مداعبه/معاتبة

مقالات أحمد منير

و   الردود عليها

جمع وإعداد: محمود مرعي

مقالات عن : سميح القاسم ، فاروق مواسي ، جورج نجيب خليل ، فدوى طوقان ، شفيق حبيب ، تركي عامر ، أحمد حسين ، ميشيل حداد ، حنا أبو حنا ، نبيه القاسم ، محمد علي طه .......

ردود من : حنا أبو حنا ، تركي عامر ، سالم جبران ( ر.ش ) ،حنا إبراهيم ، نبيه القاسم ، علي الظاهر زيداني ، محمد غنايم ،شفيق حبيب ، نزيه خير ، إلياس عطا الله ، حسين مهنا ......
 

مقالات أحمد منير = فاروق مواسي

قبل أن نبدأ

تعود علاقتي بأحمد منير إلى سنة 1996، وكنت أيامها أنا والزميل محمد علي سعيد نشرف على العدد الخاص بتكريم  الشاعر فاروق مواسي-لبلوغه الخامسة والخمسين- فلما سألناه عن الكاتب  أحمد منير اعترف أنه هو،سألنا:

-من أين جئت بهذا الاسم؟وماذا كان قصدك؟ولماذا توقفت؟

-أحمد منير هو اسمي في شهادة الميلاد الرسمية التي صدرت في طولكرم ،ولذا  فعندما أقسمت أن أحمد منير هو اسمي الحقيقي عمقت التنكر،وظل القراء يتساءلون كل يوم جمعة ( يوم صدور الاتحاد الثقافي ) :

 ترى من هذا؟.....(ارجع إلى الإجابة الكاملة في عدد الشرق –تشرين الأول 1996،ص 16).

توثيق مرحلة :

استحصلت مقالات أحمد منير والردود عليها، واهتممت بها لأنها تسجل مرحلة حركية كتاباتنا الأدبية، ورغم قصرها فما زالت أصداؤها فاعلة في الساحة، ذلك لأن "مداعبة/معاتبة" تراوحت فيها الغمزة واللفتة والملاحظة بصراحة وجرأة.

وفي تقديري أن الحدة والقسوة، بل التجريح في بعض الردود على أحمد منير عائد إلى الضيق بالرأي الأخر أولاً.

ولكم تمنيت على محرر "الاتحاد" لو واصل الاتفاق مع فاروق، فأبقى السرية والأمانة،ولم يفسح المجال لبعض الردود أن تهاجم فاروق مواسي مباشرة-لا أحمد منير.

أقول-كم تمنيت على صحيفتنا أن تأخذ برأي الشاعر حسين مهنا، وهو يخاطب أحمد:

 "أكتب!اكتب لنا لونًا من النقد الموضوعي الذي لا يتملق قريبًا ولا بعيدًا،كبيرًا أو صغيرًا.

وقد أورد الزميل ناجي ظاهر رأيًا مشابهًا فقال:

"لا اتفق مع أحمد منير في كثير من آرائه، لكني رفعت قبعتي احترامًا لشخصيته الجريئة..لا ينقص صاحبها الاطلاع- الأمر الذي ينقص الكثيرين ممن كتبوا في النقد الأدبي."

أؤكد القول إن أحمد شكّل ظاهرة في الأدب المحلي، حتى لأزعم أن كتابات مواسي نفسه وأبحاثه الكثيرة لم تحظ برواج كما حظيت كتاباته هو التي وقعها باسم "أحمد منير ".

وهذا بالطبع لا يقلل من أهمية دراسات الدكتور مواسي.

بقي أن أشير إلى أنني نشرت المواد كما هي ،اللهم إلا رد محمد غنايم ،فقد ارتأيت أن اسقط جزءًا منه اعتبرته خارج الموضوع ، وقد ذكرت ذلك في هامش مقالته.

