د. فاروق مواسي

 

 

 

من أحشاء البحر

 

 

 

مركز دراسات اللغة العربيّة- أكاديميّة القاسمي

 

 

الطبعة الأولى 2007

 

 

أخي القارئ، أختي القارئـة:

هذه صفحات في اللغة، كنت قد بدأت كتابتها في زاوية "من أحشاء اللغة" في صدى التربية أواخر سنة 1970 وبدايات سنة 1971، وهي أحاديث في اللغة، تستوحي في عنوانها بيت حافظ المشهور:

أنا البحر في أحشـائه الـدر كامـن

  فهل ساءلوا الغوّاص عن صـدفـاتـي؟

فكانت ست عشرة حلقة حافظت عليها، وأرى اليوم نشرها بعد أن صعب على المهتم بها أن يجدها، وقد سألني عنها أكثر من صديق.....

ثم أضفت لها ما نشرته في المواقع تحت ركن: اسأل د. فاروق مواسي، وخاصة موقع "جمعيـــة المترجمين العرب".... كما أضفت بعض المقالات اللغوية التي رأيت أن أضيفها هنا.

وأرى في ختام تمهيدي أن أعيد ما كنت كتبته في بداية نشري زاوية "من أحشاء اللغة" لأن في كلماتي توجهًا ما زلت أعمد إليه:

"أرجو أن تكون هذه الكلمات وما نبديه حولها من ملاحظات معْلمًا في لغتنا الجميلة، يحفزنا على البحث والتنقيب في أسفار اللغة الوفيرة. فإن رأى أحدكم أنني جنحت عن الجادة فليعذرني مقدمًا ويتكرم علي برسالة تظهر أسباب دعواه، وأعدكم أنني سأمحّص في كل تعبير قبل أن أكتبه، فإن وجدتم شيئًا جديدًا أكن قد ساهمت ولو بقسط زهيد في عملية الغوص للدرر. ولكم تقديري.....

 

فاروق مواسي باقة الغربية


 

اللغة العربية وأهميتها على ألسنتنا[1]

لغة الفرد هي هويته القومية، وهي مسرح تفكيره، ومجال وجدانه.... فيجدر بالفرد منا أن ينطقها في المستويات الرسمية سليمة الأداء صحيحة العبارة... ننطقها في لغة تأنف من لهجة السوق - هذه اللهجة التي لا تتجاوز مفرداتها ألف مفردة، كما أن الحروف في هذه تُلفظ بمخارج صوتية متباينة تبعًا للمنطقة الجغرافيـــة.

أقول ذلك، وأنا أعي سلاسة العامية على أسَلات الألسنة في مخاطباتنا البيتية، وفي فكاهاتنا وفي أغانينا، وفي سرعة توصيلها واتصالها، بل في ضرورتها وحيويتها.

وإن لغة الثقافة لدى أي شعب ترتقي صعدًا ما ارتقت أفكاره، ومبنى الجملة يتطور تبعًا لغنى هذا الشعب ثقافيًا...

أما النحو أساس الإشكال فأرى أن نجرب في دورات مكثفة تدريس المرفوعات والمجرورات فقط فيعرف الطالب المنصوبات بعد ذلك، دون جهد....على كل هذه التجربة لم تُمرَّر، ولا نستطيع الحكم على خيبتها مقدمًا...

وأما التراكيب المستجدة فلا أرى غضاضة في أخذ الكثير منها (مع أن بعضهم يرميها بالركاكة أو يصِمها بالعُجمة)، فكل تركيب نستضيفه هو إثراء للغتنا في بِِنيتها، وخاصة ما كان ضمن المجاز والكناية المعاصرة....

أسأل نفسي أحيانًا:

لماذا نفتقد المراجع الأكاديمية في المواضيع العلمية باللغة العربية؟

لماذا نفتقد المسؤولية الجماعية أو الرسمية إزاء اللغة العربية؟

من هنا أصل إلى نقطة هامة، وفي تقديري هي جوهر المسألة: وهي أننا عامةً لا نوقّـر لغتنا، ولا نجلّ أربابها بما يليقون به، فقد نسمع اللفظ الهزيل الكليل، وقد نسمع اللاحن تلو اللاحن (وانتبه في حفلات التأبين- مثلاً)، ونمر على ذلك مر الكرام.... بل قد نجد بيننا من يسخر منك إن حاولت أن تنقد لغة هذا الزعيم أو ذاك، فتصبح أنت الهُـزْأة، فالسياسيون وشخصيات المجتمع أهم من اللغة وإعرابها..

ولا غرابة إذا رأينا - من جهة أخرى - من يحسن عربيته ويبدع فيها، فلا يحظى بأية مزيــة أو ميزة، وبراعته لا تجديه ولن تجزيه شيئًا....ثم إن بعض المسرحيات تستخدم ألفاظًا عن سابق قصد لإثارة السخرية اللاذعة من هذه اللغة الفصيحة، فيظهرونها وكأنها التشدق والتفيهق، وما مثـَّله عادل إمام وقوله " ألححت إصرارًا... وأصررت إلحاحًا " إلا نموذج على ذلك.

إذن ما العمل؟

يقول فاروق شوشة:

"إن لغتنا ظلت عبر القرون الطويلة بفضل انفتاحها المستمر على الحضارات والثقافات واتجاهها الدائم للمستقبل، وإنها كانت تفقد جدتها وحيويتها ونبضها عندما يتوقف انفتاح أصحابها على الجديد - الذي تزخر به حياتهم، وينغلقون على أنفسهم مضغًا واجترارا، وعندما يصبح الماضي هو مثلهم الأعلى المقدس تتجه إليه رؤوسهم، دون أن تتجه إلى حيث الهدف الطبيعي والغاية الأصيلة المستقبل (لغتنا الجميلة، ص 8).

من هنا يجب أن نحترم لغتنا ونعتز بمكانتها، بحيث يستطيع المراقب أن يلمس مدى النفع إثر الاهتمام بها، ويلمس الضرر إثر التخلي عنها... فمادة العربية هي مادة وجودنا وقوام حياتنا الروحية، فإذا التزم معلمونا بتدريس موادهم بعربية سليمة ولا غضاضة أن تجنح إلى التسكين (على طريقة بني ربيعة) على طريقة "سكِّن تسلم!") ولكن بجِد هذه المرة ،..... يستثنى من ذلك ما كان ضرورة بسبب الوصل والتبعية للكلمة اللاحقة، نحو غرفـــة الصف، فشكل آخر (غرفة) ضروري، لأنه لا يمكن تسكين آخرها...

إن لغة القرآن تدعونا إلى أن ندرس طرق التجديد في اللغة في القياس والنحت والتوليد والاختصار والاقتراض......

وإلى أن يتم ذلك أدعو المعلمين (كلاً في مجاله) إلى أن يقترحوا ترجمات لهذه الكلمات الأجنبية التي تغزو بحدة وبتواتر، وأن يستشيروا من يثقون بلغتهم العربية، وأن يتعاونوا مع اللجنة العليا لشؤون اللغة العربية والمجمع اللغوي في البلاد، وفيهما أساتذة يُشهد لهم بالغَـيْرة على اللغة والحرص على رقيها. وكم يحسن أن تكون الألفاظ المقترحة من غير المشترك، إذ كفانا ما لدينا من مشترك وتضاد وترادف ومثنيات لها أكثر من تفسير - كل ذلك في عصر يتطلب الدقة والتحديد والفهم الجامع المانع.

إن لغتنا هي نحن، وكل تغيير فيها يستوجب أولاً تغييرًا منا في الاتجاه وفي الرؤية "ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

 

    من أحشاء اللغة

 

 

الحلقة الأولى -

        يكثر البعض من استعمال كان بمثابة:

الاستعمال خاطئ ذلك لأن من معاني مثابة:

1-     منزل 2- مرجع 3- مجتمع الناس 4- حجارة حول البئر

 ولا مكان لها هنا..... ويمكن أن نستخدم مكانها: وكأنَّ....

        أراد أن لا يتكلم.

 النظرة الأولى توحي أن هذه الجملة صحيحة، ولكن النحو يفضل أن تكتب "أراد ألا يتكلم"، ذلك لأن الإدغام واجب إذا كانت أن متصلة بلا والفعل المضارع.

        وقد أعجبني استعمال "ست" بمعنى سيدة في لغتنا الفصحى. ومن لا يصدق فليقرأ رسالة الغفران

ستِّ إن أعياك أمري  فاحمليني زَقَـفونة

        ويرفض الأستاذ حنا الفاخوري أن نقول " عدو لدود " على اعتبار أنه شديد العداوة فقط، بل يذكر أن لد معناها غلب في خصومته، فهو لاد وألد ولدود.

أما المتعارف عليه فيريدنا أن نقول عدو أزرق، شر أعداء فلان، أو أعدى الأعادي... الخ.

        انتبه إلى هذه الأخطاء:

 هل ستلعب؟

هل تلعب الآن؟

هل سامي يلعب؟

 

        من اختصاص (هل) أن تفيد الاستقبال وتدخل على المضارع. فمن الخطأ أن نقول مع السين التي تفيد الاستقبال:

نحو: هل ستلعب؟ و إنما الصواب: أستلعب؟

وكذلك خطأ أن تقول: هل تلعب الآن؟ لأن الظرف لا يفيد الاستقبال هنا... والصواب:

 أتلعب الآن؟

والضعف في جملة هل سامي يلعب؟ أن الاسم تقدم، والصواب أسامي يلعب أو هل يلعب سامي؟

        وفي فقه اللغة

دفَّ الطائر...

أزفَّ الطائر...

رفَّ (رفرف) الطائر...

        فإن كان أجدادنا يقايسون بين هذه المعاني، فما يمنعنا أن نتعرف إليها.

دَفَ - حرك جناحيه ورجلاه لا تزالان على الأرض.

أزفّ - طار قريبًا على وجه الأرض.

رفَّ أو رفرف - حرك جناحيه فوق الشيء يريد الوقوع عليه.

        وسؤال آخر: ما هو جمع لفظة (أخ)؟

 

 قبل أن نتسرع في الجواب علينا أن نعرف أي أخ نعني، فإذا كان ابن الأم فجمعها إخوة وأُخوة، وإن كانت بمعنى صديق في مذهب فجمعها إخوان كقولنا " إخوان الصفاء "، وبالطبع هذا هو الغالب، مع أن هناك من يرى رأيًا آخر - في عدم التفريق بينهما.

والآن صديقي: هل تدري أن الفتى يوم العرس يسمى عَروس وجمعها عُرُس، أما صاحبته التي يُزف إليها أو تُزف إليه فهي كذلك عروس وجمعها عرائس. والعقبى لمن لم يتزوج.

كتب أحدهم:

إن زرتني إذن أكرمَك.

والصحيح يجب أن نكتب إذًن، لأن من شرط (إذن) الناصبة أن تكون في صدر الجملة ومتصلة بالفعل. على هذا فلفظ هذه الكلمة بالصورة الصحيحة يمكن أن تلاحظه من خلال هذه الجمل:

قال لي: سأقدم لك هدية...

قلت له:

إذن أشكرَك.

وهناك من يجعل (إذن) للناصبة، بينما (إذًا) لغير الناصبة...

بينما المبرِّد يود لو يكوي يد كل من يكتبها بالألف - (وعن المبرد: أشتهى أن أكوي يد من يكتب إذن بالألف، لأنها مثل أن ولن ولا يدخل التنوين في الحروف) انظر: الجنى الداني في حروف المعاني لابن أم القاسم المرادي، ص 11.

ويضيف المؤلف المرادي:

".... فإن ألغيت كتبت بالألف، لضعفها، وإن عملت كتبت بالنون. وقال صاحب رصف المباني:  "والذي عندي فيها الاختيار أن ينظر، فإن وصلت في الكلام كتبت بالنون، عملت أو لم تعمل، كما يفعل بأمثالها من الحروف. وإذا وقف عليها كتبت بالألف، لأنها إذ ذاك مشبهة بالأسماء المنقوصة، مثل: دماً، ويداً. والله أعلم "

(ن. م.)

    والآن صديقي القارئ رافقني إلى ثلاثة مصادر لنرى الفرق بين معانيها:

الرؤية والرأي والرؤيا.

أما الفعل فلا نختلف عليه، وأما المصادر فقد جاء في كتب اللغة أن الأولى للإبصار، والثانية لما يراه العقل، والثالثة لما يراه النائم.

فالاختلاف في المصدر أحيانًا يكون في التشكيل مثل ضُعف و ضَعف.

أما الضُعف (بالضم) فهو للجسم ،وأما الضَعف (بالفتح) فهو للنفس.

 وجميل بنا أن نميز بين العمى والعمَــــه: فالأولى في العينين ، والثانية في الرأي.


الحلقة الثانية:

أسماء لمسميات مختلفة

وضع المجمع اللغوي العربي في القاهرة سنة 1934 هذه الاصطلاحات أدناه. وقد راعى الاعتماد على نصوص معجمات الألفاظ ومعجمات المعاني.

في الآلات والأدوات

المِذياع للراديو. وقد ورد في تاج العروس أن المذياع هو الذي لا يكتم السر. وهل رأيتم أوشى منه أما جمع مذياع فهو مذاييع. (من منكم يستعملها؟)

المِجهار وهو الميكرفون.

المِجْهر الميكروسكوب.

المِزفَّة المحفة تزف فيها العروس، وتستعمل لسيارة العروس.

المِسلفة أداة لتسوية الأرض.

الثُّريـّا وهي مجموعة المصابيح المعلقة في الغرفة، وقد سميت تشبيهًا بالثريا، وهي كوكب مؤلف من عدة نجوم صغيرة ذكرها امرؤ القيس.

إذا ما الثريا في السماء تعرّضت       تعرضَ أثناء الوشاحِ المُفـَصَّل

(يذكرني هذا البيت بتحدي الدكتور محمد النويهي الناقد المصري أن القليل الأقل من يستطيع أن يفسره.)

المِمطرة وهو ثوب يلبس في المطر. وقد أكثر الكتاب مؤخرًا من استعمال مَطَرية للمظلة الواقية من المطر.

النِّفط (بكسر النون) وهو زيت البترول. وقد عرفه العرب القدماء باسم "زيت الصخر "، وهو الترجمة الحرفية لكلمة (بتروليوم) المؤلفة من كلمتي " بتر " وهي الصخر و " أوليوم " وهي الزيت.

ومن الطريف أن نذكر أن النفط شاع استعماله منذ نهاية القرن الأول للهجرة. ومما يدلنا على ذلك ملاحاة وقعت بين نِفطويهِ العالم النحوي وبين الشاعر ابن دُرَيد صاحب الجمهرة، وذلك في أوائل القرن الثالث. قال نفطويه:

                  ابن دريــد بقــره    وفـيـه لــؤمٌ وشـــرَهْ

                  قد أدّعى من جهله وضعَ كتاب الجمهره

فرد عليه ابن دريد:

           إن لـذا النحو وأصحابــه   قد صار من أصحابه نفطويه

           أحرقه الله بنصف اسـمه   وصيّر الباقي صـراخـًا علـيه

وأرجو أن تكون النكتة واضحة هنا.

بناء البيت.

قال تعالى: " يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب ".

الصرح أو الأُطُم يطلق على كل بناء عال.

أما كلمة " الأطم " فقد وردت في الشعر الجاهلي.

           وتيماءَ لم يترك بها جذعَ نخلة

                                             ولا أُطُمًا إلا مَشيدًا بجَنْدل

 إفريز الحائط: هو الكرنيش البارز قليلا، فإذا زاد سمي الطَّـنَـف.

الوشيعة: نطلقها على الحواجز الحديدية أو الخشبية التي على الأسوار ونحوها. وقد لاحظت في كتاب " الفتوح " لابن أعثم الكوفي وهو كتاب مخطوط استعمال كلمة درابزين - التي ربما تبدو لنا محدثة.

" ثم بسط (يعني عبد الله السفاح) يديه فازدحموا عليه بالبيعة حتى كسروا درابزين المقصورة". فإذا جاز لهم أن يستعملوا درابزين فما يمنعنا منها الآن؟؟

على هذا أرى دعوة الدكتور طه حسين إلى امتلاك اللغة كما تصرف رجال اللغة القدماء حرِية بالقبول في ظروفنا التي تكثر فيها المصطلحات العلمية الحديثة، وأن كل تزمت يحول دون ارتباط في عالمنا الواسع القائم على التجديد يؤدي بنا إلى الركود، وهذا يقتل العصارة، والعصارة لا بد لها من دورة دموية.

