أمام المراَة

   وقصص أُخرى ...

 

 

 

كلمة لا بد منها

 

لا شك أن بعض القراء المتابعين لنشاطاتي الكتابية سيتساءلون : " ما لصاحبنا وللقصة ؟ حسبه النقد والشعر و ... " وكأني بهم ينكرون عليَ أن أدلي دلوي فيما أنا مضطر فيه ، فالإبداع يبحث عن طريقة أو نوع يتفتق فيها مَعينه . ويعلم الله أني لا أعمد لهذا اللون الأدبي أو ذلك إلا أن أُدفع دفعًا " ومكره أخاك لا بطل " .

ومجموعتي القصصية الأولى " أمام المراَة " صدرت سنة 1985 عن منشورات بيادر القدس ، وقد نفدت قبل سنتين ، ولما كان هناك نفر - ولو يسيرًا يسأل عنها، فقد اَثرت أن اعيد طباعتها مضافةَ إليها قصص نشرت فيما بعد ، وخاصة في " الجديد " و " الاتحاد " .

وقد تناول بعض النقاد مجموعتي القصصية الأولى بالنقد . فذكر أحدهم أن القصص الناجحة لم تخضع لمواصفات معينة للقصة القصيرة ، وكأن لها مواصفات ثابتة حقاَ.

أما في كتاب الدكتور " القصة العربية الفلسطينية "   أيلول 1987 فقد ورد أن قصصي تمتاز بالأحداث المتشابكة ، ويقول المؤلف  : " فهو يخربش فيها سير الزمان و لا يحدد المكان " ...... ؟؟؟ ثم يتابع القول : " قصصه تعتمد السرد ، ولكنه مكثف موجز بعيد عن الترهل ، ويكتنف معظم قصصه الغموض والرمز ... مواضيعه فلسطينيَة ، ولكنها تحرق المسافة بين الخاص والعام ... من قصصه يبدو الكاتب متأثرًا بالقصة الأوروبية ، وخاصة وليم فوكنر " (ص 381) ...

وتناول محمد علي سعيد المجموعة في دراسة جادة بعنوان "أبعاد المضامين في مجموعة فاروق مواسي القصصية " (نشرت في مجلة " الشرق" كانون الثاني 1986 ، وأعيد نشرها  في كتابه " قراءات في الأدب المحلي " ص 71 81 )  حيث ختمها بالقول :

" على ضوء ما تقدم أستطيع أن أقول إننا أمام مجموعة قصصية ناجحة ، تمتاز بتعدد الأبعاد ، وهذا ما حاولت الوقوف عليه ، وأما ما يتعلق بالشكل من حيث الوسائل الفنية فإنه يحتاج إلى دراسة مستقلة " .

وأخيرًا

فهذي المجموعة مهداة إلى عشاق الصدق في الأدب والبوح فيه ... أنشرها رغمًا عني ولا ألزم بها أحدًا ، فإن وصلت بعض قصصها إلى رسالتها فما أسعدني ! وإن تعذر ذلك فاعتبروها واحدة علي .

د. فاروق مواسي

باقة الغربية

 

 

 

 

حجر ... علم

 

 

كانت المستشارة الحسناء تلقي أمام طلابي سؤالاً فرضيًا :

- تصوروا أنفسكم بعد عشر سنين ، فماذا تتخيلون عن حياتكم ؟

كان طالب يسرح بخياله فيثير ضحكات الطالبات بَعَبثه وسخريته .

لكني كنت أنعم النظر في المستشارة الحسناء.....

تشبه من ؟ من ؟

اَه . صديقتي المقدسية .

أما أنا فبعد عشر سنين لن تكون رجولتي أمامها مقنعة ، ربما ستهزأ المقدسية بنظرة احتقار سريعة ، وأنا أغالب نفسي ،  وهيهات .

عندها قد أفكر بقطع ... ولن أبالي . احتضن المقدسية . تغني لي بصوتها الرخيم أغنية فيروزية . تحتضني . نتغدى أكلة سمك . تقوم الأمور معافاة ، وكان الله بالسر عليمًا.

تأخذني المقدسية واسمها ثناء بسيارتها . نركب . نتجول قرب البريد شارعًا شارعاَ . تقود وأنا أتابع عينيها الملونتين الواسعتين . كلما اقتربتُ من موجة ضيعّتني موجة أكبر .

وقفنا أمام مكتب " العودة" . صعدنا الدرج بنَفَس لاهث ... الله يعين الموظفين !

رياضة تنحيف . يا الله !

كان رضوان أبو عياش والمتوكل طه وشخص غريب لا أعرفه يتحلقون حول ركوة القهوة .

الشخص الغريب أحرجني ، إذ عرفني أصلا وفصلاً . ولكنه أبى أن يُعَرَّف نفسه ، ولم يتبرع رضوان ولا المتوكل .

قال رضوان : غدًا ستكون ذكرى الانتفاضة المباركة - التي بسببها قامت دولتنا الفتية.

انتبهت إلى العلم الصغير الملون بألوانه الأربعة على الطاولة . كان يراقبنا بحنان وشكر . (مرحبًا يا علم ! )

علينا أن نكتب كيف كانت القدس تغلي كالمرجل . الإطارات مشتعلة . الحجارة من سجّيل . الزجاجات حارقة . لم تكن انتفاضة ، " كانت ثورة " .

وكرر :  " كانت ثورة " .

قال الشخص الذي لا أعرفه ، وكانت نظرته نحيلة شاحبة مبهمة كأنها آتية من ضباب بعيد :

" كانت القيادة الوطنية الموحدة تنظيمًا دقيقًا استقطب الجماهير . لا تنسوا كانت هناك ضحايا  . " تحسس جبينه وكأنه يستذكر أمرًا : " قتلوا أخي ابن الخامسة . كانت لعبته بيده . احتضنها وأغفى " .

قال المتوكل وقد ظهرت عليه مساحة من الغضب المشوب بحرارة الانتصار :

" أغلقوا المدارس . اعتقلوا : قتلوا . دفنوا الأحياء . ضربوا بأنواع العصي . داهموا . جرحوا . قطعوا الأشجار . كان الله معنا . هز رأسه :

كان الله معنا حتى انتصرنا . "

قال الشخص الذي لا أعرفه :

" لن أنسى منظر الجندي الذي كان كالفأر في المصيدة . كان بإمكاننا قتله . يهرب من عزرائيل فيلقاه قابض الأرواح . ألقى سلاحه وهو يرتجف . بال في سراويله ثم رفع يديه للشباب بإشارة " في    ...،" وصاح   : " تعيش فلسطين " .

قال رضوان بعد أن أشعل سيجارة وسحب نفسًا طويلاً :

" ها هم يتجولون سياحًا معززين مكرمين " .

قالت صديقتي : " هم يبحثون كثيرًا عن التين البلدي وعن الثياب المطرزة ، وعن الأدوات النحاسية وعن الخرز الملون " .

قال لي رضوان : أما أنت فبالإضافة إلى قصيدتك الوطنية نريد منك قصيدة أخرى غزلية . فالمرأة هي نعيم الحياة الذي أنعم الله به علينا ، ومن أحبها أحب الكون . أتسمع " ؟ 

نظرتُ إلى سيدة الحضور . كان ما تحت إبطها مكشوفًا . استرقت النظر الى خالٍ مختبئٍ في ناحية أبعد . عندها أحببت أن أنفرد بها لأقول لها سرًا .

رصدت الجماعة شرودي . كان خيالي يعربد ولا يني . يرضع شهدًا خالصًا ، والقدس يترامى إليها نور بعد نور . وعيون الصبايا فيها صارت أنطق وأشوق .

قرع الجرس . كانت المستشارة الحسناء التي تشبه صديقتي ثناء تجمع الأوراق . ويبدو أنها طرحت سؤالاً إضافيًا على طلابي لاحظت أنني ساهمٌ ، فاعتَذَرت لأنها أزعَجَتني . وتركت بعد مصافحتها في يدي طراوة ناعمة بقي أثرها بعض الوقت  .

---

توجهت من باقة نحو طولكرم لشراء بعض الكتب من مكتبة الشحروري . على مطالع شويكة كانت طريق مغمورة بالحجارة الكبيرة . وإطارات مشتعلة . دخان كثيف . مجنزرات الجيش المصفحة تجوب ، وأطفال يتجمعون في ناحية أخرى بعضهم يحمل علمًا ، وبعضهم يحمل حجرًا .

 

 

 

 
 
وقوف على الضريح

 

 

 

لكثرة ما سمع محمد من أصحابه عن قدراتهم الخارقة أصابته نوبة ملحة من

 التساؤل : لماذا أنا لا .. ؟!

فهذا يصب الماء صبًا ، وذاك فعلها لخمس مرات وما زال كالعصفور . هذا فتن النساء ، وذاك يطلعه على رسائل شوق محترق يشي بأن وراءه ممارسة لحمية شرسة ... وقعد هو والله وشخص ثالث يتناجون ...

واتفقوا على أن يظل الشخص الثالث مستعدًا يقظًا وثابًا و" لعين الوالدين " طوال شهرين بالتمام والكمال .

سعد أولا بهذه الفكرة ، وبقي الشخص الثالث في أوج نشاطه مستوفزًا حتى عزت عليه أماكن العمل ، فكان يثور ويستبد حتى أصبح خطرًا ... عدوانيًا ... شرسًا .

وألقي بمحمد في السجن حتى يفتحوا .

تمنى محمد أن يهدأ هذا الجبار ، أن يغير أسلوبه ، أن يسكن وهيهات ، فالمدة لم تنقض ، والقرار قرار . ومات محمد ، وبقي الشخص الثالث يقظًا يكاد يفتق مواقعه بغضب ، فالباقي من الزمن شهر .

ووقف الشخص الثالث كالمئذنة منتصبًا على ضريح محمد .

 

 

 

 
 
 
 

 
عيد للصدق

 

 

عندما مررنا بمستشفى الأمراض العقلية القريب من باقة خطر لنا خاطر غريب أن نكون ضيوفًا ليوم واحد في المستشفى ، ونفضي بسرائرنا ... نصرخ ... نضحك ... نلعب ... نبول أمام بعضنا البعض ... نسوق عربات الأطفال وكأننا نطير .

وأخيرًا قر قرارنا أن نحتفل بعيد للصدق بدلاً من ذلك ، فنبوح بدخائل النفوس من غير أن نستلزم انتقاد المجتمع القاسي ، فمجرد زيارة للمستشفى تلعن " سنسفيل " اَبائنا وتقضي على مستقبلنا  ، ولا يمكن أن يعقل الواحد بعدها .

      وحتى يصدق الواحد بالدقة المتناهية تناول كل منا حبة صنعت خصيصًا في معمل كيماوي أسس على الأمانة ورعاية حقوق العمال والتعاون المخلص .

التأم الشمل في ليلة الحفل . ووزعت الكؤوس والحبوب ، وخطب صاحب فكرة  "عيد الصدق " وقال :

   *      أما أنا فلا أحب زوجتي ، لفمها رائحة كريهة .. أتمنى أن تزول من العالم حتى أتزوج صبية اسمها ( نرجس القاضي ) .

   *    وأما أنا فلا أحب أحدًا حتى ( محمود الديوان ) الذي ترونه بصحبتي ، خسارة ،  لأن أضلاعه لم تكسر ولم تهشم في حادث الطرق أمس . ويا للأسف قام سليمًا معافى .

-         أما أنا فأصلّي حتى يقول الناس إنني أصَلي . أتردد على المسجد الكبير أرمق الجميع بنظراتي ... أوزعها ، ابتسم ، هزة رأس لهذا ، هزتين لذاك ، قسمًا بأنني أكلت مالاً تابعًا للمسجد  ( هذا في داخل داخلي ) ... ألسنا نأكل من خيرات الله ؟

*     أما أنا فأرجع " الشيكات" التي أكتبها مؤجلة ،  بينما أخبئ الدولارات في الخزانة الخلفية وراء "الشرشف" ،  وقد أرجعت "شيك" الفقير الحال  (محمود ناصر) الذي يستحقه  منذ مدة ، فالأفضل أن يموت جوعًا . جهنم !

