدة ناسيًا أو متناسيًا ما كتبه قبلها زميلها في "الأهالي"د.رفعت السعيد تاريخ 8/8/90.

قبل الولوج لوضع النقاط على الحروف فإنني ألفت نظر السيد أحمد منير إلى جملته الرخيصة بالتحريض على شعرائنا حيث يقول:

"... وكأن سائر الشعراء لم يكتبوا شيئًا  في مستواه السياسي،ولذا فهم في حل من المطاردة".

 من هذا الكلام الوارد أعلاه أشتم رائحة تحريضه على شعرائنا السياسيين،وكأني بكاتب هذا الكلام يصرخ في وجه السلطة:

"لماذا تسجنون وتحاكمون شفيق حبيب وتتركون زملاءه؟" ، إنهم في نفس الخندق".

وأنا أتساءل وبألم :  كيف تسمح"الاتحاد" بنشر هذا الكلام اللامسؤول ؟ وماذا ستقول الكاتبة عن "الاتحاد" التي عرفتها،وقرأتها لسنين طويلة كما قالت لي،عن فحوى الكلام؟

لقد خلصت إلى نتيجة مرة،وهي أن الكاتب أحمد منير لا يميز بين "نقد أدبي"وبين"قضية للمناقشة"كالتي عرضتها فريدة بأسلوبها المتميز،ولم تتطرق إلى جعلي ندًا للشاعر الصديق محمد عفيفي مطر-كما يحلو لأحمد منير الادعاء،بل قالت وبالحرف الواحد عن معاناتنا:

"وفي الحالتين-في كل من مصر وفلسطين-لم تجد سلطات القمع في حوزة الشاعرين سوى الأشعار والصلابة المعنوية واحترام النفس والولاء للشعب والثقة الكاملة في أن مستقبلاً أفضل هو قيد الصنع رغم المجازر والمآسي".

أما عن التهمة المنسوبة إلي فقالت:

"وكانت تهمته أنه كتب ديوانه"العودة إلى الآتي"الذي يغني للانتفاضة وشهداء الحجارة متشوقًا لمستقبل فلسطين الحرة التي ستنتصر على الاحتلال عبر نضال شعبها والشعوب العربية قاطبة مستلهمًا القوة الروحية في هذا النضال"...

فأي مغالاة في هذا الكلام؟

إنه كلام معبر يصدر عن كاتبة تقدميه مثقفة،وشتان بينه وبين إفرازات هشة تتطلب مني أن أتفق معها أنني لم أعان/ألاق معشار ما عاناه المطر؟

هذا منطق هزيل يقيس المعاناة بمقاييس مهزوزة،  وبعقلية جاهلية ، ومنطق فج.

ولا أدري لماذا تثور ثائرة هذا المختفي وراء اسم أحمد منير حين يقرأ"أدب ونقد"ما معناه أنه وصلها قصائد وطنية مني،ومنها قصيدة لمصر نشرتها"الاتحاد"في 16/8/91؟

فهل هذا عيب؟ولماذا هذا الإسهال الكلامي؟؟

إنني أعرف هوية الاسم الحقيقي لهذا الكاتب الذي لا يؤتمن جانبه،ولا يمكن أن تتخذه صديقًا..فالقبلة في عرفه لدغة..ومن شب على شيء شاب عليه،وكفانا الله شر الحسودين حتى على مآسينا..

أما تحية الحب التي أوردها هذا الأحمد(!!)في آخر كلامه فهي مردودة إلى صاحبها ،لأن رائحة الكراهية العمياء تفوح منها..وما هي إلا السم في الدسم.

إنني لا أرجو لأحمد ولا لسواه من زملائي الشعراء والأدباء أن يمروا بنفس المحنة التي مررت بها،وما زلت أقاسي منها وحيدًا،خاصة وأني أشعر أن هناك مخططًا لاستنزافي ماديًا من قبل السلطة،وذلك بعدم إصدار الحكم،وجر القضية من  جلسة إلى أخرى منذ أكثر من سنة ونصف.