يقول ميرون، المثّال اليوناني: " لا يجب استنباط الأشياء من الكلمات ، بل الكلمات من الأشياء ".

لهذا أرى أن استعمال التلفزيون رائق ربما أكثر مما يروقني استعمال المرناة (أو المرياء كما شاء أديبنا محمود تيمور...) وحبذا الاهتمام بالمعنى أكثر من المبنى.

ومن يجد حرجًا في هذه الكلمات الدخيلة فليضعها بين هلالين ولا ضير عليه.

ولكنا مع ذلك يجب ألا نجنح عن الجادة، وفي جنوحنا لا نعمد إلى أي تقويم في لغتنا مما قد اتُفق عليه، لأننا في قصورنا نقع في فوضى لغوية أو ننصهر في لغة أخرى - شأنَ بعض شبابنا ممن يعملون في تل أبيب وحيفا يخاطبون أمهاتهم بلغة عبرية مرهقة أو بعربية لكناء.

ولا شك أنكم تعرفون قصة الغراب.

الحلقة الثالثة:

عمرو

إذا سألت لغويًا: لماذا نضع هذه الواو أجابك للتمييز بينها وبين "عمر" الممنوعة من الصرف. نقول:

جاء عمرٌو وعمرُ .

رأيت عمرًا وعمرَ .

مررت بعمرٍو وعمرَ .

فواو عمرو تحذف عند النصب. (لماذا؟)

كان داود باشا أحد وزراء الدولة العلية محتارًا في سبب هذا الاعتداء الصارخ على عمرو، إذ أن أغلب النحويين يأتون بأمثلة الضرب:

" ضربَ زيدٌ عمرًا " و " ضرب زيد عمرًا ضربًا مبرحًا " وهكذا.

 فلم يجبه أحد.

وبقي علماء اللغة والنحو معرَّضين لسخرية الوزير... إلى أن وافاه أحد العراقيين وقال له:

لقد سلط الله زيدًا على عمرو لأنه سبق أن سرق.

-         ماذا سرق؟

-         سرق الواو من جناب حضرتكم داود فجزاه الله شرًا.

وعلى ذكر عمرو: عاتب أبو سعيد الرستمي الصاحب بن عباد، قال له:

           أفي الحق أن يعطى ثلاثون شاعرًا

                                   ويحرم ما دون الرضى شاعر مثلي

           كما ألحقت واو بعمرو زيادة

                                      وضويق بسم الله في ألف الوصل

والشيء بالشيء يُذكر، فقد ذكر أبو نواس في شعره عن الزيادة الشكلية فقط:

             قل لمن يدعي سليمى سفاهًا

                                        لستَ منها ولا قلامةَ ظُـفــــــر

             إنما كنت من سليمى كواو

                                       أُلحقتْ في الهجاء ظلمًا بعمرو

bullet قلت لصديقي: أنت شاطر. وكان صديقي ممن ينقب في دقائق اللغة، فنبهني إلى أن معنى (شاطر) خبيث، وكان من الأفضل أن استعمل كلمة " حاذق ". قلت له معجبًا حقًًا:

 إنك فنان !

وإذا به يقطب عن جبينه مخاطبًا إياي:

 أهكذا تشتم أصدقاءك؟

-         معاذ الله !

-         ألا تعرف أن معنى " فنان " حمار الوحش؟

ولكني يا صديقي خاطبتك بلغة اليوم، والخطأ المشهور أفضل من الصحيح المهجور.

-         إني أراك غواصًا تبحث عن صدفات اللغة في بحرها الواسع، فما يضيرك لو استعملت كلمة مِفَن؟

-         قبلتها، ولكن مَن من القراء يقبلها؟

-         إذن، لنقل " فنان " على بركة الله ! فحتى الحمار الوحشي له فنون في العدو أي له طرق، فلنتقبل ذلك مجازًا ! ولماذا لا أقول: " حسنًا لأننا قبلنا.."

* * * *

 

والآن، إلى بعض الأخطاء الشائعة التي جمعها لنا أصحاب المشوِّق وقد تحريت عن السبب وأرجو أن تبحث أنت أيضًا.

 

       الخطأ                    الصواب                        السبب

انصاع لمشورته                انقاد               معنى انصاع انفتل راجعًا

  صفار البيض                  المُحّ                 لم ترد " الصفار " في

                                                                  كتب اللغة.

هذه الضوضاء          هذا الضوضاء           الضوضاء اسم مذكر

  الطابق الثاني             الطبقة الثانية   الطابق معناها مقلاة أو نصف الشاة

ظريف المعشر          ظريف العِشرة            المَعْشر هم الجماعة

     عَمّر بيتًا                     بنى            عمر جعله أهلاً أو عاش طويلاً

    تعهد لي أن              عاهدني على        تعهد معناها تحفظ به وتفقده

    بالكاد يكفيه                  لا يكاد               لم ترد "الكاد" في اللغة

أنعم به من رجل          يا له من رجل               --------------

    نوه بالشيء         عرض، ألمع، أشار     نوه بالشيء رفع من ذكره.

 

الحلقة الرابعة:

لو قلت لك أنت مُلِم بهذا الأمر لتبادر إلى ذهنك أن هذا نوع من الإطراء، ولكن وبعد أن تتأكد تجد أن (ألم بالأمر لم يتعمق به).

كذلك ربما يحدث الالتباس في معنى (زعلان) و (عرْص) في هذا الحوار:

-         ما لي أراك عرْصًا؟

-         وأنت مالك زعلان.

طبعًا نحن لا نتوقع هذا الكلام في لغة الحديث، وإلا فإن اللفظة الأولى يكون من ورائها شأن أي شأن.

فعرص تعني حسب المعاجم مضطرب. وزعلان في اللغة نشيط.

        قال لي صديق: قد لا أكون يوم السبت في الناصرة.... وإذا قررت السفر فسأسافر لوحدي.

لنلق نظرة على جملته:

نعرف (أن) قد تفيد التعليل أو الشك إذا سبقت المضارع: قد يحدث. وتفيد التحقيق أو اليقين إذا سبقت الماضي: قد حدث.

والسؤال: هل خطأ أن نقول: " قد لا أكون.... "؟

والجواب أن استعمال (قد) غالبًا يأتي مختصًا بالفعل المتصرف الخبري المثبت. على هذا نفضل القول: ربما لا أسافر.....(ومع ذلك، وجدت في مادة (ذام) في لسان العرب بيتًا من شعر أنس بن نواس المحاربي:

وكنتَ مُسَوَّدًا فينا حميدًا   وقد لا تعدم الحسناء ذامــــا

أما الخطأ فهو في قوله لوحدي، والصحيح: وحدي، بدون اللام.

وهذه الكلمة " وحدي " حال منصوبة. وتأتي مجرورة بالإضافة في حالة تباعها لنسيج وعَرير، فتقول أنت نسيج وحدِك في لعب الكرة، وأقل من ذلك بل يندر أن تقول: أنت عرير وحدِك في لعب الورق.

* * * * *

ومن سموا أو لقبوا لقبًا استدعته كلمة من أحد أبياتهم الشعرية:

 المُهلهِِـل وهو خال امرئ القيس، وقيل إنه أول من هلهل الشعر قال:

لمَّا تَوَعَّرَ في الكُراعِ هَجِينُهُمْ

 

َهلْهَلْتُ أَثْأَرُ جابرًا أَو صِِنْبِلا

المتلمس: واسمه جرير بن عبد المسيح خال طرفة وصاحب الصحيفة المشهورة باسمه - التي تضرب لكل من يحمل حتفه بيده قال:

فهذا أوان العِرض جُنَّ ذُبابُه       زنابيرُه والأزرقُ المتلَمِّسُ

                                                

النابغة: زياد بن معاوية، قيل إنه سمي لنبوغه كالماء بعد أن اكتهل قال:

................. وقد نبغت لنا منهم شؤون.

طرفة، و معلقته قمة في الشعر العربي، لما لها من ذاتية صادقة ووجدان صاف.

ومعنى طَرَفة لغويًا نبات الأثل، لكنه سمي بهذا الاسم وكان اسمه عمرو بن عبد لقوله:

لا تَعجَلا بالبكاء اليوم مُطَّرِفًا       ولا أميريكُما بالدار إذ وقفا

فكلمة (مطَّرفًا) هي التي لقبته بطرفة، والاسم هو بفتح الطاء وبفتح الراء.

الممزق: وهو شأس بن نهار، فقد قال:

فإن كنت مأكولاً فكن خير آكلي      وإلا فأدركْني ولمّا أمزقِِِ

وهذا البيت كتبه عثمان بن عفان ساعة حصاره إلى علي بن أبي طالب. وقد بقيت مدة طويلة أظنه للخليفة عثمان حتى تعرفت على شأس الممزق.

وهذا ما حدث لي في قولة الحجاج الصائتة:

أنا ابن جَلا وطلاعُِ الثنايا    متى أضعِ العِمامة تعرفوني

وإذا ببيت الشعر هذا هو لسُحَيم بن وَثيل في قصيدة يتحدى فيها الشاعرين الأخْوص والأبَيرد، وكانا شابين يافعين تحدياه في الشعر وهو هرِم، فأحفظه ذلك ومنها:

          وإن مكاننا مـن حمـيــري   مكانُ الليث في وسط العرينِ

          وماذا يدّري الشـعراء مـني     وقد جاوزت حـد الأربعينِ

          أخو خمسين مجتمعًا أشُدي   ونجدّني مـداورةُ الشــؤون

           وإني لا يعود إليَّ قِــــرني    غــداة الغــِبِّ إلا في قـريـن

أرجو أن نلفظ قــِرن (بكسر القاف) لأن معناها مثلي في الشدة، أما إذا لفظناها بفتح القاف فهي مثلي في السن أو مائة عام، أو ما ذهب يطلبه الحمار فعاد مصلوم الأذنين.

 

الحلقة الخامسة:

هواة القواعد سيجدون في هذه الحلقة مجالا لإشباع هوايتهم، فيعارضون أو يؤيدون. وأرجو ألا تشترطوا علي إثارة نقاط لا تعرفونها.

لنتصفح كتاب النحو الواضح ونقف عند نقاط كنا نمر بها مر الكرام.

وأول نموذج للإعراب يطالعنا هو "الوسادة فوق السرير". ولسنا هنا نعالج فحوى الجملة... وإنما هو إعراب فوق. وقد ورد أنها "ظرف مكان منصوب بالفتحة وهو خبر المبتدأ".

وتردد ألسنة الصغار هذا الإعراب غير الدقيق. ويقيني أن ابن عقيل وابن هشام سيبويه والشرتوني وحسن عباس يعربون: الظرف متعلق بموجود وهو خبر.

التقيت بالمرحوم حنا إبراهيم، وكان متضلعًا في اللغة، وله حسن الثناء.

قال لي: "إني لأعجب لماذا لا تعلمون أن الظرف وحرف الجر متعلقان بالفعل". وقد كنت أظن الأمر صعبًا ككل بداية، لكن يسر الأمر عندما أعرب الطلاب جملة "اللؤلؤ في البحر" هكذا:

اللؤلؤ مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.

في حرف جر.

البحر اسم مجرور بفي وعلامة جره الكسرة. وشبه الجملة (الجار والمجرور) متعلق بموجود (أو كائن أو حاصل) وهو خبر.

ففهموا الجملة على أنها: اللؤلؤ موجود في البحر، حتى إذا ما تعلموا في المستقبل مواضع حذف الخبر فهموا هذا جيدًا واستساغوه؛ فلماذا لا يعرفون أن الخبر في الحقيقة محذوف في جملة "الوسادة فوق السرير"؟

وهذا بالطبع ينطبق على خبر النواسخ حين يكون شبه جملة (ظرف أو جار ومجرور).

* وفي درس تقسيم الفعل إلى صحيح ومعتل، يتبين للبعض أن "اللفيف المفروق" و"اللفيف المقرون" لهما حكم خاص في الصرف، والواقع أن اللفيف بنوعيه هو فعل ناقص ينطبق عليه ما ينطبق على مثل (رمى)، والمفروق منه في أوله يتبع المثال.

      وفي درس المستثنى يعرب البعض "إلا" في جملة: ما صاحبت إلا الأخيار على أنها أداة استثناء والصحيح أنها أداة حصر، ويمكن أيضًا:

 أداة استثناء ملغاة.

فإذا لم يكن الاسم الواقع بعد إلا مستثنى منصوبًا، تعرب: أداة حصر. أما إذا قلنا "ليس رجال إلا رجالك" ونعني بها غير رجالك فإعرابها هنا نعت.

وقد أثارت (غير) و(سوى) الكثير من النقاش في طريقة إعرابها، فنحن نعرف أنه يثبت لهما من أنواع الإعراب ما يثبت للاسم الذي بعد "إلا" ، ولكن كيف نعرب (غير) في جملة: "اتقدت المصابيح غيرَ واحد"؟

نعرب غير في هذا الوضع اسمًا منصوبًا على الاستثناء، ولا يجوز أن نقول :

 "مستثنى منصوب"، لأن المستثنى في هذا الواقع هو كلمة (واحد).

ولا أجدد شيئًا إذا قلت أن الاسم المستثنى بغير وسوى مجرور بالإضافة، لكون "غير" و "سوى" اسمين؛ ويقطع المستثنى عن (غير) لفظًا إن فهم معناه وتقدمت عليه ليس أو لا. وفي هذا المعنى يجوز الرفع والضم والنصب والفتح عند حذف المضاف إليه فنقول:

قبضت عشرة ليس غيرُها وليس غيرَها وليس غيرٌ وليس غيرُ وليس غيرًا وليس غيرَ أي ليس إلا.

        أذكر أنه في إحدى مدارس المثلث نوقش إعراب هذه الجملة:

جاء الرجل المهذب أخوه، الواردة في درس النعت الحقيقي والسببي.

ويقينًا أن الطالب يصعب عليه معرفة عمل اسم المفعول عمل الفعل المجهول، وأن "أخو" نائب فاعل. ثم إن بعض الأمثلة المعطاة للإعراب والمناقشة لم يدرسها الطالب آنفًا فيقع في حِيصَ بِيص.

* في ظن البعض أن (لام التعليل أو الجحود) تكفي للدلالة على الإعراب، والصحيح أنها حرف جر. ففي جملة: جئت لأصالحك، نعرب (أصالحَ) فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام التعليل. والمصدر المؤول من أن المضمرة والفعل في محل جر باللام. وهذا الإعراب طبعًا صعب على الطالب، ولكننا مع ذلك نفترض فيه أن يتقدم إلى امتحان (البجروت) وهو على معرفة به، الأمر الذي لا ييسره له النحو الواضح بأجزائه الستة.

وهناك كثير من النقاط التي لم نحفل بها، وما زلنا نمر بها مر الكرام.... وربما كان هذا أخف وطئًا ولكنه ليس أقوم قيلا.

 

الحلقة السادسة:

الأضداد

كلمة ضد في اللغة لها معنيان متقابلان متضادان: فهي تدل على المخالف، وتدل كذلك على النظير والمثل.

وجمع (ضد) أضداد. ويمكن أن تبقى على حالها بلفظة المفرد (مثل فُلْك بمعنى سفينة وسفن).

قال أبو عبيدة وهو راوية عربي يهودي الأصل في باب الأضداد من كتاب " الغريب المصنف ": سمعت أبا زيد الأنصاري يقول السُّدْفة في لغة تميم هي الظلمة وفي لغة قيس هي الضوء. وكذلك تقول بنو عقيل (لمَقت الشيء) أي كتبته، وفي قبائل أخرى تعني " محوته ". و (سجد) عند طيئ تعني انتصب وعند كثير من القبائل بمعنى انحنى.

نفهم من ذلك أن سبب نشوء الأضداد يعود إلى القبائل. وعندما دونت الكلمات في معاجم لم يجدوا حرجًا في جعل الكلمة تعني الشيء ونقيضه.

