د. فاروق مواسي
من أحشاء البحر
مركز دراسات اللغة العربيّة- أكاديميّة القاسمي
الطبعة الأولى 2007
أخي القارئ، أختي القارئـة:
هذه صفحات في اللغة، كنت قد بدأت كتابتها في زاوية "من أحشاء اللغة" في صدى التربية أواخر سنة 1970 وبدايات سنة 1971، وهي أحاديث في اللغة، تستوحي في عنوانها بيت حافظ المشهور:
أنا البحر في أحشـائه الـدر كامـن
فهل ساءلوا الغوّاص عن صـدفـاتـي؟
فكانت ست عشرة حلقة حافظت عليها، وأرى اليوم نشرها بعد أن صعب على المهتم بها أن يجدها، وقد سألني عنها أكثر من صديق.....
ثم أضفت لها ما نشرته في المواقع تحت ركن: اسأل د. فاروق مواسي، وخاصة موقع "جمعيـــة المترجمين العرب".... كما أضفت بعض المقالات اللغوية التي رأيت أن أضيفها هنا.
وأرى في ختام تمهيدي أن أعيد ما كنت كتبته في بداية نشري زاوية "من أحشاء اللغة" لأن في كلماتي توجهًا ما زلت أعمد إليه:
"أرجو أن تكون هذه الكلمات وما نبديه حولها من ملاحظات معْلمًا في لغتنا الجميلة، يحفزنا على البحث والتنقيب في أسفار اللغة الوفيرة. فإن رأى أحدكم أنني جنحت عن الجادة فليعذرني مقدمًا ويتكرم علي برسالة تظهر أسباب دعواه، وأعدكم أنني سأمحّص في كل تعبير قبل أن أكتبه، فإن وجدتم شيئًا جديدًا أكن قد ساهمت ولو بقسط زهيد في عملية الغوص للدرر. ولكم تقديري.....
فاروق مواسي – باقة الغربية
اللغة العربية وأهميتها على ألسنتنا[1]
لغة الفرد هي هويته القومية، وهي مسرح تفكيره، ومجال وجدانه.... فيجدر بالفرد منا أن ينطقها في المستويات الرسمية سليمة الأداء صحيحة العبارة... ننطقها في لغة تأنف من لهجة السوق - هذه اللهجة التي لا تتجاوز مفرداتها ألف مفردة، كما أن الحروف في هذه تُلفظ بمخارج صوتية متباينة تبعًا للمنطقة الجغرافيـــة.
أقول ذلك، وأنا أعي سلاسة العامية على أسَلات الألسنة – في مخاطباتنا البيتية، وفي فكاهاتنا وفي أغانينا، وفي سرعة توصيلها واتصالها، بل في ضرورتها وحيويتها.
وإن لغة الثقافة لدى أي شعب ترتقي صعدًا ما ارتقت أفكاره، ومبنى الجملة يتطور تبعًا لغنى هذا الشعب ثقافيًا...
أما النحو أساس الإشكال فأرى أن نجرب في دورات مكثفة تدريس المرفوعات والمجرورات فقط فيعرف الطالب المنصوبات بعد ذلك، دون جهد....على كل هذه التجربة لم تُمرَّر، ولا نستطيع الحكم على خيبتها مقدمًا...
وأما التراكيب المستجدة فلا أرى غضاضة في أخذ الكثير منها (مع أن بعضهم يرميها بالركاكة أو يصِمها بالعُجمة)، فكل تركيب نستضيفه هو إثراء للغتنا في بِِنيتها، وخاصة ما كان ضمن المجاز والكناية المعاصرة....