ترى،هل أصاب فاروق فحصل على أجرين،أم انه اكتفى بأجر واحد؟

                      محمود مرعي   المشهد – 1/1/2001

 

 

 

 


 

 مقالات أحمد منير

                                                      


 

الرّبَــذي

أقول في نفسي: لا يمكن أن يكون هذا الشعر المتمكن الذي تنشره"الاتحاد" للربذي إلا لشاعر في مستوى سميح القاسم،إنه شعر مثقف ،تلميح ذلك من خلال كل مقطوعة ومقطوعة.

وبدءًا فالربذي نسبة إلى الربذة ،والربذة هي بلدة من قرى المدينة المنورة على بعد ثلاثة أيام باتجاه مكة،وبهذا الموضع قبر أبي ذر  الغِفاري (واسمه جُندَب بن جنادة-ت32 هــ 652م)وكان قد خرج إليها مغاضبًا  لعثمان بن عفان إلى أن مات فيها.والسؤال المطروح أولا:هل ينسب (الربذي)*نفسه إلى الغفاري؟وما هي علاقته به؟

والإجابة: أن الشاعر  ينسب نفسه إلى الفعل، إلي النفي (الطوعي أو القسري)أكثر مما ينسب نفسه إلى تاريخ شخص له موقف فخابت آماله وأحلامه.

فهل الربذي هو سميح القاسم ؟

قد يكون إياه،خاصة وأن سميحًا يحسن هذه الأيام (أعترف أم لم يعترف) بخيبة أمل مما يجري مخالفًا لطموحاته السياسية، فأين حلم الوحدة العربية ؟ وأين أحلام الاشتراكية؟وأين الحلم الفلسطيني-كما بدأ-؟

لذا فقد يكون مضمون الشعر سميحيًا قاسميًا في قوله:

وأرى مدناَ

في ثياب الحداد المزركشة الزاهية

مدنًا فوق أدمعها طافية

في ميادينها

خيمتي الخاوية

ولكنه لن يكون على نفس النفَس التلقائي الموحي في المستوى الشكلي .إنه باختصار ليس سميح القاسم كما نعرفه،رغم ما نجد من ملامح التجديد في الطرح الصوفي، وكذلك في طرح بعض الرؤية الدينية كما يتجلى على الأقل في هذه المقطوعة:

يظهر مرتين/في معطفي

ومرة في جبة الحسين/ويختفي

للمرة الأخيرة

مبتدئًا ظهوره

فإن كانت القصيدة(المطولة) هذه لسميح فإنني أدعوه لأنه يفصح عن أسمه المستعار،ويعنون قصيدته بعنوان"الربذي"،بدلا من كتاب المنفي"،وبذلك يكون قد أنطق بطل القصيدة الراوي بما يعتلج في نفسه وفي خاطره.

وان لم تكن القصيدة للشاعر سميح القاسم فتحية لصاحب القصيدة،لأنه ينحو منحى شاعر نفخر به،وتعتز به فلسطيننا شعرًا وفكرًا.

ويبقى سؤال آخر:

ترى هل يقصد الشاعر "الربذي أنه منسوب إلى(الربذة)بمعنى الشدة؟

أم انه قصد الانتساب إلى موسى بن عبيدة الربذي؟ والعجيب أن هذا الأخير ذكروا عنه أنه محدث،وقالو عنه:"وهو ضعيف الحديث جدًا وهو صدوق "(انظر مادة"ربذة"في معجم البلدان لياقوت الحموي).

 وتحية حب رغم ذلك.

الاتحاد 15/11/1991

*أول من استعمل ( الربذي ) في القاموس الشعري  مظفر النواب ( انظر : وتريات ليلية ، ص 77 ، 96 ) .

 

 


 

كشاجم في باقة

 

صديقنا فاروق مواسي، وسنغيظه أولاً بأنه لم نسبق اسمه باللقب الأكاديمي، يحاول أن يلم من كل علم بطرف،فهو يريد أن يكون الشاعر والناقد والباحث والقاص واللغوي والمربي و...ناسيًا أن التخصص ضرورة ملحة لمن يريد أن يتقدم في ميدان ما.