ويحدثنا الأزدي عن رجل من بني كلاب قال له الملك:

 ثِب !، وكان يقصد في لهجته " اقعد ". فما كان من الرجل إلا أن طفر من حالق، ويعلم الله ماذا كان من أمره.

وقد أعجبني تعليق للدكتور منصور فهمي، وكان عضو مجمع اللغة العربية في مصر. أن كلمة (لحم) تحمل نوعًا من التضاد في لغتين مختلفتين كانتا في الأصل واحدة. فهي بالعبرية خبز أي مادة نباتية كانت غذاء العبرانيين، وهي في العربية مادة حيوانية - وهي غذاء العرب سكان البادية ورعاة الأغنام...

ويرى المستشرق جيز أن الكلمتين تربطهما وشيجة معينة فمثلاً: جلل التي تعني هين وعظيم يرى جيز أن أصلها גלל العبرية التي تعني دحرج. ويمكن أن ندحرج الشيء الخفيف والثقيل. طبعًا هذا اجتهاد، والمستشرقون يرودون الجدة، وهم تعبوا على لغتنا - أكثر في رأيي - مما تعبنا.

ومن الأضداد كذلك:

الجَوْن وهو الأسود والأبيض

الرجاء وهو الرغبة والخوف

القشيب وهو الجديد والخلق

الظن وهو الشك واليقين

كثب وهو القرب والبعد

السر وهو المخفي والمعلن

وراء وهي خلف وأمام

سرر الشهر وهي أوائله وأواخره

القُرء هو الحيض والطهر

ذُفَر رائحة طيبة ورائحة نتنة

الصريم الليل والنهار

خفي البرق ظهر واستتر

شرى وباع تعني الواحدة معنى أختها.

ولنأخذ كلمة جلل عند شاعرين الأول يقول:

ولئن عفوتُ لأعفونْ جللا     ولئن سطوتُ لأوهننْ عظمي

فسبب عفوه جلل نفسه وعظمتها.

والثاني يقول:

بقتل بني أسَدٍ ربَّهم        ألا كلُّ شيء سواه جللْ

ويقصد هنا بكلمة جلل تافه أو عديم القيمة.

و الجليل على رأي البعض تعني العظيم وتعني كذلك الحقير.

فالفعل جل معناه أستن واحتنك. ومن هنا أخذت معنى الاحترام، لأن كبير السن محترم. و (جل) معناها ضعف.... ومن هنا أخذت معنى الحقارة.

وأنصح هنا بمراجعة كتاب الأضداد للأنباري وهو جامع لا يضاهى.

وأخيرًا لماذا نتعجب من ازدواجية المعنى لكلمة، ألسنا نقول: صعدنا بالمصعد ونزلنا بالمصعد...

 

ملاحظات أخرى

        الفعل رغب لا يرد بلا تعد بحرف جر.

وتقول رغب عن: بمعنى كره كقوله تعالى: " أترغب عن آلهتنا يا إبراهيم ".

وتقول رغب إلى: اشتاق

رغب في أحب

فمن يرغب في أن يتعلم؟

* كان صاحبنا أبو الأسود الدؤلي مع ابنته يتمشيان فقالت: ما أجمل ُ السماءِ !

قال الأب: نجومُها يا ابنتي.

قالت: أردت أن أتعجب من جمال السماء.

قال لها: إذن قولي ما أجمَلَ السماءَ. فقد حسبتك تسألين.

والخلاصة: أننا إذا أردنا أن نتعجب من شيء في صيغة ما أفعل الـ....وجب أن ننصبه.

 

        يسألني الطلاب كثيرًا عن الأسماء المذكرة والمؤنثة ويجدون ارتباكًا كبيرًا في أعضاء الجسم. وقد وجدنا حلاً غالبًا:

أن كل شيء من أعضائهم مزدوج فهو مؤنث: يد قوية....أذن طويلة... إلخ.

وما يملكونه مفردًا فهو مذكر: جبين مشرق. صدر متسع. ولكن بعد التحقيق من كل الأعضاء تبين شذوذ الأعضاء التالية: عنق، كبد، كرش، شارب.... وغيرها

الحلقة السابعة

كانت للأستاذ أحمد إدريس سُنّة حميدة يدأب عليها، هي تصحيح بعض الأخطاء الشائعة أمام جمهور المديرين. ومما لفت إليه الانتباه أمام المديرين لفظة تهمهم - " المدراء " التي هي خاطئة، ذلك لأن (مدير) اسم فاعل من أدار، وعلى هذا يجب أن يكون الجمع مديرين. ومثلها (مشير) و(معيل) وغيرها...

فرجاء من " صدى التربية " وسواها من مجلات المعلمين ألا نعود ونقرأ بها " اجتماع المدراء "...

ومن الكلمات التي أفدتها منه " تسلّم ". فلا يجوز أن نقول استلمت رسالة إلا إذا كانت من حبيب فاستلم معنا قبل. وهكذا يستلم المسلم الحجر الأسود وقريبه يتسلم رسالة منه بوصوله سالمًا.

الكفاءة:

الكفاءة في لغة الشائع تعني المقدرة والجدارة، ولكن المعاجم تأبى ذلك. فالكفاءة معناها المماثلة، وهو كفؤ تعني نظير (وتجمع أكفاء). على هذا نفهم قوله تعالى " ولم يكن له كفؤًا أحد ".

وندرك قول المتنبي:

إنما التهنئاتُ للأكْفاء       ولمن يدّني من البُعداء

ولربما يسأل سائل: إذن ما هي المقدرة والجدارة؟ نقول له هي: الكفاية وهو كافٍ أو كفيّ بالأمر، جدير به وجمع (كاف) كافون. وجمع (كفي) كفيّون أو أكفِياء...

أما الكلمة كفيف التي تعني أعمى فجمعها أكفّّاء.

ولكن، ومع ذلك، فالمجاز يسمح لنا لأن نقول هو (كفؤ) لهذه المهمة، فإذا كان جديرًا وأهلاً فهو مثيل ونظير لهذه المهمة، وكأنه مطابق في القدرة عليها، وعليه فتصح الكفاءة كما أرى - مع أني شخصيًا لا أستخدمها بهذه الصورة في كتاباتي وخطاباتي.

الرفاه:

كلما أراد أحدهم أن يهنئ صاحبه بزواج كتب له جملة تقليدية بالرِّفاه والبنين. وقد أزعجتني كلمة (الرفاه) هذه ، رغم إمكانية معناها الترفيهي.

وأرى إما أن تكون الرفاهية (دون تشديد على الياء) أي هدوء البال والسعادة، وإما أن تكون الرِّفاء وتعني الوفاق.

إذن، فلنقل للصديق الذي تزوج مؤخرًا بالرِّفاء والبنين (مع أن هناك بعض ما رُوي على لسان الرسول عليه السلام أنه قد تحفظ من هذا الدعاء)، وحبذا أن نجدد في التعابير دائمًا؟

المتوفّي:

واعتدنا كذلك أن نلحظ من على صفحات الجرائد " كان المتوفي تغمده الله برحمته طيب القلب "...، ولو درينا من هو المتوفي لاستغفرنا الله.

وكم أحرى بنا لو قلنا المُتَوَفى، ولا أخال أحدًا يجهل من المتوفي فهو الله، أو وكيله عزرائيل، أو أي شيء آخر..... ومع ذلك فهناك من برر اللفظة بدعوى أن عليًا كرم الله وجهه كان يقرأ الآية "والذين يَتَوفَّوْن منكم...." بالبناء للمعلوم، وفي لسان العرب: توفّي فلان: استيفاء مدته التي وُفِـيَت له.. (انظر: إميل يعقوب: معجم الخطأ والصواب، حيث يوثق مصادر تجيز ذلك)... ومع ذلك، ففي رأيي أن البناء للمجهول أصح وأكثر منطقًا.

مسرحيتين أخريين؟؟:

كان الأستاذ سليم خوري قد جذبه رنين السجع فجعل كتابه الأخير تحت عنوان: حنين ومسرحيتين أخريين...

سامحه الله فهو أديب... وغلطته بعشر. فما لم تقل "سليم يقدم مسرحيتين أخريين" يجب الرفع.

ألامرأة:

والشاعر سميح القاسم في مسرحيته قرقاش التي وصل بها إلى مستوى فني مرموق يكرر استعمال ألامرأة وهي نادرة الاستعمال في كتب اللغة. لأن "امرأة" إذا دخلت عليها أل التعريف تحذف فيها همزة الوصل = المرأة.

الحلقة الثامنة:

الجريدة والصحيفة

من الكلمات المولدة التي لا غنى عنها في موسوعنا اللغوي الجريدة التي أطلقها أحمد فارس الشدياق "صقر لبنان". وقد أخذها من "لسان العرب" ومن الحديث الشريف: "كتب القرآن في جرائد". والجريدة هي خوص النخل، فإن كان عليها ورق سميت سعفًا.

ولقد نافستها كلمة صحيفة، وهي أشمل في معناها، استعملها أصلا الكونت سليم الدحداح، اللبناني الأصل.

والصحيفة هي الورقة التي نكتب فيها، جمعها صحائف وصُحُف وصُحْف. وفي التنزيل "إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى".

وصحيفة المتلمِّس مشهورة في الأدب، إذ كتب عمرو بن هند، ملك العرب، إلى عامله في البحرين بقتل صاحب الرسالة، فاكتشف المتلمس الخدعة ونجا برأسه. وأذكر أنني قرأت في مصدر ما أن كلمة مُصْحـَف حبشية الأصل، ولكن "البستان" قاموس عبد الله البستاني يقول "سمي المصحف مصحفًا لأنه أُصْحِف أي جعل جامعًا للصحف المكتوبة بين الدفتين".

وقبله قال الفراء إنها مصحف (بضم الميم أو كسرها) وفي "القاموس": الصحفي الذي يخطئ في قراءة الصحف. وفي المعاجم التي استوعبت الكلمات المولدة الصحفي هو الذي يتلقى العلم عن صحيفة لا عن أستاذ، والمحرر يدعى صِحافيًا.

أما المُصَحِّف فهو منقح اللغة ومهذبها، غير أن (صحَّف) أيضًا تعني أخطأ في القراءة أو حرفها عن وضعها.

وعلى سبيل الفكاهة أو الطرافة أسوق هذين البيتين في وصف بخيل:

رأى الصيف مكتوبًا على باب داره      فصحّفــه ضيفــًا فقام الى السيف

   وقال لــه خيــرًا فظــــن بأننــــا     نقول له خبزًا فمات من الخوف

 

المجلة :

قال ابن الأعرابي: " قلت لأعرابي ما المجلة وفي يدي كراسة -.

فقال الأعرابي: التي في يدك.

وهناك أكثر من إثبات أن المجلة كلمة قديمة استعملت بمعنى الصحيفة فيها الحكمة. قال النابغة في إحدى غسانياته "كِلِيني لهمٍّ.....":

مجلـَّتُهم ذاتُ الإله ودينُهم    قويمٌ فما يرجون غيرَ العواقبِ

والشعراء... الغاوون

ترى كم منا يلفظ الكلمة الناقصة جيدًا فيقرأها يَتَّبعهم (بتشديد التاء).

وفي الأمثال:

 أتْبِع الفرس لجامها

أو أتبع الناقة زمامها

أو أتبع الدلو رشاءها.

 وأصل الحكاية لما أغار ضِرارًا على حي عمرو بن ثعلبة أخذ أمواله وسبى نساءه. فلما حضر عمرو لحق بالمغير وطلب قَيـْنته الرائعة، فردها ضرار ،وحبس ابنتها سلمى بنت وائل. فقال له حينئذ اتبع الفرس لجامها، فجرت مجرى المثل. وكم من مثل له قصة تحتاج إلى كشف.

والآن لو نظرنا إلى القينة الرائعة، ولنفرض أنها كقينة طرفة التي تروح علينا بين بُرد ومُجسَد، فما هي الصفات الدقيقة لها؟

- صباحة الوجه، وضاءة البشرة، جمال الأنف، ملاحة الفم، حلاوة العينين، ظرْف اللسان، رشاقة اليد، لباقة الشمائل. ولا يهمنا بعد إن تعلمنا دقة الوصف أن كانت حقًًا هي كذلك، أم لا. وما أكثر ما نرى على هذه الشاكلة.

 

الحلقة التاسعة

غريب الكلام....

الحق أن لغتنا نبذت الكثير من الكلمات الجاسية حتى أصبحت مأنوسة فيها طاقة إيحائية، ولا نرى بعد من يدعو الأسد بالفدَوْكَس، واختفت كلمات كزّة أمثال الغبطنط... والعشنو والجشرب والقوشب، ومن أراد أن يعرف معانيها فليبحث عن خنفشار.

وخنفشار لقب غلب على رجل ادعى المعرفة وهو جاهل، كان يجيب عن كل سؤال، فاجتمع نفر من العابثين قالوا: هيا نخلق كلمة، وليأت كل واحد بحرف، فتبرع كل منهم بحرف حتى اجتمعت لهم كلمة خنفشار،وما إن حضر صاحبنا المدّعي حتى واجهوه بالسؤال: و ماذا تعني كلمة "خنفشار"؟

ففكر وقدر، ثم أجاب الواثق من نفسه أنه نبات يعيش في اليمن، ومن لا يصدق فليسمع استشهادًا ببيت شعر لشاعر جنّده توًا:

"لقد عقدت محبتكم فؤادي  كما عقد الحليبَ الخنفشارُ"

يذكرني هذا بنكتة بشار، عندما قال على لسان حمار:

                    سيدي خذ بي أتانًا   عند باب الأصبهاني

                    تيّمتـني إذ رأتنـي      بثناياهــا الحســـان

                    ذات غنـــج ودلال  سل جسـمي وبـراني

                    ولهــا خــد أسـيل   مثـل خـد الشَّــيفران


 

سألوه: ما الشيفران؟ أجاب بشار: " هذا من غريب الحمار، اذهبوا واسألوه ! ".

* * * * *

يحكى أن أبا الهندي الذي عاش في العصر العباسي - كان يعمد إلى عويص الألفاظ، فيخاطب خادمه بها، فإذا لم يفهمه طرده شر طردة حتى جاءه " من يعرف البلوط " على رأي المثل، فسأله ذا صباح::

-                     يا غلام هل أصقعت العتاريف؟

-                     زقفليم يا مولاي.

-                     ويحك، وما زقفليم؟

-                     وما أصقعت العتاريف؟

-                     يا لك من غبي، ألا تعرف أنها تعني: أصاحت الديوك؟

-                     ومثلك في فضلك وعلمك، ألا تعلم أن زقفليم تعني لا؟

ويحكى أن أعرابيًا صاد قطًا ولم يكن يعرفه. سأله الأول: ما هذا السِّنَّوْر؟ سأله الثاني: ما هذا القط؟ والثالث: ما هذا الهر؟ والرابع: ما هذا الضَّيون؟ والخامس: ما هذا الحيطل؟ فمنّى الأعرابي نفسه بربح طائل من ورائه، وما عتّم أن قال بعد أن خاب أمله:

 " لعنة الله عليه ما أكثر أسماءه وأقل ثمنه !".

لا ننس ونحن في سيرة القط أن نجمع القط على قِطَطة (وليس القطط).

 

ونقل لنا الرواة أن أم الهيثم وهي أعرابية تعتبر مرجعًا لغويًا آنذاك، نزلت في العراق أيام احتدام النزاع اللغوي بين البصرة والكوفة ؛ دخل أبو عبيدة مع طائفة من العلماء يسألونها عما كانت عليه من مرض فقالت:

" كنت وحْمى للدِّكة، فشهدت مأدُبة، فأكلت جبجبة من صفيف هِلَّعة فاعترتني زُلَّخة ". فلم يفهموا عنها.

قالت إنها لغة قريش:

الدِّكَّة: الدسم.

الجَبجبة: الكرش يملأ بالشحم.

الهِلَّعة: أنثى المعز.

الزُّلَّخة: وجع يصيب الظهر.

فإذا كان أبو عبيدة قد بُهت، فما أحرانا اليوم ونحن أصحاب ذوق آخر أن ننكر هذه الكلمات المتعسفة...... ولعل في دعوة الأستاذ احمد أمين إلى إخراج هذه الكلمات من معاجم الطلاب شيئًا من الصدق.