أسأل نفسي أحيانًا:
لماذا نفتقد المراجع الأكاديمية في المواضيع العلمية باللغة العربية؟
لماذا نفتقد المسؤولية الجماعية أو الرسمية إزاء اللغة العربية؟
من هنا أصل إلى نقطة هامة، وفي تقديري هي جوهر المسألة: وهي أننا – عامةً – لا نوقّـر لغتنا، ولا نجلّ أربابها بما يليقون به، فقد نسمع اللفظ الهزيل الكليل، وقد نسمع اللاحن تلو اللاحن (وانتبه في حفلات التأبين- مثلاً)، ونمر على ذلك مر الكرام.... بل قد نجد بيننا من يسخر منك إن حاولت أن تنقد لغة هذا الزعيم أو ذاك، فتصبح أنت الهُـزْأة، فالسياسيون وشخصيات المجتمع أهم من اللغة وإعرابها..
ولا غرابة إذا رأينا - من جهة أخرى - من يحسن عربيته ويبدع فيها، فلا يحظى بأية مزيــة أو ميزة، وبراعته لا تجديه ولن تجزيه شيئًا....ثم إن بعض المسرحيات تستخدم ألفاظًا عن سابق قصد – لإثارة السخرية اللاذعة من هذه اللغة الفصيحة، فيظهرونها وكأنها التشدق والتفيهق، وما مثـَّله عادل إمام وقوله " ألححت إصرارًا... وأصررت إلحاحًا " إلا نموذج على ذلك.
إذن ما العمل؟
يقول فاروق شوشة:
"إن لغتنا ظلت عبر القرون الطويلة بفضل انفتاحها المستمر على الحضارات والثقافات واتجاهها الدائم للمستقبل، وإنها كانت تفقد جدتها وحيويتها ونبضها عندما يتوقف انفتاح أصحابها على الجديد - الذي تزخر به حياتهم، وينغلقون على أنفسهم مضغًا واجترارا، وعندما يصبح الماضي هو مثلهم الأعلى المقدس تتجه إليه رؤوسهم، دون أن تتجه إلى حيث الهدف الطبيعي والغاية الأصيلة – المستقبل (لغتنا الجميلة، ص 8).
من هنا يجب أن نحترم لغتنا ونعتز بمكانتها، بحيث يستطيع المراقب أن يلمس مدى النفع إثر الاهتمام بها، ويلمس الضرر إثر التخلي عنها... فمادة العربية هي مادة وجودنا وقوام حياتنا الروحية، فإذا التزم معلمونا بتدريس موادهم بعربية سليمة ولا غضاضة أن تجنح إلى التسكين (على طريقة بني ربيعة) على طريقة "سكِّن تسلم!") ولكن بجِد – هذه المرة –،..... يستثنى من ذلك ما كان ضرورة بسبب الوصل والتبعية للكلمة اللاحقة، نحو غرفـــة الصف، فشكل آخر (غرفة) ضروري، لأنه لا يمكن تسكين آخرها...
إن لغة القرآن تدعونا إلى أن ندرس طرق التجديد في اللغة – في القياس والنحت والتوليد والاختصار والاقتراض......
وإلى أن يتم ذلك أدعو المعلمين (كلاً في مجاله) إلى أن يقترحوا ترجمات لهذه الكلمات الأجنبية التي تغزو بحدة وبتواتر، وأن يستشيروا من يثقون بلغتهم العربية، وأن يتعاونوا مع اللجنة العليا لشؤون اللغة العربية والمجمع اللغوي في البلاد، وفيهما أساتذة يُشهد لهم بالغَـيْرة على اللغة والحرص على رقيها. وكم يحسن أن تكون الألفاظ المقترحة من غير المشترك، إذ كفانا ما لدينا من مشترك وتضاد وترادف ومثنيات لها أكثر من تفسير - كل ذلك في عصر يتطلب الدقة والتحديد والفهم الجامع المانع.
إن لغتنا هي نحن، وكل تغيير فيها يستوجب أولاً تغييرًا منا في الاتجاه وفي الرؤية "ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
من أحشاء اللغة
الحلقة الأولى -
· يكثر البعض من استعمال كان بمثابة:
الاستعمال خاطئ ذلك لأن من معاني مثابة:
1- منزل 2- مرجع 3- مجتمع الناس 4- حجارة حول البئر
ولا مكان لها هنا..... ويمكن أن نستخدم مكانها: وكأنَّ....