إن ما يحدث لي ليس"جريمة أدبية"- كما يحلو لأحمد تسميتها متعمدًا،ولكنها جريمة قمع الفكر...وتسمية الأمور بغير أسمائها هي ضرب من التزييف.

وأخيرا..علينا عدم"تمييع القضايا الكبيرة بإغراقها في الجزئي والشكلي والعابر"..صدقت فريدة النقاش.

الاتحاد 20/12/1991

 

 

 

 

 

 

سقوط أحمد منير

نزيه خير

 

لا اخفي عليكم أنني كنت من المستلطفين لمداعبات / معاتبات أحمد منير ولا يهمني إذا كان هذا الاسم مستعارًا أم حقيقيًا ، وإذا كانت زاوية أحمد منير هذه يكتبها أكثر من كاتب واحد إلى آخر هذه التكهنات التي تشغل بال أوساط المثقفين أو الأدباء في هذه البلاد .

المهم أننا سعدنا بصوت جريء ( يفش الغل ) في الكثير مما كتبه ، وتناوله من أسماء وأعمال .

ورغم أن كاتب هذه الزاوية حاول أن يعالج الأمور بشيء من الخفة النقدية التي تؤدي هدفها بدون الإثقال المنهجي ، إلا أنه كان يضطر أحيانًا إلى ذلك خاصة في حواره مع الأستاذ حنا أبو حنا حول (إقليمية الكاتب ) وما ساقه الأستاذ أبو حنا في كتابه الأخير محاولا (فلسلطنة) بعض الكتاب والشعراء في هذه البلاد في فترة لم تكن فيها فلسطين الإقليمية أو الثقافية قائمة بالشكل الواقعي والمتعارف عليه علميا ، وطبعًا لا ينكر أحمد منير أنه استعان بهذا الطرح من مقدمة الدكتور إحسان عباس للموسوعة الفلسطينية .

إلا أن الحلقة الأخيرة من مداعبات أحمد منير والتي ساق بها كتاب وشعراء هذا الوطن إلى مسلخه الدافئ قلبت موازين التعاطف التي كانت في داخلي على الأقل إلى تساؤلات ثقيلة ذكرتني بنموذج الموظف الذي يؤتمن على خزينة ثمينة وحساسة ، وبعد أن ينال الثقة في الحفاظ عليها يتبين لصًا ذكيًا ومحترفًا يسقط بسرعة مؤسفة في الغريزة البدائية ، والتي تقاس أحيانًا قيم الإنسان بمدى التحرر منها .

السؤال هو كيف يمكن الخلط الغريب والعجيب بين عشرات الأسماء حتى ولو كانت (المدرسة) أو (الأسلوب ) هو الجامع في معادلة أحمد منير ؟

 كيف يتساوى ذلك مع أبسط  قواعد النقد ، حتى ولو كان هذا النقد خفيفًا ، مداعبًا أو معاتبًا ، غير أن هذا الأمر ليس الحاسم في نظري بالنسبة لمصير أحمد منير أو لزاويته في " الاتحاد " والتي لنا عليها عتاب لا يقل عن عتابنا الموضوعي لأحمد منير .

من خلال الحلقات التي كتبها أحمد منير كانت له حوارات وردود على ما كتبه بعض الشعراء مثل حنا ابو حنا ، أحمد حسين ، حسين مهنا ، ويبدو أن هذا الكاتب شعر بشيء من واجب المجاملة تجاه حنا أبو حنا بعد نقاشه معه، ومع الشاعر حسين مهنا بعد تحيته له  ، فاعتبرهما من شعراء

( الحداثة المتطورة )، وبذلك أعلن أحمد منير موقفه الفني والفكري من مسألة ما زالت تشغل ساحة الشعر العربي من المحيط إلى الخليج.

ومن خلال هذه المجاملة سقطت في نظري مصداقية أحمد منير لسبب فني وفكري واضح ، وهو أن الشاعرين حسين مهنا وحنا أبو حنا يدخلان في (باب النمطية ) التي جمع بها عشرات الشعراء المعروفين في حركتنا الشعرية المحلية .