فليكن مقالنا يسيرًا لينًا نفتش عن المعنى أولاً، ونلبسه الثوب الزاهي، ولكل مقام مقال. ولتكن لنا في قصة النحوي الذي وقع في الكنيف عبرة:

 كان يستنجد بلغة مسجوعة منمقة: هات لي حبلاً دقيقًا ، وشدني شدًا وثيقا ، ثم اجعل ذلك رقيقًا !

.. فما كان ممن حضر ليسعفه إلا أن قال:

 " امرأتي طالق إن أخرجتك ".

 

الحلقة العاشرة

البؤساء

البؤساء: ترجم حافظ إبراهيم رواية البؤساء لفيكتور هوجو في لغة جزلة الألفاظ قوية التركيب، وأهداه إلى الأستاذ الإمام.

واعترف أستاذنا طه حسين أنه استخدم المعجم أكثر من مرة لفهم مقدمته...وقد شنت عليه حملات لغوية أنه أخطأ في الجمع، وعليه أن يستخدم (البؤْس) على نحو ما قال تأبط شرًا:

قد ضقت من حبها ما لا يضيقني   حتى عددت من البؤس المساكين

والرأي أن البؤساء تصح من ناحتين: أن تكون جمع بئيس (بمعنى بائس، فما يمنع ذلك؟)، فإذا قلنا كريم = كرماء، وبخيل = بخلاء فبئيس جمعها بؤساء...ثم إن فاعل إذا كان وصفًا دالاً على سجية وأمر فطري يجمع على فعلاء، نحو: عاقل = عقلاء، شاعر = شعراء، فما المشكلة أن تكون بؤساء جمعًا لبائس أيضًا؟

أحفاد

كلنا نقول هؤلاء أحفاد الجد، ولم أعثر على كلمة أحفاد في المعاجم القديمة، فهي حَفَد وحُفداء وحفدة.

وفي الذكر الحكيم ورد جمع حفيد حفدة (سورة النحل 72):

"والله جعل لكم من أنفسكم أزواجًا، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة، ورزقكم من الطيبات، أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون".

تحيك الثوب

ومضارعه حاك: يحوك (في الوسيط تجوز يحيك، بينما أورد لسان العرب على لسان  الأزهري أن هذا غلط، فحاك يحيك معناها تبختر واختال)، ومصدر حاك سماعي: حِياك أو حِياكة.

 ويخطئ من يقول البلد محيط بالجيش. والصواب محوط.

ولمن يجادل بعد.... أقول كما قال معلم لي: "هذا ما نطق به العرب".

سويًا

ونقول ذهبنا سويًا، وهذا خطأ، لأن سويًا تعني من لا داء به ولا عيب أو كاملا مستقيمًا.

قال تعالى:"فتمثل لها بشرًا سويا".

وفي مكان آخر: "قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا". "أفمن يمشي مكبًا على وجهه أهدى أمن يمشي سوّيًّا على صراط مستقيم".

سواء

وقد حاول صاحب "المزهر" أن يفرق بين سواء وسواسية، فجعل الأولى للخير والشر، وخص سواسية بمعنى الشر. وفي هذا غرابة، فهل قصد عمر شيئًا عندما قال: "الناس سواسية كأسنان المشط".

سجل الكتاب

وسجل في المعاجم معناها قرأ قراءة مفصلة....أما الآية: "يوم نطوي السماء كطَيِّ السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًَا علينا أنا كنا فاعلين"، فقد فسرها سيد قطب:

"فإذا السماء مطوية كما يطوي خازن الصحائف صحائفه، وقد قضي الأمر وانتهى العرض وطوى الكون الذي يألفه الإنسان."

 جديلة

لهذه الفتاة جديلة طويلة تسبي متتبعي الحسن حتى تكاد تكون مشنقة على رأي أحد شعرائنا المحليين. وجديلة في اللغة معناها طريقة. ومن قرأ معلقة امرئ القيس يجد وصف الفرع الأسود الفاحم الذي يزين المتن يقول:

غدائرُه مسْتَشْزراتٌ إلى العلا   تضل العقاصُ في مثَنًّى ومرسَلِ

ألا نشتم من غديرتها رائحة " الكوافير ".

بذلة

اشترى الأستاذ بذلة، نبارك !

ولكن ما رأيكم أن نبقيها (بدلة) كما نقولها في لغتنا الدارجة، وإلا فالأستاذ يلبس الثوب الخلق.

ناهيك

كنت أخطئ في استعمالها، فأكتبها وكأنها تعني (بالإضافة إلى) على غرار: "هذا طالب نشيط ناهيك بما يتمتع به من فطنة". والصحيح أنها تدل عن التعجب فنقول: هذا رجل... ناهيك من رجل.

فِطـَحل

وأرجو أن يكون لفظ فطحل بكسر الفاء وفتح الطاء.

و "إلى لقاء" كما يقول فاروق شوشة في برنامج "لغتنا الجميلة".

 

الحلقة الحادية عشرة

اللغة معاناة !

تحاول بعض الكتب الأدبية أن تظهر العربي في العصور الأولى - وكأنه ينطق الكلمات معرَبة...تسعفه سليقة حادة. وهذا أمر غير دقيق....إذ تدل ملاحظات الجاحظ على أن المحادثة السليمة الخالية من اللحن لم تكن تُـنتظر..... إلا من قِبل الأعراب الذين ينطقون اللغة العربية الخالصة، أو من بلغاء القرن الثالث.

وفي ظني أن هذا الإعراب لا يتأتى إلا بعد مغالبة ومجاهدة. قال الرسول الكريم عندما سمع أعرابيًا يخطئ في لغته أي يلحن: " أرشدوا أخاكم فقد ضل ".

وسُمع في العراق لحن " هذه عصاتي " بدل من عصاي.

ونعرف شكوى الرجل إلى علي: " إن أبونا مات وخلف لنا بنون "....

كل ذلك أو نحو ذلك - أدى إلى إنشاء علم النحو.

وهذا لا يعني أن أبا الأسود الدُّؤَلي قد جدد، وإنما قيد ما كان معهودًا آنذاك.

فهذا الخليفة عمر بن الخطاب كان متعصبًا للغته، ضرب ابنه على لحن، وطلب من أبي موسى الأشعري أن يضرب كاتبه لأنه كتب باسمه إليه: " من أبو موسى ".

وهذا أبو الأسود الدؤلي، أستاذ العربية الأول، يسير مع ابنته في ليلة جميلة فتقول ابنته:

ما أجملُ السماء  ، فيقول أبو الأسود : النجوم.

قالت: قصدت أن أقول إن السماء جميلة. قال لها:

إذن قولي: ما أجملَ السماء ! فإن الصيغة الأولى للاستفهام، والثانية للتعجب.

سأل الحجاج بن يوسف يحيى بن يعمر النحْوي أتراني ألحن؟ أجابه النحوي لا، خوفًا من بطشه... وملقًــًا له. ولجَّ عليه الحجاج، وأقسم على النحوي أن يصدقه،  فأجاب : نعم ، إنك تقول:

" قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم  وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشَون كسادَها (أحبُّ) إليكم من الله ورسوله " والصواب (أحبَّ).

ولمن يسأل عن مصير النحوي....فقد نفاه إلى خراسان.

ولعل عبد الملك كان يتوجس خيفة من الخطأ حتى اعترف أن الشيب الذي اشتعل برأسه كان بسببه.

أما في الشعر فقد كنت أتصور بادئ ذي بدء أن الأعراب كلهم شعراء، وذلك بإيحاء من الأستاذ أحمد حسن الزيات (في كتابه تاريخ الأدب العربي) الذي جعل صفاء السماء واتساع أرض الجزيرة مجالا / مسرحًا آهلاً بشياطين الشعر.

ألا ترى أن الشعر معاناة قبل أن يكون موهبة.

هذا عَـدِي بن الرِّقاع من دمشق عاصر جريرًا يقول:

وقصيدةٍ قد بتُّ أجمع بينــَها    حتى أقوِّمَ ميلَهـــا وسنادَها

وقال كعب بن زهير:

 فمن للقوافي شأنها من يحوكُها       إذا ما ثوى كعبٌ وفوَّز جرولُ

  يقوِّمـها حتـى تليـنَ قنـاتُـــــها        فيقصـرُ عنهـا كـلُّ مـا يتمثـل

وسواد بن كراع العكلي " يبيت بأبواب القوافي " والبحتري " ينتقيها كما يُنتقى التبر "، وزهير ننتظره حولا ً، وعبيد الشعر ينظرون إلى لغتهم " نظر المثقف في كعوب قناته ".

وصدق الحطيئة في قولته " الشعر صعب وطويلٌ سلَّمه ".

وهكذا نرى أن اللغة والشعر يحتاجان إلى رياضة حتى ينقاد الأبيّ ويسهل العصيّ.

فالمعرفة هي الكفيل نحو المنشئ والشاعر، وإلا فمصير المنكر مصير من:

"زلّت به إلى الحضيض قدمُه

يريد أن يعربَـــــــــه فيعجمُه"

 

 

 

الحلقة الثانية عشرة

وُجهت إلي بعض الأسئلة منها:

لم بدأت في الحلقة الأولى متعاليًا فقلت:

"وأرجو أن تكون هذه الزاوية وما نثيره حولها معلمًا في لغتنا الجميلة"؟ فكيف تفترض أنها تعلمنا؟ والمعذرة لهذا الصديق، فأنا ما قصدت إلا مَعْلَمًا التي تعني إشارة بارزة، وما كان من أمري التعالي - معاذ الله.

وسأل زميل آخر:

كيف تقول: "وأرجو ألا تشترطوا علي إثارة نقاط لا تعرفونها "؟ كيف تذكر أن جمهرة المعلمين لا تعرف ما تقول؟ وأنا أعتذر ثانية عن عدم الوضوح أو الالتباس الذي أدى بالزميل هذا المؤدى.

وحتى نبسط الأمر ننزع النفيــين من الجملة فنفي النفي إيجاب "وأرجو أن تشترطوا علي إثارة نقاط تعرفونها". أتراني قد بلَّغت؟

وسأل زميل آخر:

ما هو تشكيل مجهر التي أوردتها في الحلقة الثالثة؟ والجواب: مُجْهَر، لأن الفعل أصله أجهر وليس جَهر ومعناها ضخم أو كبير.

وكذلك نقول مُتْحَف لأن الفعل أصله أتحف....(علمًا بأن مَتحف مقبولة، فلا غضاضة على من يستعملها).

وسأل زميل: لماذا نخطِئ عندما نقول الفتاة الساقطة ونفترضها الساقط؟ الإجابة أن الذنب يقع على المطبعة فلقد كتبت: الفُتات الساقط، وربما ظنني عامل المطبعة مخطئًا... وأنني لا أعرف كتابة فـــتاة.

وسأل زميل: لماذا تقول صَحافة وهي صِحافة على وزن فِعالة التي تدل على حرفة؟

وأنا لا أذكر متى قلت ذلك، ومع هذا أذهب إلى ما ذهب إليه الزميل.

وقد وقع لي مع صديق نقاش حول ( كلا)  التي يريدها بمعنى لا.

يسأل المعلم: هل انتصر نابليون في روسيا؟

يجيب الطالب: كلا.

والذنب ليس ذنبه. لنتصفح " شذور الذهب " ونرى رأي شيخنا أبي هشام الأنصاري.

كلا في العربية على ثلاثة أوجه:

1-     حرف ردع وزجر. قال الله تعالى: "كلا إنها كلمة هو قائلها" إشارة إلى قول القائل:"رب ارجعون لعلي أعمل عملاً صالحًا فيما تركت".

2-     بمعنى حقًًا نحو "كلا إن الإنسان ليطغى". وربما فسرت هنا بمعنى - ألا الاستفتاحية.

3-     وترد قبل القسم نحو "كلا والقمر" بمعنى أي والقمر.

فمن أين هذا المعنى  ( لا) لمجرد النفي ؟

وساقنا هذا الحديث إلى إعراب (نعم) و (لا) ، ووجدنا في كتب اللغة:

(لا) أنواع: منها النافية ولها أربعة معان:

أ‌-       نافية للجنس: لا طالبَ في صفه؛

ب‌-  تعمل عمل ليس: لا رجلٌ قائمًا؛

 جـ- نافية للعطف: جاء أحمد لا محمود؛

 د- حرف جواب مناقضًا لنعم.

ومنها لا الناهية وهي معروفة.....لا تحزنْ إن الله معنا....

زائدة لتقوية المعنى: نحو قوله تعالى: " ما منعك ألا تسجد " أي ما منعك أن تسجد.

 

نعم لها أربعة معان:

1-     حرف تصديق. إذا وقعت بعد الخبر: حضر المعلم !

 جوابه (نعم) = أي حضر.

2-     إذا وقعت بعد الأمر أو النهي كانت حرف وعد نحو: ساعد الضعيف ! جوابه: نعم، أي أعدك بذلك.

3-     إذا وقعت بعد الاستفهام كانت حرف إعلام نحو: أجاء أبوك؟

جوابه: نعم، أي أعلمك بمجيئه.

4-     حرف توكيد. إذا وقعت في صدر الكلام: نعم، إن الحقيقة مرة.

 

الحلقة الثالثة عشرة

شوارد لغوية

إذا قال لك صديقك: "أنت بُهلول"... فظن به خيرًا ولا تغضب، فالبهلول هو السيد الجامع لكل خير:

أصبح الملك ثابتَ الأساس        بالبهاليل من بني العباسِ

ولكن إذا داعبك صديقك غامزًا ، وقال لك:"يا أستاذ!" بلهجة مغايرة، فلا تتحمس للقب كثيرًا هذه المرة -!

... ومن شاء أن يعرف المعنى الآخر لكلمة أستاذ فليراجع ديوان المتنبي قافية الذال وسيتعرف إلى كافور.

كنا في الصف الثاني نقرأ درس الهريسة في كتاب "الجديد" لمؤلفه خليل السكاكيني.

يسأل الأستاذ كيف تصنع الهريسة، فيجيب التلاميذ: نضع اللحم والبصل والسمن وغيرها.... فقال أحد التلاميذ: يا أستاذ يا أستاذ!! بالمفهوم الحالي

فقال له الأستاذ: ماذا؟ فقال: نسي الملح. كنا نظن المسألة نكتة وضحكنا جميعًا.

هكذا أوحى لنا معلمنا. وكم من طالب تعلم هذا الدرس خطأ.

فالهريسة هي أكلة نفس الأكلة الموصوفة في الدرس وأراد السكاكيني أن يعلم الطالب الدقة، فلا ينسى الأشياء الصغيرة.... فلولا الملح لفسدت أكلة الهريسة.

في كتاب "الجديد" وصايا في أدب الطعام يقول في إحداها:

"قم عن الأكل وبك خصاصة" !

 ويحفظها الطلاب... ومن جملتهم أحد أبناء الكاتب اللبناني أنيس فريحة.

 ولما سأل الابن أباه عن معنى خَصاصة لم يعرف الأديب، فطلع علينا بمقال نقدي يدعو إلى تعليم الأطفال اللغة العامية سامحه الله !

والخَصاصة معناها الحاجة، وترد بمعنى الفقر... أما الخُصاصة فهو ما تبقى بعد الجمع والحصاد في المزارع.

وقد جمعت بعض الكلمات من شتى أسفار اللغة مما يلتبس على البعض.

        نقول جلس الضيف وسْط القوم أي بينهم، ولكنا نقول وَسَط الدار.

        نقول بيننا عَلاقة ودية ،  فالعِلاقة هي المِشْجَب.

        نقول نفـــَذ السهم (ينفــُذ) عبر الحائط... ونفِـــد الطحين (ينفـــَد) من الدار.

        ونعني بالرُوع النفس والرَوع الخوف. دخل في رُوعه أنه هدأ من رَوْعه.

        ونقول نشط العقدة شدها، أنشطها: حلها.

         هجد العاقل: نام، تهجد: سهر.

        قسط القاضي: جار، أقسط: عدل.

        حرج المذنب: وقع في الحرج، تحرج: تباعد عن الحرج.

        ونقول أنت عَدلي أي مثلي في السن، ولا أقول عِدل لأن معناها زنة.

        ونقول حَمْل الشجرة وحَمْل الأم ،  ولكن حِمل على ظهر الحيوان....    والحَمَل معروف جمعه حملان وأحمال.