فلماذا نجده في كل عرس وله قرص؟

ألا يخاف أن يخرج من المولد بلا حمص، وشأنه يكون كشأن الباحث عن جلده.

تذكرت أن مجلة(الحصاد) التي كانت تصدر في رام الله كتبت ذات مرة على لسان عصام العباسي أن مواسي هو (كشاجم) تيمنًا بكشاجم الرملي.

ولمن لا يذكر سبب هذا اللقب:

 إن هذا الاسم تجميع لحروف،فالكاف أول "كاتب"،  والشين"شاعر"، والألف أول"أديب"، والجيم أول"جواد"، والميم أول"منجم" ، ولكن المرحوم عصام عباسي قصد في الميم"لدى مواسي أنها أول"مؤلف".

فهل صدق مواسي أنه يجب أن يكون كل هذا معًا؟

ألا يخاف ألا يكون في أي واحد منها؟

إننا ننتظر من مواسي أن يستمر في عطائه، ولكن باتجاه واحد ومنحنى محدد،حتى يكثف تجربته ويغني أسلوبه أكثر،لا أن يمسك ست بطيخات معًا.

وسأقتطف مقطعا من قصيدة لمواسي تحمل العنوان "فاروق مواسي"(اسمه بالتمام والكمال؟!)لعل في قوله عبرة:

"فاسلك سبيلك أيها الفاروق من بدء الضياع .......وأبدأ طريقك موعظة.....كرز وأوجز! لو تختزل!"

وتحية حب رغم كل ذلك

الاتحاد22/11/1991

 

 

كومة من القمامة

 

        صديقنا جورج نجيب خليل غاضب على مادة كتبها عنه الناقد الفلسطيني حسني محمود ويسميه جورج "قبحي مذموم"(أنظر مجلة الأفق-العدد 16،أيار -1991).

وسبب الغضب أن حسني محمود كتب كتاب "راشد حسين الشاعر-من الرومانسية إلى الواقعية"وذكر فيه أن جورج لم يكن في مطالع الخمسينيات والستينيات مقبولا لدى الجماهير العربية من ناحية الوطنية.

وأخذ الناقد عليه ذلك، لأنه كتب عن الكيبوتس والموشاب وإيلات-المدينة اليهودية،وذلك  إبان الدعوة إلى هجرة المثقفين،والتي قاومها جورج بحق وحقيق .

ونحن وإن كنا لا نرى في ذلك قصورًا وطنيًا-وهذه الكلمة حق-إلا أننا نعجب من أسلوب شاعرنا جورج الحاد القاسي، ولنأخذ بعضا من"درره"لنرى حدة غضبه:

"هذا الكتاب...كومة من القمامة"، "قاذورات"، وإذا كنت قد حصلت على مثل هذه المعلومات من رجل ما يعيش بين ظهرانينا فلماذا لا تشكره في مقدمة الكتاب:أم خشيت-إن فعلت هذا- إن أقوم بنتف شاربه بسبب هذا الهراء، حيث أن شاربك في  مأمن من النتف لكونك تعيش في ....(الأردن)....

لن افعل ذلك لا لشيء، إلا لأن مسخًا كهذا لا يمكن أن يكون له شارب أصلاً...".

ويصل غضب جورج لدرجة أنه يحذر دور النشر من بث مثل هذه السموم هنا رحمة بالبيئة التي تلوثها مثل هذه القاذورات.

وعتبي على جورج-الشاعر في كل مناسبة - كبير كبير.ذلك لأن الناس تعرف إخلاصه للأدب وللكتابة،فلماذا لا يتحمل النقد؟

لماذا لا يتقبله من المحب لشعره ومن النافر عنه؟

لماذا هذه الحساسية لدى أدبائنا عامة؟

فهل ما قاله حسني محمود قول مقدس؟

إنه مجرد رأي قد لا يريحك يا جورج ، لكنه لن يلغي وجودك وحبك للكلمة، فلتكن المسألة وردًا وقتادًا!