وهذا طبعًا لا يقلل من وجهة نظري من أعمال وأسلوب هذين الشاعرين ، غير أنهما ليسا النموذج لقصيدة ( الحداثة) التي يريدها أحمد منير أن تتطور على ساحة الشعر .

كذلك فإن الدكتور فاروق مواسي إذا كان يتحدث أحمد منير عنه أو عن نفسه فإن قصيدته ليست نموذج الحداثة في شعرنا المحلي ، فأما أن يكون هذا القول هو من باب الغريزية ،  وإما من باب المجاملة بعد الخصام والعتاب ، أو من باب الجهل ، وهو أمر لم أعهده في أحمد منير ، وفي جميع الحالات يسقط تعاطفنا معه ، ثم ما علاقة سعود الأسدي في الأمر ؟!

إنني أوافق أحمد منير على أن أحمد حسين يمثل قصيدة الحداثة ، وأعتقد أن هذا الشاعر يتميز بالحس الحداثي بالقصيدة العربية ، غير أن شاعرًا كطه محمد علي لا تقل قصيدة الحداثة عنده عن تطور القصيدة الحديثة عند أحمد حسين . وطه محمد علي _ كما تعلمون _أسقطه أحمد منير من خانة الاستمرارية في الكتابة .

ليس من حق أحمد منير أن يصنف الشعراء بهذه الغوغائية ، وأن يخلط الأصل بالضحل لمجرد شعوره بالدلال الذي لاقاه من قراء وكتاب العربية في هذا الوطن .

 وآمل أن لا يكون رأي (فدوى طوقان) فيمن أعجبها من شعراء جيل بعد عام  67  هو الذي استفز أحمد منير ، فحاول حشر نفسه في مسالة التصنيف والإعجاب والنرجسية،  وهو أمر لا يقرره في نهاية الأمور إلا الجمهور القارئ والمتذوق وصاحب الفصل .

الاتحاد 14.2.1992

  


 

رسالة مفتوحة وبلا مداعبة إلى المقدم أحمد بن منير بن إبراهيم الجمحي

إلياس عطا الله

 

أحمد الله لأني سددت بوزي منذ سدت مدافع الخليج أبوازها ، فانقطعت عن الكتابة ، وعكفت على الدراسة .... أحمده لأنه أراحني هذا الأسبوع من البحبشة عن مكانتي ، وأشفق علي وأفردني عن شراذم شعرائنا وأدبائنا ونقادنا ..... إذ أنني لولا رأفته لكان علي أن أنفذ الأوامر الصادرة عن الشاهنشاه الزدانوفي الجديد في أن أغلق فمي وأكسر قلمي ، أو أن أغوص باحثًا عن نفسي بين

" المعازيم " المدعوين للكتابة ، أو المدعوين للزفة ، أو المعصورة أذانهم ، أو المدعوين لسد أبوازهم .

يوم قسّم الجمحي الشعراء مراتب _جعل بينهم فحولاً ، وجعل غيرهم دونهم في  الفحولية .. أما أنت ، وفي طبقاتك الحديثة ، فقد صنفتهم خصيانًا وذوات مبيض ورحم ، متفاوتين بين السطحية والهشاشة والعقم والنمطية والتطفل ، وكرمت على بعضهم بنياشين التحديد ، فعدمت العرب على يديك فحولها ، وعدمت كذلك المنجبات المخصبات المحصنات ، فحياك الله !

ويوم بدأت تداعب الأدباء والمتأدبين وجدنا في مداعباتك خفة ظل ، ولسعة محببة محمولة الألم ، وقلنا " لا باس ! فنحن بحاجة إلى أن تكون هناك زاوية تداعب وتعاتب ، تهمز وتلسع ، خاصة في وقت ذابت فيه المدارس الأدبية ، وهدت أسوار الالتزام ، وامحت حدود الأجناس ، وانتحر الروي ، ووئدت التفعيلة .

أحببناك يومها لأنك التزمت حدًا معيّنًا من الدماثة ، لم تتجاوزه ، واستظرفناك لأنك ضحكت منا برسومك    /كليشيهك الختامي بإهدائك الحب رغم كل ذلك .