        ونقول الأشعراني طويل شعر الرأس وما أكثرهم اليوم والأشعر طويل شعر اليدين.

        الإدْلاج سير أول الليل. الإدِّلاج سير آخر الليل.

        ونقول خَصلة حميدة (في الحديث: من كانت فيه خَصلة من خصال النفاق...."، ونقول خُصلة وخَصلة من العنب.

        ولا نقول الموقف خطير ،  بل الموقف ذو خطر لأن معنى خطير رفيع أو شريف.....وما له خطير تعني ما له مثيل.

ويحب طه حسين أن يدقق بين معاني كأس وكوب وقدح فهو لا يستعمل في ترسله كأسًا فارغًا، فالعرب قالوا قدحًا أو كوبًا أو زجاجة. أما إذا امتلأ فهو كأس. وإليك بعض هذه الكلمات المشروطة في وضع آخر.

القديد هو طبيخ اللحم مضافًا إليه التوابل.

الثرى هو التراب عليه الندى.

الرُّضاب هو الريق في الفم.

الجحفل: هو الجيش الذي يكون به خيل.

الجب: هو البئر الذي لم تحفره يد الإنسان.

السَّغـَب: هو الجوع الذي يرافقه تعب.

العويل: هو البكاء الذي يصاحبه رفع الصوت.

الخاتم: فتحة عليها فص.

المائدة: هي الخوان عليه الطعام.

ومن الأخطاء الشائعة ألقى الخطيب خِطابًا.

والصواب خُطبة، لأن الخطاب يعني المكالمة والمواجهة، ونقيضها الجواب.

ونقول حضرت حفلة الخِطبة. وعلينا أن ننتبه إذا شئنا الدقة في التعبير... فلا نقول هو خطيب بل خاطب - كما نتحدث في لغتنا الدارجة- ، وفي هذه الثانية عذوبة وطلاوة لا يعرفها إلا الخاطبون.

 

الحلقة الرابعة عشرة

نقدات قديمة

إذا كان الأدب تجسيدًا وتقييمًا للحياة، فإن النقد هو تجسيد للأدب وتقويم له. وكلمة النقد لا تعني بالضرورة تبيان المساوئ دون المحاسن، ولكن ألسنتنا جرت على المفهوم السلبي داعية كلمة التقريظ على المفهوم الايجابي.

ولو عدنا إلى الوراء، إلى مصادرنا الأدبية الأولى، لرأينا طرفة يقف ناقدًا للمسيِّب بن عـَلَس عندما أنشد:

وقد أتناسى الهمَّ عند ادِّكاره    بناجٍ عليه الصيعريةُ مُكْدَمِ

يقول طرفة ساخرًا: "استنوق الجمل" والصيعرية هي سمة خاصة بالنوق لا بالجمال تكون بأعناقها.

فكيف لا يقول المسيِّب (أو المتلَمِّس على رواية أخرى) ناجية ومكدمة؟ والجواب عند طرفة.

ونعرف قصة النابغة إذ كان في بعض شعره إقواء (وهو تغيير حركة الروي) غفل عنه حتى غنت جارية:

زعم البوارح أن رحلتنا غدًا  وبذاك خبرنا الغرابُ الأسودُ

وكانت رويّ النابغة مكسورًا، ففطن إلى الهَنة وجعل العجُز ":

وبذاك تنعاب الغراب الأسود ".

وامرؤ القيس عندما صاوله عَلقَمة بن عبَدة في شعره يحتكم هو وصاحبه إلى أم جُندَب وهي زوج امرئ القيس.

يقول الأول:

فللسوط الهوب وللساق درة   وللزجر منه وقع أخرج مهذب

ويقول الثاني:

فأدركهن ثانيًا من عنانه           يمر كمر الرائح المتحلب

فحكمت أم جندب لعلقمة، إذ قالت لبعلها: علقمة أشعر منك.

 قال: وكيف؟

قالت: لأنك زجرت فرسك، وحركته بساقك، وضربته بسوطك. وأنه جاء هذا الصيد، ثم أدركه ثانياً من عنانه، فغضب امرؤ القيس وقال: ليس كما قلت، ولكنك هويته، فطلقها، فتزوجها علقمة بعد ذلك، وبهذا لقب علقمة الفحل..

 ومع أن القصة ينكرها طه حسين في جملة ما أنكر من الشعر الجاهلي لاعتبارات مختلفة، فإن مثل هذا النقد كان يتسم بالذوق والإحساس الصادقين دون الاعتماد على نظريات نفسية واجتماعية - شأننا اليوم.

وبإيجاز، فإن سبب الحكم هو كون امرئ القيس قد أجهد فرسه أيما إجهاد، وجعله يُزجر، حتى وقع كذكر النعام المسرع. وأما فرس علقمة فقد مر كما يمر سحاب العشي المتساقط.

وتنقل لنا الأخبار الأدبية أن النابغة كان ينصب قبة من أدم، فيجلس للقضاء في الشعر.. وليقول القول الفصل في شاعرية شعراء ذلك العصر.

يقول حسان في مجلس النابغة متحديًا بقوة سبكه:

لنا الجفناتُ الغرُّ يلمعن بالضحى    وأسيافنا يقطرن من نجدةٍ دما

فنظن هذا البيت لا يشوبه عيب، وإذا بالخنساء تجد له عشر ثغرات في معاني الكلمات وظلالها الدلالية...ذكرها صاحب الأغاني، ومن شاء فليعد إليها.

ويستمر الذوق في الحكم الأدبي ولكن بزيادة رهافة وبعد نظر.

فشتان بين معنى " هذا ابن هرْمةَ واقفًا بالباب " ومعنى ".... قائمًا بالباب "، ومعنى "....قاعدًا بالباب ". ويميز المتنبي بين الحائك والبزاز، و يقنع سيف الدولة عندما نقده في توزيع عجزين لبيتين أنهما في صيغته أهدى وأبدع.

ويقول بشار في قصيدة عذبة:

وإذا قلت لها جودي لنا      خرجت بالصمت عن " لا " و " نعم "

 نفّسي يا عبدُ عني واعلمي   أننــــــــي يا عبــد من لحــــــم ودم

ويعلق أحدهم: لماذا لم تقل (خرست) بدلا من (خرجت) فبادره بشار:

إذن... أنا في عقلك؟ ! فض الله فاك ! أتطيّر على من أحب بالخرس !

وكأني بالأدب العربي قد أصابه بعض الركود لرفضه الجديد. حدث إسحق بن إبراهيم المـَوصلي قال: أنشدت الأصمعي:

           هـل إلى نظـره منـك سبيـل  يُروَّ منها الصدي ويشفى الغليل

           إن ما قل عندك يكثر عندي     وكثير ممـن تحــب القليــــــل

فقال الأصمعي معجَـبًـا: لمن هذا الديباج الخسرواني؟

قال: فقلت: هي لي وهي بنت ليلتها، فقال: لا جرم أن فيها ضعف التوليد....وفي رواية أخرى قال له: خَرِّق خرِّق !!

وقد راق لي ما قرأته في كتاب المنصف لابن وكيع التنيسي، إذ يعلق على هذه القصة: "ما أقبح رأي علمائنا في أن يرد عليهم اللفظ الذي لا يعجب والمعنى الذي لا يطرب فيعظمون أمره ويجلون قدره، لأنه لمن تقدم زمانه وبعد أوانه.... فإذا وافاهم المحدَث باللفظ العجيب والمعنى الغريب أعرضوا عنه وغضّوا منه وأنفوا من رواية قوله: حتى إن أبا عمرو بن العلاء قال: لقد كثر هذا المحدث حتى لقد هممت بروايته يعني شعر جرير والفرزدق، فقدم عذرًاً في روايته، حتى كأنّ الفضل مقصور على من تقدم زمانه أو لم يكن القديم محدثاً..... وأظنهم يرون الشعر بمنزلة المشروب، كلما عتق كان أفضل له." والفكرة وردت قبله لدى ابن قتيبة في الشعر والشعراء، فهو أبو الموضوعية في النقد  - في رأيي...

 

الحلقة الخامسة عشرة

النحو بين البصرة والكوفة

 

كان سيبويه عندما يورد شوارده اللغوية يكثر من استعمال " سمعنا العرب الموثوق بهم " أو " سمعنا فصحاء العرب " " وأنشدنا ممن صحت عربيته ".

 

ولرب سائل يسأل: على أي القبائل كانوا يعتمدون في الرواية؟

على سبيل الحصر هي: قيس، وتميم، وأسد. وعليها كان الاتكال في الغريب، وفي الإعراب والتصريف، ثم هُذَيل، وبعض كنانة، وبعض طيِّيء. ولم يؤخذ من سواها.

فالحضري لان جلده على حد تعبير أبي عمرو بن العلاء..... يسأل عمرو صديقه أبا خيرة: كيف تقول استأصل الله عرقاتَهم أو عرقاتَِهم؟

ففتح أبو خيرة التاء.... فقال له أبو عمرو:

" هيهات أبا خيرة لان جلدك ".

ولعلنا نعجب اليوم كيف كانوا يذرعون البادية بحثًا عن معنى كلمة، وخاصة ما ورد في القرآن وأشكل عليهم..... ويحكى أن بعضهم التبس عليه قول الله تعالى:

" وما الحياة الدنيا إلا متاع الغُرور " (آل عمران، 185)... فما معنى متاع؟

 فطوى الأرض سائلا حتى وقع على بئر كانت عليه امرأة تستسقي، قالت البنت لأمها وهي في جوف البئر:

" يا أم، ناوليني المتاع " !، فدفعهم حب الاستطلاع إلى معرفة كنه (المتاع) وإذا به خرقة تستعمل للطمث، فرجعوا تدغدغهم نشوة النجاح في كسب المعرفة.

وكان أكثر من يهتم بالرواية شفاهًا عن الأعراب هم أصحاب مدرسة البصرة، وذلك لقربها من البادية، ولتشددها في الحفاظ على الموروث اللغوي والأدبي، فعلى مقربة يقع المِرْبد - وهو سوق عُكاظ المستجد.

أما الكوفيون فقد تبنَّوا فكرة التحرر من قيود اللغة وأُولعوا بالقياس. فإذا صح في اللغة لفظة صَمَخْمخ مثلاً - قاسوا عليها خرجرج وضربرب، وفي ذلك منتهى الغلو.

البصرة كانت تحفظ الشاذ ولا تقيس عليه، ويصل بها الأمر إلى تخطئة كبار الشعراء القدماء، أما الكوفة فيبدو أنك مهما قلت عندهم فهو صحيح هكذا يخيل أن منهج "النحو الوافي" الذي كتبه عباس حسن فيه كثير من المياسرة والإجازة.

ويورد ابن خَلِّكان (ت. 1280م) صاحب وفَـيَـات الأعيان (وَفَيات = جمع وفاة، والياء غير مشددة) مناظرة بين سيبويه زعيم مدرسة البصرة، والكسائي زعيم مدرسة الكوفة.

يقول سيبويه: كنت أظن الزنبور أشد لسعًا من النحلة فإذا هو هي.

ويقول الكسائي: فإذا هو إياها.

ويتحكمون لدى عربي سليم الطبع سوي السليقة فيصوب سيبويه، ويخطِّئ الكسائي، ولكنه لا يجرؤ أن يقول الحق في حضرة الخليفة الأمين لأن الخليفة مناصر للكسائي - معلمه وهو يشد أزره.

 فخرج سيبويه غاضبًا بعد أن تمالأوا عليه.

وظلت الخلافات قائمة بين المدرستين جمعها ابن الأنباري في كتاب خاص:"الإنصاف في مسائل الخلاف".

منها المسائل الخاصة بالحقيقة النحوية للكلمة: نعم وبئس أفعلان أم أسمان، أفعل التعجب هل هي فعل، (حاشا) فعل أم حرف، (رب) اسم أم حرف... وهناك مسائل أخرى موضع خلاف.

ونحن اليوم يغلب علينا منهج سيبويه مؤلف " الكتاب " فمن يركب البحر يعرف ما فيه من در.

أو كما يقول المتنبي " فمن ركب البحر استقل السواقيا ".

 لكن ابن خَلـِّكان أراد أن يشكك في مقدرة سيبويه، وجعل الفضل الأوفى والقِدْح المُعَلّى لعيسى بن عمر الثقفي - وهو نحْوي يكاد أن يكون مغمورًا.

سأل الخليل سيبويه عن عيسى بن عمر فقال: صنف نيفًا وسبعين مُصَنفًا في النحو لم يبق منها إلا كتابان " الإكمال "، و " الجامع " وهو هذا الكتاب الذي اشتغل فيه، فأنشد الخليل:

        ذهب النحو جميـعــًا كـلــه   غير ما أحدث عيسى بن عمر

        ذاك إكمــال وهــذا جـامـــع   وهمـا للنـاس شـمس وقمــر

وأراد ابن خلكان أن يوحي لنا أن الكتاب ما هو إلا الجامع، أما ياقوت الحموي فلا يدري عنهما شيئًا.

وكان عيسى بن عمر يُعرف عنه التشدد والتقعر في اللغة، وهو الذي قال حين سقط عن حماره واجتمع عليه الناس:"ما لكم تكأكأتم علي كتكأكئكم على ذي جِنّة.... افْرَنقِعوا"!

 


دراسات


 

خطاب الواحد بخطاب الاثنين

نادرة هي اللغات التي تخصص للمثنى صيغًا خاصة في تراكيبها، وخاصة في الأفعال.

 وقد جعلت العربية الضمير الألف مشتركًا للمذكر والمؤنث، ففي قولنا (اِذهبا) فإننا نوجه الأمر للاثنين وكذلك للاثنتـين، بالإضافة إلى أن كلا من الضميرين (هما) و (أنتما) مشتركان، ويلاحظ أن الألف هي دلالة التثنية في الضمائر[2]. ويظل هذا الاشتراك كذلك في المضارع والماضي مع الحفاظ على علامة التأنيث - التاء - للمؤنث، فهما تذهبان وقد نجحتـا.

ولما أن كانت اللهجة المحكية قد ألغت هذه الصيغة واعتبرت الاثنين جماعة، فمحمد وأحمد "سافروا"، و "سألتهم": "تعبتو؟"... وأنتم (للاثنين): تفضلوا ! فإن هذا التأثير أخذ يتسرب للفصيحة في السرد والحوار في روايات مختلفة، وكذلك في ما اصطلح عليه " لغة المثقفين ". وهي من نافلة القول - لا تتوجه للمفرد بأمر المثنى - على غرار ما ورد في نصوص عربية قديمة، كأن نخاطب رجلاً ونقول له: اسمعا ! وهذه المسألة هي من الغرابة بمكان، لذا ارتأيت أن تكون هي بالذات - موضوع الدراسة الذي أتناوله.

من الظواهر التي لا نجد لها تفسيرًا لغويًا هذه الظاهرة التي يؤمر فيها الواحد بأمر الاثنين، كقول الحجاج: "يا حرَسيّ! اضرب رأسه!"[3]، وثـَم استشهاد شعري يتردد في هذا الباب، وهو لسويد بن كراع العكلي:

فإن تزجراني يا ابن عفان أزدجر       

                                 وإن تتركاني أحم عرضًا ممنـّعـا[4]

يقول ابن سلام:"وقوله تزجراني، وتتركاني، وإنما يريد واحدًا، وقد تفعل هذا العرب...."[5]

فهل هذا الأسلوب جاء لتحسين الكلام من جهة المعنى، أو أنه جاء لتحسينه من ناحية اللفظ؟

هل هو مجرد جنوح عن الأصل، أو بلغة النقاد المحدثين (اِنزياح) أو (انحراف)؟[6]

هل الألف هي منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة كما ذهب بعضهم في شرح "قفا نبك.."[7]؟

وقبل أن ندخل الموضوع أؤكد أن هناك من يرى أن الخطاب لاثنين، وليس لواحد، وفي كل نموذج أو مثال سأورده ثمة أكثر من تفسير، ولكن همنا هنا أن نقف عند هذا الرأي السائد لدى كثير من أهل اللغة، وهو أن الخطاب جاء لواحد فقط، ويدل على ذلك السياق، فبعد (قفا نبك...) ورد بيت آخر في المعلقة يبدأ بخطاب (أصاح ترى برقًا أريك وميضه....) بدليل أن المخاطب هو واحد.