وتحية حب رغم كل ذلك    !                                              الاتحاد 29/11/1991

 


 

فدوى طوقان....

                                                                       رومانسية

 

الشاعرة فدوى طوقان رومانسية بحق وحقيق، وبداية فليست هذه الصفة معرّة،لأنها أصلاً نهج وطبع...

وقد لمست هذه الرومانسية لديها في لقاء معها جرى مؤخرًا في مسرح القصبة في القدس ،وحاورها فيه الشاعر المتوكل طه رئيس اتحاد الكاتب للفلسطينيين.

ويومها سمعت المتوكل يصفها " الحمامة المستوحشة التي جاءت من سماق وزعفران".

فقلت:هذا القول يؤكد ما أقول.

ترفض فدوى في حوارها الأنيس أن تذكر أولاً عمرها،ثم ما تلبث أن تربط عمرها"بسنة العكوب" بتعبيرات رومانسية مجردة.

وتحدثنا فدوى أنها كتبت قصيدة رثاء لأخيها إبراهيم، وأنها نسيت أن إبراهيم مات، فحملت القصيدة وذهبت لتطرق باب غرفته،ولما فتحت الباب صرخت وضعفت ورجعت إلى غرفتها باكية حزينة.

وتحدثنا الشاعرة بعاطفية مستبدة:

"لو اذهب إلى الجنة لا أجد أحسن من سوق البصل في نابلس".

وهذه الرومانسية جعلتها تتحاشى الخوض في السياسة، وجعلتها تعزف عن معاناة الواقع كما عودتنا بعد الاحتلال مباشرة.

يسألها المتوكل الشاعر:

هناك أخطاء ارتكبها بعض الزعماء الفلسطينيين،ما هي أهم هذه الأخطاء؟

فدوى:"لا تسألني في السياسة!"

وإجابة فدوى التهربية هي إعادة لموقف غريب لها نشر في الصنارة ضمن مقابلة نشرت في 15/11/1991م. وتقول  فيها فدوى: "أنا امتنعت عن المشاركة في الندوات والأمسيات الشعرية منذ بداية الانتفاضة فقط،،ولأسباب يعرفها الجميع،فانا ممنوعة من التجول والتنقل كما أشاء وحيث أريد".

إن هذا الكلام للأسف لا يشفع ولا يقنع، فإذا كانت"فدوانا" محاصرة حقًا فليرتفع صوتها مشيرًا ومحتجًا،وليكن كبت صوتها دليلاً أخر على الكبت التعسفي للفكر الفلسطيني.

ومن مثلها يعلم أن السلطات هنا تتبجح بأنها تفسح المجال للتعبير بحرية،وأنها لا تحاسب الأدباء على كتاباتهم...ما دامت لا تتعدى الكتابة..

وما أحوجنا إليها حتى في اضطهاد كلمتها؟

عزيزتنا فدوى:

كتب عنك بعض المستشرقين أو على الأصح بعض المستعربين أن شعر "النكبة"و"النضال"بعيد عن اتجاهك الحقيقي،وقد وجدت نفسك مضطرة كابنة للشعب المضطهد أن تجاري هذا الشعر مجاراة: (مجلة"كيشت" العبرية،عدد خاص عن الأدب العربي،ربيع-1970،ص 114).

صدقًا،لا أرى ذلك شخصيًا،ولكني أراك رومانسية في هذه الآونة بالذات،وسأدلك على ذلك أيضا من خلال إجابتك عن سؤال أخر:

تسألك المحاورة في "الصنارة".

"لدينا العديد من الشعراء الشبان داخل الخط الأخضر،هل تقرئين شعرهم؟ما رأيك فيه؟"

فدوى :"تابعت كتابتهم قبل الانتفاضة هم شعراء واعون،لهم مستقبل حافل بالشعر،أعجبني من بينهم على سيل المثال لا الحصر نزيه خير من دالية الكرمل".