وتمر الأسابيع يا كائنًا من كنت ولا أقصد بهذا الاصطلاح أو الأسلوب أن أمس شخصك في شيء ؛

إذ أنني لا أعرفك ، ولا أعرف من إنتاجك إلا هذا الشهد السم ، وأقسم أن إضافتك لاسم (إبراهيم) فيها الكثير من السذاجة والاستخفاف بالآخرين . وكم وددت أن أنزهك عن هاتين الصفتين ، ولكن أرغمتني ، لأنك زدت النكرة إغراقًا في التنكير ، وأستميحك والقراء عذرًا على هذا الجنوح عن الموضوع فأعود لأقول تمر الأسابيع ، وتصبح مداعباتك للأشخاص كأشخاص ، لا للأشخاص كإنتاج ...

 لك كل الحق في أن تقيّم الأعمال الأدبية ، وأن تدعو إلى تقويمها ، ولك كل الحق في أن تقول للأعور أعور، وأن تقول عن الغث غثًا والسمين سمينًا ، ولك كل الحق في هذا العصر الديمقراطي الزاهر أن تعبر عن رأيك  /إعجابك/ استيائك  /تعظيمك / تقزيمك  /مدحك أو قدحك لما تشاء من إنتاج أدبائنا وأديباتنا .. وأنا والله أحسدك على هذه الذاكرة القوية في حفظ كل هذه الأسماء ، وأقسم بأغلظ الأيمان أن بينهم من لا اعرف ، ومن لم أقرأ له قط ، ومن لا أعرف مجال إبداعه أو إسفافه ، سموه أو سطحيته ، ولكني أعرف أسماء أخرى كثيرة ، تعرفها صحفنا ومجلاتنا وكتبنا ، أعرفها كما يعرفها كل القراء ، ولم أجدها بين طبقاتك الجيولوجية ، مع أن ثقافتك الأكاديمية المستشفة من مداعباتك ، تؤكد معرفتك لها فلماذا تجاهلتها ؟ أو تجنبتها ؟ أو سكت عنها ؟

ما لم يكتب أيها الصديق أهم مما كتب ويشي بالكثير .. فتعال ، لأننا كلينا تقتلنا الغيرة على الإبداع والرزانة الأدبية ، تعال بنا نريحهم ونعرفهم مكانتهم ، فلعلهم يفيدون أو يرعوون ، فيسد بوزه من عليه أن يسد ، ويغوص أكثر من عليه أن يغوص ، ويكسر قلمه من عليه أن يكسر ..

تعال نوضح الأمر لسميح القاسم ولإبراهيم مالك ونزيه قسيس ومينا عليان وسميع صباغ وفتحي فوراني ود. أحمد هيبي وعبد الله عيشان وعفيف شليوط ومنيب الحاج وأحمد الحاج وعطا الله منصور وناجي الظاهر ونبيل عودة ونجيب سوسان ونمر نمر ، وغيرهم ، فهم كثر ... ( الرجاء الرجوع إلى ملفات اتحاد الكتاب ورابطة الأدباء ، ففيها المئات من الأسماء ، وأنت تعرف ملفات الجسمين المذكورين تفصيلاً ) ، فلماذا على هؤلاء وخاصة أولهم أن يفعلوا؟ قل لهم بربك لأنهم لن يمسكوا قلمًا إلا إن أطريتهم ، فليعرفوا قيمة أدبهم وأنفسهم .

لا تظنن أنني أستسيغ كل ما أقرأ ، ولا تظنن أنني في صف هذا الحشد الهائل من الأدباء على شتى تصنيفاتهم . ولكني لا أعرف من أين يكتسب الناقد هذه الجرأة الديانية ، وهذه الأستاذية العسكرية كي يتعامل مع الأديب فيسقطه جملة أو يحلق به جملة ؟

أكل ما كتبه نبيه القاسم سطحي وسخيف ؟!

ومن هم المتهمون بالضحالة والموسومون بالأصالة المتقوقعون في نمطيتهم من طبقة د .جمال قعوار حتى شكيب جهشان ؟

وما الذي أقحم  الدراسات الاكاديمية الخاصة بالبرفيسور قنازع والدكتور سليمان جبران في حسابك ؟ أتراهما منهوقين بإقبالهما على الصحف والزوايا الأدبية ؟ وإن كنت تريد التعامل مع أحد أعمالهما الأكاديمية ،فهل هذا  هو الأسلوب ؟!

ولا أدري عن أي تجديد وتجدد تتحدث عند الأستاذ سعود الأسدي مع تقديري الشديد له إنسانًا وشاعرًا وذواقة ؟ وأستطيع أن أسألك عن بقية الأسماء بــ كيف ؟ ولماذا ؟ وأين ؟ ومتى ؟ .. فمنذ متى يتعامل الناقد بهذا الأسلوب التعميمي ؟ ومنذ متى يتعامل الناقد مع الأسماء تاركًا الإنتاج ؟

أهكذا تنظف ساحة الأدب من المتطفلين ، ويقوم اعوجاج المفاهيم ،ويتراجع الموتورون ، ويندفع المبدعون ؟ أهكذا تورد الإبل وتؤكل الكتف ؟!

خليق بك وأنت الأكاديمي الكبير  -أن تتناول عملاً أدبيًا لأحد هؤلاء ، وتضعه تحت رحمة مبضعك ، وأنا على يقين أن صاحب العمل سيتقبل تشريحك حتى لو كان دمويًا  أكثر من تقبله هذا الأسلوب الشخصاني القح  . خليق بك وأنت بهذه المعلومات  ، وتقرأ الأسماء الأجنبية التي لا أعرف حتى لفظها خليق بك أن تثري ساحتنا النقدية بكل الأكاديمية التي تعرفها ، لا بهذه المداعبة الأخيرة  ، ولا بتلك المحبة التي تزجيها تقطر سمًا .

كم أود أيها "المجهول" أن تسقط قناعك فعلاً ! كم أود أن أرى صورتك بجانب زاويتك الأسبوعية حتى تتمتع باصرتنا وبصيرتنا  ، ولكي يفتحها الله في وجوهنا (وأنصحك لأنني أحبك جدًا ولوجه الله والوطن والزمالة أن تكون الصورة قديمة من عهد الشباب الذي ولى ، حين كان الرأس مكتملاً بالشعر الأسود الأملس ..)

وإنني لعلى يقين بأنك تؤثر أن تفعل هذا ، على استمرار الفراء في التنقيب عنك بــ "من" و"يكون" و"هذا ..هو..ذلك.. أقبلها مني أيها المداعب ، وعد إلى ما كنت عليه يوم بدأت ، وثق أنني والقراء جميعاُ سنبعث إليك بمحبتنا الخالصة  ، لا على طريقتك ، لأن السم وإن خلط بالعسل تبقى له وظيفة واحدة .

الاتحاد  -21/2/1992


 

أحمد منير  .. أهلاً !

حسين مهنا

 

كجناح غيمة مثقل بالمطر ، وبعد طول انتظار في هول أيام قائظة أطل علينا ومن صفحات الاتحاد(أحمد منير) بمداعباته / معاتباته الذكية ليضع بعض النقاط على بعض حروف مسختها الفوضى الأدبية أو أدب الفوضى الذي نشربه ونتلمظ بلا مبالاة تستفز الموتى في أكفانهم .

وأغلب الظن أن (أحمد منير) أديب وذواقة أدب من الطراز الرفيع يشد الانتباه دونما فذلكة أو حذلقة ..... والحق يقال إنه اختار الطريق الوعر الصعب،  أو قل اختار أكثر البحار جنونًا ليركبه في رحلته النقدية هذه ... ومع أنه قد اختار لنفسه اسمًا مستعارً (يختبئ) وراءه ، واختار كذلك الاسم (مداعبة / معاتبة) لزاويته الجديدة هذه إلا انه لن يبتعد كثيرًا عن طائلة غضب الأدباء الذين أختارهم وسيختارهم لمداعباته / ، ومن يدري فلعل الكثيرين منهم باتوا يشحذون سكاكينهم ويعدون سفافيدهم من الآن لهذا (الأحمد) الجريء قبل أن يطور برقياته الأدبية خفيفة الظل وسهلة الهضم هذه إلى مطولات نقدية ما أحوجنا إليها الآن ..

هذا إن لم يكن الوقت متأخرًا جدًا ، فنحن في زمن تكاثر فيه العوسج ، وقلت عرائش الفل والياسمين في حديقة أدبنا المحلي التي أصبحت بلا حارس أو غارس .. وعلا نعيب المتشاعرين،  وخفتت أصوات البلابل والحساسين .

وأحمد منير الذي قرر أن يلتحق بوحدة الفدائيين الانتحاريين سيخدم حركتنا الأدبية هذا إذا لم يتراجع !! خدمة جلى ،إذ أنه بلمساته حينًا ولسعاته حينًا كمن يرفع في وجوهنا شارة "قف " !! أجل : قف !!

فما أشد حاجتنا قراء وأدباء إلى ألـ (قف) هذه ، فلعلنا بوقوفنا عندها سنجد الوقت الكافي لنفرز الغث عن السمين كما يقولون . إننا في زمن كثر فيه المتشاعرون ، حتى لو صارت أنفاسهم أثقل من الروائح الكريهة على أنوف المستجمين ...

لمَ لا والشعر بمفهومهم سوق حرة تختلط فيها العملة الصعبة بالسهلة المزيفة...

لم لا وكثير منهم يعتقد أن مفهوم شعر اليوم حر طليق لا يتقيد بوزن أو بقافية ، أو كما كتب أحدهم مرة -  أن الوزن والقافية يقيدان القصيدة ويسطحانها ،حتى الشعر المطور "شعر التفعيلة أي الشعر الذي لما يخرج عن طوعه كبار الشعراء منهم  "محمود درويش وسميح القاسم مثلاً" ، أصبح عندهم تقليديًا ويجب البحث عن غيره ... حتى النثر الشاعري (طريقة محمد الماغوط مثلاً) لا تسلم من اعتراضاتهم ..... فالشعر اليوم يجب أن يكون سرياليًا ، وليس سريالياُ فقط ،بل غامضًا موغلاً في الإبهام .

وإن حدث وفهمت جملة واحدة منه أو استهوتك إحدى صوره فهو شعر هابط ، وصاحبه لا يعدو عن كونه شاعرًا تقتله المباشرة والبساطة في الأسلوب والديباجة .

أما إذا نفث أحدهم ما في صدره من هلوسات مع دخان سيجارته فهو شاعر ٌ فحل ، ويصبح مؤهلاً ليكون عضوًا في أي إطار أو هيئة أدبية محلية. وأما إذا طبع  كتابًا - وما أسهل هذا اليوم فهو شاعر فوق النقد .. وإن حدث أن أبديت رأيك فيه ، ولا يهم إن غسلت قلبك ببراءة الأطفال ، وكحلت عينيك بنواياهم السماوية فأنت أستاذ قروي تنهال على طلابك بسبيل من النصائح والإرشادات المملة الممجوجة!! كما كتب أحدهم مرة.

أقول قولي هذا،  وأستغفر الله والشعر لي ولكم .

    ولكن لا أريدك يا (أحمد منير) كائنًا من تكون أن تفهم قولي على أنه إحباط وتيئيس... لا سمح الله !! ولكنني مثلما أحب الرسم بالألوان الواهية المؤنسة أحب الرسم بالألوان القاتمة أيضًا، فقد علمتني الأيام أن لكل لون جماله وقبحه ، وما دام النقد  عندنا قد تراجع خطوة أو خطوات إلى الوراء خشية غضب فلان أو ترضية لفلان ..!!

اكتب لنا لونًا من النقد الموضوعي الذي لا يتملق قريبًا أو بعيدًا أو كبيرًا أو صغيرًا ..

 رحم الله شيخنا الكبير مارون عبود حيث كان يقول كلمته ويمضي ، يقولها بثقة ومصداقية نادرتين .. وكم أثار  عوالم وأقعدها  !

فأما كلمته فباقية، وأما ذاك الضجيج حولها فقد تلاشى .

اكتب يا (أحمد منير )  .....وتحية حب  ، كما تقول أنت .

الاتحاد 17/1/1991