  ورد في العقد الفريد:" وقال أهل التفسير في قول الله عز وجل (ألقيا في جهنم كل كفّار عنيد).

إنه إنما أراد واحدًا فثناه، وكذلك قول معاوية للجلواز الذي وكّله برَوح بن زنباع لما اعتذر إليه رَوح واستعطفه: خليا عنه! " [8].

ويستعرض البغدادي في مجمل حديثه عن (قفا نبك) أن فيها أقوالا، يذكر منها: "أحدها لأكثر أهل اللغة أنه خطاب لرفيق واحد، قالوا لأن العرب تخاطب الواحد بخطاب الاثنين، قال الله تعالى مخاطبًا لمالك: (ألقيا في جهنم...)[9]... والعلة فيه أن أقل أعوان الرجل في إبله وماله اثنان... فجرى كلام الرجل على ما ألف من خطابه لصاحبيه ".[10]

وثمة قول آخر أورده البغدادي على أنه للمبرد إذ "قال: التثنية تأكيد الفعل، والأصل (قف قف)، فلما كان الفعل لا يثنى ثُـنّي ضميره".

ولا يغفل البغدادي عن الرأي الذي يرى أن خطاب المثنى هو للمثنى حقيقة، ويقول إنه رأي الزجّاج.

ذكرت آنفًا ما قاله العقد الفريد عن أهل التفسير في مجرى كلامهم عن الآية {ألقيا في جهنم..} فهذا القرطبي يستشهد بما قاله الخليل والأخفش "إن هذا كلام العرب الفصيح أن تخاطب الواحد بلفظ الاثنين، فتقول ": "ويلك ارحلاها وازجراها، وخذاه وأطلقاه للواحد، وقال الفراء: تقول للواحد قوما عني"[11].

ونحن نلحظ رأي المفسر القرطبي الموافق ضمنًا لهذه الظاهرة اللغوية - من خلال وصفه ذلك معتمدًا على الخليل والأخفش بالفصيح (وهو بذلك يرى ما رآه ابن جني[12] من أن ذلك فصيح، وما ارتآه البغدادي بأنه لأكثر أهل اللغة )، و نلحظ هذه " الموافقة " من خلال استطراده في تقديم الأمثلة.

ثم أن أسلوب المبالغة قد يكون في اللغة متمثلا باستخدام صور التثنية أو الجمع، فابن سلام الجمحي ينبهنا إلى نماذج وردت في الشعر القديم، يقول: " وقد تفعل هذا العرب "، ويستشهد بأبيات فيها صيغة المثنى للدلالة على المفرد - "قال الفرزدق:

عشية سال المِربدان كلاهما             عجاجةَ موت بالسيوف الصوارم

.......................

وقال أبو ذؤيب:

وحتى يؤوب القارظان كلاهما    ويُنشر في القتلى كليبٌ لوائل

وهو رجل واحد من عنـزة، ذهب (أن) يجتني القَرَظ، فلم يثبُت أنه رجع.

.......  وقال العجاج: " لا تحسبنّ الخندقيـن والحَفَر " وهو خندق واحد"[13]

ونحن لا نستبعد ذلك، إذ ورد في الذكر الحكيم {رب المشرقين ورب المغربين} (الرحمن 17)، كما ورد في آية أخرى {رب السماوات وما بيـنهما ورب المشارق} (الصافات 5)، وليس هناك أكثر من مشرق واحد، إذا أردنا تعميم الدلالة.

ولكن المفسرين يجعلون كل درجة في طلوع الشمس وكأنه مشرق واحد، فاختلاف مطالع الشمس لديهم هو مشارق، وكذلك جعلوا المشرقين أقصى مطلع تطلع منه الشمس في الأيام الطوال، وأقصر يوم في القصار[14]. وهذا بالطبع لا ينفي أن يكون هناك مشرق واحد بدليل الآيات الواردة في ستة مواقع أخرى[15].

إن مثل هذه الأساليب اللغوية التي تعدل عن الأصل المتعارف عليه من شأنها أن تثير التساؤل، وتترك فسحة لمعاودة النص واستنباط معنى قد تؤديه صورة اللفظة الجديدة.

وعلى ذلك، فقد اعتبر ابن جني هذا "الانـزياح" اللغوي أمرًا عاديًا وهو "ليس بقاطع دليل على ضعف لغته، ولا قصوره عن اختياره الوجه الناطق بفصاحته"[16].

 

*          *


 

إزاء ما ذكرنا أعلاه من ضروب الاجتهاد فإن صورة التأكيد تظل هي الراجحة[17]، فكأن الواحد هو اثنان، ونحن نلحظ ذلك أكثر ما نلحظ في خطاب المفرد الذي يكون له مساعد، أو في موقف يكون المفرد فيه في موقف تأثيري {ألقيا في جهنم...} قفا نبك، اضربا عنقه!، خليا عنه!، فإن تزجراني يا ابن عفان... إلخ).

 ثم إن عدم المطابقة اللغوية كان لكسر آلية ما هو متعارف عليه، فنحن نرى آية "فمن ربكما يا موسى" (طه 49) فقد سأل "من ربكما" وخاطب واحدًا - موسى (وكأن هارون مفهوم ضمنًا أنه معه) أو قوله تعالى "قال قد أجيبت دعوتكما..." (يونس 89) والخطاب مرة أخرى لموسى وحده؛ ومثل ذلك آية "... فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى" (طه 16) بدلا من (فتشقيان).

إنها أساليب تحفز على تدبرها والنظر فيها، وقد تضاف هي و الأضداد والمشترك والعدول وغيرها إلى مجمل المثير للنظر، وهنا لا يكون تحديد الدلالة - عامة - هدفًا، بل إن هذا منوط بمراجعة النص وفهم السياق.

المصادر

القرآن الكريم

ابن جني: الخصائـص، ج 2، (تحقيق محمد علي النجار)، دار الهدى، بيروت 1952.

ابن عبد ربه، أحمد: العقد الفريد (ج 5)، دار الكتاب العربي، بيروت 1965.

ابن فارس: الصاحبي (تحقيق مصطفى الشومي)، مؤسسة بدران، بيروت 1964.

ابن قتيبة: الشعر والشعراء، ج 2، (تحقيق أحمد محمد شاكر)، دار المعارف بمصر 1967.

البغدادي، عبد القادر: خزانة الأدب، ج 6، 11، (تحقيق عبد السلام هارون)، مكتبة الخانجي، القاهرة 1983.

التبريزي، الخطيب: شرح القصائد العشر (تحقيق فخر الدين قباوة)، دار الآفاق، بيروت 1980.

الجمحي، ابن سلام: طبقات فحول الشعراء، ج 1 (تحقيق محمود شاكر)، دار المدني، د. ت.

الزركشي، برهان الدين: البرهان في علوم القرآن، ج2، دار التراث، القاهرة، د. ت.

الزوزني: شرح المعلقات السبع، دار الجيل، بيروت، د. ت.

القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج15، ج17، دار الكتب العلمية، بيروت، 2000.


 

الاسم المقصور في النحو والصرف وأحكامه*

تمهيد:

تطمح هذه الدراسة إلى إيضاح بعض ما أشكل في الاسم المقصور، وهي وان قدمت بأسلوب جديد مغاير لأساليب المصادر القديمة التي عالجت الاسم المقصور والاسم الممدود1 إلا أن التركيز في معالجة هذا الموضوع تعريفاً وتصريفاً من شأنه أن يلقي ضوءاً جديداً على مادة لا يفترض أساساً ضرورة الإبداع فيها، فان لم يجد القارئ جدة في الطرح فلعل تنظيم المادة أو طريقة عرضها قد يكون شفيعاً لإخراجها، تيسيراً للباحث أو تحفيزاً له على تناول الموضوع بما هو أجدى.

1. تعريف الاسم المقصور:

الاسم المقصور هو معرب ختم بألف لازمة "ثابتة"، نحو"الهدى" و"العصا" (والمهم أن تكون ألفاً من حيث النطق ولو رسمت بالياء)

فألف "العصا" مقصورة، وليست ممدودة كما يتوهم بعضهم، ذلك لأن الألف الممدودة هي ألف زائدة تليها همزة نحو "سماء"، "أصدقاء"، وللتمييز بين اسمي الحرفين الأخيرين في كل من "العلا" و"التقى" (وكلاهما اسم مقصور) نسمي الألف الأولى"قائمة"، ونسمي الثانية "ياء مهملة" أو على سبيل الاختصار "ياء".

1-1       والاسم المقصور كما ذكر في التعريف معرب، تقدر عليه حركات الإعراب رفعاً ونصباً وجراً، فنقول في إعراب "الهدى" في قولنا "إن الهدى هدى الله":

الهدى: اسم إن منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة للتعذر.

هدى: خبر إن مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة للتعذر.

ولرب سائل يسأل: إذاً لماذا لا نعتبرها مبنية ما دامت الحركة مقدرة في أحوال الإعراب الثلاث؟

والإجابة: لأن الإعراب في التثنية والجمع يتغير، فنحن نقول في مثنى "الفتى" في حالة الرفع "الفتيَان" وفي حالة النصب والجر" الفتَيَين"[18] بينما المبني لزوماً لا يُثنى ولا يجمع مباشرة، وما دام الاسم المقصور معرباً فليس لنا أن نعتبر الأسماء المبنية أسماء مقصورة، نحو: إذا، مهما، حيثما، كيفما، ما، أنا، أنتما، هما، هنا، هذا... إلخ.

1-2       أما الألف اللازمة أو الثابتة(في التعريف) فهي جزء من اللفظة، بمعنى أنه لا يمكن الاستغناء عنها، فهي ليست عارضة، كالألف في الأسماء الستة، وليست زائدة، أو علامة الرفع في المثنى، أو التي للإطلاق أو العوض أو الندبة... إلخ.

1-3       وهذه الألف ليست أصلية في الاسم، مع أنه لا يمكن الاستغناء عنها، فهي واحدة مما يلي:

أ‌.        منقلبة عن واو أو ياء، ونستطيع أن نهتدي إلى أصلها عن طريق التثنية أو الجمع، فألف "العصا" منقلبة عن واو بديل المثنى "عصوان"، وألف "الفتى" منقلبة عن ياء، بديل التثنية أو الجمع "فَتَيان، فِتية".

ب‌.  مزيدة للتأنيث، نحو: "حُبلى"، ذِكرى"، "بُشرى"...

ت‌.  مزيدة للإلحاق، نحو: "أَرْطى"(نوع من الشجر،ثمره مر)، وقد ألحقت الألف زائدة، فتكون اللفظة وزان "جعفر"، ومثلها "ذِفْرى" (العظم خلف الأذن وتجمع على ذِفريات أو ذَفارى) وهي على وزان "دِرْهَم".

1-5 وقد نجد الألف المنقلبة محذوفة لفظاً، كقولنا "فَتًى" فنحن نلفظها صوتياً "فَتَن"، ومع ذلك فهي موجودة تقديراً، لأن المحذوف لعلة[19] كالثابت، فالألف إذاً لازمة دائماً إما لفظاً أو تقديراً، ومتى نُوّن المقصور حذفت ألفه لفظاً لا خطاً.

أما إذا جاءت بعد ألف المقصور هاء التأنيث، نحو: "فتاة" مؤنث، "فتى" و "مباراة" مؤنث "مُبارًى" زال عنه الاسم والحكم، وصار الإعراب على هاء التأنيث.

2. كيف يصاغ الاسم المقصور:

 من المقصور ما هو قياسي، ومنه ما هو سماعي:

2-1 أما المقصور القياسي فيكون في عشرة أنواع من الأسماء المعتلة الآخر:

أ‌.        مصدر الفعل اللازم وزان "فَعِل" فان مصدره وزان "فَعَل" نحو: " جَوِيَ- جَوًى"، "رَضِيَ- رِضًا" ونظيرهما من الصحيح " فَرِحَ- فَرَح".

ب‌.  ما كان على وزان " فِعَل" مما هو جمع لـ "فِعْلَة"، نحو:"حِلية- حِلىً"، ونظيرها من الصحيح "قِرْبة- قِرَب".

ت‌.  ما كان على وزان "فُعَل" مما هو جمع لـ "فُعْلَة"، نحو: "عُروة- عُرًا"، "مُدْية- مُدًى"، ونظيرهما من الصحيح- "حُجة- حُجَج".

ث‌.  ما كان على وزان "فَعَل" من أسماء الأجناس التي تدل على الجمع. إذا تجردت من هاء التأنيث، وتدل على الوحدة إذا لحقتها هذه الهاء، نحو: "حَصاة- حصًا"، "مَهاة- مَهًا"، ونظيرهما من الصحيح "ثَمَرة- ثَمَر".

ج‌.    اسم المفعول الذي ماضيه يزيد على ثلاثة أحرف، نحو: "مُعطىً"، "مُنقّىً"، ويجري مجرى اسم المفعول فيما أكثر من الفعل الثلاثي المصدر الميمي، واسم المكان واسم الزمان.

ح‌.    وزان "مَفْعَل" دلالة على المصدر الميمي أو اسم الزمان أو اسم المكان ، نحو: "مَرْمىً"، "مَشْتىً".

خ‌.    وزان "مِفْعَل" دلالة على اسم الآلة "مِكْوىً".

د‌.      وزان "أفْعَل" صيغة للتفضيل، نحو: "الأدْنى" ،" الأقصى"، أو لغير التفضيل دلالة على لون أو عيب أو حلية نحو: "الأعمى"، "الأحوْى".

ذ‌.      جمع مؤنث من "أفْعَل" التفضيل، مثل "الدُّنا" (جمع "الدنيا")، ونظيرها من الصحيح: "الكُبْرى- الكُبَر".

ر‌.     مؤنث "أفْعَل" التفضيل من الصحيح الآخر أو معتله، نحو: "الُحُسْنى"، "الفُضْلى"، "الصّغرى"، "الدُّنْيا"، "القُصْوى".

2-2 وفيما عدا هذه الأوزان أو الأنواع يكون المقصور سماعياً (بمعنى أنه ورد على ألسنة العرب أو في كتب اللغة كما رووها،وهو يحفظ ولا يقاس عليه) نحو: "السنّا"، "الرّحى"، "الفَتى"[20].

3. لماذا سمي الاسم المقصور بهذا الاسم؟

ذكر ابن مالك في ألفيته ما يتعلق بالاسم المقصور، فقال:

فالأول الإعراب فيه قدّرا                جميعه، وهو الذي قد قُصِرا

ولفظة "قّصِر" لم تكن واضحة الدلالة في معاجم اللغة، ففي لسان العرب وتاج العروس نجد "والقصر خلاف المد، والفعل كالفعل والمصدر كالمصدر".وقد عرف المستشرق رايت (ت 1889) الألف المقصورة بأنها "الألف التي اختصرت لفظاً أو اختزلت، وهي خلاف الألف الممدودة التي تقيها الهمزة في نهايتها"[21]. فهي مقصورة إذا لأنه لم يردفها همزة حتى تمدّ.

ومع وجاهة هذا التفسير إلا أن الأشموني (ت 1495م) في شرحه لألفية ابن مالك كان متميزاً في ربط الاسم بالمعنى، فهو يشرح "القصر" بمعنى"الحبس"، ومنه قوله تعالى "حور مقصورات في الخيام". أي محبوسات على بعولتهن. وسمي المقصور بذلك لأنه محبوس عن المد أو عن ظهور الإعراب[22]، وفي هذا الاقتباس إمكانيتان متاحتان للتفسير الذي أغفله معظم الشارحين.

4. تثنية المقصور وجمعه:

 4-1 عند تثنية المقصور الثلاثي فإننا نعيد الألف إلى أصلها، نحو:"هدًى- هُدَيان"[23]. أما إذا كان المقصور أكثر من ثلاثة أحرف (بمعنى إذا كانت الألف رابعة فصاعدًا فإن الألف تقلب ياء مطلقاً نحو: "عُظْمى- عُظْميان" (أو عُظْمَيَين)[24].

 4-2 وما ينطبق في قواعد التثنية ينطبق كذلك على الجمع المؤنث السالم (على اعتبار أن هاء التأنيث قد حذفت[25] وعاد الاسم مقصوراًً)، "زكاة- زكَوات" ذلك لان ألف "صلاة" و"زكاة" مبدلة من الواو حسب الأصل الآرامي، وقد حافظ القرآن الكريم على رسم الكلمة: "صلو|ة"، "زكو|ة" [26].