        وتوالى الخطباء .

 والكلمات صارخة حادة حارقة مرة ،

                        وما لبثت الكلمات أن تحولت إلى لكمات .

      وتأسفنا لأننا لم نعمد إلى الاقتراح الأول .

 

 
 
 
 

 
أرق ليلة - هواجس

 

 

كثيرًا ما يستبد بي الأرق ، وأجد نفسي أتقلب على الفراش ، وأحيانًا بدون سبب (بطر) . وفي بعض الليالي لا أنام مطلقًا ، ولا يغمض لي جفن كالسمك في البحر .

ترى هل ذلك من علامات الكبر ؟ ضعف الدم ؟ تعويض عن الحياة التي تتناقض كمًّا  ، فتعوضني باليقظة ؟

اشتريت جهازًا خاصًا لتسجيل الهواجس ، ابتدعته التكنولوجيا التي تطلع علينا بكل جديد . وهذا الجهاز يلتقط ما ينتاب الإنسان من خيالات ، ويترجم بلغته الخاصة من رمز إلى لغة .

فتحت الجهاز في صباح يوم فإذا فيه :

 

......

قال صقر السلايمة لزوجته : اطمئني ، بعد قليل سأعود ! مجرد استفسار من قبل الضابط . نظرت في عينيه ، وجدتهما تشعان هدوءًا وطمأنينة . دخل خمسة مسلحين ، صافحه أحدهم بحرارة ، وقال له : من فضلك ! مجرد استفسار ، رافقنا إلى المركز!

شدوا غطاء على وجهه ، ويا خماس خذ خمسك ، أشبعوه لكمات . وجهه تورم . انتفخت عيناه . ثلاثة أيام في زنزانة معتمة مشبعة بالروائح الكريهة ... انتظار للفرج .. ثم فتح باب الزنزانة وقال له جندي ، (سليخا لو أتا)  " نأسف . لست أنت المطلوب" .

ترى كم حادثة انتهت بهذه اللفظه ( سليخا ) ؟

 

---

 

ابن عمي يعتقد اعتقادًا جازمًا بأن صرصارًا كبيرًا على قدمه .

يرفس ابن عمي ويحرك رجله ليطرد الصرصار ، تساعده قدمه الأخرى أحيانًا . يهدأ لحظات ، ثم ما يلبث بعد دقائق أن يعود سيرته الأولى .

-         الصرصار !

-         اقتله !

-         لا أستطيع ، لا أستطيع .

 والصرصار يكبر كل يوم

 

---

ماياكوفسكي أدان بصورة لاذعة زميله الشاعر بوشكين لأنه انتحر ، فالمجتمع بحاجة إلى غرس التفاؤل والبناء والإنتاج والبسمات والحياة والفرح ، ففي هذه الحياة ليس صعبًا أن تموت ، وإنما أن تصوغ الحياة فهو أصعب بما لا يقاس . وبعد خمس سنين انتحر وكتب قبل ذلك : " لم يكن هناك أي شيء آخر ، كان بوسعي أن أفعله . تحياتي".

" قبل سنة من انتحار خليل حاوي شتم هو  الأدباء والشعراء المجتمعين في "المربد" ، شتمهم أقذع الشتائم . وأنا أقول : هل يستحق العالم العربي كله انتحاره وليس موته".

---

صوت ريح ، مواء قطة . هل يمكن أن يكون لصًا مقنعًا ؟ كيف سأقاوم ؟

الصرصار على قدم ابن عمي صار أكبر . تنفس عميق . قالوا : في التنفس العميق يمكن أن ينام ألإنسان . قراءة سور قصيرة . قالوا : إذا كررت سورة ثلاث مرات فستروح في إغفاءة عميقة وجميلة . هدوء . قالوا : هدئ أعصابك ! استرخ استرخاء كاملاً وبعدها ستنام . ولكن ،  لماذا ينام الإنسان نومًا أبديًا / لماذا يموت ؟

يداهمنا الموت وتتنوع أسبابه حتى بدون مرض . السرطان بسرعة يأتي ، وبسرعة يمضي بأعزائنا ( راحت عليك يا جرمس ) ، السكتة / الجلطة ؟ الشلل ( راحت عليك يا سبع ) . حوادث الطرق يوميًا فأنت مسؤول عن سيارتك ، ويجب أن تتخيل أن الذي قبالتك هو مجنون أو سكران فقد السيطرة ( ولو ، يا دكتور غسان في يوم عيد ميلادك !)

---

ثلاثة أيام في الزنزانة نهايتها (سليخا) . الصرصار  صار أكبر ، وابن عمي يصيح : " الصرصار الصرصار " ونحن نقول له : ليس هناك صرصار ، اهدأ ! "

---

أذن الفجر ، ولأول مرة استلطفت صوت المؤذن رخيمًا مأنوسًا .

كدت أذهب للصلاة .

صَحَت زوجتي فزعة :

- ما لك يا ستار ؟

-  بسم الله الرحمن الرحيم !

- تحلمين ؟

-  " كنت في القدس ، سائرة في شارع صلاح الدين ، وكان أحد المستوطنين يسير بعصبية ، وهو يحمل سكينًا كبيرة سكين جزار .

- اختارني وقال لي : تعالي ! أي شريان سأقطع لك ؟" .

- لماذا ؟ أنا لا أكره اليهود . أنا من "عربكم" .

- لا يهم . اختاري من أين سأذبحك ؟

- زُرنا في بلدنا ! سأريك صورًا لي مع نافون وزوجته فيرا . حرام عليك !

- لا يهم ، اختاري من أين أبدأ ( كان يصك أسنانه) ، وكان بالقرب منه شخص اَخر هادئ يحمل سلاحًا . قلت : لا بد من سرقة سلاحه . سرقت السلاح وصحوت .......... الحمد لله . اسقني ماء ! "

---

كان الصرصار على قدم ابن عمي يكبر ..

خليل حاوي يضحك ..

صقر السلايمة يردد كلمة (سليخا) بمعنى وبدون معنى .

زوجتي تحمل السلاح .

وصوت ريح . ومواء قطة . هل يمكن أن يكون لصًا مقنعًا ؟

سآخذ ما مع زوجتي .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

طلقة

 

 

لم أكن أتصور أن المسدس الذي بيدي مجهز وبه عيار. أصوب المسدس وأنا في شبه حالة هستيرية. المسدس (اللعبة) كان من ألعاب طفولتي، وبقي حبي له كدلالة على الرجولة والبطولة أو على المكانة .

هأنذا أحمل الحقيقي. أصوب المسدس باتجاه أخي مرة،  وباتجاه عوض صاحب المسدس مرة أخرى. عوض قدم لي السلاح بعد أن رجوته غاية الرجاء أن أطلق عيارًا، أن أجرب، وأحقق حلمًا قديمًا، فاستجاب لي عوض، و أخرج أمامي وعلى مرأى مني رصاصات المسدس، ولم يكن يدور بذهني أن عيارًا واحدًا بقي ينتظر. خيل لي أنه أخرج كل ما في " الباغة"، ظننت أن عوضًا يعاملني كطفل، والطفل من همه أن يعبث بقطع الحديد.
 لتتم التمثيلية.

عوض يستصرخ، يرجو أن أرفع يدي عن الزناد، يظن أنني أعابث، ومع ذلك يصرخ "اوع الديك".

ألاحقهما، أطاردهما، أشهر المسدس صوب هذا وصوب ذاك، وكلما همّ إصبعي أن يضغط كان صاحب المسدس يتهالك... يتهاوى.
أعجبتني اللعبة.

أخذت أضحك بحدة. أخي مذعور. استلقى على الأرض بينما كان المسدس يلامس رأسه و عينيه الجاحظتين.

الآلة كم قتلوا بها! كم قتلوا بها!! حياة الإنسان، علمه، ثقافته فنه كل شيء رهين "تك" ثواني ينتهي كأن شيئًا لم يكن. القاتل يسرح ويمرح. يعذبه ضميره أو لا يعذبه لنفسه المبررات وينسى. ماتت بعوضة.
 أخي مستلق على الأرض.

-         " دخيلك "!

عوض طار الدم من وجهه ...

-         ارفع يدك عن ...

"فرد فلين " يهلع له قلب الجبار، وخاصة في الليل، فكيف هذا السلاح الجدي؟

يجب أن يمثلا لعبة الخوف ليعلما من أنا.

-         قل أنت "التوبة"!

-          "التوبة".

-         وأنت قل "العنزة يا خال"!

-         "العنزة يا خال".

الردود كانت سريعة. ما هذا الخضوع العجيب من أخي العنيد ومن عوض الذي يكاد يبكي.

هل هذه الآلة بهذه القوة؟
(أستُدعيت قبل عشر سنين إلى مركز الشرطة بتهمة إطلاق النار في أحد الأعراس.

-         "أنا؟ صدقني لا أعرف كيف يستعمل".

قلت للمحقق:

"أنا؟ لا شك أنك أخطأت العنوان".

-         "اخرس!   تتجاهل؟  كلكم هكذا تظهرون أنكم مساكين".)

 

بعد فترة عذاب وانتظار عدت أستحكم:

"تصور أن تكون يا أخي مضرجًا بالدم. سنسعفك. السيارات قريبة،  ولكن ستموت.... تموووت. سنفتح لك بيت عزاء. سنشرب القهوة السادة كثيرًا... ما أطيبها بعد أن تخمر في اليوم التالي!!
وأنت يا عوض، الله يعوض على أهلك!! لماذا تحمل المسدس أصلاً يا مشبوه. كثيرًا ما فكرت في شراء مسدس بالسر ووضعه تحت الوسادة خوفًا من متسلل قد يقتحم بيتي ويرغمني على إعطائه الدولارات  القليلة التي أوفرها.

ستكون الضربة في قلبك، إصابة الهدف ضرورية. لم أكن أحسن إصابة الهدف في لعبة الحصى. كنت أشعر بنقص، سأغطي الآن هذا النقص. انظروا كيف ألعب بالمسدس هه كيف أمسكه؟ هه!  أقلبه؟ كيف تتوسلون؟

اتخذ عوض سبيل الهدوء. ربما لأن الإثارة يمكن أن تجر إلى الخطر. صنع بسمة على شفتيه، وقال:

-         " أنت تحسن التخويف.... ولكن ..."

-          ماذا ولكن؟ هذا مسدس، لزيادة معلوماتك اعرف أن اسمه مسدس: لأنه كان فيه ست حبات. اخترعه صموئيل كولت سنة 1836. فبقي الاسم "مسدس". هل تثقفت؟ حتى ولو كان فارغًا "فرد 14" بقي الاسم "مسدس" حتى ولو كان فارغًا كما هو الآن ... ست حبات ...

-          "لا ليس فارغا".

أخذت ألوح في يدي. وأنا أحمل المسدس. أقفز كأنني ثمل.

 - " لكن لا، سأنتحر أنا. سأرتاح من هذه الحياة التي هي تعب وهم ومرض ورؤية أناس لا ترتاح لهم. الضربة ستكون في رأسي. سأُنسى بعد أيام. الناس بعدي يروحون ويغدون. سأنتحر...

آه. أنا أساعد غيري، إذًا أنا موجود. لن أموت يا مسدس؟ لماذا نموت أصلاً سأصوب الطلقة نحو غيوم السماء.

" استقبلي هذه الطلقة، لأنه لا يعنيك شيء مما يجري على الأرض، وليس من اختصاصك".

أو

" استقبلي هذه الطلقة احتجاجًا لأننا نتهمك، فإما أن تكوني أو لا تكوني"!

وضعت يدي على الزناد.

ودوى الصوت...