ولا يختلف اثنان أن نزيه خير شاعر رومانسي...ومرة أخرى ليست هذه الصفة معرة.

وتحية حب لك رغم كل ذلك.

الاتحاد 3/1/1991

 

 

 

 


 

شفيق حبيب بين مغالاة ومغالاة

 

الشاعر شفيق حبيب أمسكت السلطة بديوانه فرأت فيه خطرًا على أمن الدولة، وكأن سائر الشعراء لم يكتبوا شيئـًا في مستواه السياسي،ولذا فهم في حل من  المطاردة.

والكاتبة المصرية فريدة النقاش جعلت منه مثلاً ، بل ندًا لمحمد عفيفي مطر،وذلك في مقال لها في جريدة "الأهالي".

ونحن بالطبع لا نريد أن نغمط صديقنا شفيق معاناته،ولكنه يتفق معنا تمامًا أنه لم يعان(يلاق)معشار ما عاناه مطر،وهو يتفق معنا تمامًا أن فريدة بالغت نوعًا ما في طريق تقديم محنته على غرار ما يفعله الكثير من المصريين في أثناء مطارحتهم ومجاملاتهم.

ولكن: هل يعني ذلك أن نغض النظر عن الجريمة الأدبية التي مورست عليه،وعن الحصار الذي تلقاه نفسيًا وجسديًا وعائليًا؟

اللهم لا، ولا شماتة، فشفيق قرع ناقوس الصحوة، نبهنا إلى أن هذه السلطة تدعى الديمقراطية وحرية التعبير، ولكنها تعاملنا على طريقة"أعور على كيفه"،فلصديقنا شفيق شكرنا على شعره السياسي الواضح الأداء،لأنه عرفنا أنهم لنا بالمرصاد.

ولكن مرة أخرى: لماذا لا تنشر مجلة"أدب ونقد" في أحد أعدادها الأخيرة في زاوية"بريد القراء" ما معناه أنه وصلها من دير حنا رسالة من نائب رئيس رابطة الكتاب الفلسطينيين(شفيق حبيب)قصائد وطنية، ومنها قصيدة أهداها الشاعر لمصر..

وبعد ذلك أتت المجلة على نماذج منها..

فهل هذه مبالغة من نوع آخر يلجأ إليها أصحابنا في مصر؟

وتحية حب رغم كل ذلك

الاتحاد13/12/1991

 


 

(نزيف) تركي عامر

 

تركي عامر في"نزيف الوقت"يتابع رسالته الشعرية التي بدأها في "ضجيج الصمت".وهو واحد من كوكبة الشعراء الشباب الذين نتوق إلى تقدمهم وإلى تطور الأداة الشعرية في شعرهم.

ولعل الجدة في طرحه بأنه يحاول أن يكون "تركي عامر" نفسه لا سواه.وهو يعرف أن القصيدة الجديدة يجب أن تحمل همًا جديدًا،ولذا يبتكر بعض الصور حتى ولو كانت غير متكاملة أو مبتسرة،ولنقرأ:

جسد الوقت/نزيفا يتلاشى..

هاتوا مرهم فضتكم/من بيض أياديكم/هاتوا الشاشا

فهل علاج الزمن هو المال فقط؟

وهل حقا تكون رسالته الشعرية هي بهذه الصورة القاتلة للزمن المكسرة لساعاته؟(رسم الكتاب يذكرني بساعات سلفادور دالي).

        وتركي عامر غريب التناول،أو كتاباته غرابة،فيطلع علينا بعناوين قد يشرحها على غرار:"بوليندريا"،"حلقظة"..أن يختصر التجربة ببضعة أسطر فيظنها شعرًا، لا لسبب إلا لأنها غامضة، فاقرأ معي هذه القصيدة بعنوان"ممحاة حبر":

الصمت

                      حبر

                                      يكتب

                                                     الوقت

                                                                    والصمت

                                                                                          ممحاة

                                                                                                          تمسح

                                                                                                                   الصمت

ومن هنا أستطيع أن أفهم-قلت أفهم ولم أقل أوافق-ما قال الناقدان-يحيى جابر ويوسف بزي في مجلة "الناقد"(عدد.4ص16):

"تتحول القصيدة لدى الشاعر الفلسطيني تركي عامر إلى استعارات أبواب التسلية في صفحات المنوعات من كلمات متقاطعة وأحجية تسلل مع حلول لها في هامش القصيدة".

وفي تقديري، لقد قسا الناقدان على تركي بعض القسوة ، وخاصة في نهاية المختصر:

"والحديث عن ألم الشاعر وعلاقته المرَضية مع الكتابة هي رومانسية هزيلة مستعارة ومستعادة.

تركي عامر يخوض في القصيدة بعيدًا عن اللحظة الشعرية،يكتب للآخرين ،والآخرون لا يطالبونه بهذا الكلام الممجوج والمكرر في صورة شعرية باهتة".

والعيب الحقيقي في نقد الناقدَين أنهما لم يقدما الأمثلة على ما عمما فيه،ولكن "نزيف الوقت"-برغم ذلك-بحاجة إلى مراجعة وتوجيه ناصح ومصاحبة حقه للوقت الذي ينزف.

فهل يعتبر تركي في لحظة هدوء بما قيل ويقال؟وهل....

تحية حب رغم كل ذلك.

الاتحاد 20/12/1991

 

 


 

أحمد حسين والنزق

 

أحمد حسين أديب من أدبائنا لا يتميز بأي ميزة خاصة تجعله شهيدًا،وقد عاش أحمد ما عاش وهو معلم في مدرسة قريته(مصمص) الابتدائية،ولا يكاد يدري به أحد أنه شاعر ،اللهم عدا بعض كتابات كان ينشرها على فترات متباعدة في "الجديد" وباسم مستعار.

وما زال أحمد يتحرك هنا وهناك من غير أن يقتنع بخط سياسي فعال على الساحة،وليس له خط خاص يدعو له خطيبًا أو في مناشير،وإنما يطهو نفسه في حسائه.

ولكن محرر"كنعان"-المجلة التي يصدرها مركز إحياء التراث في الطيبة-مولع بعظمة أحمد حسين،فهو يفرد مقالاً عن شعر أحمد كتبه الفلسطيني المغترب "فواز عيد".

وكان قد نشره في مجلة"الهدف"قبل سنتين - (انظر عدد مجلة "كنعان" رقم 6 ص48 ).

ومقال فواز فيه استغراب، لأن اسم أحمد حسين سقط من دليل الشعراء،فيأتي محرر "كنعان" ليشرح السبب،ذلك لأن هناك منهجية وراء التعتيم على أحمد حسين لدرجة أن محرري الموسوعة الفلسطينية خلطوا بينه وبين اسم"أحمد حسين نمر".

ومحرر "كنعان" يسيء جدا للقاص أحمد حسين نمر- مهما كان مستواه الفني-من غير أن يكون لهذا القاص ذنب ما سوى أنه يشارك الشاعر أحمد حسين اسمه.

ويمضي محرر "كنعان"مؤكدًا  أن أحمد عانى من التعتيم المنهجي لدرجة أن التاريخ لم يعرف شاعرًا عانى التعتيم المنهجي كما عانى أحمد،لذا فهو يستحق خشبة التاريخ،لأنه حملها وصعد عليها مختارًا".

الله الله يا محرر "كنعان"!!

ماذا فعل أحمد حتى أصبح رمزًا ومسيحًا للمعاناة،وأي سجن دخله؟هل فصل من عمله معلمًا من المدارس الحكومية الرسمية؟هل منع أحمد من الاشتراك في لقاء أدبي ثقافي بأمر إداري؟هل تجاهله أحد في محفل شارك فيه؟

إن المحرر يعترف أن أحمد"لم يستطيع أن يحبو على درج المنابر المرخصة".والغمز واضح إلى درجة الصلف- إذن لماذا لم يكن صاحبه في المنابر غير المرخصة؟

لماذا لم تتناقل الناس أشعاره وأفكاره الخاصة؟

وهل بصق أحمد وحده على المرحلة؟

وهل بمثل هذا الشعر الذي استشهد به المحرر-من شعر أحمد-نحل قضية فلسطين،كل فلسطين:

رفضوا حزنك من حيث ابتدأ

ورفضت الحزن من حيث انتهى

لعنة الموج عليهم اشتهي

تصف أنثى

أم سأبكي نصف ميت

(من"ترنيمة الرب المنتظر")

إن هذه الكلمات عادية،وهي لا تؤثر في وجدان فيلسوف،ولا يرددها طفل،فلماذا يعتبرها محرر "كنعان" سببـًا كافيًا لإزالة الدهشة عن فواز عيد لكون اسم الشاعر قد سقط من دليل الشعراء؟!!

ثم إنني لأعجب أكثر من وصف فواز عيد لأحمد حسين بأنه شاعر نزق،وقد أعجب هذا الوصف محرر"كنعان:فطبعه في عنوان فرعي"يفاجئك شاعر نزق كامل".

ومبلغ علمي أن النزق هو الخفة والطيش في كل أمر أو العجلة في جهل وحمق، وأنا-قسمًا-أربأ بأحمد من هذه الصفة.

فأنا-قسمًا ثانية-لا أنكر شاعرية أحمد،ولكنني أنكر التجني عليه بالنفخ الزائد الزائف.

فهل يرعوي محرر:"كنعان"كذلك عن اتهام الآخرين بأنهم شعراء رسميون؟!!وعن إطلاق الصفات جزافًا؟!! وليثق المحرر أن ما ينفع الناس سيمكث، وأما الزبد فجفاء، وعليه العفاء، هذا أولاً، وثانيًا أن ليست المنابر هي التي تصنع الشاعر،وإنما الشاعر هو الذي يصنع المنابر.

وتحية حب لأحمد حسين رغم كل ذلك.

الاتحاد 10/1/1992

 


 

حنا أبو حنا والشعر الفلسطيني

 

أصدر الشاعر حنا أبو حنا الجزء الأول من ديوان الشعر الفلسطيني،وتضمن هذا الجزء أربعة من "أركان الشعر الفلسطيني على مر العصور":وهم :  كشاجم الرملي(ت971م) وابن القيسراني (ت1153م) ، وأبو اسحق الغزي1130م) ، والقاضي الفاضل(ت1200).

والشاعر حنا لا يجدد شيئًا في تقديم أي ترجمة،فالترجمات عنهم متناثرة في عشرات الكتب الأدبية.

ولكن الجديد والغريب معا اعتبار هؤلاء الشعراء فلسطينيين، وجدير بنا أن نبرز الترابط المستمر بين هؤلاء الأعلام ووطنهم فلسطين،كما يشير الكاتب إلى ذلك.

وأنا أعجب لهذا المنطق، وذلك لأن الإقليمية لم يكن لها أدنى اعتبار قبل"تشريف"الصهيونية إلى هذه البلاد ،فبلادنا جزء من الشام،وفلسطين جزء منها،ونحن في دراستنا لشعراء بغداد أو شعراء أي صقع عربي لم نكن نعير المسالة شيئًا من الاهتمام كان منصبًا على المستوى الشكلي والمضموني لا الإقليمي  المجرد.

ثم من قال إن كشاجم-وهو الفارسي الأصل-فلسطيني؟

إنه كما لا يخفى على أبى حنا يعرف بالسندي،ورحل إلى بلاد كثيرة،واستقر بحلب في بلاط سيف الدولة.

وهل نعتبر كشاجم فلسطيني