4-3 وفي الجمع المذكر السالم تحذف الألف وتبقى الفتحة قبل علامة الجمع مباشرة، نحو:

"رضاً- رِضَوْن" (أو رِضَيْن)، "مصطفًى، مُصْطَفَوْن" (أو مُصطفَيْن)، "أعلى- أعْلَوْن" (أو أعْلَيْن).

5. النسبة إلى الاسم المقصور:

عند النسبة للاسم المقصور تلحق به الياء المشددة، فإذا كان ثلاثياً قُلِبت ألفه واواً (ولا يهم هنا أصلها) وتكون هذه الواو مكسورة، نحو "هُدًى- هُدَوِيّ"، "عَصاً- عَصَوِيّ"، ويلحق به كذلك ما كان مقصوراً ثلاثياً قبل إلحاق هاء التأنيث فيه، نحو: "صَِلاة- صَلوِيّ"، "فَتاة- فَتَوِيّ".

5-1 إذا كان المقصور رباعياً ساكن الحرف الثاني نحو:"حَيْفا"، "مَلْهى" فعند النسبة تجوز احتمالات ثلاثة:

أ‌.        تقلب الألف واوا وتكسر، نحو: "حَيْفَوِيّ"، "مَلْهَوِيّ".

ب‌.  ويجوز مع القلب المذكور أعلاه زيادة ألف قبل الواو، نحو: "حَيْفاوِيّ" (أو بمعنى آخر إضافة واو مكسورة على نهاية الاسم قبل الياء).

ت‌.  حذف الألف وكسر ما قبل الحرف المحذوف، نحو "حَيْفِيّ"، "يافِيّ"، ويرجح مثل هذا الحذف إن كانت الألف للتأنيث نحو "حُبْلَى- حُبْلِيّ".

5-2 إذا كان الاسم المقصور رباعيا متحرك الحرف الثاني أو كان خماسيا أو أكثر حذفت الألف وكسر ما قبل الياء نحو: "بَرَدى- بَرَدِيّ"، "مصطفًى- مصطَفِيّ"، وأجاز بعضهم قلب الألف واوا مكسورة، نحو "مصطَفَوِيّ". وهذا الشائع في لغتنا المعاصرة.


 

6. تصغير الاسم المقصور

6-1 إذا كانت الألف المقصـورة ثالثة قلبـت هذه الألف يـاء، وأدغمت فيها ياء التصغير نحو: "فَتًى- فُتَيّ"، "عُلاً- عُلَيّ"[27].

6-2 أما أفعل التفضيل من هذه الأسماء نحو"أحلى"، "أشهى" فعند التصغير يبقى ما بعد ياء التصغير على فتحه- "أحَيْلَى"، "أشَيْهَى"، وعلى غرار ذلك تكون الأسماء المنتهية بألف التأنيث، نحو: "سُلَيْمى"، "حُبَيْلَي" (ويرى البعض حذفها في الصفة وقلبها هاء، نحو: " حُبْلَى- حُبَيْلَة").

ويشير (رايت) إلى أن ألف التأنيث تلغى عندما يكون الاسم خماسيا (وثالثه ليس حرف مدّ زائد) أو أكثر من خمسة أحرف نحو: " قَرْقَرى- قُرَيْقِر"، "لُغَيْزَى- لُغَيْغيز"[28].


 

7. متى يمنع الاسم المقصور من الصرف:

7-1 يقول ابن مالك في ألفيته:

  أو ألف التأنيث مطلقاً مَنَعْ  صرف الذي حواه كيفما وقع

وعلى هذا القول فان الألف المقصورة التي تزاد في نهاية الاسم لتدل على تأنيثه تكون ممنوعة من الصرف أو التنوين، وتأتي هذه نكرة على غرار "ذكرى"، "بُشرى"، وقد تكون في معرفة، نحو: "جرحى" "قتلى"، أو في وصف للمؤنث نحو: "حُبْلى" "يُسْرَى"[29] وبمعنى آخر: إن هذه الألف التي للتأنيث تقع:

-       معرفة أو نكرة

-       في مفرد أو في جمع

-       في اسم أو في صفه

7-2 وتمنع الأعلام في الأسماء المقصورة من الصرف إذا كانت ألفها للإلحاق، نحو "أَرْطى"، "عَلْقَى" "عِزْهى" وبالطبع فهذه الألفاظ نادرة الاستعمال، ويضاف إلى ذلك أسماء الأعلام الأعجمية، نحو: "موسى" (أنظر الملاحظة 2 في حاشية الصفحة التالية).

7-3 ونستطيع أن نستنتج ان الأسماء المقصورة تنون في الحالتين التاليتين:

أ. إذا كانت الألف ثالثة في الاسم المقصور سواء كانت اللفظة مذكرة أو مؤنثة نحو "هُدًى" "عصاً"[30] ومن الألفاظ المقصورة التي قد تذكر وقد تؤنث "ضُحًا"، "سُرًى" ولكنهما تبقيان منونتين إلا إذا سميت الواحدة علما لمؤنث. أما الاسم "جُحا"[31].

فهو ممنوع من الصرف لكونه علما معدولا عن فاعل، ونحن بالطبع نضيف أسماء أعلام المؤنث إلى هذا الاستثناء، نحو "هُدَى"، "جَنَى"، "نُهَى".

ب) إذا كان الاسم المقصور مذكرا وليس على وزان أفعل فهو منوّن[32]، ويقع ذلك عادة في المصادر الميمية، نحو: "مُعْطًى"، "مَرْمًى" وفي اسمي المكان والزمان، نحو:"مستشفًى"، "مشتًى"، "مَقْهًى"، وفي أسماء الآلة مما هو مذكر، نحو:"مِرْمًى"، وفي اسم المفعول، نحو "مُلْقًى"، "مُرْتَجًى".


 

8. إملاء الألف المقصورة:

لا شك أن ثمة خلافاً في طريقة رسم الألف اللينة في نهاية الأسماء المقصورة، فالكوفيون يجيزون كتابة المقصور الثلاثي بالألف أو الياء إن كان الاسم مضموم الأول أو مكسوره[33].

وإذا تتبعنا طريقة الإملاء في أدب الكاتب لابن قتيبه (ت 889م) فإننا لا نجد قاعدة ثابتة ملزمة لكتابة الألف إذا كانت ثالثة، فهو يرى أن كلمة "الزِّناء" مثلا تمد وتقصر، فإذا قصرت كتبت بالألف[34].

8-1 ومن خلال متابعة لكتب الإملاء ولطريقة البصريين- وهي معتمدة لدينا- يتبين لنا أن الألف اللينة طرفا ترسم ياء في المواضيع التالية:

أ‌.        في كل اسم ثلاثي ألفه منقلبة عن ياء، نحو: "الهُدى"، "الُمنى"، "الأذى".

ب‌.  في كل اسم عربي ألفه المقصورة رابعة وليس قبلها ياء، نحو: "عذارى"، "مُرتَضًى" "قَتلى".أما إذا كان قبل الأخر ياء رسمت الألف المقصورة ألفا، نحو: "دنيا"، "قضايا"، "ثريا" تحاشيا من تلازم الياءين، ويستثنى من ذلك

 اسم العلم "يحيى"[35]، وذكر أيضا "ريّى".

ت‌.  في أربعة أعلام أعجمية وهي: "موسى"[36]، "عيسى" (وهما من اصل عبري)، "كسرى"، "بُخارى" (وهما من اصل فارسي)، ومنهم من يعتبر "يحيى" علماً أعجمياً كذلك بسبب أصل التسمية العبري.

8-2 وتكتب الألف المقصورة قائمة في المواضيع التالية:

أ‌.        في الألف الثالثة المنقلبة عن واو، نحو: "القفا"، "العُلا"، "الحفا"، "الذُرا"، "العصا"، "الرُبا"، "الرِبا"، "الرِضا"، "الضحا"، ويضاف إلى ذلك ما كانت ألفه مجهولة الأصل، نحو: "الدَّدا" (بمعنى اللهو واللعب)، "الخَسا" (المفرد من العدد)، وعكس معناها "الزَّكا" إذ لم يعرف لها فعل ولا مشتق آخر.

ب‌.  في الألف إذا كان المقصور اكثر من ثلاثي، وهو علم أعجمي، نحو: "حَيفا"، "أمريكا" (وقد أشرنا أعلاه أن الأعلام "موسى"، "عيسى"، "كسرى"، "بخارى"، "يحيى" هي المستثناة عن هذه القاعدة، وأشرنا كذلك إلى عدم تلازم الياءين، فنكتب "دنيا"، "عُليا"، "بُقيا" بالألف القائمة ونستثني منها كذلك اسم العلم "يحيى"[37] و"ريّى" لدى بعضهم.

ت‌.  ما ورد مقصورا وممدودا بلغتين "كالحلوى والحلواء" فيصح كتابتها "الحلوا"، ومثلها "الزّناء" فيصح كتابتها "الزِنا".

ث‌.  يصح أن تكون الألف قائمة في القافية، وذلك في القصائد المقصورة، حتى تستوي القوافي بالصورة الخطية، ومن أشهر المقصورات مقصورة ابن دُرَيد (أو المقصورة الدُّرَيدية) التي يمدح ابن دريد (ت 933م) بها الشاة ابن ميكائيل وولديه- وهو رئيس نيسابور، وقد أحاط ابن دريد فيها بأكثر المقصور، وعارضه فيها جماعة من الشعراء وشرحها آخرون، من أبرزهم ابن خالويه (ت 980م)[38].

8-3 ومع ذلك فهذه القواعد لم يخضع لها القدماء في مخطوطاتهم[39]. ثم إن بعض كتابتنا متأثرة برسم الإملاء في القرآن الكريم كقوله تعالى:"والضُّحى". ومما يشفع صحة الكتابة في المقصور الثلاثي على أي من الطريقتين أن يكون هناك خلاف حول أصلها الواوي أو اليائي، يقول السيوطي في المزهر في باب "ذكر الأفعال التي جاءت لأماتها بالواو والياء": عقد لها ابن السكيت بابا في اصطلاح المنطق وابن قتيبة بابا في أدب الكاتب، وقد نظمها ابن مالك في أبيات فقال:

         قل إن نسيت عزوتـه وعزيتـه        وكنوت أحمد كنية وكنيته

         .....

         وكذا طلوت طلى الطلى كطليته   ونقوت مخ عظامه كنقيته[40]

ومن خلال تسعة وأربعين بيتاً يتبين لنا صحة "الكُنا" و"الكُنى"، "الطلا" و"الطُلى"، ومثل ذلك "الحلا" و"الحلى"، و"الحشا" و"الحشى"، و"الضحا" و"الضحى"...الخ. ولا شك أن دعوة عبد العليم إبراهيم[41] إلى توحيد الرسم الإملائي فيها الغناء لطلابنا، وفيها تخفيف من قواعد شكلية في كثير من الأحيان، ولعلها تكون موضوع دراسة جادة ومجدية.

 

المصادر

1.       إبراهيم عبد العليم: توحيد الرسم الإملائي، تطوير تعليم اللغة العربية "بحوث مؤتمر الخرطوم"، السودان، 1976.

2.       ابن دريد: مقصورة ابن دريد "الطبعة الأولى" شركة ومكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، 1939م.

3.       ابن السراج: الأصول في النحو، (الجزء الثاني، ط2)، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1987.

4.       ابن عقيل: شرح ابن عقيل (جزءان)، مطبعة مصطفى محمد، القاهرة، 1935.

5.       ابن قتيبة: أدب الكاتب، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1982.

6.       اسبر محمد، جنيدي جلال: الشامل (معجم في علوم اللغة العربية) ط2، دار العودة، بيروت، 1985.

7.       الاستراباذي" شرح شافية ابن الحاجب (القسم الأول الجزء الثاني) دار الكتب العلمية، بيروت، 1975.

8.       حسن عباس: النحو الوافي (أربعة أجزاء) ط2، دار المعارف بمصر، 1971م.

9.       رايت وليام:

: W. Wright: A Grammar of the Arabic Language، 3rd Edition، Cambridge University press - 1967،(Part 2 P. 11).

10.        درويش محيي الدين: إعراب القرآن الكريم وبيانه، المجلد الثالث، دار الإرشاد للشؤون الجامعية، حمص، 1988م.

11.        رضا علي: المرجع في اللغة العربية، ثلاثة أجزاء، دار الفكر (دون تفاصيل أخرى).

12.        سيبويه: الكتاب (جزءان) ط2، منشورات الأعلمي، بيروت، 1976م.

13.        السيوطي: المزهر في علوم اللغة وأنواعها (الجزء الثاني) مكتبة صبيح بميدان الأزهر، د.ت.

14.        هارون عبد السلام: قواعد الإملاء، ط2، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1976م.

وثمة مراجع أخرى أثبتت في مواضعها.

 

 

اللغة في أدب الأطفال[42]

من أهم ما يميز أدب الأطفال أنه يتمثل في كشف جوانب معرفية للطفل وإضاءتها، وتقديم مادة ما بمستوى أدبي مع التركيز على كيفية عرضها، وكذلك في التوجيه والإيحاء من خلال النص بأسلوب ميسر. إنه يعمد إلى إشباع حب الاستطلاع لدى الطفل، وإلى تنمية خياله، وإلى مخاطبته حول طبيعة الإنسان والإنسانية عامة وإنجازاتها، وصولاً إلى استكشاف العوالم المختلفة حوله.

هذا الأدب عليه أن يوفر المتعة والفهم ومحاولة ترك الأثر- أثرٍ ما في نفسية الطفل وفي أفعاله.

إن أدب الطفل هو مفتاح لولوج عالم الأدب عامة، فمن واجباته أن يخلق الثقة لدى الأطفال، وأن يخلق بديلاً للواقع غير المرضي عنه أحيانًا - أو موازيًا له، وأن يقدم الأمان العاطفي أو الروحاني، وكذلك أن يغرس الشعور بالانتماء، ويوثق روابط المحبة مع من حوله. وأهم من ذلك أن يحفز الطفل على استقلاليته، بحيث

يدعوه إلى أن يتغلب على المصاعب ضمن رؤية هادفة، هذه الرؤية التي ترى أنه لا بد له من تضامن أو تعاون مع الآخرين.

 فإذا انطلقنا من ضرورة استقلاليته عرفنا أهمية أن يقوم هو بفعاليات تساعده على أن يتم عمله وينجزه بنجاح.... ويبني شخصيته لبنة لبنة.

ولا يدعي أحد أن هذه التوقعات أو الافتراضات ستكون كلها في نص ما، فحسب الكاتب أن يضع نصب عينيه موضوعة مركزة أو اثنتين ليقرب النص إلى عالم الطفل وأدبه.

إن المنشود في كتاب الطفل أن تكون محتوياته وتصميمه ولغته تؤدي بالطفل إلى متعة شعورية وجمالية، و إلى أن تثري عالم الطفل بالتجارب...

وقد تكون في كل نص شخصية أو أكثر يتعاطف معها الطفل، وقد تكون مُرْسَلة أخلاقية معينة يتحمس لها الطفل، أو تكون وسيلة ما لاكتساب المعرفة ولزيادة مكنز معلوماته، ولكنها لن تكون خالية من أي مضمون كما يحلو لبعض أنصار التجديد في هذا الحقل.

النص بدءًا يفترض أن يحول الطفل إلى قارئ مستقبلي، ولا يخفى أن اللغة المنتقاة هي التي تحسن ذوقه الفني وتطور حسه الجمالي وتحمل المداليل والمضامين المبتغاة. فليس بدعًا أن نرى أطفالنا يكررون عبارات حفظوها، وبهذا يثرون لغتهم هم، وبذلك يطورون الوعي الذاتي والفكري.

وإذا كانت اللغة هي المقياس الأول في النص الأدبي عامة، حيث لا يهمنا أولاً ماذا نقول، بل يهمنا كيف تقول- فإن هذا ينطبق أكثر ما ينطبق على أدب الأطفال.

فاختيار الألفاظ ذات الإيقاع، والتكرار غير الممل، واستخدام المحسنات من سجع وجناس وطباق وازدواج، وبناء الجمل القصيرة والمعبرة التصويرية تجعل النص محبَّبًا لدى الطفل...

ثمة أنواع للقص الذي يلائم الطفل، ولا أرى هنا أن أصنفها - هذي لهذا الجيل، وتلك لذاك، ولكنني أرى أن لغة حكايات الجن والسحرة والأسطورة تختلف عن لغة القصة على لسان الطير والحيوان، عن القصة الشعبية، عن القصة التاريخية، عن قصة من وحي الطبيعة، عن قصة دينية، عن قصة فكاهية، وكل واحدة من هذي تختلف عن الأخرى.

والمسرحية- وهي قليلة في كتابتنا- تحاسبنا كل كلمة فيها ونحاسبها في مدى توظيفها ونجاعتها وتوصيلها، وذلك حتى تكون المسرحية ناجحة.

ولست أرى لغة الشعر بعيدة عن هذا الحرص الشديد الذي نعمد إليه في اختيار كل لفظة ولفظة...

من المآخذ التي أراها في أدبنا للأطفال أنه لا يحدد على أغلفة الكتب المستوى المعدّل أو معدّل المستوى، كأن يُكتب على الغلاف معد لأبناء الرابعة-السادسة -. مثلاً، بل يتركون للآباء أن يتصفحوا وأن يقرءوا، وأن يقرروا، بينما كان من المفروض تبيان الفئة العمرية من جهة، وتظهير الكتاب ببضعة سطور تبين المضمون / الملخص الذي يعالجه الكاتب. وبهذا نوفر على الآباء جهد التصفح والقرار، ذلك لأن القرار السريع من قبلهم قد يكون غير موفق.

يلجأ بعض كتاب أدب الأطفال إلى العامية تيسيرًا على الأطفال. وهذه قضية ذات خطورة وخطرة، إذ من الضرورة أولاً أن نعوّد الطفل على اللغة التي سيعايشها في كتب المستقبل. أما أن نسوّق العامية فهذا ضرب من الخطاب اليومي العابر - أسوة بالنكتة والأغنية الشعبية والحكاية[43]، ورغم أن هذه جميعها هي من صميم الواقع حقًا، لكنها لم تدخل حتى الآن دائرة الأدب العربي سواء في أدب الكبار أو الصغار.

ولرب سائل يسأل: كيف نميّز بين أدب الكبار والصغار؟

 والإجابة في تقديري تتأتى في المستوى اللغوي وفي الأداء، وسأسوق مثلاً:

من أدب الكبار نقرأ هذه الفقرة:

" اهتز الحصان بنشوة. كان متفوقًا بعد أن بز سائر الخيول في السباق وحصل على قصب السبق. فلما أُعلن عن فوزه كانت أعين الناس ترنو إليه بإعجاب."

أما في أدب الصغار فسنرى نفس الحدث بلغة أخرى:

"أسرع الحصان الأبيض الجميل، وكان يرفع رأسه وهو يجري ويجري ويجري... حتى فاز وسبق كل الخيول التي كانت تباريه. ولما انتهى السباق أخذ يحرك جسده وكأنه يرقص. وكان سامي ينظر إليه بإعجاب وهو يصفق."

بالطبع لاحظنا أن المستوى اللغوي اختلف في النص الثاني، كما رأينا الحركية والدرامية والوصف الحسي ملائمًا لعالم الطفل ولخياله، بالإضافة إلى مشاركة الطفل ووضعه في مركز الحدث.

تبعًا لذلك فاختيار الألفاظ والتعابير يجب أن تلائم العمر أو الفئة العمرية، فمن المشكلات التي يقع فيها كاتب النص للأطفال أنه يكتب المضمون السهل الميسر الملائم لأبناء الخامسة مثلاً في لغة أعلى تلائم سن العاشرة، وذلك بقاموس لغوي لا يتوافق مع مضمون النص، ولست بحاجة لتقديم نماذج على ذلك، فهي أكثر من أن تحصى، فاقرأ نموذجًا مقدّمًا لأبناء الخامسة - كما تبين لنا من مادة المضمون -، ولكن الجمل التي سأذكرها هي دون أدنى شك تلائم طلابًا في العاشرة فما فوق:

" كنت كلما اقتربت من هذه المجموعة التي تحلقت حول والدي لأستطلع الأمر الذي عزموا عليه خفضوا أصواتهم... حتى علمت أنهم يخفون شيئًا مريبًا"[44].

وهناك من جهة أخرى من يجعل الموضوع أو الفكرة التي تلائم أبناء العاشرة في لغة مبسطة وكأنه يخاطب أبناء الخامسة أو السادسة.....

 من هنا، فثمة ضرورة لمن يكتب أدب الأطفال أن تكون لديه ثقافة خاصة - ذات معرفة أصولية لغوية، ومتابعة تربوية، وقدرة على إجراء الموازنات الملائمة...

 ولن أتحدث هنا عن الرسوم التوضيحية التي يكون بعضها تضليليًا أو على الأقل بعيدًا عن روح النص، وهي أكثر من أن تُحصى، فهي جزء من الشكل ولغة النص على مستوى التشكيل.

على ضوء ذلك يجدر الاهتمام بأن يكلف كل مؤلف مدققًا لغويًا، بحيث يراجع اللغة كلمة كلمة وشكلاً شكلاً لكل حرف وحرف، فكيف نجيز مثلاً: ثمانية شّمْعات في كتاب "عيد ميلاد شادي" والصواب ثماني شَمَعات؟ وهل فحصت المؤلفة كيف يكون خبر كان (موافقون) أم (موافقين)؟

 ذكرت هنا نموذجًا عارضًا لا يمثل أصلاً الكثرة الزاخرة من الأخطاء الحاشدة في الكتب...

أصل إلى القول إننا بحاجة إلى البحوث والدراسات الميدانية التي تحدد مستوى النمو اللغوي لدى أطفالنا، بل ثمة ضرورة ملحة لوضع اطر أدعوها "أطرًا احتمالية" بمعنى أن الطفل يحتمل بل يرجح أن يدركها، وان يستوعبها، وأن يستخدمها.

ذكرت لي بعض المعلمات في مساق قدمته لهن:

وهذه الأطر المقترحة ستُعنى أيضًا بضرورة إضافة مراقبَة لبعض الكلمات الجديدة الهامة في الميدان الذي يخوضه الكاتب، وذلك من منطلق إثراء معلوماته وإكساب مفرداته، والتعريف بها، وبالتالي تحدي معرفة الطفل في مجال تطوره.

لا إنكار أن كل محاولة للتحديد سواء في الفئات العمرية الملائمة لهذا الضرب أو ذاك أو في الأطر الاحتمالية التي أشرت إليها ستأخذ بنظر الاعتبار الذكاء الفردي أو البيئة التي يعيشها هذا الطفل أو ذاك.

فالكتابة للأطفال تستلزم تخصصًا وممارسة ومعايشة للأطفال، وتستلزم متابعة ودراسات متعمقة في اللغة وفي أصول التربية وعلم النفس، وإلى تبيّن مراحل الطفولة وخصائصها. وأولاً وقبلاً إلى معرفة بالقواعد السليمة للكتابة الأدبية وإدراك الأفاق التي يحلق فيها الأطفال ومدى ملاءمة المعاني لقاموسهم اللغوي المنتقى بعناية وتصميم.


أسئلة من عشاق اللغة والأدب

واجتهادات في الإجابة

 

 

 

 

 

 

س - يا عمي، هناك سجال مع كتاب يصرون أن تكتب كلمة التزام: إلتزام.....

فقلنا لهم خطأ، فهي من التزم: التزام، لكنهم يصرون أن همزة الوصل تكتب في أول الكلام هكذا إ... أفدنا أفادك الله.

          عادل

 

جـ -  همزة الوصل لا تكتب عينًا مقطوعة (عـ) إطلاقًا -

لا فوق الحرف ولا تحته، فنكتب الأفعال الخماسية والسداسية المبدوءة بهمزة - وهي همزة وصل بالطبع بدون حركة (ا) ويمكننا أن نضع حركة الهمزة أيضًا (اِ) فنكتب: اِتَّقِ شر من أحسنت إليه) ويجوز (اتق....) بدون الكسرة - فالفعل الخماسي والسداسي وأمرهما ومصدرهما المبدوءان بالهمزة تكون همزتها - جميعًا - وصلاً (وهي تلفظ في بداية الكلام للضرورة...لأننا لا نبتدئ بساكن، ولفظها لا يعني أبدًا أن تصبح في بداية الكلام قطعًا) لذلك نكتب:

اعتمد (وليس إعتمد) على الله، انتباهك ضروري (وليس إنتباهك) وكفى الله المؤمنين شر الخصام.

 

دكتور فاروق:

س - هناك نقاش حول حق كلمة "صمود" في الوجود كمصدر للفعل (صمد)، ويدافع عن هذا الحق الأستاذ جورج ويعضده الدكتور عبد الرحمن السليمان.

أما أنا فأقول أن (صمد) مصدرها (صَمْد) وهو أيضاً ما نقله الأستاذ باقر الموسوي عن الأستاذ الجليل مصطفى جواد في كتابه قل ولا تقل. فصمد يَصْمُد صمدا مثل صمت يصمُت صمتاً، وشجب يشجُب شجباً، وبرك يبرُك بركاً، ونريد رأيك في هذا الموضوع. هل نطلق سراح (صمود) أم نظل صامدين مؤازرين؟

 

 

جـ:

 عزيزيَّ...تحية فيها سلام...شكرًا لحسن ظنكما وتكليفكما إياي لأن أكون حكمًا فيصلا.... وبعد، فلم يرد في أي معجم قديم المصدر (صمود)..... لكن " المعجم الوسيط " الذي أصدره مجمع اللغة العربية في القاهرة هو الوحيد الذي أورد ذلك، وفي رأيي أن نقبل هذا " التجديد" لسببين:

الأول: شيوع الكلمة وانسيابها على اللسان.....

وثانيًا: أنها لا تخالف قواعد العربية، فالأفعال اللازمة على وزان فَـعَـل مصدرها يطّرد على فُـعول، نحو: قعد، ركع، سجد، قنت، حلّ... أقول- (يطّرد).. لأنه غالبًا ما يقع كذلك... إن "الصِّحاح" للجوهري و"المُحْكم" لابن سيدَه و"مفردات" الراغب و"مقامات الحريري" و"أساس البلاغة" للزمخشري و"قاموس الفيروزأبادي" و"محيط المحيط" و"متن اللغة" ذكرت جميعها أن مصدر صمد هو الصمْـد (بتسكين الميم)، وأن المعنى هو قصد له... وقد فصل مصطفى جواد في كتابه (قل ولا تقل) أن استعمال صمد بمعنى ثبت خطأ... كما ذكر أن الصمود هو خطأ...

ومع احترامي الفائق للدكتور جواد وعلله السبع... إلا أن مصادره التي اعتمد عليها لم تحُل دون وجود شواهد أخرى تؤيد استعمالاتنا، ونحن نتبناها - لأنها لغتنا المستعملة والمألوفة، فقد ورد في "النهاية" لابن كثير: (في حديث معاذ بن الجموح في قتل أبي جهل: "فصمدت له حتى أمكنني منه غِرّة " أي ثبتُّ له وقصدته وانتظرت غفلته، وقد ورد في "لسان العرب" قول علي كرمه الله: (فصمْدًا صمدًا حتى يتجلى لكم عمود الحق !) - أي ثباتًا، ثم قال اللسان: أصمد إليه الأمر = جعله إليه... ومن الضرورة أن يكون في ما نصمد إليه أن يكون ثابتًا....

والصمد من الرجال هو الصابر الثابت الذي لا يجوع ولا يعطش في الحرب... والناقة المِصماد هي الباقية على القر والجدب (لاحظ كلمة - الباقية). وأما قوله تعالى (الله الصمد) فمن معاني الصمد = المقصود عند الحوائج، فإذا قصده الناس فذلك مما يدل على ثبات له -..... وبالتالي فإن حجج الدكتور جواد مؤسسة على رفض المعنى المعاصر، وقد أفدت في بيان رأيي من محمد العدناني رحمه الله وجزاه خيرًا (وذلك في: "معجم الأخطاء الشائعة"... لكنه لم يبتّ نهائيًا في مسألة قبول الصمود، ويرى أن ننتظر صدور "المعجم الكبير" لاعتماد رأي المجمع).... وفي رأيي أن نبرر الشائع بما يتوافق مع التراث ولا يناقضه، وذلك من باب القبول إذا اتكأنا ولو على بيّنة، وفي ذلك تُضحي لغتنا يسرًا لا عسرا.....وأرجو أن أكون قد اجتهدت وأصبت.

 

 

* حضرة الأستاذ الدكتور فاروق مواسي المحترم

 

اللغة العربية المنطوقة لها لهجات مختلفة باختلاف المنطقة الجغرافية التي يعيش بها الناطقون بتلك اللهجة، وأقصد هنا لغة العرب في العصر الجاهلي وعصر الرسالة الإسلامية وما تلاها من عصور إسلامية.

سؤالي ذو شقين:

الشق ألأول: متى دخلت الألفاظ الغريبة على مخارج الحروف العربية، وعلى سبيل المثال لا الحصر (ج) Gaf كما باللهجة المصرية في كلمة (جدع) Gada'a والقاف المصرية واللبنانية وجزء من السورية حيث تلفظ (أ) أئولك (أقول لك)، ولفظ الثاء (س) - مسال على ذلك - (مثال على ذلك)... وغيرها الكثير.

هل يمكن لمتخصص أن يضع خطة لإزالة هذه الألفاظ الغريبة والدخيلة (إذا اتفقت معي بانها دخيلة)، ولا يخفى عن علمكم أن لغات كاملة تم تغييرها عندما أريد لها أن تتغير، مثل التركية المكتوبة، والمالوية المكتوبة وبعض المنطوقة منها

وتقبل شكري وعظيم امتناني مسبقًا

باقر الموسوي

 

 

 

ج -

أخي باقر حياك الله وبياك، وفي لغة اليوم: مرحبًا !...

تعرف ولا شك أن لغة العرب كانت منها الجنوبية في اليمن والشمالية في الحجاز، والجنوبية هي أقدم، وقد عثر في اليمن على نقوش مكتوبة................... أما لغة الشمال فهي لغة العدنانيين، وهي أقرب اللغات إلى الأصل الذي تفرعت منه اللغات السامية..وقد مرت هذه اللغة في مراحل تهذيب... سببه هجرة القحطانيين إلى جزيرة العرب، ثم إن لبيت الله الحرام وللأسواق كبير أثر في التقليل من هوّة اللهجات المتباينة....أما الفضل الأكبر فيُرصد للقرآن وللرسول ومن تبعه في فصاحته وبيانه....إن البيئة ونزوح الديار واختلاف الحياة المادية، وتنوع طرق الارتجال أبقى في كل قبيلة ميزات هنا وهناك.....، ولكن القرآن لم يلغ في عشية وضحاها هذه اللهجات التي كانت وبقيت إلى حد بعيد..... فهذه قضاعة لها جَعْجعة...أي أنها تجعل الياء جيمًا فيقولون الراعج (بدلا من الراعي) وكانت في اليمن شَنشـنة ولعلها هي التي نسمعها في منطقتنا، فيجعلون الكاف شينًا (عليش) أما نحن اليوم فنجعلها في باقة بلدي - مثلا (إتش كالحرف الإنجليزي)....أما حِمْـير فلهم طُمطمانية، فيجعلون اللام ميمًا، فيقولون (أمكتاب) بدل (الكتاب)..... وبهراء لها تَلْتلة وهي كسر أول المضارع، ولهجات اللبنانيين خاصة فيها هذه التلتلة كما هي في لهجات عربية أخرى (يِروح، نِعيد .....)، وتميم فيها عنعنة - فهم يبدلون العين من الهمزة المبدوء بها، فيقولون في أن (عن) ولن أواصل شرح كشكشة أسد ووَهْم كلب ووكْم ربيعة ولَخلخانية عُمان واستنطاء سعد بن بكر.....فليعد الباحث إلى المظان.....فالهنات في اللهجات قائمة تتوارد فترة بعد الأخرى منها ما كان في لهجات الناس العاديين، ومنها ما تولد بسبب الانقطاع عن &#