· أراد أن لا يتكلم.
النظرة الأولى توحي أن هذه الجملة صحيحة، ولكن النحو يفضل أن تكتب "أراد ألا يتكلم"، ذلك لأن الإدغام واجب إذا كانت أن متصلة بلا والفعل المضارع.
· وقد أعجبني استعمال "ست" بمعنى سيدة في لغتنا الفصحى. ومن لا يصدق فليقرأ رسالة الغفران
ستِّ إن أعياك أمري فاحمليني زَقَـفونة
· ويرفض الأستاذ حنا الفاخوري أن نقول " عدو لدود " على اعتبار أنه شديد العداوة فقط، بل يذكر أن لد معناها غلب في خصومته، فهو لاد وألد ولدود.
أما المتعارف عليه فيريدنا أن نقول عدو أزرق، شر أعداء فلان، أو أعدى الأعادي... الخ.
· انتبه إلى هذه الأخطاء:
هل ستلعب؟
هل تلعب الآن؟
هل سامي يلعب؟
· من اختصاص (هل) أن تفيد الاستقبال وتدخل على المضارع. فمن الخطأ أن نقول مع السين التي تفيد الاستقبال:
نحو: هل ستلعب؟ و إنما الصواب: أستلعب؟
وكذلك خطأ أن تقول: هل تلعب الآن؟ لأن الظرف لا يفيد الاستقبال هنا... والصواب:
أتلعب الآن؟
والضعف في جملة هل سامي يلعب؟ أن الاسم تقدم، والصواب أسامي يلعب أو هل يلعب سامي؟
· وفي فقه اللغة
دفَّ الطائر...
أزفَّ الطائر...
رفَّ (رفرف) الطائر...
· فإن كان أجدادنا يقايسون بين هذه المعاني، فما يمنعنا أن نتعرف إليها.
دَفَ - حرك جناحيه ورجلاه لا تزالان على الأرض.
أزفّ - طار قريبًا على وجه الأرض.
رفَّ أو رفرف - حرك جناحيه فوق الشيء يريد الوقوع عليه.
· وسؤال آخر: ما هو جمع لفظة (أخ)؟
قبل أن نتسرع في الجواب علينا أن نعرف أي أخ نعني، فإذا كان ابن الأم فجمعها إخوة وأُخوة، وإن كانت بمعنى صديق في مذهب فجمعها إخوان كقولنا " إخوان الصفاء "، وبالطبع هذا هو الغالب، مع أن هناك من يرى رأيًا آخر - في عدم التفريق بينهما.
والآن صديقي: هل تدري أن الفتى يوم العرس يسمى عَروس وجمعها عُرُس، أما صاحبته التي يُزف إليها أو تُزف إليه فهي كذلك عروس وجمعها عرائس. والعقبى لمن لم يتزوج.
كتب أحدهم:
إن زرتني إذن أكرمَك.
والصحيح يجب أن نكتب إذًن، لأن من شرط (إذن) الناصبة أن تكون في صدر الجملة ومتصلة بالفعل. على هذا فلفظ هذه الكلمة بالصورة الصحيحة يمكن أن تلاحظه من خلال هذه الجمل:
قال لي: سأقدم لك هدية...
قلت له:
إذن أشكرَك.
وهناك من يجعل (إذن) للناصبة، بينما (إذًا) لغير الناصبة...
بينما المبرِّد يود لو يكوي يد كل من يكتبها بالألف - (وعن المبرد: أشتهى أن أكوي يد من يكتب إذن بالألف، لأنها مثل أن ولن ولا يدخل التنوين في الحروف) – انظر: الجنى الداني في حروف المعاني لابن أم القاسم المرادي، ص 11.