وتناول عوض مسدسه عن الأرض.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أمام المرآة

إلى غسان كنفاني

 

 

لم تكن بعيدة عنه ، مستلقية بوضع يثير شهيته ، تبدى من ساقها البيضاء جزء يجذب النظر ، كانت قد فرغت من القراءة ،  وأرخت أجفانها مستسلمة لهدأة طويلة ، فتوترت أعصابه ،  وسمع صوت نبضه .

 دخل إلى الغرفة القريبة ، نزع عنه ثيابه ، ثم قرأ الفاتحة وبعض السور القصيرة :

" إذا قرأت سورة الصمد مائة مرة يطلع لك ولي صالح يلي طلباتك وسعده بين يديك " .

ولكنه لم يقرأ السورة إلا ثلاث مرات ، فإذا بثلاثة أولاد يخرجون من الأرض .

  - أنت معلم ، علمنا الحساب " !

    -   لا أتقنه .

-  علمنا اللغة العربية ، قواعد ، شعر ...

صفع الأول كفًا ،  وركل الثاني برجله  ،  وضرب الثالث بعنف ،و قعد يدخن. وبعد أن لبس ثيابه عاد ليراقب الفتاة النائمة .

دنا منها بحذر وعلى رؤوس أصابعه .

فتح الراديو ، وأخذ يستمع إلى أخبار فيتنام ... درجات الحرارة المتوقعة ...

لا حاجة .

أغلق الراديو واستمع إلى صوت أخر :

-     تعالي إلى شاطئ البحر .

  -   إن رافقتك هل تُرْكِبُني زورقًا ؟

  -  نعم . أي زورق ، سنتجول حتى جزيرة قبرص .

ندّت عنها سعلة على أثرها أنطلق إلى المراَة . أخرج لسانه ووقف ينعم النظر في سحنته الغربية ، رسمها بأشكال مختلفة : مبتسمة ، مكشرة ،  هازئة ، وكيف تنفرج البسمة إلى ضحكة تطلق بصوت عال .

واختلطت القهقهة بصوت الولد الذي يبكي بعد أن صفع ز

افتقد الولد الثاني الذي ركله في الموضع المناسب ، فقد تسلق هذا على ظهره ، وألقى بيده حول رقبته .

 -  إني أريد أن أتعلم .

  -  دعني أسمع أخبارًا .

لن تسمع شيئًا ،  والأخبار تعاد للمرة الثامنة .

تناول قرص إسبرين ، وألصقه على جبهته .

لم تتغير الدنيا .

رأى في المرآة عمال المدينة يسيرون في الموعد نفسه ،  ويلتقون في المساء مع عشيقاتهم ، يعِدوهن بالزواج ، ويقذفون دموعهم البيضاء بين نهودهن .

يُقتل أبو فايز .

يقتل والجماعة تمارس الرذيلة ، ولا يكلف الواحد منهم أن ينظر إلى مرآة نفسه .

عندما جاء أبو فايز إلى القرية كانت أم مسعود لا تتقن " لخّ " العجين ، وأبو مسعود لا يتقن مضاجعتها .

ومع لك فقد اختار ليلة باردة وكان حزينًا . دنا من أم مسعود ، ولم يبال

بنصيحة مسعود أن يؤجل المسالة ، ولم يبال بصرخة مسعود :

 - يا أبي لماذا تنجب جبانًا ؟

ضحك أبو مسعود وقذفه حتى يضبط الحساب ، ويولد مسعود في تشرين مجنيًا عليه . جاء أبو فايز إلى القرية بعد العشاء بقليل ، والسراج مطفًا ومّر على كل الدور ، غنى مسعود لأمه : " يمه اندهي له ، حبي مرق من هين ، وأنا أحكي له بس أطلعي بره " .

اضطجعت النائمة على جانب جديد ، بدا الشكل مغريًا أكثر : شفتان لا حاجة لوصفهما أكثر من أنهما تدعوان إلى طعام  خاص ...كل ما في الأمر أن المرآة كانت تنظر إليه هذه المرة .

أخرجت المرآة أوراقها وجعلت تقرأ .

 وتعلم الولد الذي كف عن البكاء : راس ، روس ، دار ، دور .

لا راس ولا دار بعد اليوم .

تصورْ أن تكون جثة بلا رأس ، شخصًا بلا دار ، وريقك جف ولا تشرب سوسًا ، ويقال لك " قم عن الأكل وبك خصاصة " ويحفظ الولد (إذا زلزلت الأرض زلزالها ) . فيقول الإنسان  (مالها  ؟؟؟!) متلهفًا قبل إتمام الآيات والجواب :

( إن ربك أوحى لها ) .

(يومئذ يصدر الناس أشتاتًا ليًُرَوا أعمالهم ) .

والذي أوحى يعرف قطعًاَ أنهم صدروا أشتاتًا قبل أن تُحْرج الأرض أثقالها ، وهو يعرف أن أبا فايز عندما مر وحيّا من   أثقالها ، وهو يعرف أن أبا فايز عندما مر وحيّا من بعيد أو قريب لم يحفل به أحد ، والرب لم يحتمل هذا التعبير " شريك له " إلاّ في حالة واحدة : عندما اشترك مع أبي فايز في مشروع السنوات العشرين .

 تقلبت النائمة بشكل أجمل ، نفر الآن صدرها العامر الأبيض . وعندما دنا منها أكثر ضغط الولد الذي ما زال متعلقًا على ظهره على حلقومه .

 -    قومي نرقص .

 -    يا الله ، ولكن احضنّي  بقسوة ، وبعد ذلك تلقمني ، تشربني ، سنرقص ، وها  

     يدي على خاصرتك  ،  والثانية على كتفك .

الأنوار انطفأت ، الموسيقى صارخة ، الفم يتجول في مناطق أوربية جديدة ، مكث طويلاً في سويسرة ، تسلق أدغال المناطق الشمالية ، وامتص رحيق أزهار ضفاف الراين .

لم يكن أبو فايز جاهلاً بالشرَك ، كان يتوقعه يومًا يومًا ، كان يعرف أنه لا بد من أن يقتل . قبّل فايزًا واحتضنه وأوصاه خيرًا : أن يطيع المعلم ، ويحترم أمه ، ولا يضرب أخته ، وأن يجتهد ، ومضى .

صَحَت من نومها ، قالت : " لا إله إلاّ الله " ورسمت الصليب في الهواء ، وسلّمت وقالت " يا أبانا يسوع " ،  بينما كان هو يحك رأسه ويستمع إلى الأخبار : انسحاب همفري من قائمة المرشحين .

محاكمة الياباني .

لسعته نحلة في أذنه ، سب الدين بلا شعور ، وعلى أثرها غضبت الفتاة و ... الله يلعنك ...

  - استغفر الله .

 من هذا  الولد الراكب على ظهرك ؟

هذا جحش لم يفارقني ، يدّعي أنه ابني . أقول له : يا جحش انزل ، يهددني بالخنق . يذكرني بقصة العلجوم في كليلة ودمنة .

أعجبت الفتاة بالصبي الجحش وأغرته ، وبعد لحظات كان في طيات اللحم يلعق بطنها وظهرها ، وينقل لها أخبار الجسم أولاً بأول : بض ، غض ، له رائحة كل دقيقة بلون بطعم ........ فاكهة .

عندما أدار أبو فايز يده نحو اليمين افتقد يده ، اشتعلت الدنيا لحظة ، واللحم الشهي يلعقه طفل .

المنافسة غريبة .

مرة في شاطئ البحر كانت سائحتان ، وكان معه صبي في الثالثة عشرة ، انفرد كل منهما بسائحة ، وانشغل هو في الحديث عن الاقتصاد والاجتماع وقضايا السياسة ، وانشغل الصبي بها .

كانت المرآة قد اسودت في هذه الأثناء ، وأوراقها تبعثرت ، وكان الولد قد أتقن القراءة والكتابة وأخذ يطالب بالزواج .

 - هل تدري لماذا قتل أبو فايز  ؟

-   لأن النساء تهالكن عليه في ليلة صيف. ولأن الحروف عرفت أن بقاءها معه هلاك .

والولد الأول ما زال ينهب اللذات من حضن أميرته .

والثاني يفرز قيحًا .

وأبو فايز في المرآة ، يده كانت أطول من السماء . كانت على ظهر الحائط تحتضن عشبتين متعانقتين . تحتضن دارًا ،  ولا تعرف كيف تقبض عليها ، تتشبث بها ،

ولو أعطوها مجالاً لصافحت كل من في الدار .

 

 

 

لماذا شطبوا اسمي ؟!

 

عدت إلى بيتي وأنا أجر خطاي، رجلاي وأوصالي تكاد تتمزق، طرقت الباب حتى تفتح لي زوجتي، هذه المسكينة التي ربما تنتظرني بأقسى عذاب.
 لم أدخل.

همتُ على وجهي في شارعِ يؤدي إلى أزقة تتثاءب. أحببت الظلمة، وتمنيت أن أفرغ في جوفي كأسًا على الأقل، وتذكرت قول صاحبي:

 "ما أروع المحرمات"!!

 

 سؤال غريب يتشكل في رأسي ويتسلل:

بُدئ بـ: "لماذا؟"

وفي الخطوة الثانية أضفت: "شطبوا".

ومع الخطوة الثالثة أتممت صيغة السؤال.

 

كنت مبادئًا في مشروع ساهم فيه نفر من أصدقائي "الطيبين"، فإذا بهم يقلبون لي ظهر المجنّ، يشطبون اسمي من القائمة ويطردوني جزءًا جزءًا.

 

عندما صحوت أكثر أعدت على نفسي السؤال: "لماذا شطبوا اسمي؟ "

ومع بصقة كبيرة وجهتها في الفضاء، لماذا؟

 

في طريقي سمعت صوت امرأة تتوجع في ممارسة سادية، وإذا بها تتقبل ضربات تنهال عليها من زوجها "الكريم"، ودعاني تطفّلي إلى أن أتحرّى سبب الضرب.

في الصباح قالت له: "اسكت"، ولم يطق طلبها في محضر أصحابه، فأخذ يستعرض بطولته في الليل.

 

ولكن ماذا يعنيني؟

 

المهم أنهم شطبوا اسمي.

 

وصلت منطقة ضوء، أدركت هول مصيري، يجب أن أعود، أطلقت على نفسي مسبة كبيرة تتضمن جزءًا من آية مدموجًا وبحدّة.

 

في طريق عودتي تلهيت بأوهام كثيرة وخرافات. بنيت قصورًا وهدمتها، لكن السؤال كان يعاودني، ويصفعني،  ويلعن وجودي.

 

قبل أن تفتح لي الباب بادرتها السؤال نفسه، ولكنها أجابتني بقبلة ملتهبة- الواقع أنها كانت سوطًا القبلة عندها أسلوب لتخفيف حدة التوتر، فقد رأتني منذ الصباح واجمًا ساهمًا، وعندما عدت  لمحت الدهشة بين عيني.

وأعادتها، وبدت لي كأنها تستهزئ بي.

دعوت نفسي لعقابها، لكني تذكرت المرأة التي كانت تبكي، وكادت نياط قلبي أن تتأذى بسببها.

لم أتمالك إلا أن أضمها إلي بلا شوق وبلا رغبة ولو على سبيل المجاملة.

 

أذكر أني كنت مبادئًا في مشروع ساهم فيه نفر من أصدقائي "الطيبين" فإذا بهم بين عشية وضحاها أصحاب المشروع، وأنا كالكلب أقف على الأبواب.

 

في السابعة صباحًا استيقظت بلا تفاؤل، رسمت على شفتي بسمة سرعان ما هزئت بها، فكرت بها لأول مرة في فلسفة نيتشه وشوبنهور.

ورغم أن معلوماتي في الفلسفة محدودة، لكني فهمت قضية الانتحار بطريقتي الخاصة.

رفضت أن أستمع إلى الأخبار فهي مملة شرقًا، غربًا الغناء ... الرقص ... الشعر ... سأم.

الفنون الجميلة أضحت مسميات مبهمة.

ليس ذلك تشاؤمًا كما تدعي زوجتي بدليل أنني أغني وأرقص وأحب الشعر.

 

الصلاة ... الصوم ... الزكاة.

العبادات القديمة أضحت مسميات مبهمة، ليس ذلك كفرًا كما تدعي زوجتي بدليل أنني أقوم ببعضها.

 

         الفتيات ... الصبايا ... البنات.

لا أريد التعجل في القول إنها مسميات مبهمة.
إنها ضرورية كالماء والهواء، ولكنها لا تمنعني وأنا في المعمعة أن أسال السؤال نفسه.

 

أنا في المصنع ماكنة بلا روح تشتغل بلا معنى. أصحو ثم أحلم، في وقت الصحو لا أتبين أنني مسؤول عن وسائل الإنتاج.

وفي وقت الحلم أتبين.

 

من الصباح وحتى العصر أبقى واقفًا في أداء عملي، وأعيد السؤال "لماذا؟ شطبوا؟ اسمي؟"

أصدقائي سئموا السؤال، زوجتي ضاقت بي ذرعًا كأن في فمي رائحة.

 
عندما أخلو لنفسي أحرق الأرّم حتى جاءني الوحي.

 

شخص غريب يلبس الملابس البيضاء استقبلته على أنه وحي.

في ليلة عاصفة الرياح أقبل الوحي، فاحت في الجو رائحة عبقة أنستني لدقائق رائحة دور المياه التي تملأ المنطقة.

قال لي بعد أن صافحني: "أنت الذي شطبت اسمك".

سألني: "هل تريد تحصل على حقك أيها المنبوذ"؟

 

 ولكن ماذا أستطيع أن أفعل؟

- أنت بالحرف اكتفيت باللفظ،  بالصوت، وصعدت على برج المراقبة من بعيد من بعييييد.

اكتفيت بأن سألت اصدقاءك ماذا كان؟

ورحت في غيبوبة.

 

 تَجسدَ الشخص القريب على شكل كرة نور، تكور وتلاشى شيئًا فشيئًا، وأنا أراقبه حتى بدا عن بعد ومضة لا تطفئها ريح.

 

ظل السؤال يطرق بابي، ولكن بهدوء.

 

 

 
يا ناس !!!

 

(1)

حسن زكي من وجهاء قريتي، له مكانته رغم أنه معروف بمكره، لا يختلف اثنان

(ليسا من أبناء عائلته) على أنه مريب ومعيب، ويقال إنه خائن، ومع ذلك يعتبره القاصي والداني وجاهة في الخصومات وملجأً أخيرًا لطالب الوساطات، وقليلون هم الذين استنكفت نفوسهم عن أن تؤم بيته. من هؤلاء الأقلاء راشد القرقعة، وزمرة قليلة من أصحابة.

والغريب أن  حسن زكي ما قصده أحد إلا وقدم له المعونة والنخوة والمال إن كان السائل بحاجة للمال، فأبناء القرى المجاورة وحتى البعيدة قد جعلوا إلى داره طرقًا، يستقبلهم حسن زكي ببشاشة ويا حيا الله"!

فإذا تصدروا المجلس قدم لهم ما لذ وطاب من فاكهه وشراب، وحديثًا ذا شجون وبصوت عال، يتخلله حديثه عن وطنيته الصادقة، وعن أفضاله على أهل القرية، وعن راشد القرقعة الذي لا يصون المعروف.

 يهز السامعون رؤوسهم إعجابًا بصنائع الرجل واستنكارًا لمعارضيه، وحتى ليقسم بعضهم أنه "إنسان" بكل معنى الكلمة ويمد الألف، وأنه عظيم عظم الجبل وكريم كرم البحر، وربما استشهد بعضهم ببيت شعر أو آية تحتاج القراءة عندها إلى مصحح. وكم مرة ترقب حسن زكي فرصًا ليدعو راشد القرقعة إلى منزله، فإذا حدث أن مر أحد أصحابه قرب بيته أمسك حسن بتلابيب المار مقسمًا أغلظ الأيمان أنه لن يمر من غير أن يشرب القهوة، وقد يرفض المار دعوته بأدب واعتذار، وقد يرفضها وهو مقطب الجبين، إلا أن حسن زكي، يتأسف ويقول:
 "الله يسامحك ......... نحن أخوة ".

 

(2)

 

ومعرفتي بحسن زكي كانت بحكم كونه ابن قريتنا يجامل أبي ويجامله، إلا أن أحد أصدقائه قص علي سيرته من الألف إلى الياء، وكشف لي حقيقة تصرفاته، فسرعان ما كرهت قريتي التي تبتسم له مهللة. كرهت أمثاله، بل هو الذي عين بعضهم من غير أهلية وجدارة.

مر حسن زكي. أشحت عنه بوجهي،  فإذا به يعود كالمصعوق ليقول لي "مرحبًا"، ولكني لم أجب، وبُهت.

 

(3)

 

لسبب ما اعتقد الجميع أنني من أنصار راشد القرقعة، وهذا الاتهام ساقني لأن أتعرف على راشد:

عامل مثقف كريم النفس يتعاطف وأبناء قريتنا، ويشاركهم همومهم، هذا هو الجانب الإيجابي الذي دعاني (ويدعوني) لأن أعتز بصداقته، لكن الوجه الآخر للعملة قد تبين. فراشد يرى أنه لا ينطق عن الهوى، كلمته لا تكون اثنتين، مُتعنت ومُتزمت لا يتنازل في نقاش حتى ولو كان على خطأ بَيّن.

 مع ذلك أحببت راشد القرقعة...لأن جوانب كثيرة مشتركة بيني وبينه.... لأنني مؤمن بأن الإنسان ليس مثلثًا محدودًا.

وإن كنت أعتز به صديقًا، إلا أنني لاحظت كيف يعزف عني عندما يلتقي بأحد أنصاره.
كيف يذود عن باطل يجري في عالمنا العربي؟

 

(4)

 

أقربائي كلهم يلومونني على هذا الجفاء الذي لا مبرر له، فحسن زكي له مزاياه، وله خفاياه، ويتساءلون: لماذا لا نجسّم مزاياه، ونقلل من حدة سلبياته؟ فمن هو صاحب الكمال؟
أصدقائي تسابقوا إلى بيته، وسبقوني في وظائفهم، وبقيت وحدي أومن أنني على صواب.

كنت كل يوم أزداد يقينًا بإساءات حسن زكي، وأجد  نفورًا وريبًا في سلوك راشد القرقعة.

كنت كل يوم أعجب لسر اللطافة والبشاشة عند حسن، وأستهجن على راشد أن يتقيد بآراء الغير، وغروره.
 لعل ما يضايقني أنني لا أجد صدى لصوتي، ورغم أن لي من الشخصية والحجّة ما يشفع لي أن أستجلب بعض الأنصار .

حاولت جهدي أن أبين الحقائق، وظلت صرختي في واد، أصداؤها تولد أصداء حتى تولد لدي شعور أن أنصار الرجلين لا يحبانني.

 

(5)

 

وسط هذا الشعور قيل لي إن حسن زكي كان يثني علي في مجلسه، قيل إنه يتمنى لي الخير، وإن أخي خريج دار المعلمين الذي لم يتعين منذ خمس سنوات سيُعيَّن قريبًا وفي مدرسة القرية.

قَدِمَ حسن زكي إلى بيتنا، وكأنه صديق عزيز، فاستقبلته مع أهلي، ولكني استقبلته استقبال شخص غريب ليس يبني وبينه أدنى معرفة.
 بعض أفراد العائلة تحلقوا حوله. بعضهم كان فرحًا لأن حسن زكي " شرّف".
 وبعضهم كان يقول "الله يستر".

 "أخي!"-  قالها بمحبة مرسومة:

"- أرجو أن نكون أصدقاء، إنني على استعداد أن أسمع ما تقول أنت بالذات،  وأن أتقبل توجيهاتك وتعليماتك. "

وكنت أستمع إليه وأستمع من غير أن أنطق.

 

 


 

ليلة مخيفة



قال لي صديقي:
-
هل تجرؤ أن تتجول ليلاً في المقبرة؟ قلت له هازئًا:

-
وما الفرق بين الليل والنهار؟ هل تؤمن بالجن والأشباح، أم تراك تؤمن بأقوال العجائز أن بعض القبور تضيء في الليل؟

-
دعك مني، ولكني أراهنك على مبلغ محترم إذا أثبتّ لي أنك تجولت بين القبور.

(أعرف أنه تراهن اثنان أن يدق أحدهما سكة بالقرب من قبر معين، فأخذ يدق السكة على أطراف ملابسه ولم يستطع أن يقوم)

وبالرغم من أني لا أومن بالغيبيات، إلا أنني عندما اقتربت من المقبرة كان شبح يكمن وراء قبر مرتفع، اقشعر جسدي، بسملت وحوقلت، وقرأت ما حضرني من الآيات.

سرت برباطة جأش ليست من طبعي، وإذا بالشبح مجرد برميل.
وضعت يدي على البرميل، ثم ركلته برجلي، يدي على البرميل مبرهنًا شجاعتي، وسرت متوتر الأعصاب، متسلحًا بالعلم والمنطق.

الدقائق تمرُ متثائبة، وصوت يولول، أصوات متداخلة، وفي لحظة...

انشق قبر أمامي، ووقف منتصبًا شكلٌ ضخم جسيم.
انطلق يقهقه، أمسك بيدي مترفقًا ورحب بي.

أخذت أفتح عيني، وألمس أطرافي لأتيقن من سلامة عقلي.
هذه يدي!
هذه رجلي، إذًا ليست المسألة وهمًا ولا خيالاً، فالقبر ما زال مفتوحًا ......
-
أتعرفني؟
-
م . م . م .
-
أنا أعرف أنك فلان بن فلانة، لا تعجب من قيامتي، تخيل نفسك بعد مئات السنين، ....... أغاني أم كلثوم ما زالت أمام جمهورها، وكأنها اليوم !

الخوف يعقد لساني، سأتأكد أنني لست في حلم.
هذا رأسي،
وهذه ساقي،
والساعة الآن الثانية عشرة ليلاً، وعقرب التاريخ يتقدم يومًا وما زال الشبح يحدثني، ويبدو أنه كان يتحدث عن الغناء.
-
دعك من الزمن !

ساقني الشبح صوب القرية نتجول في شوارعها والناس في غطيطهم
-
أليسوا أمواتًا؟
وتابع:
في الصباح سأرافقك إلى السوق، ولكنا الآن سنذهب إلى مكتبتك، إلى العمالقة الذين ظنوا أنهم لم يموتوا وحصلوا على المجد.

أخذت استعيد وعيي،......... ولكن هذا جنون،......
شخص ميت بعث من قبره، ويسير معي جنبًا إلى جنب، يمسك بيدي، ويدي دافئة.
-
في الصباح حدقت إليه مليًا ثانية، لم يكن مخيفًا وبشعًا، عادي جدًا،
لن يصدقني أحد إذا قلت إن هذا ضيف هلّ علينا من عالم المجهول، وسيظنون بي الظنون إن قلت لهم إن هذا كان ميتًا،
سيقترحون عندها على أهلي أن يرسلوني إلى مستشفى الأمراض التي كفانا الله شرها، والعوض بأهلي.

-
عندما التقيت صديقي قدمت إليه ضيفي من العالم الآخر، وبينما كان الصديق يضحك ملء شدقيه على هذه النكتة الظريفة، كان الضيف يغمزني.

-
سأرى الحفرة ومن أين خرج؟

وعندما وقفنا عند الحفرة كان الضيف يشيح بوجهه، وكان صديقي ينزل ليقايس نفسه في الحفرة، وفجأة أطبق القبر.
تملكتني الدهشة.

لكن الضيف لم يُعر المسألة أي اهتمام، ابتسم، وقال لنعدْ!
لم يفتقد الناس صديقي،
ولم يسألوني من هذا؟ من الضيف الغريب؟

ذهب الضيف إلى بيت صديقي يهنئهم.
وكان بعض أهل الدار يبكي،
وبعضهم يضحك.
 
 
 
 

 
عندما غازلت ابنتي

 

 

قدمت إلى بيتنا فتاة في عمر ابنتي ، وابنتي في الثالثة عشرة مليئة بالحيوية ومشربة بالحمرة . قدمت هذه الفتاه لزيارة ابنتي ، وهي تحمل مفاتن تلزمك النظر ومعاودة النظر .

عندما انصرفت ابنتي لتعد القهوة لضيفتها ساق الفضول يدي إلى ملامسة كتف الفتاة .... لم تحرك ساكنًا ، لم تحمر وجنتاها ولم يهتز العالم ، هي بريئة لا تحسب لضغط أناملي أي حساب ... ويدي ماكرة ، ماكرة لم تعتبر أنني كهل ، وعلي التزام الوقار والأمانة ، فهل أقبل أن تمس يد عابثة طهر ابنتي ؟

  -   ولكنك لم تفعل شيئًا يذكر ، وإنما تضع يدك على كتفها ويدك ترتاح وتحلم وتحلم .

-    أليست بداية النار من شرارة ، بعد قليل ستختلس يداك خصلات شعرها وتعبثان بها وبعدها لن تضبط أعصابك .

ذكرتني بشعرها الطويل المسدل ، والله لو كان مشنقة لما عارضت أن أكون محكومًا .

ذكرتني بنفح شعرها عطرًا وعبقًا ، لماذا لا أشمه ؟ وماذا يحدث لو أمسكته برؤوس أصابعي ؟؟؟؟

لقد فعلت ذلك في شبابك .

(كانت تجلس في الباص شقراء ، وقد نشرت ذوائبها أمامك في النهار ، واذكر كيف كانت أشعة الشمس تنعكس على هذه الضفائر فتتموج الألوان ، كُنْتَ تحتضن في يدك بعضًا منها ، تمرر أصابعك وتحلم وتحلم ) .

-         كف عن هذا الهذيان ، تخيلها ابنتك ! إنك لست أمينًا بعد اليوم على ابنتك ، أيها العائب ستجن ، ويفتضح أمرك ، اخز الشيطان !

  -   ها إني أربت على ظهرها ، وأقول لها : " إنك ... " وهي لا تتأثر ، أنظر بعمقٍ إلى عينيها وهي لا تفقه .

  -  إذًا فالأجدى أن ترتدع عن غيك وضلالك ، وما دامت بريئة فما أحراك أن تعود إلى مواقع الطهر وتحفظ عليك خلقك وقيمك .

 -   ولكني معجب جدًا بقوامها ، بامتلائها ، بفورة شبابها ، باكتنازها ، سأحتضنها ولأمت بعد ذلك .

 -  لقد ارتابت الفتاة ، ها هي تنفر منك نفورًا ، تهرب ، تترقرق الدموع في مآقيها ، ولعلها ستحدث أباها أو أخاها عن رجل وغد يعتدي على المحرمات ،  وهو في هذا السياق -  أنت .

-   لنحدق ، ولكن أيمكن أن تخبر فتاة أهلها ؟ ألا تخجل ؟ أكثرهن لا يحدثن دفعًا للمشاكل .

  -  وإن حدثت ؟

 -  ها قد حضرت ابنتك وقد أعدت القهوة ، ابنتك تنظر مشدوهة إلى صديقتها ، لا شك أن  الضيفة  ستحدثها عن صفاقتك وقلة حيائك ، ابنتك تنظر إليك غاضبة وربما تحتقرك ، ابنتك ستستأذنك للذهاب إلى بيت صديقتها .

 -   لن أسمح لها فربما يعتدي عليها أحد .

  -   ولكنها ستذهب ، وهل ستفرض عليها حصارًا أبديًا ؟

  -  قلت لك : " لن تذهب فابنتي محط الأنظار الجائعة ، وأعرف أن عيون الرجال تلتهمها بشراسة . "

  -  أنت متخلف ، لماذا لا  تخرج ؟ عليها أن ترفض التعامل مع الذئاب .

  -  يعني أنا ذئب ؟؟؟ لا ، لا

---

في إحدى الليالي  - وكانت الأضواء خافتة كنت ألاحق شبح امرأة ملء العين ، لاحقتها طويلاً ، ونبضي يتسارع ، والمرأة أمامي ظبي لا يتلفت ... ملابس مغرية . قد طويل ، سارعت الخطو حتى وقفت أمام المرأة معلنًا إعجابي ، ومحاذرًا أن يراني أحد . أكدت لها وأنا لا أتبين ملامحها أن القمر بعض من جمال وجهها ، وأنها آية ، تحفة ...... روعة ....... أكلة ........ أنا أصف ، والفتاة لا تجيب .

لم أنتبه في لحظة  هيامي  إلى أن الطريق التي سلكتها متابعًا الفتاة هي طريق داري . ولم أنتبه أن الفتاة تشبه ابنتي  ، وربما تكون .....

وتعالت صرخة .

عدت بعدها مختبئًا عن عيون ابنتي .

1973

 

 

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 
ما زلت أقرر

 

 

أنعم   والحمد لله بصحة وعضلات وشوارب كثيفة ومبرومة من الطرفين إلى أعلى ، أعتز بها وأحس أنني عنترة الزمان وفارس الفرسان ، وتكفي وقفتي ويداي مشتبكتان على صدري لدعم أية قضية ولو كانت باطلة ( عينيك يا بطل وأنا أبوك يا سليمان ) . ينظرون إلي فيرون قسمات وجهي الكالحة وعضلات يدي البارزة  ، فيخففون حدة نقاشهم تدريجيًا ، وعندما يسمعون شخيري ونخيري يأخذون بالتراجع ، وأسمع صوت بلع الريق في حناجرهم .

وكلامي والحمد لله مقبول عند الصغير والكبير ، فأنا أزنه قبل أن أتفوه به ، وتجربة الحياة أكسبتني تجربة ، أين منها هذيان هؤلاء (المثقفين ) ؟

" قال المثقفين قال " !

فهذا الأستاذ الذي يعلم يومًا ويقعد عشرة ، ويقبض الرواتب باطلاً وحرامًا ، ولا  أركن عليه في رعي قطيع ، عندما يجرؤ على الحديث يجعلونه هزأة ، ويسخرون منه، ويثيرونه ، وأنا طبعًا أحرجه وأحدق فيه ، وأبين مدى جهله ، فلو أصاب تسع مرات فخطأ واحد كفيل أن يمحو صوابه ، ويجعله جاهلاً غرًا ، ويظلون يتندرون

به .

خطئي أنا له ما يبرره ويزينه الرجال .

يتحدث الأستاذ " عن القانون. " قال القانون قال " !

ضابط الشرطة عشاء .

المدير العام زجاجة ويسكي جي بي .

المسؤول عن المواصلات صندوق بنادورة .

وأطعم الفم تستح العين .

الشكاوى التي يجرؤ أصحابها على تقديمها ضدي تنتهي على خير ، ولو جرحت وعمقت الجرح فآخر ذلك للصلح : صلح بتكليف الجاهة ، صلح بالغصب ، المهم صلح ....... أبوك يا قوة .

أكشف لكم سرًا :

أنا الذي أقرر من يوظف ومن يهمل ، بيتي يطرقه كل محتاج ، أعرف الخواجة أبرهام سانداو وهو يسمع ملاحظاتي ، ويعرف أنها لصالح الأمن العام . أنا مواطن صالح ، معي شهادة معلقة في صدر الديوان . أعرف موظف ضريبة الدخل ، وهو يصدق تخميناتي . الفلاحون يكذبون ، ولا يمكن أن يكتبوا بالضبط عن مدخولاتهم .

ليلة الحادثة توجهت إلى العرس حاملاً معي مسدسي ، وضعته في جيب البنطلون الخلفي ، وغطيته بالجاكيت ، أطلقت عيارات كثيرة ، وكلما مدحني الحداء كانت العيارات تنطلق تضامنًا وإكرامًا لخاطري . و " السلاح زينة الشباب " .

في صباح اليوم كان الناس في هرج ومرج ، ( الحماسة ملتهبة ) ، الجمهور بحاجة إلى خطيب ، الجمهور يصفق للزعيم الجديد .

وأنا والحمد لله هو الزعيم الجديد يوافقني الصغير والكبير إلا واحدًا لا هو في العير ولا في النفير .

   -  فليسقط ضابط الشرطة !

   -     فليسقط المدير العام !

   -   فليسقط نظام الرشاوى والمحسوبية وكرت غوار !

ووقع نظري في غمرة حماسي على طفل  في العاشرة كانت  تظهر عليه أمارات الدهشة ، وقد رفع حاجبيه وزم شفتيه .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

فقر للبيع

 

 

الدنيا ليل . وأنا أسير على مهل ، في رأسي دوامة أفكار وكثير من الفقر ، بدأت أعد هذه الفوانيس المعلقة على الأعمدة الكهربائية حتى أتناسى ما يشغل بالي ، أو لكي أتخيل كل عمود دينارًا . ولكن عبثأ .

دخلت غرفتي بحذر كي لا تستيقظ زوجتي اللعينة . رأيت قطتي جالسة على سريري ، وهي تموء . تحييني تحية المساء ، قرأت التوسل والأمل في صوتها . كانت القطة تعزي نفسها ، وهي تلعق شعرها الأسود بلسانها .

ابني يبكي ألمًا ... أمه ترضعه بعد بكاء متواصل ، تتأفف وتتذمر لأنني لا أكلف نفسي القيام بأمره . أسائل نفسي :

" أليس هذا فلذة كبدي وقرة عيني ؟ فما بالي أنتظر ولا أنقله إلى العيادة ؟ " .

نظرت عبر النافذة ، تتجول عيناي بالحارة الضيقة ، أستعرض مشكلات الناس .

" هذا بَنَى ولم يتم . هذا تزوج وغارق في الديون . هذا ابنته مشلولة وهذا زوجته تلعب... ..

جلست على السرير أتصفح المجلات ، حتى يغمض جفني ، وبعدها أحلم ... لا بد من حلم جميل .

استراح ابني . ونمنا قليلاً قبل أن أشرع في الحلم . البكاء شديد ، الألم ممض ، لابد من الطبيب .

وانتبهت صباحًا على ضربات متلاحقة على الباب . صوت صاحب الدار ، يغضب لأن الأجرة تأخرت ، والأثاث مهدد بإلقائه في العراء .

  -   خذ كل ما معي .................

عادت إلى ذهني أقوال والدي " الموظف يمكن أن يبني عائلة ، تزوج وأكمل دينك يا ولدي " .

صحوت على بكاء الطفل ... والأم ... والقطة . اختلطت الأصوات ، وكنت أصغي لها، وأنا أعد الزجاجات الفارغة على الرف ، وأتخيل كل زجاجة مملوءة بالعلاج .

 

 

 

 

 

 


 

في حضن الطبيعة

 

 

كنت أسير أنا وظلي، ظلي وأنا.

 

أُسرّح النظر في جمال العشب الأخضر، بين الشجر الوارف وميعة الورود، وكانت حديقة (الأم) في أبهى حللها.
اتخذت لي مقعدًا، فإذا أمامي صوت.

   -   البحر يحتضن حيفا ...... وانظر إلى قلادة الأضواء!

  -  أنتِ مينائي، وأنتِ سفينتي.

 

 

لما كانت لغة المناجاة رفيعة وشاعرية فقد أحببت أن أطل عليهما وأن أراهما بحيث لا يرياني.

هكذا ساقني الفضول... أو حب الاستطلاع ... أو شاعرية الموقف، أو...

 

 

وضع يده على يدها، نفرت منه مذعورة، كأنها تستنكر أن يخلو بها هنا، فربما يأتي أحد أقربائها حتى ولو أن المسافة بعيدة، ربما فجاءة يراهما أحد.

 

قبل يدها، بعد أن مانعت طويلاً، وضع يده على خصلات شعرها المشربة بسواد عميق، ودنت أصابعه إلى رقبتها وإلى ما وراء أذنها، أغمضت عينيها، وجعلت تبكي.

 

قال لها "أحبك" كثيرًا، ولم أسمعها تعلن شيئًا.

 

                             * * *

 

 قفز عصفور أمام عصفور، وراحا يحكّان منقاريهما بدلال.

 نفش أحدهما ريشه، كأنه قد بلله القطر، والثاني يتقافز أمامه ووراءه.

 

كان العصفوران رائعين، هو يزقزق وهي تحجل أمامه.

 يطيران من غصن إلى غصن، ويبقيان معًا.

 

 

انتقلت النحلة من زهرة الورد إلى الأقحوانة تمتص الرحيق تلو الرحيق،

 طارت طويلاً، وعادت إلى زهرة أُخرى لتجني منها عسالة جديدة.

 

 

الغصون ملتفة حولي، والفتى والفتاة أخذا يبتعدان عن المكان، وقد علت وجهيهما كما بدا لي-  صفرة الخوف.

 

العصفوران يلعبان.

 

النحلة دؤوبة.

 

هبت عواصف، وزمجرت، فعدت أدراجي، لعلي ألتقي نفسي.

 

 

 لكن،

 

 لسعتني النحلة، ووقف العصفور على رأسي، وربما يراقب عصفورته.

 

 

 

 

 

وخرجت زرقاء اليمامة

 

 

سادتي :

 لم تكن قصة الشجر صحيحة ، لكنهم أرادوا أن يجسموا مبلغ صدق حدسي وبعد نظري  ،  فألفوا هذه القصة .

وأنا لست بالغبية إلى هذا الحد حتى أقول لهم " إن شجرًا يتحرك ويقبل عليهم ، وأنا وإن كنت لا أبصر جيدًا في أواخر أيامي وهذا طبيعي لمن هو في جيلي فأنا بعيدة عن الخرف والهذيان .

قومي يتبارون في جمع المال وإقامة الموالد ، وأعراس ، بناء ، أعراس بناء ، أعراس ، بناء ......

قلت لهم أولاً ، ولم يكن قولي إلا توجسًا ، فلم يردوا ، وعموا وصموا .

وبعد أن وقعت الواقعة سمعتهم يرددون :

 -   لأنهم لم يصلوا .

 -      لأنهم صلوا وصاموا ....

  -  لأنهم راءوا في الصلاة وسهوا ، والدين يا أخي لا يمنع تقدم الآلة ، و ( علم الإنسان ما لم يعلم )  صدق الله العظيم  .

  -  لأن العقاب مفروض من السماء ،  والناس قد فسقوا لأن ..............

وقلت لهم ثانيًا : إن الجراد قد أتى على بلاد قريبة ، فقد يغزونا فاحذروا الجراد  يا جماعة الخير !

 -  هذي مشيئة الله ، والمكتوب على الجبين تراه العين .

  -  جدي أكل من الجراد فلماذا لا تجرب ؟

  -  هذي مسؤولية الحكومة .

 -   ليس لي أرض وأنا مالي وللجراد ؟ فليتحرك أحمد العلي وسلمان الحاج وسعيد اليوسف  فهم أولى .

   (  مر الجراد على زرعي فقلت له : لا تأكلن ولا تشغل بإفساد  )

الطقس بارد وغيوم تصور أشكالاً . قلت لهم :" ستكون حملة " .

 لم يتحرك أحد.

سارت زرقاء اليمامة باتجاه البحر ، وعندما وقفت على الشاطئ ألقت نفسها تتقن السباحة . نزعت الزرقاء  ثيابها كلها ، صارعت الأمواج ، و.....

سقطت أمطار غزيرة غزيرة ،

 واختفت رويدًا رويدًا عن الانتظار ... واختفـــــــ

 

 

 

                              

 

الحكاية

 

 

                                          (1)

 

وظلا يلعبان المنقلة، وأنا أحدثهما حكاية خطيرة مثيرة، وظلا يلعبان.

غمز الأول الثاني، فابتسم الثاني، ومضيت في الحديث، وكأنني لم انتبه لهما.

ضحك الأول عن أسنان صفراء يعلوها شاربان طويلان.

بادله الثاني ضحكة مكتومة ندّت عن صوت مزعج، وتحركت عيناه حركات غريبة مريبة.

واسترسلت في حديثي، وهما يلعبان المنقلة.

 

وعندما خرجت ترامى إلى سمعي شبه قهقهة.

 

                                         (2)

 

عندما وقفت أمام داره وكأنني متسول-  خرج إليّ.

حدثته الحكاية، فتظاهر بمحاولة الإصغاء، وفهمت من عينيه أنه ليس معي، وأنه لا يعي.

تثاءب أربع مرات.

ومع المرة الخامسة قال:
"عندما أضع رأسي على المخدة أعدك أني سأفكر في الأمر جديًا".

 

                                       (3)

 

أنصت إليّ وهو يدخن سيجارته بعمق، كان الدخان ينبعث من فمه وأنفه مشكلاُ صورًا دخانية. كانت علبة الدخان "كِـنت".

لا أحمل معي شيئًا، وماذا يمكن أن يفعل الحرف؟ ما ضرورة الكلمات؟

أنتم إما أن تكونوا تجارًا أو مجانين.

وخفض رأسه إلى الأرض، وأخذ يقرأ ....... في كل كلمة ثلاثة أخطاء.

 

                                        (4)

 

-  كل سطر يجب أن يكون في خدمتنا.. في خدمة القضية.

بل يلزم لخدمتنا . خدمتـــ

        نا ..نا..نا..نا..نا..نا..نا..

وانتهى النقاش  بـ "تفضل زجاجة عصير"!

 

 

                                       (5)

 

الأولان ما زالا يلعبان المنقلة ويتغامزان فكِهـَـين.

الثالث ما زال يغط في سبات عميق ولم يف بوعده.

 الرابع يخفض رأسه.

وأشتد النقاش ثانية واحتد،

....... نا ..نا..نا...

 

عندما شموا جميعًا رائحة أُنثى تحركت عيونهم جميعًا، وكانوا يقرأون الصدر، والعينين، ثم الردفين في بنطلون الجينز،
  ويتملمــــلــــون.

 

 

 

 

 

 

 

صرخة


لم يعكر صفو حياتهما إلا سؤال النساء إياها عن الحمل، وهل فحصها الطبيب،

وماذا قال، هل إعاقة الحمل بسببها أم بسبب زوجها؟
ويأخذ الرجال يتساءلون عن سر العقم عند شابين في منتهى الصحة والجمال. 
وتأخذ النساء بلسع المرأة بقارس الكلام: "شجرة لا تنفع حلال قطعها". 
وبعضهن ينصحن أن تذهب إلى الشيخ اسماعيل ليكتب: " شمروش هـ هـ هـ 31 ........"، وينتهي الحجاب بإبهام، ويُطبق الورقة، ويطلب أن تبلها بالماء، وتشرب بعد ذلك من الماء المقدس.
تفعل المرأة ذلك بإيمان ورضا، فالأيمان شرط من شروط الاستجابة، وقد قيل: "لو آمن أحدكم بحجر لنفعه".
وتتردد راضية على الأطباء، خجلت أول الأمر أن تظهر وتكشف جسدها أمام الأطباء، فهُم رجال، ولكنها تعودت، والنساء كلهن لا يمتنعن عن الطب لأنهن يبغين المنفعة.
وهيهات!
يأتي دور المَنْدل:
أتِيَ بغلام صغير أمسك بيده فنجانًا من الصينيّ مليئًا بالزيت والحبر، فأخذ الشيخ يقرأ: "نقفول مرقول مرقول آه آه آه صر طاليب بقر هيا ... العَجَل العَجَل الوَحا الوحا الساعة الساعه..." 
ولم يحمل الغلام الصغير إجابة ملوك الجن كما وعد القارئ.

عشر سنين والمرأة تراقب موعد الحيض، فإن تأخر يومًا أو بعض يوم تهللت أساريرها، ودعت الله من الأعماق الذي لا ينسى من فضله أحدًا، واستذكرت بعض النساء اللواتي حملن بعد أن يئسن.
حتى إذا حضر "الشر" الأحمر نامت في سريرها كئيبة، والدموع تنهمر من عينيها.

تأخرت الدورة هذه المرة أكثر من أسبوع، هي و وزوجها في توجس وخوف من الشر، وتقطع شكوكها إذ يؤكد الطبيب حملها من خلال فحص البول.

إنها الفرحة تغمر أهل الدار، بعضهم أخذ يقفز بجنون.

المرأة تحاذر أن تتحرك خوفًا على الجنين، هي لا تسافر، ولا تجهد نفسها في العمل البيتي، ولو استطاعت لامتنعت عن التنفس.
لتعدّ أمتعته من اليوم!
لتهيئ له السرير!
لتحسب الساعات والأيام!
لتختر له اسمًا أَوْ لها لا يهم، 
لنؤجل ذلك، "تاييجي الصبي بنصلي عالنبي"!

في مساء يوم صارحها زوجها بدون تقديم أنه يسمع أنباء وتقولات تسوءه عن سبب حملها.
- حملتْ بواسطة إبرة ..... والحمل كان اصطناعيًا.

- هذا حمل غير طبيعي، سبحان الله لا تنفع الرّْقى ولا ينفع الأطباء، وتحمل بصورة مفاجئة، من يدري لعلها مريم؟! 

-أنا لا " أضع في ذمتي ".
وبما أنها واثقة من نفسها، كانت تبتسم ساخرة من هؤلاء الذين لا يخلّون أحدًا من شرهم.

تضع يدها على بطنها. تراقب حركات جنينها وكأنها إيقاع، إيقاع موسيقى رائع، تطلب من زوجها أن يتحسس بطنها (فطالما تمنى ذلك) ... لكن الزوج يُعرض عنها، ويصمت.....

تبقى واثقة من نفسها، تعاتبه بدلالها الذي يحبه، والزوج يصمت، 
صمته لا يحمل أي معنى، لا للغضب... ولا للفرحة ....حتى ولا للتساؤل.
وتمضي الشهور والزوج ما زال صامتًا...
يهلّ الطفل على العالم...
يصمت الرجل...

تصمت المرأة إلى الأبد...
والطفل يصرخ،
يصرخ، يصرخ، 
يصــــــــرخ...


 

ראש הטופס

 

 

 

 

 

هذا مونولوج (حوار فردي) يخاطب الراوي نفسه، ويعلّق على أقواله، ويستحضر ذاكرته، وقد قمت بتسجيل خطراته وكلماته ومشاعره وتساؤلاته كما رواها سامح هو عن نفسه.

إنها قصة تداعيات!

بالطبع ستلاحظون العنف الذي جوبه به من غير أن يكون له ذنب، والعنف مستشرٍ حتى هنا. 

..............................................

                                       فشخ في الرأس

استقبلني أهلي في المطار (لا ضرورة لمحاولة بعضكم التحري عن صحة ذلك)
كانوا يطيرون بي فرحًا (أنا العائد من أوروبا بعد غيبة طويلة).
لا بد أن أعود ناجحًا فأنا أمامهم شخص ينزل من السماء- . 
في قريتي كثير ممن الساذجين ممن يلفظ العربية بلكنة أجنبية (يقلدونها)، وجميعهم يرنون إلي بإعجاب (يعنيني إعجاب الفتيات خاصة). 
ما أطيب أبناء بلدي (هذا ما يظهر). 
حتى أسئلتهم كانت تتردد بالصيغة نفسها عن الحياة في بلاد برّه، عن الغلاء وأحوال المعيشة وعن الشباب. وبعض الشيوخ المتصابين آثروا لزوم ما يلزم من موضوع محّبب (الشقر).

أما عن شهادة الدكتوراة في علم الاجتماع التي حصلت عليها بشق النفس وبجلد ومرارة فلم تخطر لهم على بال ظنوا أنني سأكون اجتماعيًا، يعني أخاطبهم بلغتهم، وأضحك معهم، وأبكي معهم.

(2)

ابن عمي سمير هو الوحيد الذي لم يحضر للسلام علي (الغائب عذره معه)، لكنا عندما التقينا ظلت عيناه جامدتين فاترتين تحملان معنى الغيظ. 
وعندما تقدمت إليه دفعني بيدين قاسيتين غليظتين تحملان معنى الكراهية
قالوا لي: سمير كان مصرًّا على الزواج من فتاة أحبت أخي الأكبر وأحبها.

(3)

أقول الحق: أهلي طيبون، يكرههم الناس وهم يحبون الناس (قل أعوذ برب الناس ........من الجنة والناس).
أخي الأكبر أحب عائشة وأحبته، فهو عدا عن كونه مثقفًا يلعب جودو وكاراتيه، وتنظر إليه بشبق أكبر متعجرفة في "ديزنغوف" .... فهو وسيم، ويُلقي النكتة تتدحرج مضحكة والغريب أنه لا يضحك ولو أعدنا رواية بعضها لفقدت حرارتها ووصلت فاترة ما كل واحد يعرف كيف يقول النكتة ويجذب بها. 

(4)
 

عندما كنت بعيدًا عن القرية لم يخيل إلي ولو لمرة أنه سيكون هناك من يكرهني كم كنت غبيًا جاهلاً!! فالحمد لله لم أؤذ أحدًا حتى الآن.
(مرة ضغط علىّ مسؤول وهو يريدني أن أقول كيت كيت عن زميل لي في مهنتي، وذلك لأن هذا الزميل لا سامحه الله اتهمني بتهمة والمسؤول أرادها لعبة، قال عنك..... فقل عنه، قلت للمسؤول: يا عم ذلك يريد الوظائف، يريد أن يرتقي في سلمكم، صحتين، ليأخذ نياشين على أكتافي، أما أنا .... ولا يهمك....... وتنحنحت).
وبسبب أنني لا أؤذي أطلب أن تصدقني رجاء صعب علي تصرف ابن عمي سمير الذي مرّ عني كأنني تعشيت وإياه أمس مساءً
.
ما لك يا ولد؟ 
-
لا إجابة.
وبعد أيام هرب من وجهي، وبعدها لا سلام عليكم ولا عليكم السلام، حتى من بعض الأقارب الآخرين (المذبذبين).
عائشة أصدقكم حلوة، رأيت فتاة في باريس مارسيل اسمها- تشبهها، حاولت أن أصادق مارسيل. رفضت.
لا أدري إن كنت جديًا، المهم أن رفضها بقي معي ذكرى.

عائشة منهمكة في تدريس صف البستان وثلاث أميات في دورة خاصة وأخت نصف متعلمة وتود لو تواصل التعلم في الجامعة، ولكنها حلوة أكثر مما يجب، الكل عليها خائف حتى أخي المتحرر جدًا كتب مقالاً يدعو لحرية المرأة، ولكنه فعلاً وعمليًا يضغط على حياتها ويراقب بدون مبرر تصرفاتها ( حشري)، وكل حركاتها وسكناتها ملاحقة، حتى أشفقت عليها، وحاولت إقناع أخي بالكفّ عنها، وهيهات!

(5)

سمير تزوج. 
لم أدع إلى حفلة زفافه، ومع ذلك توجهت إلى الحفل (جاي بلا عزومة) ورأيت نفسي أُغني أغنية تعلمتها (بصعوبة بالغة وبصوت لا يطرب أحدًا) أرقص تويست مجرد حركات سريعة أوهم نفسي أنها تويست أسرع نحو العريس أقبله (قبلة طبيعية والله العظيم).
فأنا سامح.

(6)

في القصة مفاجآة 
ابن عمي يهجم عليّ بعد القبلة كذئب مفترس هوبز يقول "إن الإنسان للإنسان ذئب"
يحرقني كالجحيم سارتر يقول "الآخر هو الجحيم". 
وبلا فلسفة أكلت كفًا، وسمعت " برّه" وهياج ومياج وأمواج ولجاج. 
المتفرجون الكلاب لم يمنعه أحد عني، وهو منفعل
رأسي مشجوج يعني مفشوخ ......يعني ...دم 
دعني أتحسس الكدمة أكلناها-.
لك في هذا العرس قرص دم.

(7)

أهلي طيبون - (قلت ذلك)
ألّحوا علي أن أكون البادئ في الصلح (والبادئ أكرم نقولها عزاء لأنفسنا).

وأخي انقطعت في فمه النكتة وإذا قالها تأتي باردة أو قديمة، وطغى عليه الحزن.
عائشة أخذت تهزل صارت كالعود.
وسمير قبل أيام رأيته بعد زواجه أصبح سمينًا كالبغل.

(8)

تشرق الشمس في الصباح، وتغرب في المساء، وكتب علم الاجتماع التي أتيت بها موضوعة على الرف.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

معادلة

 

 

كان عبدالله بن قيس الرقيات يشبّب بثلاث نساء تدعى كل واحدة منهن

 "رقية".

وأنا إذا عرف الناس قصتي فسيطلقون علي "حمدان الفواطم" فقد عشقت أربعًا لا ثلاثًا تدعى كل واحدة  منهن "فاطمة".

 

فاطمة الأولى طلبت يدها .....وكاد الأمر يتم لولا تحمس "ابن حلال" ليعطي تقريرًا سيئاَ عن أهلي، وادعى حضرته أنها لن تقدر أن تعايشنا .......
وبقي في ذاكرتي منها عينان زرقاوان.

 

فاطمة الثانية سمراء متناسقة بشكل جذاب "على كيفك" أشارت هي علي أن أطلب يدها، وطلبتُ يدها مرارًا وتكرارًا، وأبوها يرفض لأنني لم أبن بيتًا على أحدث طراز، ولأنني لم أكمل تعليمي بسبب قصوري ورسوبي ولأنني......
وبقي في ذاكرتي منها سفرة سافرناها إلى حيفا، (لن أنساها) ولن أحدث عنها شيئًا.

 

فاطمة الثالثة كتبت لها رسالة إعجاب وقعتها بالحرف (ح) أول اسمي، بذلت فيها جهدًا للتعبير عن إعجابي (لم أكتب لها "حبي" وعن ودي (لم أكتب لها " عشقي") ، كتبت الرسالة خمس مرات. فهي فتاة أعجبت بذكائها الحاد  (وبالجمال أكثر- والله) .
 أشاحت بوجهها عني، وكأنني صفر (ربما لأنني قصير القامة).

وبقي في ذاكرتي منها كبرياؤها وإهمالها إياي.

 

معلومات إضافية عني:

عمري أربع وعشرون، لم أكمل تعليمي الثانوي بسبب ديون طائلة لحقت بأبي، أحببت موضوع الرياضيات، بل يقولون عني إنني أقوى من حملة الشهادة بي أي بسبب مواصلة تحصيلي في البيت، أعمل في محل تجاري متواضع.
تزوجت مؤخرًا من فتاة ليس اسمها فاطمة.

 

فاطمة الرابعة لا أدري أن كنت أحبها ..... فقد سمع أبوها أنني شاطر في الحساب، فطلب مني أن أساعد فاطمة (اسمها فاطمة؟؟؟؟!!) التي تستعد للامتحانات. كانت ممتلئة حيوية وشبابًا (كنت أرقبها... بحذر وخوف فأبوها حاضر).

 - كم تطلب أجرة؟ وما أوله شرط ... أخره رضا"

   -     (أية آجرة؟ لو طلب مني لدفعت أنا، فقد سافرت أكثر من مرة ودفعت كثيرًا لمشاهدة معارض الرسم)

- سنرى بعد ذلك، وهذه ليست بيننا.

 

 في الدرس الأول شرحت بمنتهى الجد موضوع التفاضل والتكامل، وطلبت منها بأستاذية أن تحل المسألة، وفاطمة تحل (يلعن .... ما أروعها!) . وكنت أستجلي طلعة مشرقة وأنتشي (يا رب الثبات حقًا. إن الواحد يبقى أحيانا كالملجم، وهو على بعد سنتمرات من حرم جميل ومقدس).

كنت أعلّمها في الدكان، المشترون يأخذون حاجياتهم وينظرون، ويستغربون لوجود فتاة حلوة (ما أكثر نظراتهم!!) في خلوة معي بينما الفتاة مشغولة - مشغولة يا ويلي .... مشغولة في حساب التفاضل والتكامل!!).

 

في الدرس الثاني أشغلها سؤال معقد، أنا في أحلامي وهواجسي ونظراتي التي استرقتها، وأحاول دائمًا أن أضبط موازييني، وإذا بها تفرح بشكل غريب:

  -  يوريكا، يوريكا، اهتديت إلى الحل، ولم تكتف بيوريكا، بل قامت وقبّلت جبهتي قبلة سريعة لتشكرني، كأنها نقدة طائرة (قبّلتني.....هي .....قبلتني....).

وضعت يدي على مكان القبلة، وتأكدت  أن المنطقة جزء من وجهي .....

استعدت النشوة. أغمضت عيني .. أغمضت عيني ثانية (ياه....!!!)

 وإذا بخيال زوجتي-  التي لم يكن اسمها فاطمة   قبالتي.

 

وكانت أمامي معادلة جديدة.

 

 

 

 


 

أنا بخير

 

 

         -    أمك مريضة بالسكر .

أبوك أصيب بحادث طريق، وهو طريح الفراش منذ ثلاثة أشهر.

أختك ماتت في الحادث نفسه. أخوك يقولون إن سلوكه وتصرفه يستجلب

( البهدلة) والمسبة لكم. خالك مشلول. أنت امتُحنت ثلاث مرات وفشلت.
 كل باب تتوجه إليه تلقاه مغلقًا.البحر جف أمامك.

     -     كفى كفى لا أريد أن أسمع.

تسير وتسير، تشعر أحيانًا بدوار، دوخة، تقف هنيهة لتستعيد نفسك وتسير ....... أعصابك مرهقة، وأنت تدعي أنك تضبطها، وأنك متزن، وأنك ذو شخصية لا تتزعزع، وأنك ....

تتماسك حين تريد الزمان أن يتعسك وينكسك، والزمان حقًا أتعسك يا "قوي الإرادة".

   -    كفى، كفى  ... لا أريد أن أسمع، كفى.

ألفيت نفسك في غرفة العلاج المكثف في أشهر مستشفى بين الأسرّة البيضاء، وحولك الستائر الخضراء، على جانبيك خلايا للمرضى يئنون.

فحصوا قلبك .... تمام.

فحصوا نبضك ... عال.

عينيك، أذنيك، سماعة الطبيب انتقلت هنا وهناك مع برودتها.

سألك أكثر من عشرة أطباء ما يؤلمك، كل منهم بأسلوبه: هذا يمط صوته، هذا يختزل كلامه ويبلغ نصف الجملة، هذا يسأل عن البيض والذي باضه، وهذا يدعي المعرفة ويشرح أشياء لا تفهمها.

    -  يؤلمني رأسي، صداع ... لا أتزان في السير.

   -     يأتي كل طبيب منهم ليسجل في ملفك بعض كلمات هي ثوان.... ويمشي.

        فحصوا الدم ........ جيد..

         السكر .........عادي...

      ألقوا بك ساعات وساعات، واتهموا أن أعصابك غير مرتاحة، أكثر من طبيب كان يصرخ بلا مبرر، طبيبة جميلة كشفت عن جسدك، وتلصصت في نظراتها، لم تكن عصبية، عيناها ..... واسعتان جدًا. وأنت تستلقي على السرير، توزع النظرات على العابرين:

هذه ممرضة من اليمن (سمرتها ولهجتها توحيان)، هذا طبيب بولوني .... لا بد أن هذا الممرض عراقي. هذه العجوز تتكلم الألمانية، وتبلع كلماتها بحيث لا يمكنك هذه المرة أن تدعي فهم اللغة الألمانية.

     دعني أسـترق النظر عبر خلايا المرضى وأراهم، بحيث لا يراني أحد:

 

(1)

 

مريضة بدينة في العشرين تشكو السمنة التي طرأت عليها دفعة واحدة فنفختها كالبرميل.

استأذنها الطبيب ليرى جسدها، ورأيته من بعيد وخاصة الصدر البشع الكبير، مجرد كتل لحمية.

 

(2)

 

شيخ يلبس الملابس الداخلية فقط، ولا يبالي بالبرد القارس، فداخله نار كما يقول -، يزفر زفرات ملتهبة تصل إليك حرارتها.

 

(3)

 

معلم يتقيأ كثيرًا، يسأله الطبيب متى حدث ذلك؟

وكم مرة يحدث؟ ومِمَّ تتوجع ؟ والمعلم يجيب تارة، ويتقيأ مرة أخرى بصوت مزعج.
ضحكت الطبيبة عندما عرفت أنك معلم مثل جارك وعلقت:

معلم ..... وأعصاب.

 

(4)

 

طفل وقع عن درج بيته، وشُج رأسه، ومعه عشرة من الرجال، وظهر أنًّ والد الطفل له مكانته، فالرجال بالهم مشغول جدًا...

الأطباء يروحون ويغدون، يكتبون الوصفات، يملأون النماذج، يغضبون، وأنت مستلق على السرير.

 

   *    *    *

 

طال مكوثي حتى ملّتني الممرضة، وسألتني :  لماذا لا تضغط عليهم ليعالجوك؟ 
وملني الطبيب، وسألني إن كنت ارتحت بعد هذه الساعات التسع؟

 

كانت صيحات طبيب آخر على مريض مسموعة، وطبيب ثالث كان مقطب الوجه وطبيب آخر  يسارع الخطو .... .

 

عندما تقدمت إلى السكرتيرة لأحصل منها على التقرير الطبي تناولت يدي من غير أن أشعر حبة كبيرة من عباد الشمس كانت أمامها أثارت ملوحتها شهيتي.

 عَلّقت  السكرتيرة حالاً: "وقاحة"!

كانت هي الفتاة التي راقبتها كثيرًا، هي نفسها،
 لم يعد لجمالها معنى.

 

 أمسكت بالتقرير، وانصرفت هادئًا وادعًا رغم أن كلمة "وقاحة" ظلت تطل بدون استئذان.

 

...............................................................

 

*يلاحظ أن الراوي  يخاطِب أحيانا  بالضمير (أنت)، وتارة يعود إلى المتكلم (أنا).


 

أين ولدي؟

كنت أسكن داري بأمان واطمئنان، أعبد الله وأسعى لرزق العيال الحلال، وإذا بفقير ضعيف الحال، يقف أمام بيتي يستدرّ عطفي ولطفي، فرثيت لحاله، وسمحت له أن يأوي في ركن بيتي لأن بيت الضيق يتسع لمائة صديق.
...
وجاري كان لطيف العشرة يؤنسني في حديثه.

وأشرقت الشمس وغربت آلاف المرات.
...
لكن جاري أخذ يبعث الريبة في نفسي، فهو يدعي أن له حقًًا في داري، وأنه ورثها عن جد جد جده، وأخذ ادعاؤه يلبس ثوب الجد، فقد أحضر لي كتبًا قديمة كانت بحوزته يثبت لي فيها أن الدار داره، وأنني أنا الضيف، وكرمًا منه وتقديرًأ لضعفي فإنه سيناصفني الدار.
...
وبسبب معارضتي وجدته يقتحم غرفة النوم، وكان معه جماعة من أقربائه ومن العائلات التي تكرهنا.. وتسلحت بالعزم والإرادة أن أطرده شر طردة، فهو لا يصون الجميل والمعروف.
...

حاولت أكثر من مرة أن أسترجع ما اغتصب مني، لكنه وهو يتظاهر بالضعف والاستكانة والعائلات التي تكرهنا تنظر إليه بعين العطف- حمل سلاحه وأشهره علينا، وطرد زوجتي وأولادي من الدار. وكرمًا منه سمح لنا أن نقيم خيمة في الساحة من الجهة الشرقية.
....
عندما طالبت بحقّي كان رد فعله هذه المرة عنيفًا، فادعى أن الخيمة تمنع عنه الريح وتشوه منظر الدار، وما علي إلا أن أخلي له الساحة.
..

كان أقربائي غافلين عن أمري، فهم لا يحببوني، بل إن بعضهم كان يشمت بي، وبعضهم اعتدى عليّ وأهلك من أولادي أجملهم، ولم يبق من أمل إلا أن ينصرني خالي صاحب الجاه والعدّة.
...
في مساء يوم لا أدري كيف حل خالي ضيفًا على داري، ولم أستطع أن أكون المضيف.
قال خالي:
- "جئت أي، أي، لأعيد الدار، إي لابن إي اختي نحن إي اخوان ولا شيء إي بيننا، فكلنا إخوات".
..
شكروه على مجيئه، وشكوا له أمري، فهز رأسه بمعنى "فاهم".

                                               ***

كان بيتي جميلاً زينته بالأشجار، وزرعت أمامه الحدائق، ولد أطفالي كلهم فيه، بيتي شرفاته كبيرة، وكل حجر فيه أنا الذي حملته.
بيتي ملاذي ومبعث إنسانيتي، سيّجوا بيتي بأسلاك الكهرباء، وعندما ألقي نظرات متواصلة على أشجاره أتمنى أن أكون عصفورًا يحلق. أحن إلى الزيتونة التي غرستها لنأكل ثمارها.
..
النسيم يأتي داري يحمل أريج البرتقالة التي غرستها، وسميتها باسم أحد أولادي، أطوف حول داري سبع مرات يوميًا.
عندما سألني ولدي: لماذا ليس لنا دار كالأخرين أجبته:
- هناك على الرابية تقوم دارنا يا ولدي.
- إذًا لماذا لا ننام هناك، ولماذا لا يأتي أصدقائي لزيارتي هناك؟
- إنها مسيجة بالأسلاك.
- لا بد أن هناك ممرًا..."
...
وأخذ ولدي يطوف معي يوميًا سبع مرات.
وفي إحدى المرات مرات الطواف- اختفى ولدي.
ولم أبك، ولم أقل شيئًا.
..
وعدت إلى خيمتي لأمتع نظري بمناظر الرابية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

                                      عبد الحي

 

 

تقوم من النوم، تنهض، تتوثب، تخرج إلى العمل، تتحرك في الحركة بركة- تهدأ......... ثم تنااام.

 

هكذا كنت كل يوم تبعث الدفء فيما حولك، تشع ذكاء ورواء، عينك لا تكلّ عن متابعة ومملوءة بالحياة، ترهف السمع كلما سمعت خبرًا، تتقصى وتفكر في الأبعاد.

 

تتمنى أن تحب كل الناس، تنسى أن بعض الناس لا يحبونك، ولا يطيقونك، يكرهونك، وقد يطردونك، لكن حبك أقوى من كراهيتهم.

تحلم أن تنتصر عليهم، تساعدهم، تشاركهم تتغلب عليهم بعنفوانك. وتخضع لهم، فالحياة أخذ وعطاء، ولوج وخروج، قوة وضعف.

 

تراقب مناظر الطبيعة الشائقة المتسعة منها والمنفرجة، المنفسحة منها والضيقة، المائية والجبلية، البيضاء والخضراء.

 

يوم أن مت يا عبد الحي لم يقرءوا لك الفاتحة، ولا سورة يس، ولم يدر بك أحد، لم يكفنوك ساعة الدفن بقليل، لم يسألاك: ما دينك ومن ربك وما الذي مت عليه؟ ولم تقل لهما بلسان طلق بلا فزع ..  .. وبلا جزع: "الكافي لي ولكم الله"، وبقيت في "نومة الغزال"، عينك نصف مفتوحة، تدفع فلا تتحرك، ولا تحمل عصاك لتتوكأ عليها.

نومة ليست هنيئة، فيها أحلام مزعجة مرعبة والله أعلم فيها سكون غريب مريب.

لعلك تمنيت أن تقطع نفسك من الوريدين، ولم تجرؤ أن تفعل.

ثلاث سنين في ذكرياتك.

ثلاث سنين!

 

يوم أن كنت تقفز على ظهر الحصان دفعة واحدة، فيعجب الناظرون، وتلعب بالسيف مثل قفقاسي رشيق. ها قد جلست تندب حظك كالنساء، ولا يدري ببكائك سواي، ترثي ماضيك، وتلف جسمك بأوراق الخريف الصفراء، ولا يقرأ أفكارك غيري.

 

كنتُ أنا وعبد الحي في رحلة ممتعة رائعة جُبنا فيها سحر بلاد الشرق، وكان عبد الحي كتابًا في يميني،

 وقلمًا امتشقه،

 وسلاحًا ماضيًا له حجة قوية دافعة وهبه الله إياها، فيستطيع أن يقنعك بصحة الشيء ونقيضه.

قلت له: أتكهن أنك ورضوان يوم القيامة ستكونان في استقبال الطيبين، فأنت تعبد الله في حركاتك، تذكره قيامًا وقعودًا وعلى جنبك.

وغضب عبد الحي لكلامي ...... وتولى.

ثم إذا به يقذف نفسه في النار؟، يبحث عن ممثلة تشرب وتزني وتتدلل، ويعود إلي، وآثار الحروق بادية على ساقه.

ضحكت كثيرًا، فأخذ المارون يضحكون على ضحكي لغرابته وحدّته،

 وبقينا نضحك ...... حتى نام عبد الحي.

 

 عدت وحيدًا أحمل سبحته وعمامته، وعلّقتها في صدر بيتي، فلا يكاد يراها أحد حتى يقرأ الفاتحة على روح عبد الحي، وبعضهم كان يدّعي قراءتها بحركة يمسح بها يده على وجهه، ومع ذلك فالكل يذكرونه بالخير، يعون مآثره وأفضاله وبركاته، وعبد الحي لا يستيقظ.

 

أخذ الناس يتذكرون نومة أهل الكهف، وتحدثوا عن الطعام الذي سيأتي به أحدهم، وعن المسجد الذي سيقوم تخليدًا لذكراه.

صار النائم شبحًا يطالع بين الفينة والأخرى، يعرفونه فلا ينكرونه.

الظاهرة مقبولة وطبيعية، لعله من الأولياء الصالحين أو تابع من التابعين، عادوه يوم مَرِض،

 وودّعوه يوم أن سافر إلى الحج،

 واستقبلوه يوم أتى بالمسابح والماء والتمر.

وعند عودته أخذ يخطب عاريًا، عاريًا يخطب، لحيته تهتز يمينًا ويسارًا، وحركته في إيقاع الإيمان المستبد.

قرأت له بعض الآيات معزيًا، وأذكر منها (..... والعاقبة للتقوى) ، فأصحاب الدنيا ملّوا سماعك، وبقي لك أهل الله.

 

أتى برفقتي، ولبس ملابسه المعلقة على صدر غرفتي، وجلس يحدثني عن ماض عريق، ويجمّل لي المستقبل الزاهر: كل يوم أجمل من سابقــهِ، وكل تجربة أروع من سابقتها، تركته في تهيج عنيف "إكستازا" حادة، كأنه صوفي استغرق في الوجد.

 

عدت إلى بيتي لأبكي صديقي الأثير عبد الحي.