د . فاروق مواســــي

 

 

دراسات وأبحاث في الأدب العربي الحديث

 

 

                                                          دار آسيا - 1992

 المقالات في هذا الكتاب

 

تجدر الإشارة إلى إنني كنت قد نشرت هذه الأبحاث والدراسات في الصحف الأدبية المختلفة، وحرصًا مني على إيصالها للقارئ مجموعة –بعد أن عز الحصول على كثير منها- فقد ارتأيت إعادة نشرها مجيزًا لنفسي في بعض الأحيان إجراء تغيير طفيف على الأصل، وإليك جدولاً يبين مواضيع النشر:

يرجى عن طريق البحث  (crtl F )   الوصول لكل دراسة تطلبها  من المادة أدناه

 

1-     صلاح عبد الصبور شاعرًا مجددًا- نشر في كتاب منفرد صدر عن جامعة حيفا- 1979، وقد نفد.

2-     الرموز والإشارات في شعر السياب- نشر في مجلة (مشاوير)-  العدد 3/1979.

3-     تحليل قصيدة للبارودي- صدى التربية، أيار- 1983.

4-     رثاء الأب عند الشعراء المحدثين- مجلة (الأسوار)-  شتاء 1990.

5-     تطور اللغة الشعرية العربية - مجلة (الجديد)-  أيار 1976.

6-     كيف يصف الفيتوري تجربته الشعرية- مجلة (الجديد) -  آذار 1990.

7-     مراجعة في كتاب (دراسات في الشعر والعروض)- مجلة (صدى التربية)-  كانون الثاني 1990.

8-     هل جنى الأدب الجاهلي- جريدة (الأنباء)- 1/5/1970 بقلم: محمد إبراهيم.

9-     القصة العربية في إسرائيل حتى الستينيات- مجلة (الشرق)-  أيار- 1973 (ونشر في نسيلة منفردة).

10- تحليل قصة (سورة البقرة) ليوسف إدريس- (الشرق) صيف 1978.

11- معالم الإبداع في القص عند نجيب محفوظ- مجلة (48) عدد 3-1989.

12- رواية (زغاريد المقاثي)- مجلة (48 عدد2 – 1989.

13- عرض ونقد مسرحية (جبهة الغيب)- (الشرق)- عدد 1/1972.

14- المحسنات في اللغة العربية- صدى التربية، عدد آذار 1983.

 

 ..............................................................................................................

 

 صلاح عبد الصبور: شاعرًا مجددًا*

 

شملت مظاهر التجديد كافة مراحل الحياة في العالم العربي، وأخذت معالم الحضارة الغربية تتغلغل فيه مشكّلة أساليب وأنماطًا جديدة في الفكر والتفكير.

وإذا بالشعر يتجدد شكلاً ومضمونًا بعد أن وقف وقفة طويلة يعيد الموضوعات والمضامين ذاتها بنفس القوالب (الإكليشيهات) للعواطف والمواقف، وبعد أن كانت التشبيهات والاستعارات متقاربة إلى حد المطابقة بنفس القافية الطنانة، والموسيقى القارعة الرتيبة ذات الأوزان الرنانة.

فكان لاحتكاك الشاعر بمنجزات الحضارة الجديدة أن اتسعت ثقافته نظرًا لحاجته إليها - حتى يكون أعمق رواية لحياته ومشكلاته وحقائق مجتمعه ومصير الإنسانية، وحتى يصبح أكثر وعيًا - فكان أن اكتسب الخبرة الفنية في الأداء الشعري على أسس علمية وفلسفية ؛ " كما أن اهتمامه بعالمه النفسي واللا وعي والعقل الباطني جعله يهتم باقتناص اللحظات النفسية العابرة والصور الحية المعبرة"(1).

على ضوء ذلك كان طبيعيًا أن يفتش الشاعر العربي عن شكل وأسلوب يناسبان تجربته، فاهتدى إلى شكل جديد، يخلصه من الجمود، إذ جعل التفاعيل حرة حسب إملاء التجربة الشعرية، ووزع القافية بلا تقييد، وخرج من التقريرية إلى التعبير بالصورة تعبيرًا بنائيًا.

ومن ناحية أخرى فإن الشاعر الحديث ساهم في دور الريادة والطليعة من أجل مُثُل يؤمن بها – نظريًا وتطبيقيًا -، وارتبط بالحياة الاجتماعية ، فكانت القضية التي تشغله ممزوجة بذاتية مستولدة من تفاعل حسه وفكره.

فمن الناحية الفنية لم يعد الشعر ليخاطب الناس في المحافل، أو ليطرب، أو أن يكون ملخصًا تجربة بحكمة مركزة يستطيع شاعر آخر أن ينحو نحوها، أو يناقضها دون معاناة حقيقية ودون انفعال شعري.

فالقصيدة القديمة ذات وحدات مستقلة، والجديدة كما يقول أدونيس "وحدة متماسكة حية متنوعة وهي تنقد ككل لا يتجزأ شكلاً ومضمونًا .(2)

والقصيدة القديمة كانت صناعة ومعاني، بينما الجديدة تجربة متميزة؛ والقصيدة القديمة كانت لغة ذوق عام، وقواعد نحوية وبيانية، بينما الجديدة لغة شخصية.

طوع الشاعر الجديد لغته ولم ينقَدْ إليها، أرادها أن تواكب تجربته وانفعاله، وإذا كان قد تحرر من تقديس اللغة بقوالبها المعجمية فقد ساقه ذلك إلى التحرر من الثبات والسكون.

وقد لخص موريه(3) العوامل التي أدت إلى تغيير نظرية الشاعر:

1-   نبذ الشعراء نظرة الاكتفاء الذاتي بتراثهم الأدبي وتطلعهم نحو أدب إنساني عالمي.

2- الانتقال من وصف العالم الخارجي ومظاهر الأشياء إلى الغوص إلى أعماق العالم الداخلي النفسي والروحي والفكري للشاعر العربي.

3- التخلي عن نظرة تقديس أسلوب الشعر التقليدي ، وقد ساقهم بالضرورة إلى محاولة العثور على أسلوب جديد قريب من لغة التفكير والكلام الاعتيادي، ومحاولة العثور على هيكل إيقاعي جديد يلائم المضمون والأسلوب الجديدين.

والبواعث على التجديد أكثر من أن تحصر، لكنا نلمحها في شعر بعض الرواد كبدر شاكر السياب ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور وغيرهم، ولا نستطيع قطعًا أن نعزو التجديد بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى إلى أحدهم قصرًا ، فربما تكون نازك الملائكة قد نجحت أكثر من غيرها في اتخاذ وحدة التفعيلة أساسًا للبناء الشعري، وربما يكون لويس عوض قد نجح أكثر من غيره في إعادة الشعر للحياة كما يقول إيليوت، وربما يكون عبد الرحمن الشرقاوي قد نجح أكثر من غيره في ربط الأيديولوجية بالشعر، وربما كان السياب قد استطاع أن يبلور رؤياه بصورة أكثر نضجًا من خلال الأسطورة (4). إلا أنهم جميعًا ينسجون وحدة حية متكاملة في زيادة مفهوم الحداثة في الشعر.

قلنا إن الشاعر الحديث دخل عوالم جديدة، وأخذت القضايا الإنسانية تشغله، وحرص على أن تكون القصيدة انعكاسًا صادقًا يمزج تجربته الشخصية بالقضايا العامة، فهو على الغالب صاحب قضية، أو بعبارة أخرى صاحب موقف.

والموقف الجديد يحتم عليه أن يغير الشكل القديم، لأنه لا يصلح لاستيعاب تجربته الجديدة التي يملكها بحرية مطلقة، لذا فقد جعل القصيدة ذات وحدة موضوعية -  أهم مظاهرها ما يسمى بالفرنسية ENJABEMENT - الجريان أو التضمين بمعنى التتميم- وهو انسياب الأبيات انسيابًا مترابطًا وهذا مظهر شكلي ومضموني معًا .(5)

إن حرية الشاعر الجديدة جعلته يرفض أن يتقولب ضمن إطار محدد: في بيت من شطرين، وعدد متساو من التفاعيل في كل شطر، وقافية تتكرر عند نهاية البيت بقيود صارمة، فلجأ الشاعر الجديد إلى هذا التنويع في القافية، وإلى توزيع التفعيلات بحيث تتساوق هذه معه نفسه الشعري.

نظر الشاعر العربي إلى الشعر الغربي، فرأى عنده التكرار يضفي على القصيدة موسيقى جديدة، فلجأ إليها متجاهلاً ما كان يسمى بعيوب الشعر كالإيطاء والإقواء، ودخل إلى اللغة ينتقي من ألفاظها ما يلائم تجربته، حتى ولو كانت هناك كلمة عامية امتُهنت، لان المعجم لم يحوها بين دفتيه.

والتحرر من المصطلح القديم، قد مكّن الشعراء من استيعاب تراث الشعر الأوروبي، إنه لم يعد في نفوسهم مجرد فكرة تُقلد، بل أصبح استفادة في الصياغة، إذ أطل علينا الشاعر العربي الحديث بفنون أدبية جديدة كالبالاد، والسوناتا والمسرحية الشعرية ،  وحتى قصيدة النثر.

وصلاح عبد الصبور هو أحد هؤلاء الرواد الذين أثْرَوا الشعر الحديث بأشعارهم وبنقداتهم، ودراسة شعره لها اعتبارها في الشعر العربي الحديث، أو بمعنى أدق لمدرسة "الشعر الحر"- حسب تعبير نازك الملائكة (6) أو " الشعر المنطلق " - حسب تعبير النويهي(7).

 

صلاح- حياته ومؤلفاته

 

ولد صلاح عبد الصبور في الزقازيق - إحدى مدن الوجه البحري سنة 1931م.

تخرج وهو في العشرين من كلية الآداب في القاهرة، واشتغل في التدريس ، ثم في تحرير الملاحق الأدبية لجريدة الأهرام ومجلة روز اليوسف ،وقد رأس أيضًا تحرير مجلة الكاتب المصرية.

بدأت محاولاته الشعرية كما يقرر ذلك بنفسه(8) سنة 1943 ، ولكنه كتب الشعر الجديد ( شعر  التفعيلة ) سنة 1946.

توفي سنة 1981 في القاهرة.

 

مؤلفاته:

اشتهر عبد الصبور بوفرة عطائه الأدبي المكثف، وقد تمثل هذا العطاء في الشعر والنقد والترجمة والمختارات. توفي في القاهرة سنة 1981.

وإليك تصنيف أبرز هذه المؤلفات التي صدرت له ، ولن أذكر تفاصيل كل كتاب بسبب تعدد الطباعة:-

 

 

دواوين:-

الناس في بلادي، 1957.

أقول لكم، 1961.

أحلام الفارس القديم، 1964.

تأملات في زمن جريح، 1970.

شجر الليل، 1972.

ديوان صلاح عبد الصبور ( مجلد في جزأين ) ،1972.

                   مجلد ( الجزء الثالث ) ، 1977       

مسرحيات شعرية:-

 

مأساة الحلاج، 1969.

مسافر ليل، 1969.

الأميرة تنتظر، 1969.

ليلى والمجنون، 1970   .

بعد أن يموت الملك 1977

 

كتب في النقد:

 

أصوات في العصر، 1959.

ماذا يبقى منهم للتاريخ، 1961.

حتى نقهر الموت، 1962.

قراءة جديدة لشعرنا القديم، 1967.

حياتي في الشعر، 1968.

وتبقى الكلمة، 1969.

 

مختارات شعرية:-

علي محمود طه، 1969.

 

مضامين شعره:

 

يكاد يكون نادرًا أن نجد شاعرًا حداثيًا  يتزلف أو يرائي (9)، وخاصة في هذا الشكل المنطلق(10). إن الأصلاء فيه أصحاب مثل وقضايا، يحسون آلام شعبهم ويشاركون بمعاناة صادقة.

وصلاح أحد هؤلاء المجددين نلمس في أشعاره ميله، بل شغفه بالعدالة الإنسانية وحرية الكلمة، كما يتجلى لنا ذلك خلال مسرحية (مأساة الحلاج). وهو ليس مسؤولاً إزاء شعبه فقط، بل هو صاحب مسؤولية إزاء الوجود - في انتصار الخير على الشر، من خلال صراع طويل مرير، وذلك لكي يعود إلى براءته، فمسؤولية الإنسان هي أن يشكل الكون وينقيه في نفس الوقت. (11)

إنه رافض لكل عناصر الشر، وقصائده فيها تلميح عن الظلم الذي يعانيه المجتمع العربي، هذا المجتمع الذي يحس الشاعر أنه متخلف ورازح تحت أعباء تقاليد مضنية.

وما هو الشر؟ إنه كما يقول الحلاج: " فقر الفقراء جوع الجوعى". (12)

وما هو الفقر؟ إنه القهر والظلم "الفقر هو القهر... الفقر هو استخدام الفقر لإذلال الروح. الفقر هو استخدام الفقر لقتل الحب وزرع البغضاء" (13).

الشر يظهر أحيانًا على شكل طائر أجدل منهوم ،  وآنًا على شكل طارق مجهول (14)، يتصارع معه وجهًا لوجه، بيد أنه لا يعرف الفرار أمام الموت (15) ، وهذا الثبات لا يعني أنه لا يخاف من المجهول (16)، وكيف لا يخاف وهو يواجه الموت- أقسى مصير يواجهه الإنسان فليس بدعًا أن يتساءل دائمًا:

حتى يلتف على صدغي وعيني

هذا الاستفهام المحكم

ماذا قد يحدث  (17 )

والمواضيع التي يطرحها صلاح هي إنسانية تهم الإنسان أيًا كان، فقد أصبح يخاطب بلغة يفهمها ابن العالم، كل وفهمه الخاص:

ما غاية الإنسان من أتعابه

ما غاية الحياة يا أيها الإله (18)

وهذه المشاركة الإنسانية أدركها صلاح، وعرف أن الفنان الحقيقي هو ذلك الذي يحس بانتمائه إلى العالم، فإذا كان إنسان القرن العشرين- يعيش في تساؤلات ينوء بها، وهو ممزق- رغم مظاهر الترف والمادة فقد جسّد صلاح هذه التساؤلات التي يسألها الكثير من المفكرين:

ما سر هذه التعاسة العظيمة

ما سر هذا الفزع العظيم (19).
وفي "مساءلات أخرى" يسأل إليوار صلاحًا عن معنى الحرية، ويسأله بريخت عن معنى العدل، ودانتي يسأله عن الحب، والمتنبي عن معنى العزة، والمعري عن الصدق، لكن صلاحًا لا يملك ردًا إلا الصمت. (20)

إنه باحث عنها كما أنه باحث عن السلام (21)، ويعيش اللحظات المعذبة بحزنه ، وبالتأمل الصوفي، وفي حزنه وصوفيته احتجاج على أوجه القصور في الوجود البشري، فلنقف عند الصوفية ، وكذلك عند الحزن ،  نموذجين - هما مظهران بارزان في شعر عبد الصبور، وهما نتاج التأمل، وما الأيام عند عبد الصبور إلا  تأمل:

كلون أيامي التي ما استطعت أن

أعيشها حياة

فعشتها تأملاً  (22)

 

 

الصوفية في شعر صلاح عبد الصبور:

 

    من مظاهر الشعر العربي الحديث نزوعه نحو  التصوف،  وقد يكون ذلك ملاذًا يلوذ به الشاعر  من  أزمات  اجتماعية  وسياسية  يعانيها ، وقد يكون بحثاً عن عالم أكثر صفاءً ونقاء – عالم روحاني فيه تجليات  وحدس، تتلاشى فيه المادية  والغرائز السلبية .  وإذا كان التصوف  في مرحلة ما خروجًا عن السائد ،وفيه من  الرفض والتضحية وإنكار الذات ، وفيه من مقومات الحب والوجد  وتجاوز الذات ، فإن  الشعر الحديث كان منطلِقًا  في بداياته – خاصة – نحو التعبير عن بعض ما تعبر عنه الصوفية ، وكانت الدعوة إليه  أولاً من خلال النظرة إلى الفكرة والإيحاءات ، ينحو غالبًا إلى  الجوهر ،  ويتخلى عن العرض  ، كما بدا أنه يصبو  إلى الحق

 و الحقيقة ، والجمال والكمال .

من هنا كانت  الصوفية والحداثة الشعرية  تبحثان عن غايات مشتركة ، منها  هذه  الدعوة إلى الصفاء والنقاء  ، ومنها تلك  الشفافية في القول  غير المباشر ، وهذا المثول بين يدي الكلمة ، فالمتصوفة والشعراء استعملوا اللغة الشعرية الإيحائية ، وذلك  للتعبير عن تجاربهم وأحوالهم ومقاماتهم  كل بمجاهدته الخاصة به ، وبذوقه ، وباتصاله وبانفصاله  ، بل إن التكرار وهو من مميزات الشعر الحديث سمة لازمة في أوراد الصوفية وأذكارهم .

     الشاعر والصوفي  كان لكل منهما  معاناته وقلقه  ، وبحثه المتواصل  عن العدل وعن  الحقيقة، ولكل منهما تأمله  ومكابدته واغترابه ووحدته، وترقبه للحظة الإلهام أو التجلي  . بل هناك من رأى أن أهل الفن كأهل الطريق  ، وفي كليهما معاناة داخلية وصراع مع الذات للوصول إلى عمق التجربة  .... لكن الشاعر "  يتعمق  الوجود كما يتعمقه الصوفي ، وهنا يلتقيان . وربما سمي المفكر والفيلسوف صوفيًا بهذا المعنى أيضًا ، بمعنى أن الصوفية إذا كانت هي عمق التجربة ، فكل صاحب تجربة ورؤية عميقة في الفن والحياة والدين هو متصوف بهذا المعنى " (23)

وقد أشار إحسان عباس إلى أن " الاتجاه الصوفي أبرز من سائر الاتجاهات في هذا الشعر

 ( المعاصر ) ، ولعل ذلك راجع إلى طول عملية التقدم ، والتراجع في الحياة السياسية ، ......كما أن هناك قسطًا من التصوف يربط بين الاتجاهات الثورية المتقدمة . ثم إن هذا الميدان خير ميدان تتفتح فيه ذاتية الشاعر وفرديته ، فهو  ينفصل عن المجتمع ظاهريًا ليعيش آلامه – التي هي نفس آلام المجتمع بوجد مأساوي  " (24).

                                *                     *                        *

 

الصوفية معلم بارز في شعر عبد الصبور(25)، وثقافته الصوفية برزت في بواكير أشعاره بدءًا من ديوانه الناس في بلادي  ، ثم تطورت . وكانت ذروة ذلك أن أصدر مسرحية مأساة الحلاج، وخلع على هذه الشخصية الصوفية - الحلاج  ( 858-922 م ) التزامًا، فجعل من الصوفية التي عرف بأنها ضمن  دوائر السكونية- أي التي لا تشارك في قضايا المجتمع- صوفيةً متحركة تتمرد على التقشف والكبت والجوع والقهر والظلم ، وبعبارة أخرى –  تقاوم الشر .

وهذه الصوفية  التي أكثر  عبد الصبور من تناولها -  ربما كانت نتيجة حتمية لتساؤلاته الكثيرة وتأملاته في زمنه  " الجريح "(26).

ابتدأ الشاعر عالمه الشعري وقد صاحبته الإشارات الصوفية  ، فلا تكاد تجد قصيدة  إلا وفيها إشعاعات صوفية يتعلق تعليلها بالمتلقي وقراءته(27).

نعاين هذه الملامح الأولى للصوفية في ديوانه الأول الناس في بلادي ، ومنها :

 

بالأمس في نومي رأيت الشيخ

محيي الدين

مجذوبَ حارتي العجوز

وكان في حياته يعاين الإله

تصوري ويجتلي سناه

وقال لي ".... ونسهر المساء

مسافرين في حديقة الصفاء...

.....

ويعقد الوجدُ اللسانَ.... من يبح يضل

....."

وقال لي وصوته العميق كالنغم.

" يا صاح أنت تابعي

فقم معي

ردْ مشرعي (28)

ولماذا هذا اللجوء إلى الشيخ؟

ذلك لأن قلبه كسير وجسمه مغلل، فلا بد له من أن يعود إلى الصفاء إلى الحب:

بل كلنا صغار....

 الحبيب وحده هو الكبير(29)

 

وفي ديوان أقول لكم ينكر في قصيدته (القديس)(30) أباطيل فلسفة أفلاطون وماركس وأرسطو، وأصحاب نظرية الحلول والسوفسطائيين وفيثاغورس، ويرى أن الحب الإلهي هو مصدر الكون، وهو يقول :

ذات صباح
رأيت حقيقة الدنيا
سمعت النجم والأمواه و الأزهار موسيقى

 "رأيت الله في قلبي " 

 

ساعتها :

 

شعرت بجسمي المحموم ينبض مثل قلب الشمس

شعرت بأنني امتلأت شعاب القلب بالحكمه  (31)

 

كذلك كان الشاعر يصف الصوفي في قصيدته ( الكلمات ) – ذلك الذي يطوف في الأرض أو يسكن  خلوته :

حديثي محض ألفاظ ولا أملك إلاها (32)

 

وفي ديوان أحلام الفارس القديم يكتب لنا الشاعر عن مذكرات الصوفي بشر الحافي (867-841م) . وفي هذه المذكرات  نعرف أن سبب سقوط الإنسان هو فقدان الإيمان. وهو الذي خلق جيلاً من الشياطين مكان بني آدم  فيقول:

"حين فقدنا الرضا

بما يريد القضا

لم تنزل الأمطار

لم تورق الأشجار

لم تلمع الأثمار ..

...........

حين فقدنا هدأة الجنبِ

على فراش الرضا الرحبِ

نام على الوسائد

شيطان بغض فاسدِ

معانقي ، شريك مضجعي ، كأنما

قرونه على يدي

حين فقدنا جوهر اليقين

تشوهت أجنَّة الحبالى في البطون ..

..........جيل من الشياطين

جيل من الشياطين"

إذن نحن – في نظر الراوي الشاعر -  افتقدنا  رضانا بقضاء الله، فتشوهت حياتنا ، وأصبحنا بعد أن أخذ الشعر ينمو في مغاور العيون ، جيلاً من الشياطين ... ويمضي الشاعر  قائلاً على لسان بشر :

 

تعالى الله هذا الكون موبوء ولا برء

ولو ينصفنا الرحمن عجّل نحونا بالموت  ...(33)

 

قرأ صلاح قصة بشر الحافي بعد أن مال إلى التصوف ، فبِشر – كما يذكر الشاعر :  "مشى يومًا في السوق ، فأفزعه الناس ، فخلع نعليه ، ووضعهما تحت إبطيه ، وانطلق يجري في الرمضاء ، فلم يدركه أحد ، وكان ذلك سنة سبع وعشرين ومائتين "(34).

  وقد ذكر الشاعر في مقابلة معه أنه اطلع على القصة في كتاب  طبقات الأولياء للشعراني (1492-1565)، فرأى فيها قصته هو نفسه  "عندما يتصور أن الحياة أصعب من التصور"(35)    فالكون لا يصلحه شيء. 

تعالى الله هذا الكون لا يصلحه شيء

فأين الموت أين الموت أين الموت؟- (36)

يسأل بشر شيخه بسام الدين عن نهاية ما هم فيه من معاناة ،  فيجيبه الأخير.....

يا بشر أصبر

دنيانا أجمل مما تذكر

ها أنت ترى الدنيا في قمة وجدك

لا تبصر إلا الأنقاض السوداء

ثم ما يلبث أن يسأل شيخه :

أين الإنسان؟ أين الإنسان؟ (37)

 

فيجيبه بسام الدين:

سيهل على الدنيا ركبه.

 

وقد توقف الباحث إبراهيم منصور على دراسة مستفيضة  لهذه القصيدة " مذكرات الصوفي بشر الحافي  ، وذكر أنها " مقسمة إلى خمس