ويضيف المؤلف المرادي:
".... فإن ألغيت كتبت بالألف، لضعفها، وإن عملت كتبت بالنون. وقال صاحب رصف المباني: "والذي عندي فيها الاختيار أن ينظر، فإن وصلت في الكلام كتبت بالنون، عملت أو لم تعمل، كما يفعل بأمثالها من الحروف. وإذا وقف عليها كتبت بالألف، لأنها إذ ذاك مشبهة بالأسماء المنقوصة، مثل: دماً، ويداً. والله أعلم "
(ن. م.)
والآن صديقي القارئ رافقني إلى ثلاثة مصادر لنرى الفرق بين معانيها:
الرؤية والرأي والرؤيا.
أما الفعل فلا نختلف عليه، وأما المصادر فقد جاء في كتب اللغة أن الأولى للإبصار، والثانية لما يراه العقل، والثالثة لما يراه النائم.
فالاختلاف في المصدر أحيانًا يكون في التشكيل مثل ضُعف و ضَعف.
أما الضُعف (بالضم) فهو للجسم ،وأما الضَعف (بالفتح) فهو للنفس.
وجميل بنا أن نميز بين العمى والعمَــــه: فالأولى في العينين ، والثانية في الرأي.
الحلقة
الثانية:
وضع المجمع اللغوي العربي في القاهرة سنة 1934 هذه الاصطلاحات أدناه. وقد راعى الاعتماد على نصوص معجمات الألفاظ ومعجمات المعاني.
في الآلات والأدوات
المِذياع للراديو. وقد ورد في تاج العروس أن المذياع هو الذي لا يكتم السر. وهل رأيتم أوشى منه – أما جمع مذياع فهو مذاييع. (من منكم يستعملها؟)
المِجهار – وهو الميكرفون.
المِجْهر – الميكروسكوب.
المِزفَّة – المحفة تزف فيها العروس، وتستعمل لسيارة العروس.
المِسلفة – أداة لتسوية الأرض.
الثُّريـّا – وهي مجموعة المصابيح المعلقة في الغرفة، وقد سميت تشبيهًا بالثريا، وهي كوكب مؤلف من عدة نجوم صغيرة ذكرها امرؤ القيس.
(يذكرني هذا البيت بتحدي الدكتور محمد النويهي الناقد المصري أن القليل الأقل من يستطيع أن يفسره.)
المِمطرة – وهو ثوب يلبس في المطر. وقد أكثر الكتاب مؤخرًا من استعمال مَطَرية للمظلة الواقية من المطر.
النِّفط – (بكسر النون) وهو زيت البترول. وقد عرفه العرب القدماء باسم "زيت الصخر "، وهو الترجمة الحرفية لكلمة (بتروليوم) المؤلفة من كلمتي " بتر " وهي الصخر و " أوليوم " وهي الزيت.
ومن الطريف أن نذكر أن النفط شاع استعماله منذ نهاية القرن الأول للهجرة. ومما يدلنا على ذلك ملاحاة وقعت بين نِفطويهِ العالم النحوي وبين الشاعر ابن دُرَيد صاحب الجمهرة، وذلك في أوائل القرن الثالث. قال نفطويه:
ابن دريــد بقــره وفـيـه لــؤمٌ وشـــرَهْ
قد أدّعى من جهله وضعَ كتاب الجمهره
فرد عليه ابن دريد:
إن لـذا النحو وأصحابــه قد صار من أصحابه نفطويه
أحرقه الله بنصف اسـمه وصيّر الباقي صـراخـًا علـيه
وأرجو أن تكون النكتة واضحة هنا.
بناء البيت.
قال تعالى: " يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب ".
الصرح أو الأُطُم يطلق على كل بناء عال.
أما كلمة " الأطم " فقد وردت في الشعر الجاهلي.
وتيماءَ لم يترك بها جذعَ نخلة
ولا أُطُمًا إلا مَشيدًا بجَنْدل
إفريز الحائط: هو الكرنيش البارز قليلا، فإذا زاد سمي الطَّـنَـف.
الوشيعة: نطلقها على الحواجز الحديدية أو الخشبية التي على الأسوار ونحوها. وقد لاحظت في كتاب " الفتوح " لابن أعثم الكوفي – وهو كتاب مخطوط – استعمال كلمة درابزين - التي ربما تبدو لنا محدثة.
" ثم بسط (يعني عبد الله السفاح) يديه فازدحموا عليه بالبيعة حتى كسروا درابزين المقصورة". فإذا جاز لهم أن يستعملوا درابزين فما يمنعنا منها الآن؟؟
على هذا أرى دعوة الدكتور طه حسين إلى امتلاك اللغة كما تصرف رجال اللغة القدماء حرِية بالقبول في ظروفنا التي تكثر فيها المصطلحات العلمية الحديثة، وأن كل تزمت يحول دون ارتباط في عالمنا الواسع القائم على التجديد يؤدي بنا إلى الركود، وهذا يقتل العصارة، والعصارة لا بد لها من دورة دموية.
يقول ميرون، المثّال اليوناني: " لا يجب استنباط الأشياء من الكلمات ، بل الكلمات من الأشياء ".
لهذا أرى أن استعمال التلفزيون رائق ربما أكثر مما يروقني استعمال المرناة (أو المرياء كما شاء أديبنا محمود تيمور...) وحبذا الاهتمام بالمعنى أكثر من المبنى.
ومن يجد حرجًا في هذه الكلمات الدخيلة فليضعها بين هلالين ولا ضير عليه.
ولكنا مع ذلك يجب ألا نجنح عن الجادة، وفي جنوحنا لا نعمد إلى أي تقويم في لغتنا مما قد اتُفق عليه، لأننا في قصورنا نقع في فوضى لغوية أو ننصهر في لغة أخرى - شأنَ بعض شبابنا ممن يعملون في تل أبيب وحيفا يخاطبون أمهاتهم بلغة عبرية مرهقة أو بعربية لكناء.
ولا شك أنكم تعرفون قصة الغراب.
الحلقة الثالثة:
عمرو
إذا سألت لغويًا: لماذا نضع هذه الواو أجابك للتمييز بينها وبين "عمر" الممنوعة من الصرف. نقول:
جاء عمرٌو وعمرُ .
رأيت عمرًا وعمرَ .
مررت بعمرٍو وعمرَ .
فواو عمرو تحذف عند النصب. (لماذا؟)
كان داود باشا أحد وزراء الدولة العلية محتارًا في سبب هذا الاعتداء الصارخ على عمرو، إذ أن أغلب النحويين يأتون بأمثلة الضرب:
" ضربَ زيدٌ عمرًا " و " ضرب زيد عمرًا ضربًا مبرحًا " وهكذا.
فلم يجبه أحد.
وبقي علماء اللغة والنحو معرَّضين لسخرية الوزير... إلى أن وافاه أحد العراقيين وقال له:
لقد سلط الله زيدًا على عمرو لأنه سبق أن سرق.
- ماذا سرق؟
- سرق الواو من جناب حضرتكم – داود – فجزاه الله شرًا.
وعلى ذكر عمرو: عاتب أبو سعيد الرستمي الصاحب بن عباد، قال له:
أفي الحق أن يعطى ثلاثون شاعرًا
ويحرم ما دون الرضى شاعر مثلي
كما ألحقت واو بعمرو زيادة
وضويق بسم الله في ألف الوصل
والشيء بالشيء يُذكر، فقد ذكر أبو نواس في شعره عن الزيادة الشكلية فقط:
قل لمن يدعي سليمى سفاهًا
لستَ منها ولا قلامةَ ظُـفــــــر
إنما كنت من سليمى كواو
أُلحقتْ في الهجاء ظلمًا بعمرو
| قلت لصديقي: أنت شاطر. وكان صديقي ممن ينقب في دقائق اللغة، فنبهني إلى أن معنى (شاطر) خبيث، وكان من الأفضل أن استعمل كلمة " حاذق ". قلت له معجبًا حقًًا: |
إنك فنان !
وإذا به يقطب عن جبينه مخاطبًا إياي:
أهكذا تشتم أصدقاءك؟
- معاذ الله !
- ألا تعرف أن معنى " فنان " حمار الوحش؟
ولكني يا صديقي خاطبتك بلغة اليوم، والخطأ المشهور أفضل من الصحيح المهجور.
- إني أراك غواصًا تبحث عن صدفات اللغة في بحرها الواسع، فما يضيرك لو استعملت كلمة مِفَن؟
- قبلتها، ولكن مَن من القراء يقبلها؟
- إذن، لنقل " فنان " على بركة الله ! فحتى الحمار الوحشي له فنون في العدو أي له طرق، فلنتقبل ذلك مجازًا ! ولماذا لا أقول: " حسنًا لأننا قبلنا.."
* * * *
والآن، إلى بعض الأخطاء الشائعة التي جمعها لنا أصحاب المشوِّق وقد تحريت عن السبب وأرجو أن تبحث أنت أيضًا.
الخطأ الصواب السبب
انصاع لمشورته انقاد معنى انصاع انفتل راجعًا
صفار البيض المُحّ لم ترد " الصفار " في
كتب اللغة.
هذه الضوضاء هذا الضوضاء الضوضاء اسم مذكر
الطابق الثاني الطبقة الثانية الطابق معناها مقلاة أو نصف الشاة
ظريف المعشر ظريف العِشرة المَعْشر هم الجماعة
عَمّر بيتًا بنى عمر جعله أهلاً أو عاش طويلاً
تعهد لي أن عاهدني على تعهد معناها تحفظ به وتفقده
بالكاد يكفيه لا يكاد لم ترد "الكاد" في اللغة
أنعم به من رجل يا له من رجل --------------
نوه بالشيء عرض، ألمع، أشار نوه بالشيء رفع من ذكره.
الحلقة الرابعة:
كذلك ربما يحدث الالتباس في معنى (زعلان) و (عرْص) في هذا الحوار:
- ما لي أراك عرْصًا؟
- وأنت مالك زعلان.
طبعًا نحن لا نتوقع هذا الكلام في لغة الحديث، وإلا فإن اللفظة الأولى يكون من ورائها شأن أي شأن.
فعرص تعني حسب المعاجم مضطرب. وزعلان في اللغة نشيط.
· قال لي صديق: قد لا أكون يوم السبت في الناصرة.... وإذا قررت السفر فسأسافر لوحدي.
لنلق نظرة على جملته:
نعرف (أن) قد تفيد التعليل أو الشك إذا سبقت المضارع: قد يحدث. وتفيد التحقيق أو اليقين إذا سبقت الماضي: قد حدث.
والسؤال: هل خطأ أن نقول: " قد لا أكون.... "؟
والجواب أن استعمال (قد) غالبًا يأتي مختصًا بالفعل المتصرف الخبري المثبت. على هذا نفضل القول: ربما لا أسافر.....(ومع ذلك، وجدت في مادة (ذام) في لسان العرب بيتًا من شعر أنس بن نواس المحاربي:
وكنتَ مُسَوَّدًا فينا حميدًا وقد لا تعدم الحسناء ذامــــا
أما الخطأ فهو في قوله لوحدي، والصحيح: وحدي، بدون اللام.
وهذه الكلمة " وحدي " حال منصوبة. وتأتي مجرورة بالإضافة في حالة تباعها لنسيج وعَرير، فتقول أنت نسيج وحدِك في لعب الكرة، وأقل من ذلك بل يندر أن تقول: أنت عرير وحدِك في لعب الورق.
* * * * *
ومن سموا أو لقبوا لقبًا استدعته كلمة من أحد أبياتهم الشعرية:
المُهلهِِـل وهو خال امرئ القيس، وقيل إنه أول من هلهل الشعر قال:
|
لمَّا تَوَعَّرَ في الكُراعِ هَجِينُهُمْ |
|
َهلْهَلْتُ أَثْأَرُ جابرًا أَو صِِنْبِلا |
المتلمس: