د . فاروق مواســــي

 

 

دراسات وأبحاث في الأدب العربي الحديث

 

 

                                                          دار آسيا - 1992

 المقالات في هذا الكتاب

 

تجدر الإشارة إلى إنني كنت قد نشرت هذه الأبحاث والدراسات في الصحف الأدبية المختلفة، وحرصًا مني على إيصالها للقارئ مجموعة بعد أن عز الحصول على كثير منها- فقد ارتأيت إعادة نشرها مجيزًا لنفسي في بعض الأحيان إجراء تغيير طفيف على الأصل، وإليك جدولاً يبين مواضيع النشر:

يرجى عن طريق البحث  (crtl F )   الوصول لكل دراسة تطلبها  من المادة أدناه

 

1-     صلاح عبد الصبور شاعرًا مجددًا- نشر في كتاب منفرد صدر عن جامعة حيفا- 1979، وقد نفد.

2-     الرموز والإشارات في شعر السياب- نشر في مجلة (مشاوير)-  العدد 3/1979.

3-     تحليل قصيدة للبارودي- صدى التربية، أيار- 1983.

4-     رثاء الأب عند الشعراء المحدثين- مجلة (الأسوار)-  شتاء 1990.

5-     تطور اللغة الشعرية العربية - مجلة (الجديد)-  أيار 1976.

6-     كيف يصف الفيتوري تجربته الشعرية- مجلة (الجديد) -  آذار 1990.

7-     مراجعة في كتاب (دراسات في الشعر والعروض)- مجلة (صدى التربية)-  كانون الثاني 1990.

8-     هل جنى الأدب الجاهلي- جريدة (الأنباء)- 1/5/1970 بقلم: محمد إبراهيم.

9-     القصة العربية في إسرائيل حتى الستينيات- مجلة (الشرق)-  أيار- 1973 (ونشر في نسيلة منفردة).

10- تحليل قصة (سورة البقرة) ليوسف إدريس- (الشرق) صيف 1978.

11- معالم الإبداع في القص عند نجيب محفوظ- مجلة (48) عدد 3-1989.

12- رواية (زغاريد المقاثي)- مجلة (48 عدد2 1989.

13- عرض ونقد مسرحية (جبهة الغيب)- (الشرق)- عدد 1/1972.

14- المحسنات في اللغة العربية- صدى التربية، عدد آذار 1983.

 

 ..............................................................................................................

 

 صلاح عبد الصبور: شاعرًا مجددًا*

 

شملت مظاهر التجديد كافة مراحل الحياة في العالم العربي، وأخذت معالم الحضارة الغربية تتغلغل فيه مشكّلة أساليب وأنماطًا جديدة في الفكر والتفكير.

وإذا بالشعر يتجدد شكلاً ومضمونًا بعد أن وقف وقفة طويلة يعيد الموضوعات والمضامين ذاتها بنفس القوالب (الإكليشيهات) للعواطف والمواقف، وبعد أن كانت التشبيهات والاستعارات متقاربة إلى حد المطابقة بنفس القافية الطنانة، والموسيقى القارعة الرتيبة ذات الأوزان الرنانة.

فكان لاحتكاك الشاعر بمنجزات الحضارة الجديدة أن اتسعت ثقافته نظرًا لحاجته إليها - حتى يكون أعمق رواية لحياته ومشكلاته وحقائق مجتمعه ومصير الإنسانية، وحتى يصبح أكثر وعيًا - فكان أن اكتسب الخبرة الفنية في الأداء الشعري على أسس علمية وفلسفية ؛ " كما أن اهتمامه بعالمه النفسي واللا وعي والعقل الباطني جعله يهتم باقتناص اللحظات النفسية العابرة والصور الحية المعبرة"(1).

على ضوء ذلك كان طبيعيًا أن يفتش الشاعر العربي عن شكل وأسلوب يناسبان تجربته، فاهتدى إلى شكل جديد، يخلصه من الجمود، إذ جعل التفاعيل حرة حسب إملاء التجربة الشعرية، ووزع القافية بلا تقييد، وخرج من التقريرية إلى التعبير بالصورة تعبيرًا بنائيًا.

ومن ناحية أخرى فإن الشاعر الحديث ساهم في دور الريادة والطليعة من أجل مُثُل يؤمن بها نظريًا وتطبيقيًا -، وارتبط بالحياة الاجتماعية ، فكانت القضية التي تشغله ممزوجة بذاتية مستولدة من تفاعل حسه وفكره.

فمن الناحية الفنية لم يعد الشعر ليخاطب الناس في المحافل، أو ليطرب، أو أن يكون ملخصًا تجربة بحكمة مركزة يستطيع شاعر آخر أن ينحو نحوها، أو يناقضها دون معاناة حقيقية ودون انفعال شعري.

فالقصيدة القديمة ذات وحدات مستقلة، والجديدة كما يقول أدونيس "وحدة متماسكة حية متنوعة وهي تنقد ككل لا يتجزأ شكلاً ومضمونًا .(2)

والقصيدة القديمة كانت صناعة ومعاني، بينما الجديدة تجربة متميزة؛ والقصيدة القديمة كانت لغة ذوق عام، وقواعد نحوية وبيانية، بينما الجديدة لغة شخصية.

طوع الشاعر الجديد لغته ولم ينقَدْ إليها، أرادها أن تواكب تجربته وانفعاله، وإذا كان قد تحرر من تقديس اللغة بقوالبها المعجمية فقد ساقه ذلك إلى التحرر من الثبات والسكون.

وقد لخص موريه(3) العوامل التي أدت إلى تغيير نظرية الشاعر:

1-   نبذ الشعراء نظرة الاكتفاء الذاتي بتراثهم الأدبي وتطلعهم نحو أدب إنساني عالمي.

2- الانتقال من وصف العالم الخارجي ومظاهر الأشياء إلى الغوص إلى أعماق العالم الداخلي النفسي والروحي والفكري للشاعر العربي.

3- التخلي عن نظرة تقديس أسلوب الشعر التقليدي ، وقد ساقهم بالضرورة إلى محاولة العثور على أسلوب جديد قريب من لغة التفكير والكلام الاعتيادي، ومحاولة العثور على هيكل إيقاعي جديد يلائم المضمون والأسلوب الجديدين.

والبواعث على التجديد أكثر من أن تحصر، لكنا نلمحها في شعر بعض الرواد كبدر شاكر السياب ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور وغيرهم، ولا نستطيع قطعًا أن نعزو التجديد بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى إلى أحدهم قصرًا ، فربما تكون نازك الملائكة قد نجحت أكثر من غيرها في اتخاذ وحدة التفعيلة أساسًا للبناء الشعري، وربما يكون لويس عوض قد نجح أكثر من غيره في إعادة الشعر للحياة كما يقول إيليوت، وربما يكون عبد الرحمن الشرقاوي قد نجح أكثر من غيره في ربط الأيديولوجية بالشعر، وربما كان السياب قد استطاع أن يبلور رؤياه بصورة أكثر نضجًا من خلال الأسطورة (4). إلا أنهم جميعًا ينسجون وحدة حية متكاملة في زيادة مفهوم الحداثة في الشعر.

قلنا إن الشاعر الحديث دخل عوالم جديدة، وأخذت القضايا الإنسانية تشغله، وحرص على أن تكون القصيدة انعكاسًا صادقًا يمزج تجربته الشخصية بالقضايا العامة، فهو على الغالب صاحب قضية، أو بعبارة أخرى صاحب موقف.

والموقف الجديد يحتم عليه أن يغير الشكل القديم، لأنه لا يصلح لاستيعاب تجربته الجديدة التي يملكها بحرية مطلقة، لذا فقد جعل القصيدة ذات وحدة موضوعية -  أهم مظاهرها ما يسمى بالفرنسية ENJABEMENT - الجريان أو التضمين بمعنى التتميم- وهو انسياب الأبيات انسيابًا مترابطًا وهذا مظهر شكلي ومضموني معًا .(5)

إن حرية الشاعر الجديدة جعلته يرفض أن يتقولب ضمن إطار محدد: في بيت من شطرين، وعدد متساو من التفاعيل في كل شطر، وقافية تتكرر عند نهاية البيت بقيود صارمة، فلجأ الشاعر الجديد إلى هذا التنويع في القافية، وإلى توزيع التفعيلات بحيث تتساوق هذه معه نفسه الشعري.

نظر الشاعر العربي إلى الشعر الغربي، فرأى عنده التكرار يضفي على القصيدة موسيقى جديدة، فلجأ إليها متجاهلاً ما كان يسمى بعيوب الشعر كالإيطاء والإقواء، ودخل إلى اللغة ينتقي من ألفاظها ما يلائم تجربته، حتى ولو كانت هناك كلمة عامية امتُهنت، لان المعجم لم يحوها بين دفتيه.

والتحرر من المصطلح القديم، قد مكّن الشعراء من استيعاب تراث الشعر الأوروبي، إنه لم يعد في نفوسهم مجرد فكرة تُقلد، بل أصبح استفادة في الصياغة، إذ أطل علينا الشاعر العربي الحديث بفنون أدبية جديدة كالبالاد، والسوناتا والمسرحية الشعرية ،  وحتى قصيدة النثر.

وصلاح عبد الصبور هو أحد هؤلاء الرواد الذين أثْرَوا الشعر الحديث بأشعارهم وبنقداتهم، ودراسة شعره لها اعتبارها في الشعر العربي الحديث، أو بمعنى أدق لمدرسة "الشعر الحر"- حسب تعبير نازك الملائكة (6) أو " الشعر المنطلق " - حسب تعبير النويهي(7).

 

صلاح- حياته ومؤلفاته

 

ولد صلاح عبد الصبور في الزقازيق - إحدى مدن الوجه البحري سنة 1931م.

تخرج وهو في العشرين من كلية الآداب في القاهرة، واشتغل في التدريس ، ثم في تحرير الملاحق الأدبية لجريدة الأهرام ومجلة روز اليوسف ،وقد رأس أيضًا تحرير مجلة الكاتب المصرية.

بدأت محاولاته الشعرية كما يقرر ذلك بنفسه(8) سنة 1943 ، ولكنه كتب الشعر الجديد ( شعر  التفعيلة ) سنة 1946.

توفي سنة 1981 في القاهرة.

 

مؤلفاته:

اشتهر عبد الصبور بوفرة عطائه الأدبي المكثف، وقد تمثل هذا العطاء في الشعر والنقد والترجمة والمختارات. توفي في القاهرة سنة 1981.

وإليك تصنيف أبرز هذه المؤلفات التي صدرت له ، ولن أذكر تفاصيل كل كتاب بسبب تعدد الطباعة:-

 

 

دواوين:-

الناس في بلادي، 1957.

أقول لكم، 1961.

أحلام الفارس القديم، 1964.

تأملات في زمن جريح، 1970.

شجر الليل، 1972.

ديوان صلاح عبد الصبور ( مجلد في جزأين ) ،1972.

                   مجلد ( الجزء الثالث ) ، 1977       

مسرحيات شعرية:-

 

مأساة الحلاج، 1969.

مسافر ليل، 1969.

الأميرة تنتظر، 1969.

ليلى والمجنون، 1970   .

بعد أن يموت الملك 1977

 

كتب في النقد:

 

أصوات في العصر، 1959.

ماذا يبقى منهم للتاريخ، 1961.

حتى نقهر الموت، 1962.

قراءة جديدة لشعرنا القديم، 1967.

حياتي في الشعر، 1968.

وتبقى الكلمة، 1969.

 

مختارات شعرية:-

علي محمود طه، 1969.

 

مضامين شعره:

 

يكاد يكون نادرًا أن نجد شاعرًا حداثيًا  يتزلف أو يرائي (9)، وخاصة في هذا الشكل المنطلق(10). إن الأصلاء فيه أصحاب مثل وقضايا، يحسون آلام شعبهم ويشاركون بمعاناة صادقة.

وصلاح أحد هؤلاء المجددين نلمس في أشعاره ميله، بل شغفه بالعدالة الإنسانية وحرية الكلمة، كما يتجلى لنا ذلك خلال مسرحية (مأساة الحلاج). وهو ليس مسؤولاً إزاء شعبه فقط، بل هو صاحب مسؤولية إزاء الوجود - في انتصار الخير على الشر، من خلال صراع طويل مرير، وذلك لكي يعود إلى براءته، فمسؤولية الإنسان هي أن يشكل الكون وينقيه في نفس الوقت. (11)

إنه رافض لكل عناصر الشر، وقصائده فيها تلميح عن الظلم الذي يعانيه المجتمع العربي، هذا المجتمع الذي يحس الشاعر أنه متخلف ورازح تحت أعباء تقاليد مضنية.

وما هو الشر؟ إنه كما يقول الحلاج: " فقر الفقراء جوع الجوعى". (12)

وما هو الفقر؟ إنه القهر والظلم "الفقر هو القهر... الفقر هو استخدام الفقر لإذلال الروح. الفقر هو استخدام الفقر لقتل الحب وزرع البغضاء" (13).

الشر يظهر أحيانًا على شكل طائر أجدل منهوم ،  وآنًا على شكل طارق مجهول (14)، يتصارع معه وجهًا لوجه، بيد أنه لا يعرف الفرار أمام الموت (15) ، وهذا الثبات لا يعني أنه لا يخاف من المجهول (16)، وكيف لا يخاف وهو يواجه الموت- أقسى مصير يواجهه الإنسان فليس بدعًا أن يتساءل دائمًا:

حتى يلتف على صدغي وعيني

هذا الاستفهام المحكم

ماذا قد يحدث  (17 )

والمواضيع التي يطرحها صلاح هي إنسانية تهم الإنسان أيًا كان، فقد أصبح يخاطب بلغة يفهمها ابن العالم، كل وفهمه الخاص:

ما غاية الإنسان من أتعابه

ما غاية الحياة يا أيها الإله (18)

وهذه المشاركة الإنسانية أدركها صلاح، وعرف أن الفنان الحقيقي هو ذلك الذي يحس بانتمائه إلى العالم، فإذا كان إنسان القرن العشرين- يعيش في تساؤلات ينوء بها، وهو ممزق- رغم مظاهر الترف والمادة فقد جسّد صلاح هذه التساؤلات التي يسألها الكثير من المفكرين:

ما سر هذه التعاسة العظيمة

ما سر هذا الفزع العظيم (19).
وفي "مساءلات أخرى" يسأل إليوار صلاحًا عن معنى الحرية، ويسأله بريخت عن معنى العدل، ودانتي يسأله عن الحب، والمتنبي عن معنى العزة، والمعري عن الصدق، لكن صلاحًا لا يملك ردًا إلا الصمت. (20)

إنه باحث عنها كما أنه باحث عن السلام (21)، ويعيش اللحظات المعذبة بحزنه ، وبالتأمل الصوفي، وفي حزنه وصوفيته احتجاج على أوجه القصور في الوجود البشري، فلنقف عند الصوفية ، وكذلك عند الحزن ،  نموذجين - هما مظهران بارزان في شعر عبد الصبور، وهما نتاج التأمل، وما الأيام عند عبد الصبور إلا  تأمل:

كلون أيامي التي ما استطعت أن

أعيشها حياة

فعشتها تأملاً  (22)

 

 

الصوفية في شعر صلاح عبد الصبور:

 

    من مظاهر الشعر العربي الحديث نزوعه نحو  التصوف،  وقد يكون ذلك ملاذًا يلوذ به الشاعر  من  أزمات  اجتماعية  وسياسية  يعانيها ، وقد يكون بحثاً عن عالم أكثر صفاءً ونقاء عالم روحاني فيه تجليات  وحدس، تتلاشى فيه المادية  والغرائز السلبية .  وإذا كان التصوف  في مرحلة ما خروجًا عن السائد ،وفيه من  الرفض والتضحية وإنكار الذات ، وفيه من مقومات الحب والوجد  وتجاوز الذات ، فإن  الشعر الحديث كان منطلِقًا  في بداياته خاصة نحو التعبير عن بعض ما تعبر عنه الصوفية ، وكانت الدعوة إليه  أولاً من خلال النظرة إلى الفكرة والإيحاءات ، ينحو غالبًا إلى  الجوهر ،  ويتخلى عن العرض  ، كما بدا أنه يصبو  إلى الحق

 و الحقيقة ، والجمال والكمال .

من هنا كانت  الصوفية والحداثة الشعرية  تبحثان عن غايات مشتركة ، منها  هذه  الدعوة إلى الصفاء والنقاء  ، ومنها تلك  الشفافية في القول  غير المباشر ، وهذا المثول بين يدي الكلمة ، فالمتصوفة والشعراء استعملوا اللغة الشعرية الإيحائية ، وذلك  للتعبير عن تجاربهم وأحوالهم ومقاماتهم  كل بمجاهدته الخاصة به ، وبذوقه ، وباتصاله وبانفصاله  ، بل إن التكرار وهو من مميزات الشعر الحديث سمة لازمة في أوراد الصوفية وأذكارهم .

     الشاعر والصوفي  كان لكل منهما  معاناته وقلقه  ، وبحثه المتواصل  عن العدل وعن  الحقيقة، ولكل منهما تأمله  ومكابدته واغترابه ووحدته، وترقبه للحظة الإلهام أو التجلي  . بل هناك من رأى أن أهل الفن كأهل الطريق  ، وفي كليهما معاناة داخلية وصراع مع الذات للوصول إلى عمق التجربة  .... لكن الشاعر "  يتعمق  الوجود كما يتعمقه الصوفي ، وهنا يلتقيان . وربما سمي المفكر والفيلسوف صوفيًا بهذا المعنى أيضًا ، بمعنى أن الصوفية إذا كانت هي عمق التجربة ، فكل صاحب تجربة ورؤية عميقة في الفن والحياة والدين هو متصوف بهذا المعنى " (23)

وقد أشار إحسان عباس إلى أن " الاتجاه الصوفي أبرز من سائر الاتجاهات في هذا الشعر

 ( المعاصر ) ، ولعل ذلك راجع إلى طول عملية التقدم ، والتراجع في الحياة السياسية ، ......كما أن هناك قسطًا من التصوف يربط بين الاتجاهات الثورية المتقدمة . ثم إن هذا الميدان خير ميدان تتفتح فيه ذاتية الشاعر وفرديته ، فهو  ينفصل عن المجتمع ظاهريًا ليعيش آلامه التي هي نفس آلام المجتمع بوجد مأساوي  " (24).

                                *                     *                        *

 

الصوفية معلم بارز في شعر عبد الصبور(25)، وثقافته الصوفية برزت في بواكير أشعاره بدءًا من ديوانه الناس في بلادي  ، ثم تطورت . وكانت ذروة ذلك أن أصدر مسرحية مأساة الحلاج، وخلع على هذه الشخصية الصوفية - الحلاج  ( 858-922 م ) التزامًا، فجعل من الصوفية التي عرف بأنها ضمن  دوائر السكونية- أي التي لا تشارك في قضايا المجتمع- صوفيةً متحركة تتمرد على التقشف والكبت والجوع والقهر والظلم ، وبعبارة أخرى   تقاوم الشر .

وهذه الصوفية  التي أكثر  عبد الصبور من تناولها -  ربما كانت نتيجة حتمية لتساؤلاته الكثيرة وتأملاته في زمنه  " الجريح "(26).

ابتدأ الشاعر عالمه الشعري وقد صاحبته الإشارات الصوفية  ، فلا تكاد تجد قصيدة  إلا وفيها إشعاعات صوفية يتعلق تعليلها بالمتلقي وقراءته(27).

نعاين هذه الملامح الأولى للصوفية في ديوانه الأول الناس في بلادي ، ومنها :

 

بالأمس في نومي رأيت الشيخ

محيي الدين

مجذوبَ حارتي العجوز

وكان في حياته يعاين الإله

تصوري ويجتلي سناه

وقال لي ".... ونسهر المساء

مسافرين في حديقة الصفاء...

.....

ويعقد الوجدُ اللسانَ.... من يبح يضل

....."

وقال لي وصوته العميق كالنغم.

" يا صاح أنت تابعي

فقم معي

ردْ مشرعي (28)

ولماذا هذا اللجوء إلى الشيخ؟

ذلك لأن قلبه كسير وجسمه مغلل، فلا بد له من أن يعود إلى الصفاء إلى الحب:

بل كلنا صغار....

 الحبيب وحده هو الكبير(29)

 

وفي ديوان أقول لكم ينكر في قصيدته (القديس)(30) أباطيل فلسفة أفلاطون وماركس وأرسطو، وأصحاب نظرية الحلول والسوفسطائيين وفيثاغورس، ويرى أن الحب الإلهي هو مصدر الكون، وهو يقول :

ذات صباح
رأيت حقيقة الدنيا
سمعت النجم والأمواه و الأزهار موسيقى

 "رأيت الله في قلبي " 

 

ساعتها :

 

شعرت بجسمي المحموم ينبض مثل قلب الشمس

شعرت بأنني امتلأت شعاب القلب بالحكمه  (31)

 

كذلك كان الشاعر يصف الصوفي في قصيدته ( الكلمات ) ذلك الذي يطوف في الأرض أو يسكن  خلوته :

حديثي محض ألفاظ ولا أملك إلاها (32)

 

وفي ديوان أحلام الفارس القديم يكتب لنا الشاعر عن مذكرات الصوفي بشر الحافي (867-841م) . وفي هذه المذكرات  نعرف أن سبب سقوط الإنسان هو فقدان الإيمان. وهو الذي خلق جيلاً من الشياطين مكان بني آدم  فيقول:

"حين فقدنا الرضا

بما يريد القضا

لم تنزل الأمطار

لم تورق الأشجار

لم تلمع الأثمار ..

...........

حين فقدنا هدأة الجنبِ

على فراش الرضا الرحبِ

نام على الوسائد

شيطان بغض فاسدِ

معانقي ، شريك مضجعي ، كأنما

قرونه على يدي

حين فقدنا جوهر اليقين

تشوهت أجنَّة الحبالى في البطون ..

..........جيل من الشياطين

جيل من الشياطين"

إذن نحن في نظر الراوي الشاعر -  افتقدنا  رضانا بقضاء الله، فتشوهت حياتنا ، وأصبحنا بعد أن أخذ الشعر ينمو في مغاور العيون ، جيلاً من الشياطين ... ويمضي الشاعر  قائلاً على لسان بشر :

 

تعالى الله هذا الكون موبوء ولا برء

ولو ينصفنا الرحمن عجّل نحونا بالموت  ...(33)

 

قرأ صلاح قصة بشر الحافي بعد أن مال إلى التصوف ، فبِشر كما يذكر الشاعر :  "مشى يومًا في السوق ، فأفزعه الناس ، فخلع نعليه ، ووضعهما تحت إبطيه ، وانطلق يجري في الرمضاء ، فلم يدركه أحد ، وكان ذلك سنة سبع وعشرين ومائتين "(34).

  وقد ذكر الشاعر في مقابلة معه أنه اطلع على القصة في كتاب  طبقات الأولياء للشعراني (1492-1565)، فرأى فيها قصته هو نفسه  "عندما يتصور أن الحياة أصعب من التصور"(35)    فالكون لا يصلحه شيء. 

تعالى الله هذا الكون لا يصلحه شيء

فأين الموت أين الموت أين الموت؟- (36)

يسأل بشر شيخه بسام الدين عن نهاية ما هم فيه من معاناة ،  فيجيبه الأخير.....

يا بشر أصبر

دنيانا أجمل مما تذكر

ها أنت ترى الدنيا في قمة وجدك

لا تبصر إلا الأنقاض السوداء

ثم ما يلبث أن يسأل شيخه :

أين الإنسان؟ أين الإنسان؟ (37)

 

فيجيبه بسام الدين:

سيهل على الدنيا ركبه.

 

وقد توقف الباحث إبراهيم منصور على دراسة مستفيضة  لهذه القصيدة " مذكرات الصوفي بشر الحافي  ، وذكر أنها " مقسمة إلى خمسة مقاطع ، نسمع صوت بشر وحده في المقاطع الأربعة الأولى ، وفي المقطع الخامس نسمع صوتين : هما صوت بشر ، وصوت شيخه بسام الدين . في المقطع الأول يشكو بشر من الجدب والإمحال ، وهو جدب روحي بالطبع برغم أنه يعبر عنه بما يعني أنه جدب في الطبيعة :

لم تنزل الأمطار

لم تورق الأشجار

لم تلمع الأثمار

وهو يرى أن هذا الجدب نتيجة للجدب الروحي ....،(38) وفي المقطعين  الثاني والثالث دعوة للصمت ...وينتهي المقطع الرابع أيضًا بتأكيد طلب الموت يأسًا .....

وهذه القصيدة تبدو وكأنها مقدمة لظهور الحلاج ومذهب الخير المطلق، فالصوفية في هذه الشخصية  تصلح لتفسيرات الوثبات الوجدانية.(39)

إن البطل في مأساة الحلاج  يتحمل أعباء المسؤولية حتى في ساعة الخطر المحدق ، يقول مخاطبًا الشبلي :  :

لا ، إني أشرح لك

لم يختار الرحمن شخوصاً من خلقه
ليفرق فيهم أقباسا من نوره
هذا .. ليكونوا ميزان الكون المعتل
ويفيضوا نور الله على فقراء القلب
(40)

وكما لا ينقص نور الله إذا فاض على أهل النعمة

لا ينقص نور الموهوبين إذا ما فاض  على الفقراء  (41)

 

وفي مكان آخر :

 

الحلاج :  هبنا جانبنا الدنيا

ما نصنع عندئذ بالشر ؟!

الشبلي : الشر

ماذا تعني بالشر ؟

الحلاج :   فقر الفقراء

         جوع الجوعى............

........

        والمسجونون المصفودون  يسوقهمو شرطي .....

ورجال ونساء قد فقدوا الحريه

........

الشر استولى على ملكوت الله

حدثني كيف أغض العين عن الدنيا ؟ (42)

 

 استقى صلاح مسرحيته من التاريخ(43) ، وأعاد صياغة الأحداث بتشكيل جديد يتفق ومجابهة الشاعر لها  ، فكان الحلاج هو القناع أو  البديل الموضوعي للشاعر في معاناته .ولعله تعبير عن أزمة صلاح عبد الصبور ومأساته الخاصة ، أكثر من كونه تعبيرًا عن الحلاج ذي التجليات والشطحات  .  من هنا  أكد عبد الصبور على كون الحلاج - في مسرحيته -  شاعرًا ، وذلك حتى يلازم بين الشعر والموقف ، وكأنه يشير إلى دور الشعر في بناء الإنسان ، وفي عذابه  أو  خلاصه  .. وبما أن  عبد الصبور سلك درب الشعر ، فقد رأى أن يجعل قناعه أو شخصيته التي يعالج حياتها جزءًا من واقعه هو ، وبذا  يكون الحلاج  معبَرًا ومعبِّرًا عن صوته الشعري وموقفه الذاتي الذي يهدده الكبت السياسي المعيش  ، خاصة وأن عبد الصبور في حياته اليومية  سلك دربًا فيه من إظهار  القبول بما تيسر وفيه من المهادنة ، لكن فيه كذلك  الرفض المبطن الأمر الذي أوقعه في حيرة موقفية  .

ولم يكن الباحث ليجرؤ على هذا الحكم التماثلي لو لم يكن هذا التذييل الذي أورده الشاعر  في ختام المسرحية :

" ثم  عاد  ( الحلاج ) إلى بغداد ليعظ ، ويتحدث عن مواجده .. يبث الآراء الإصلاحية ، ويتَّصل ببعض وجوه الدولة .. وهو : المجاهد الروحي العظيم .......وفي مقال ماسينيون إشارة إلى الدور الاجتماعي للحلاج في محاولته إصلاح واقع عصره ......فمما لا شك فيه أن  الحلاج كان مشغولاً بقضايا مجتمعه ، وقد رجَّحتُ أنَّ الدولة لم تقف ضده هذه الوقفة إلا عقاباً على هذا الفكر الاجتماعي "(44).

  استخدم الشاعر  التناص بكثرة فضلا عن الاستشهاد بالمستنسخات والمقتبسات والشذرات العرفانية. فرأينا فيها  الانزياح و الرموز الإحالية والعبارات الموحية الرشيقة.

 

يرى الباحث يوسف زيدان (45)أن الشاعر ألبس الحلاج ثوباً سقراطيًا يعكس مزاجَ صلاح عبد الصبور وصورةَ الشاعر / البطل ، عنده .. فسقراط أقبل على الموت راضياً ، حتى تبقى الآراء الفلسفية التي ما فتئ يعبِّر عنها فى سجنه الأخير -وهو ما عبَّر عنه أفلاطون ، بروعة ، فى محاورة : فيدون ،  فجاءت الصورة الحلاجية تتخذ الموقف نفسه في تصور صلاح عبد الصبور .. فالحلاج عند عبد الصبور ، يقول :

    الحلاج :     مثلي لا يحمل سيفاً .      

 السجين الثاني : هل تخشى حمل السيف ؟

الحلاج :  لا أخشى حمل السيف ولكني أخشى أن أمشي به   

                         فالسيف إذا حملت مقبضه عمياء                                                                   

                         أصبح موتاً أعمى(46)

  من هنا رأينا أن الشاعر عمد إلى أن يقلل من حدة الشطحات الصوفية لدى الحلاج ،  ولم يذكر في مسرحيته إشراقات صوفية متطرفة عُرفت عن الحلاج  ، بل جعل  وكده الصورة الإصلاحية المتواصلة مع واقع الناس  ، فيقول على لسان صوفي يخاطب المجتمعين :

               يا قوم ،

     هذا الشرطي استدرجه كي يكشف عن حاله 

          لكن هل أخذوه من أجل حديث الحب ؟

              لا ، بل من أجل حديث القحط

              أخذوه من أجلكمو أنتم

              من أجل الفقراء المرضى ، جزية جيش القحط(47)

 الفكرة الإصلاحية لدى الحلاج جعلها الشاعر منطلقة من نفسه هو ، وهو يعترف على لسان الحلاج ، ويمكن للمتلقي أن يماثل ، وأن  يقرأ أن الراوي هو البطل :

 لا أملك إلا أن أتحدث                                                           

ولتنقل كلماتي الريح السواحة

ولأثبتها في الأوراق شهادة إنسان من أهل الرؤية

فلعل فؤادًا ظمآنًا من أفئدة وجوه الأمة

يستعذب هي الكلمات

فيخوض بها في الطرقات

يرعاها إن ولي الأمر

ويوفق بين القدرة والفكرة

ويزاوج بين الحكمة والفعل (48)

كثرت رموز صوفية في تضاعيف هذه المسرحية توافقًا مع الشخصية التي درسها الشاعر ، ورأى أنها  ضحية وبطل معًا ،  ونسوق مثلاً :

 

الحلاج قل لي يا شبلي ، أأنا

أرمد ؟

الشبلي :  لا بل حدّقت إلى الشمس

وطريقتنا أن ننظر للنور الباطن

ولذا فأنا أرخي أجفاني في قلبي

وأحدق فيه فأسعد

وأرى في قلبي أشجارًا

وملائكة ومصلين وأقمارا

وشموسًا خضراء وصفراء وأنهارا (49)

فالشمس والطريقة والنور والباطن والملائكة والصلاة والألوان المختلفة ....هي من مصطلحات الصوفية (50) ، وهي مصطلحات يلبسها بعدًا  فكريًا مألوفًا  .

و  نجد في هذا المثال نفسه ذلك  التعبير عن الموقف بلمحة " أرخي أجفاني في قلبي " ، كما نجد الخيال الذي أضفى على الصورة عالمًا جديدًا متشابكًا من الحيوية والخلق ( فأرى في قلبي أشجارًا ....إلخ ).

فمن الحلاج المسالم المتمزق بين السيف والكلمات - كما يقول سامي خشبة (51)

يحاول صلاح أن يجيب عن الأسئلة المطروحة على أصعدة الفكر الإنساني.

استقصى بعض الباحثين استخدام الشاعر لعبارات حلاجية بعينها  ، فكانت تناصات في نسيج المسرحية ،  فثمة أقوال أخذت من كتاب الحلاج  الطواسين ، وألمع لها الشاعر دون أن يذكرها نصًا   ، كأثر الحج في نفس الحلاج ، أو " تجديفات " هذا الصوفي  ، والحديث عن

" الدورة " التي تكتمل بتقديم الحلاج نفسه ضحية وبذله دمه مختارًا . وهنا نرى أثر التراث المسيحي حول شخصية المسيح . فالشاعر الحديث كان يعيد صياغة كلمات الشاعر ( الحلاج ) في لغة عصرية  دون أن يذكر الأصل كما كان لدى الحلاج -  بكل ما فيه من حرارة العاطفة ورمزية التعبير وروحانية النزعة .(52)

 

أشرت إلى أن اصطلاحات الصوفية تشرق هنا وهناك في مضامين شعره، ويبدو ذلك جليًا في  القصيدة - في بنائها  ، حيث تتولد بمصطلحات صوفية هي في نظر صلاح بالتحديد تأتي :

أ - كوارد، وقد يكون حين يرد إلى الذهن مطلع قصيدة.

ب - كفعل، وهي مرحلة التلوين والتمكين في مصطلحات الصوفية، وهنا يشبّه صلاح السعي وراء العمل الفني بالرحلة (53) ،  بدلاً من تشبيهها بالصنعة.

ج- العودة لكي يبدأ المحاكمة النقدية.(54)

 

وتتبدى ثقافة صلاح الصوفية كذلك في أعماله الأخيرة استمرارًا وتطويرًا،، ففي مقدمته لقصيدة  " البحث عن وردة الصقيع"(55)، يستشهد بـ ( موتو ) أو تعليقة القصيدة  بقول ابن عربي (1075-1148م) ، وكأنه يريد أن يؤكد لنا منهجه هو في كتابة الشعر:

" ولم أزل فيما نظمته في هذا الجزء على الإيماء إلى الواردات الإلهية والتنازلات الروحية والمناسبات العلوية جريًا على طريقتنا المثلى".

 

وفي قصيدة "ذكرى الدرويش عُبادة "  الذي  كان ظلا قلقًا  مجنونًا ، كان واختفى، نجد معالم  الصوفي الحائر:

 

كان كثيرًا ما يحلم

حتى تصبح رؤياه أشباحًا مرتبكه

أو أشكالاً مشتبكه

......

أو أصواتًا متداغمة لا تُفهم

أسأل أحيانًا

هل كان يرى ما لا نبصر

أم يعلم ما لا نعلم

أم كان يحس بأن خيول الزمن العاتي

خلف خطانا تتقدم ؟!(56)

 

وقطعًا فهنا نلمح الفرق بين عبادة وبين الشيخ محيي الدين أول صوفي يبرز في شعر عبد الصبور؛ فالأول كان علامة الحيرة ، بينما الثاني  كان علامة الصفاء. وكان الحلاج رمزًا للتضحية من أجل العدل ، بدأ رحلته بالكلمة ، وأنهاها بالموت .

وبين  ظلال الصفاء والحيرة تظل صوفية عبد الصبور صوفية إيجابية بناءة وملتزمة، صوفية تأتّت بعد معاناة وحزن، أو كما سبق وأن قلنا بعد تأمل. وهذه الصوفية كما تجلت في مسرحية

مأساة الحلاج  قد أضفت بعدًا جديدًا على الصوفية ، أو قل تفسيرًا جديدًا لمواقف  وحالات ومقامات ، فجعل الوجد متحركًا يقاوم الشر ، وجعل البطل يُقبل على صلبه تضحية وبطولة وكأنه المسيح في العقيدة المسيحية ، فلا يتراجع عن كلماته ، وتبدأ حياته بالكلمة وتنتهي بالموت .

 

الحزن عند عبد الصبور

 

برزت أبعاد المأساة عند عبد الصبور بعد أن رأى الهوة السحيقة التي تفصل بين تصوراته، وبين ما هو واقع في حياته، وهو يبني عالمًا جميلاً:

لكن هذا الطارق الشرير فوق بابي الصغير

قد مد من أكتافه الغلاظ جذع نخلة عقيم

وموعدي المصير.

والمصير هوة تروع الظنون(57).

يناضل الشاعر بكلماته لتحويلها إلى واقع، فإذا بها تصطدم في واقع لا شعري، لذلك فقد رأى أن هذا زمان السأم... نفخ الأراجيل سأم...

دبيب فخذ امرأة ما بين إليتي رجل سأم...

لا عمق للألم...

كالزيت فوق صفحة السأم... (58)

يباشرنا الشاعر بقوله (إني حزين) بل يرددها كثيرًا:

مكتمل الخلقة موفور البدن

حكايتي حزينة الختام

لأنني حزين(59)

وقد صاحب الحزن الشاعر، حتى أصبح صديقًا له في رحلته الشعرية، ونسأل صلاحًا عن سر هذا الحزن الطاغي عليه فيجيب:

" الحزن ثمرة التأمل، والحزن غير اليأس ، بل لعله نقيضه. اليأس ساكن فاتر، والحزن متعد ، والحزن أيضًا هو ذلك الضرب من الأنين الذي يغني النفس، إنه وقور عميق إنساني.

والحزن لا يعني الرضاء بان أمنية تموت

وبأن أيامًا تفوت

وبأن مرفقنا وهن

وبان ريحًا من عفن

مس الحياة فأصبحت وجميع ما فيها مقيت.

وقد أكون حزينًا لأنني أفكر في الموت كثيرًا،......أما أن أرد الحزن إلى حاجة لم أقضها أو فقد قريب أو شقاء طفولة فذلك ما لا أستطيعه(60).

عاش الشاعر أنواع الحزن كافة وبلاها وهو ملتو عليها، كالأفعوان، وبلاها حين فاض جدولاً من لهب يملأ منها كأسه، وهو يمضي في حدائق الذكريات، إنه حزن ثقيل معذب يطل حتى في ساعات الفرحة المؤقتة.

لكن حين ضحكنا أمس مساء

رنت في ذل الضحكات نبرات بكاء

حزني ثقيل فادح هذا المساء

كأنه عذاب مصفدين في السعير

 

حزني غريب الأبوين

لأنه يكون ابن لحظة مفاجئة

أراه فجأة إذ يمتد وسط ضحكتي

كأنه استيقظ من تحت الركام  (61)

بعد سبات في الدهور

الحزن الغريب (62) ليس انفعالاً مؤقتًا تدريجيًا كرد أو استجابة لدافع معين، وإنما هو فلسفي، وهو القالب- "القالب الانفعالي الذي تنصّب فيه رؤية الشاعر لأبعاد واقعه الداخلي والخارجي"(63) .

إنه ابن التزاوج الحيوي بين هموم الشاعر الذاتية وبين صمت الواقع.

الحزن مكنون " قد يختفي ولا يبين"(64) لا يدري الشاعر سببه، لعله تذكار أو لعله الأسى.

والحزن أعمى- "يولد في المساء لأنه حزن ضرير"65)

وهو " حزن صموت.. حزن تمدد في المدينة.. كاللص في جوف السكينة... كالأفعوان بلا فحيح"(66) ، فحزنه حزن ذوي المصائر الكبرى عندما يعانون مصيرهم،  وتتحول بهم المصاعب إلى التشاؤم والاسوداد، ورغم أن صديق الشاعر يخاطبه متفائلاً:

سنعيش رغم الحزن نقهره ونصنع في الصباح

أفراحنا البيضاء أفراح الذين لهم صباح (67)

إلا أن صلاحًا يؤكد أن الحزن يفترش الطريق، هذا الحزن يكتسب صبغة فلسفية في دواوينه الأخيرة

حزني لا تطرده الصلاة

قافلة موسوقة بالموت في الغرار

والأشباح في الحرار والندم

.........

حزني لا يفنى ولا يستحدث(68) بعبارة أخرى هو جوهر، وإذا كنا قد أطلنا البحث عن سر حزن الشاعر فلقد أورد لنا هو سر حزنه كما يراه:

كنت أحس سادتي الفرسان... أنكمو أكفان

وكان هذا سر حزني (69)

وفي هذا الربط بين الحزن والموت كانت نقمة الكآبة تطبع شعر عبد الصبور الإنساني، ومن هنا يكتسب عبد الصبور شاعرية ذات طابع إنساني، وفي تشاؤمه تفاؤل ناعم، فيها مواكبة لإيليوت وستويل وإلوار كما يرى محيي الدين محمد .(70)

 

عبد الصبور بين التراث والمعاصرة

 

لا شك أن استعادة الشخصيات الصوفية وإلباسها لبوسًا جديدًا من المسؤولية- بحيث تشيع في جنباتها الحب العميق والحزن المكثف-  كانت من أهم بوادر تأثره بالتراث، فالقصص الديني كان عنده موضوعًا مكملاً يستخرج منها الحركات motifs.

وقد وجد كذلك في ألف ليلة وليلة شخصية (عجيب بن الخصيب) رمزًا للبحث عن الحقيقة، فانطلق في خيالاته ليقترب من الحقيقة التي ينشدها:

مدوا حول الكرة الأرضية نسج الشبكة

كي يسقط فيها ملككم المتدلي (71).

ومن الكتاب المقدس ينهج صلاح منهج الإصحاح الرابع من (نشيد الأنشاد)، فأخذ ينشد:

وجه حبيبي خيمة من نور

شعر حبيبي حقل حنطة

خدا حبيبي فلقتا رمان

جيد حبيبي مقلع من الرخام

نهدا حبيبي طائرن توءمان أزغبان

حضن حبيبي واحة من الكروم والعطور(72)

فالبيت الثالث من هذا المقطع ورد بنصه من التوراة .(73)

واقتبس صلاح من الشاعر القديم ليثري صوره الشعرية، بل إنه ليجعل البيت القديم جزءًا من المعنى الحديث، فعندما أراد أبو عمر القاضي أن  (يعجّز) قاضيًا آخر بمسألة لغوية عجز الأخير بعد أن كان:

تلبد وتحمحم.. كحصان ابن زبيبة عنتر

فازور من وقع القنا بلبانه

وشكا إلي بعبرة وتحمحم

إني أروي آلاف الآلاف من الأبيات(74)

فقد أورد بيت عنترة العبسي)75) مستلهمًا صورة موحية. وإذا كان أبو نواس قال:

              ليس على الله بمستنكر

                                         أن يجمع العالم في واحد(76)

فقد استخدمه صلاح بمعنى جديد فهو يخاطب سادته الأماجد:

أنتم هدية السماء للتراب الآدمي،

نحن حفنة الأموات

وشارة على اقتدار الله أن يخلق أمثالاً

من الفنانين، ليس على الله بمستنكر

أن يجمع العالم في عشرين(77)

وصلاح القارئ المثقف لم يقتصر في قراءته على أدبه العربي فقط، بل استفاد كثيرًا من الشعر الإنجليزي وأعلامه. وقد اهتدى موريه(78) إلى مقاطع عنده كان قد استفادها الشاعر من إيليوت وشكسبير، نذكر منها على سبيل المثال:

 

إنني خاو ومملوء بقش وغبار

أنا لا املك ما يملأ كفي طعامًا.

فقد نظر فيها إلى قول إيليوت في قصيدته  (The Waste Land)  :

 

We are the hollow men

We are the stuffed men

Leaning together

Head piece filled with straw, alas!

 

ويقول:

جارتي، لست أميرا

لا ولست المضحك الممراح في قصر الأمير

 

نظر إلى قصيدة إيليوت

The love song of  j.Alfred prufrock

 

No! I am not prince Hamlet,

Nor was meant to be,

At times, indeed, almost ridiculous

Almost, at times, the fool.

 

لكن استفادة الشاعر الحقيقية لم تقتصر على جمل من هنا وهناك، وإنما في الفنون الأدبية كالمسرح الشعري وفي البناء الجديد للقصيدة، وهي بالطبع استمرار لتأثر الشاعر بالثقافة الغربية عامة والشعر الإنجليزي خاصة.

 

التشكيل في الشعر

 

اعني إن القصيدة لديه متلاحمة الأجزاء ومنظمة، وليست مجرد خواطر وصور مبعثرة كما كانت، ولها ذروة شعرية تقود إليها كل أبيات القصيدة، وتسهم في تجليتها وتنويرها، ويرى صلاح " أن هناك تشكيلاً دوريًا ترد فيه ذروة النهاية على فاتحة البدء، وتندمج فيها قصيدة دائرية، كما أن هناك قصائد تتوزع فيها الذرى الصغيرة التي تدور حولها ألوان من التداعيات،  كما أن هناك قصيدة التنويعات على الموضوع الرئيسي.(79)

ففي قصيدة تنويعات يظل الهيكل العام للأقسام الثلاثة بنفس المشاعر متكاملاً في وحدة شعورية تنكشف أبعادها بعدًا بعدًا أنها غير مغلقة، ونحس بارتباط نغمي بين السطر والآخر:

كان مغنينا الأعمى لا يدري

أن الإنسان هو الموت

يدري أن الإنسان هو الموت

والعاهرة اللامعة الفكين الذهبيين

لم يك ساقينا مصبوغ الفودين

لم تك تدري أن الإنسان هو الموت

لكني كنت بسالف أيامي (80)

 

فجملة (الإنسان هو الموت) التي قالها الشاعر ييتس تكتسب عند عبد الصبور تصورات جديدة وآفاقًا أرحب .(81)

 

البالاد Ballads (82)

البالاد أغنية ذات عاطفة فياضة، يشترط فيها أن تردد حكاية، هي أغنية تقص قصة، صورتها شعر بسيط يصلح للحن بسيط، وهي مع أنها ضمن الأسلوب البسيط فقد يحمل بعضها تعقيدًا في الفكرة والعبارة.

وأول من اعتبر أن عبد الصبور كتب البالاد كان أستاذ الأدب الإنجليزي لويس عوض(83) - الذي ذهب إلى أن  قصيدة "شنق زهران" بأصولها الشعبية ،كاصطناع السذاجة، وتكرار القرار، وتكرار الصور ، آنا بالمطابقة،  وآنا بالتناقض،  واعتمادها على مأساة بطل ، كل هذا يؤدي بها إلى محاكاة هذا الفن الأدبي المعروف Ballads

كان زهران غلاما

أمه سمراء والأب مولد

وبعينيه وسامة

وعلى الصدغ حمامة

وعلى الزند أبو زيد سلامة

وتحت الوشم نبش كالكتابة

اسم قرية

دنشواي..............

" إنكم إزاء شاعر ماكر يعرف أصول فنه ، فأول مقتضيات الشعر القصصي الذي يسرد أيام الأبطال الشعبيين ومآسيهم أن يصطنع هذه السلامة وهذه السذاجة ، وهذه الحركة السريعة لتتمشى صورته مع مضمونه ". (84)

أما الحكاية الشعرية قد طغت على شعر عبد الصبور ، يسردها صلاح مصحوبة بالوصف الدقيق لكل جزئيات الحدث...(85)

 

 

الأسطورة لدى عبد الصبور

 

حدثنا صلاح في كتابه حياتي في الشعر أن الأسطورة تعبير عن الذات الإنسانية في وحدتها وجوهرها... هي لا معقولة، بيد أنها ليست منافية للعقل. والدافع إلى استعمال الأسطورة في الشعر ليس مجرد معرفتها، "ولكنه محاولة إعطاء القصيدة عمقها أكثر من عمقها الظاهر، ونقل التجربة من مستواها الشخصي الذاتي إلى مستوى إنساني جوهري، أو هو حفر القصيدة في التاريخ،  فمن حقنا أن لا نستعمل الأسطورة فحسب، بل كل المادة التاريخية المتاحة لنا من أساطير وقصص ديني وشعبي وأحداث حقيقية مؤثرة في حياة الإنسان"(86).

فعندما يتحدث صلاح عن السندباد لا يقصر حكايته الشعرية على رحلات السندباد القديمة، ولا يهتم بالظواهر الساذجة، وإنما يعرض علينا تجربته الخاصة ليكسب هذه التجربة بعدها الموضوعي، هو يبحث خلال هذه الأسطورة عن المجهول، فاللفظ عنده رمز، فحتى تصبح القضية شمولية على الشاعر أن يتبيّنها قائمة على التناظر بين حالة وحالة أدبية أخرى.

صلاح يفهم الأسطورة فهمًا خاصًا، ويستعملها بطريقته، فإذا كان يباشرنا بالقول: "إني حزين" فهو لا يباشرنا أبدًا بنثر الأسماء -سيزيف وعوليس... الخ كيفما اتفق، وإنما يرمز لقصصهم حتى يولد فينا إحساسًا انفعاليًا فنيًا(87) ، وحتى يبتعد عن المباشرة والتقرير والهتاف(88).

وعندما يقول:

الشعر زلتي التي من أجلها هدمت ما بنيت

من أجلها صلبت (89)

كان ينظر إلى المسيح.

وعندما قال " أخرج كاليتيم" (90)

كان يرمز إلى محمد.

 

وعندما خاطب القاهرة:

وأن أذوب آخر الزمان فيك

وأن يضم النيل والجزائر التي تشقه

والزيت والأوشاب والحجر

عظامي المفتتة...(91)

حين يلم شملها المنحوت من جميز مصر

كان يرمز قطعًا إلى أسطورة إيزيس(92).

 

لقد أضافت الأسطورة عمقًا وبعدًا، فأثارت تداعيات في ذهن القارئ، وجعلته ينظر إلى التراث الإنساني كوحدة متكاملة جعلته يتنقل في العصور والمعتقدات والحضارات، وأكسبت هذه الإضافات الشعر موسيقى الفكرة.

وبالإضافة إلى التداعيات التي تثيرها هذه الرموز فإنها تصوغ الشخصيات بصورة حية، وتجعل الشاعر أن يكون مراقبًا أقل تأثرًا في العاطفة وقادرًا على أن يكبح جماح مشاعره المتوثبة .(93)

 

الصورة الشعرية

 

الصور عند عبد الصبور غنية بالحيوية ومتحركة، تجمعها وحدة عضوية وهي تستجلي الحياة من خلال موقف نفسي عند الشاعر.

الصورة تحافظ على تداعياتها ، وليس للجمال أو للقبح اعتبار:

أرتد إلى هذه الفكرة كل مساء

مثل صدى يرتد إلى الصوت

مثل النهر إلى البحر

تتشكل أحيانًا في أقنعة

متشابهة متغيرة كالأيام

أو كالموت

تتجول في جسمي مثل دمي(94).

الصور مكثفة، والتنغيم متنوع يتحد في النهاية بوحدة عضوية، وكل صورة بحد ذاتها تمسك برقاب الصورة الأخرى، تحمل شحنة انفعالية جديدة، تتعدد المظاهر لكنها في موقف فني واحد:

الليل والأسلاك والحرس المدجج بالحديد

والظلمة البلهاء والجرحى ورائحة الصديد

ومزاح مخمورين من جند التتار(95).

وللقصص التاريخية والأساطير معان تثري الصورة الشعبية وتكسبها أبعادًا  جديدة:

خطابك الرقيق كالقميص بين مقلتي

يعقوب

أنفاس عيسى تصنع الحياة في التراب

الساق للكسيح (96)

 

وصلاح يشكل الصورة الشعرية تتبعًا للسياق النفسي ، فعندما يشعر بالوحدة والفراغ، يجد نفسه قائلاً:

أتخيل هذا الردف يفارق موضعه ويسير

على شقيه

حتى يتعلق في هذا الظهر

أو هذا النهد يطير ليعلو هذا الخصر

(وأعيد بناء الكون)(97).

 

ونرى مثل هذه التركيبات في تصور الإنسان في مذكرات الصوفي بشر الحافي:

زور الإنسان الكركي في فك الإنسان

الثعلب

نزل السوق الإنسان الكلب

كي يفقأ عين الإنسان الثعلب

ويدوس دماغ الإنسان الأفعى

واهتز السوق بخطوات الإنسان الفهد

قد جاء ليبقر بطن الإنسان الكلب

ويمص نخاع الإنسان الثعلب (98)

فبرغم تعدد مظاهر الوجود نفسه فإن الشاعر في موقفه الفني الموحد يتخذها جميعا دلائل على نبض الحياة وتدفقها(99).

 

المسرح الشعري

 

يرى عبد الصبور أن المسرح ليس مجرد قطعة من الحياة، بل هو قطعة مكثفة منها، ولذلك فإن الشاعرية هي الأسلوب الوحيد للعطاء المسرحي الجيد (100).

ومسرحيات الشاعر بدءًا من مأساة الحلاج وانتهاء بـ" ليلى والمجنون "حافلة بالصور الشعرية والمواقف النفسية والفكرية، كتبت جميعها في إطار الشعر الجديد، وأدخل فيها العنصر الدرامي، وربما كان ذلك حوارًا نفسيًا على شكل (مونولوج) نستشف من ورائه النفس الإنسانية، وبالتالي شيئًا من حقائق الكون، وفي هذه المسرحيات تلوين حتى لا يصاب القارئ أو المشاهد بالملل، إنها من حيث الشكول (مونولوجات) داخلية، ومن حيث الجوهر رؤى حديثة للعالم، أبحرها راقصة ، وطبيعتها البساطة.

" فتحول عبد الصبور إلى المسرح كان نتيجة لتكوينات عبد الصبور النفسية، والتأثيرات الخارجية السياسية والاجتماعية، فقد أثرت عله الهزائم ، وبشكل خاص الموت والجفاف، فقد أراد أن ينتقل إلى الشكل الموضوعي للفن، كما نادى به إيليوت - الذي كان يرى أن الشاعر تموت عواطفه الأولى بعد سن الخامسة والعشرين، ويتحول إلى القوالب الموضوعية كالمسرح: أي قالب العواطف المتعددة التي يشكل العقل عاملا هاما في تشكيلها(101).

استخدم الشاعر أساليب المسرح الغربي، فـ (مسافر ليل) كتبت بتأثير (أوجين اونسكو) على رأي المؤلف(102).

وفي ليلى والمجنون يستعين الشاعر بإيليوت، ويستشهد به:

النسوة يتحدثن يرحن ويجئن

يذكرن مايكل أنجلو

حسان- ما معناه

سعيد- معناه أن العاهرة العصرية

تحشو نصف الرأس الأعلى بالحذلقة

البراقة

كي تعلي قيمة نصف الجسم الأسفل(103)

وفي ليلى والمجنون و مسافر ليل يستخدم (الفلاش باك).

ففي الأولى نرى سعيدًا يعود إلى طفولته الشقية، وهذا مشهد سينمائي، لكن الانتقال السريع كان في المسرحية الثانية ، إذ أن عامل التذاكر هو شخصية متعددة الجوانب يتنازعها الخير والشر، ومن خلال تشابك الشخصيات والصراع في كل شخصية على حدة تكمن القدرة الفنية في مسرح عبد الصبور.

فلنقف عند نواح من التجديد في كل مسرحية من مسرحياته، محاولين أن نعطي فكرة موجزة عن الموضوع الذي تطرحه.

 

مأساة الحلاج

 

ألقت هذه المسرحية كما بينا أعلاه في حديثنا عن الصوفية في شعر عبد الصبور - قضية دور الفنان في المجتمع، وكذلك دور الفكر المسؤول الذي يحمل أعباء المسؤولية في ساعات الخطر:

الشر استولى على ملكوت الله

حدثني كيف أغض العين عن الدنيا (104)

أخذ صلاح مسرحيته من التاريخ، وأعاد صياغة الأحداث بتشكيل جديد يتفق ومواجهة الشاعر، أي أن الحلاج هو البديل الموضوعي للشاعر في معاناته.

المسرحية عامرة بالصور الشعرية التي تحدثنا عنها:

الحلاج- قل لي يا شبلي، أأنا

أرمد

الشبلي: لا بل حدقت إلى الشمس

وطريقنا أن ننظر للنور الباطن

ولذا فأنا أرخي أجفاني في قلبي

وأحدق فيه فأسعد

وأرى في قلبي أشجارًا

وملائكة ومصلين وأقمار

وشموسًا خضراء وصفراء

وانهارا(105)

 فهنا لاحظنا وفرة الرموز : أرمد، الشمس طريق، النور، الباطن، الملائكة...، وفيها التعبير عن الموقف بلمحة " أرخي أجفاني في قلبي" ، وفيها الخيال الذي أضفى على الصورة عالمًا جديدًا متشابكًا من الحيوية والخلق " فأرى في قلبي أشجارًا...الخ  (106)

أما من حيث الشكل الفني فقد كانت المقدمة استمرار للخاتمة، والمشهد الأول يبرز فيه شيخ عجوز معلق على جذع شجرة أمامها ثلاثة من المتسكعين، وليس هذا الشيخ إلا الحلاج نفسه الذي سنراه في المشاهد التالية متطورًا في درامية غنية حتى يصل إلى القمة في المحاكمة التي تعتبر من أجمل فصول المسرحية.

 

مسافر ليل

 

تدور الأحداث في عربة قطار، والأبطال ثلاثة: الراوية (وهو يمثل دور الجوقة في المسرحية اليونانية) ، والمسافر ليلاً (وهو الضحية) ، وعامل التذاكر (وهو القاتل).

عامل التذاكر شخصية مختلفة الأبعاد، بل متعددة الشخصيات، فهو آنا يظهر بشكل الإسكندر، وما يلبث أن يتحدث بصفته (زهوان)- عامل التذاكر، وإذا به ينقلب إلى (سلطان) عامل تذاكر أقل درجة، ومرة هو (عشري السترة). يتهم المسافر بأنه قتل الله ومع أنه على يقين ببراءة المسافر إلا انه يقتله:

سأقول لهم في صحف الغد إني نفسي

قد أمسكت الجاني وقتلته

إنك رجل طيب

مخلوق من أنبل طينة

أهل التضحية الكبرى(107)

أما الراوي فقد تمثل بما يكسب الأداء حدة  ، وعرض النتائج العاطفية لذلك الأداء، حتى لنراه مرتين، وذلك برؤيته أولاً، وبرؤية أثره في الآخرين، هو الكورس عند إيليوت يعبر عن عجزه المقهور عن فهم ما يجري كما في " جريمة قتل في الكاتدرائية" ، وليس لنا نحن المساكين السعي والحركة، بل الانتظار فحسب (108) الأمر الذي رأيناه عند الراوي العاجز، فقد أعان القاتل مرغمًا:

ماذا أفعل ماذا أفعل

في يده خنجر

وأنا مثلكمو أعزل

لا أملك إلا تعليقاتي

المسرحية تنتهي بتراجيديا، لكن عبد الصبور يسميها (كوميديا سوداء)، ويقول إنه تأثر فيها  بالأدب اللامعقول، وخاصة مسرح (يوجين أونسكو). أما اللغة فقد استعمل فيها  ألفاظًا وصيغًا جديدة على الشعر مثل: (عواميد السكة)، (حديد الأرضية) وغير ذلك.(109)

 

الأميرة تنتظر

 

الأميرة تنتظر حبيبها، يأتي (قرندل) شخص مشبوه تتوجس الأميرة من هيئته أمرًا، يقول أنه جاء ليتمم أغنية. الأميرة والوصيفات يمثلن قصة تبدو أنها قصة تبدو أنها قصة واقعية، فالأمير المنتظر هو قاتل الملك، والأميرة في حيرة من أمرها، أتَخلصُ لحبيبها القاتل أم لذكرى أبيها؟

 

أنت حبيبي وعمادي        وقتلت أبي وعمادي(110)

 

وفي التمثيل تأخذ الأميرة في البكاء، وسرعان ما تنتزع النساء أقنعتهن التمثيلية، ويبكين في إيقاع موحد، وفي أثناء ذلك يدخل (السمندل) الحبيب المنتظر، ويتبين لنا أن (السمندل) تآمر على أبيها حقًا.  وبعد حوار بين القرندل والسمندل يستل الأول سكينًا ، ويدفعها في صدر الثاني، ويقول : " تمت أغنيتي".(111)

أدخل صلاح في هذه المسرحية النكتة، حتى أنه جعلها جزءًا منن وصف الحياة اليومية:

رجل قال لزوجته:

البدر يفوقك حسنا

قالت زوجته

اذهب حل سراويل البدر

بدلا من حل سراويلي

(يضحكن)

الوصيفة الثانية:

لا بأس بها لكني أعرف أخرى مضحكة جدًا

رجل قال لصاحبه

آمراتي أشهى من كل نساء البلدة

فأجاب الصاحب

هذا حق

آمراتك أشهى من كل نساء البلدة (112)

 

ليلى والمجنون:

 

لعل هذه المسرحية سياسية - تتحدث عن تقييد الحرية الصحافة والفكر في مصر، حيث لا يجد الأحرار سبيلاً للهرب من واقعهم إلا تمثيل مسرحية مجنون ليلى، وإذا صح افتراضنا فما ليلى سوى مصر التي يكيد لها حسنين، وذلك بالرغم من أنها تندفع في هواه ،  بينما هي  تغدر بسعيد (المحبوس لوطنيته).

 يبرز في هذه المسرحية:

أ- مزج النثر في الشعر،  فبعد سرد خاضع للتفاعيل الشعرية عن منع الحب ، فإننا نجد هذه الكلمات التعليقية :

(لمحت عينا شرطي شابًا وفتاة في

إحدى المنحنيات الخافتة الضوء فترصد

لهما حتى امتدت كف الشاب تداعب كف

صديقته فانقض كما انقض الصقر

وساقهما للمخفر)

وقد لاحظت أن هذه السطور النثرية خاضعة من حيث الوزن للبحر المتدارك.

ب- وهذا يقودنا إلى اللغة الشعبية أعني لغة الحديث.

سعيد:

إنك ولد عاقل هل تذكر؟ هذا الرجل

الطيب ذو الحلباب الأسود يأتينا

في بعض الأحيان بين ذراعيه

خبزًا وإداما(113)

ج- استخدام الأغنية الشعبية، وقد كرر الموال أدناه مرتين :

والله إن أسعدني زماني لأسكنك يا مصر

وأبني لي فيكي جنينة فوق الجنينة قصر

وأجيب منادي ينادي كل يوم العصر

دي مصر جنة هنية للي يسكنها

واللي بنى مصر كان في الأصل حلواني(114)

وقد سبق أن تحدثنا عن (الفلاش باك) الذي نجده في هذه المسرحية(115).

 

الشكل والمبنى:

 

القاموس الشعري

   في شعر عبد الصبور جرس موسيقي ونغمة إيقاعية، وفيه جسارة على اقتحام قدسية اللفظة،   بل إلباس الكلمة العامية ثوبًا شعريًا، وقد كانت هذه الجرأة بفضل إيليوت كما يعترف صلاح (116) ، نحو :

مر زهران بظهر السوق يومًا

واشترى شالاً منمنم

ومشى يختال عجبًا مثل تركي معمم (117)

وبعد أن نشر صلاح قصيدته "الحزن" لاقى تهكمًا لاذعًا (118) على قوله:

فشربت شايًا في الطريق

ورتقت نعلي

ولعبت النرد الموزع بين كفي والصديق (119)

ودافع صلاح عن نفسه بقوله-  إن اللغة الفقيرة تعني فكرًا فقيرًا، وإن التخلف قد انعكس على الفكر، فضيق أفقه، وأقنع الشعراء بلون من الكسل الذوقي والفكري... فلم يكن بهم حاجة إلى كثير من الرموز اللغوية ليعبروا بها عن قليل أفكارهم، فهناك لفظ أكثر صدقًا من غيره، وهو الجدير بالاستعمال والكلمة من أفواه العامة إذ دخلت السياق الشعري وكانت قادرة على التعبير وجلاء الصور فقد نجحت في تأدية أغراضها. (120)

وكان الشاعر العراقي كاظم جواد قد أنكر على صلاح قوله:

فشربت شايًا في الطريق

وقد رد صلاح عليه:

"فشربت... ألم تشرب قط... ألم تستعمل العرب المضرية والقحطانية هذا اللفظ؟  " شايًا" ، ما الفرق بين الشاي والخمر والماء والمرق؟ أليست كلها مما يشرب. لقد قاس إيليوت حياته بملاعق القهوة.

I have measured my life

With coffee spoons

....حمدًا لله أنني لم استعمل كلمة ملعقة أو فنجان، وإلا كانت كارثة وعم التصايح، لقد اقترح علي الدكتور عبد القادر القط أن أغير البيت إلى:

وحسوت كوبًا من رحيق ساخن ..."(121)

وصلاح لا تهمه اللفظة بفصاحتها وجزالتها بقدر ما تحمل من شحنات.

وكثافة اللفظة تستمد معانيها وإيحاءاتها من موقعها، وهو يرفض أن تكون لغة الشعر لغة خاصة ، وأن تكون معيار الشاعرية ألفاظ المعاجم.

إن التناول الأول هو الأهم، كيف يتناول الشاعر  اللفظة، فتحيا وتكتسي مدلولاً جديدًا:

الشوارع مسفلتة (122)

هل تختفين في غابة الكؤوس والحشيش والأفيون (123)

كان يا مكان (124)

 شفتك  (125)

قال في نفسه (126) وكثير غيرها،

إلا أنه مع ذلك يبقى محافظًا على لغة ناصعة في رصيد لغوي واسع وكلمات موسيقية إيحائية، وبعضها ما يقع دائرة (الاونوموتبيا):

تقفقفني الألفاظ (127)

قضقضت ضلوع صدري

 

التكرار

 

يعمد صلاح كسائر الشعراء الجدد إلى التكرار، وذلك لإثراء التجربة،  ولكي يقف طويلاً عندها يركز الأضواء على إحساساته وخلجاته، فيضفي عليه التكرار بعدًا وعمقًا، وبالتالي وحدة فكرية وعاطفية. فمن أنواع التكرار:

 

أ- تكرار اللفظة ، نحو (يا) النداء.

يا ربنا العظيم يا معذبي

يا ناسج الأحلام في العيون.. يا زارع

اليقين والظنون

يا مرسل الآلام والأفراح والشجون (128)

وتكثر هذه النداءات ليدل بها على عمق مناجاته النفسية واضطرابه أو استسلامه، وتتكرر الكلمات لتضفي نوعًا من الموسيقى الداخلية والتزيين :

فليبعث حلقك بالألفاظ فان الألفاظ هواء

من يمسكه أو يمسكها تلك الألفاظ الجوفاء

لكن هذي الألفاظ تهب هبوب الريح على وجهي

آنا تدنيني الألفاظ الحرى

وتقفقفني الألفاظ الباردة الرعناء (129)

ب- تكرار البدايات anaphore  ، ويفيد التأكيد:

لقاك يا مدينتي حجي ومبكايا

لقاك يا مدينتي أسايا

لقاك يا مدينتي يخلع قلبي ضاغطًا ثقيلا

لقاك يا مدينتي ينفضني

لقاك يا مدينتي دموع (130)

 

ج- تكرار الجملة ويقصد به كذلك التأكيد والموسيقى:

أم أنت حق،  نسيتني  ،كونكم مشؤوم... (131) وغيرها.

وتكرر نفس الجملة بتوزيع موسيقى، وهذا التكرار يتأتى للشاعر لأنه يتصرف بحرية في عدد التفاعيل:

لا شيء يعنيك.. لا شيء يعنيك

لا شيء يعنيك.. لا شيء يعنيك

لا شيء يعنيك   لا شيء

لا شيء يعنيك

لا شيء

لا (132)

د- تكرار القافية، وهي عدا عن الموسيقية ، فإنها تطمح إلى إشاعة الجو الشعري:

والخيل تنظر في انكسار

الأنف يهمل في انكسار

العين تدفع في انكسار (133)

ونحن هنا بالطبع لا نتحدث عن تكرار الفكرة، فقد كنا ألمعنا إليه عندما تحدثنا عن الشكل في الشعر (134)، وإنما اقتصرنا على التكرار من حيث الشكل (135).

 

البناء اللغوي

 

بالإضافة إلى أنواع التكرار التي ذكرناها عند الشاعر هناك تكرار الواو العاطفية:

الراية السوداء والجرحى وقافلة موات

والطبلة السوداء والخطو الذليل بلا التفات (136).

وهذا التكرار يجنح إلى إعطاء صورة شاملة لحالته النفسية التي يود أن يتحدث عنها، والصورة الشعرية هنا أجزاؤها متلاحقة تجعل القارئ محبًا للاستطلاع وكأنه يسأل : وماذا بعد ؟!.

ومن أساليب عبد الصبور استعماله (الجملة المعترضة)، وقد أكثر منها خاصة في ديوان تأملات في زمن جريح:

 

وأنت يا جارة الأحداق كالنجوم

يسيل من أشداقك الكلام ابيضًا ومملحًا

كالزبد المسموم

أنت ألم أدفنك أمس

كانت لكهل أشيب حكيم

ومات إذ ساموه أن يغترف الحكمة

بالمقلوب

إذ أنها تدحرجت من ساقه، لبطنه،

لرأسه كالخوف كالعطن (137)

وهذه الجمل الاعتراضية تجعلنا نتصور قرب الشعر إلى لغة الحديث اليومية:

فنور كل كوكب يخامر النور الذي يبثه رفيقه ولا يذوب فيه

أقولها صدقًا، ولا أزيد فيه (138) هذا (التكنيك) مأخوذ عن إيليوت (كما اعترف بذلك الشاعر(139)).

واستعمل صلاح في ديوانه شجر الليل التضمين بشكل جديد، فلم يجعل نهاية البيت استراحة له لمواصلة المعنى، بل جعل هذه الوقفة في السطر نفسه، وليس في القافية:

يعتريني المزاج الرمادي حين تصير

السماء رمادية حين تذبل

 شمس الأصيل وتهوي على خنجر

الشجر النقط الشفقية تنزف

منها تموت بلا ضجة ويواري

أضالعها العاريات التراب الرميم(140)

 

وقد برزت في شعر عبد الصبور أساليب البلاغة القديمة كالمحسنات اللفظية: ولكنها أطلت بطعم جديد وموسيقى جديدة ، فمن الجناس:

النظر المسحور ويهوي في قاع النوم

المسحور (141)

......

لا أدري هل هذا يشفيني أم يشقيني (142)

ومن الطباق:

يتألف ضحكي وبكائي مثل قرار وجواب (143)

......أما الكلمات الحلوة والممرورة (144)

ومن القافية الداخلية:

لا بد من خوض الصباح إلى الجراح إلى

النواح

 ماذا بوسع النازلين إلى الصبح بلا سلاح (145)

تتكرر عنده الكلمة، بل تتكرر الحروف لتطبع شعره بهذه الموسيقى الناعمة:

دخلنا الستر أطعمنا وأشربنا

وراقصنا وأرقصنا وغنينا وغنينا

وكوشفنا وكاشفنا وعوهدنا وعاهدنا (146)

 

ليس التكرار ضعفًا عنده، وليس قصورًا في لغته ، بل هو يستعمل الكلمة الواحدة في مداليل مختلفة، بالإضافة إلى ما يحمله التكرار من تموجات نغمية.

 

العروض والوزن

 

حتم النظام التقليدي على الشاعر أن يلتزم عددا ثابتًا من التفاعيل يوزعها على شطرين متساويين، وحتم عليه أن يختم كل بيت بقافية تتكرر. أما النظام الإيقاعي والوزن فإنه مبني على ترتيبات معقدة لتوزيع الحروف المتحركة والساكنة أو المقاطع القصيرة والطويلة.

وقد قام الشعر الجديد متممًا ومعدلاً حتى يتخلص من الصرامة والانضباط من الرتوب والإيقاع البارز(147).

تصرف الشاعر بحرية بعدد التفاعيل حسب موجات انفعاله العاطفي، وترك تقسيم البيت غيرَ متقيد بالقافية، بل جعل البيت أحيانًا -  متصلاً بتاليه في جريانه أو تضمينه.

والشكل الجديد يمضي في تشكيله للقالب الموسيقي حسب الدفعة الشعورية، وكل انفعال له مقدار معين من الامتداد ، يختلف من حالة إلى أخرى(148). وقد رأت نازك الملائكة أن شعر التفعيلة  الشعر الحر- حسب تسميتها) تركز على ثمانية بحور من بحور الشعر العربي.(149)

    وصلاح عبد الصبور يؤكد لنا أنه استفاد هذا الشكل الجديد من نازك الملائكة (150) ،فكتب ديوانه الأول الناس في بلادي بعد أن جرب الكتابة وفق النظام القديم، حتى استقر على وحدة التفعيلة ضمن البحر الواحد، ثم ما لبث أن أخذ يمزج بين البحور في القصيدة الواحدة.

ويحتل بحر الرجز مكانًا بارزًا في شعره، ذلك لأن هذا البحر يسمح لكثير من الزحافات والعلل، وفيه إمكانات للتوزيع الموسيقي (151).

وقد عاب صلاحًا الشاعر بدر شاكر السياب (1926-1964م)، وادعى أن الأبيات التي كتبها صلاح في قصيدة "غنية حب"هي مكسورة الوزن (أو سمها ما شئت غير أن تسميها موزونة)(152).

والأبيات هي:

1-  شعر حبيبي حقل حنطة

2-  صنعت من ضلوعي ذلك الصندوق

3-  جئت بشأنك يا مليكة النساء

4-  حدثتهم عن لوعتي يا جرحي المخضل

    يا ذلي وكلهم مجروح

5- ولدت في جرابي بضعة من المحار

6-  الليل يا صديقتي ينفضني

7-  الخمر تهتك الأسرار

8-  ويضحكون ضحكة بلا تخوم

9-  السندباد كالإعصار إن يهدأ يمت

   - 10   وشاطئ البحار ما يزال يقذف، الأصداف والتلال

 

ويختم السياب كلمته بقوله: " أفتونا أيها العارفون بعلم العروض" !

ونظرة إلى هذه الأبيات نجد أن عبد الصبور وقع - باعترافه في أخطاء عروضية، بدليل أنه صحح بعضها في ديوان الناس في بلادي:

السطر الثاني أعلاه  أصبح في الديوان " لقد صنعت"

..... وبهذا ينضبط البيت (153).

السطر الرابع ظهر في الديوان : يا ذلي وكلهم جريح (154)

السطر الخامس ظهر  في الديوان :وعدت في الجراب (155).

السطر السابع ظهر  في الديوان : الخمر تهتك السرار (156).

 

ونجد مثل هذا الكسر في ديوان أحلام الفارس القديم ، وكذلك في تأملات... (157).

 

ولم يكن السياب وحده قد أدانه بل إن الشاعر كاظم جواد (158) قال عنه "إنه اجهل الناس بالعروض"  تعليقًا على قصيدته " يا نجمي الأوحد" ، واتهمته نازك (159) بأنه يفسد أنغامه في مرض الزحاف، وتعده مسؤولاً عن شناعة الإيقاع والنثرية، كقوله:

وحين يقبل المساء يقفر الطريق

 والظلام محنة الغريب.

ففي رأيها أن تفعيلات البيت الست مصابة بالزحاف دون أن يعبأ الشاعر، ولقد أصبح البيت بسبب هذا الزحاف الثقيل المتعب ركيك الإيقاع ضعيف البناء منفرًا للسمع.

وقد رد عليها محمد النويهي (160) قائلاً إن البيت ينسجم انسجامًا رائعًا مع تصويره لزحف الليل على الكون (161)،  والشاعر يصل إلى هذا التصوير الحي بإكثاره من الزحاف الذي تنكره الناقدة، ويرشدنا النويهي على القراءة الأصولية لهذا البيت مع توقيع النبر في مواضعه اللغوية من الكلمات.

ومن التجديدات العروضية التي أكثر منها صلاح استخدامه تفعيلة (فعلن) في المتدارك، لأنها قريبة إلى لهجة الحوار وفيها موسيقية راقصة، بل إنه يجيز ( ب ب أيضًا:

أتحد بجسمي المتفتت في أجزاء اليوم الميت (162).

موسيقى تلتف وتتمهل

أن قد برز له نهدان(163)

 

كما أنه يستعمل البيت في نصف تفعيلة:

يا عجبًا كل مساء موعدي مع المضرج

الشهيد

كأن منديل الشفق

دمه (164)

أما الإضافات في عروض البيت الواحد فقد كانت متنوعة، حتى ليمزج بين البحور المختلفة وجوازاتها، وهو بهذا لا ينفرد وإنما يلجأ إلى ما يلجأ إليه سائر الشعراء المحدثين (165).

 

خاتمة وتقييم:

 

عبد الصبور له شخصيته وهويته الشعرية، فقارئه يستطيع أن يتبين صوته ونفسه، وهو في رأي الكثير من النقاد  إمام مدرسة شعرية جديدة -  حفلت في بلورة اللفظة الشعرية وتنقيتها من كل ما يشوبها من حشو، فاللفظة تقع في مكانها هادئة تتسلسل موسيقا وإيحاء، وتعكس ظلالا ومعاني.

في شعر عبد الصبور تكرار في اللفظة وفي مداورة الفكرة بالكلمات، يحمل شحنات جديدة من الفكر الذي يعمد إليه الشاعر محجوبًا بشفافية الحساسية الشعرية ورقة النزعة الدرامية. إنه يهتم بالتفصيل ليزيد الموضوع تركيزًا وتكثيفًا . ففي شعره  نقف طويلاً على معانيه العميقة، و نتقبل منه الكلمة الدارجة على السنة العامة ، وهي تحمل جدة.

الصور لديه تنتظم، ويجمعها خيط هام هو الصدق الفني ، وما أقل من يعتبرونه ومن يولونه الاهتمام- مع أنه عماد الشعر وروحه.

الصدق الفني مع نفسه أولاً، حتى تتم الأصالة والمشاركة، ومع مجتمعه ثانيًا حتى ينفعل بانفعاله.

إن عبد الصبور في خروجه من القوقعة - أعني الاكتفاء بالتراث العربي - بما فيه من لغة وثقافة يعمد إلى  الثقافة العالمية  ، فينهل منها ، ويزيد من تكثيف شعره برؤى جديدة وإنسانية.

فشاعرنا مثقف ،وهو من الرواد الذين اخذوا يظهرون الشعر العربي بعالميته ، وليس على النطاق المحلي فقط . إنه استفاد وأفاد، استفاد من (تكنيك) الشعر الغربي،  ومن ثقافته فهضمها ، وقدمها شعرًا رائقًا،  ومسرحًا جديدًا .

وحبذا لو تتم لنا دراسة كتبه النقدية حتى نوفي صلاحًا شموليًا، وحتى نتعرف على شاعر فذ من مناحيه كافة.

 

المصادر:

 

1) كتب صلاح عبد الصبور

أ- المجموعات الشعرية

 

1- الناس في بلادي (الطبعة الثانية)، القاهرة، دار المعرفة- 1962.

2- أقول لكم، بيروت- منشورات المكتب التجاري- 1961.

3- أحلام الفارس القديم (الطبعة الثانية) بيروت، دار الأدب- 1969.

4- تأملات في زمن جريح، بيروت- دار العودة- 1969.

5- شجر الليل، دار الوطن العربي للطباعة والنشر- 1972.

 

ب- المسرحيات الشعرية

 

6- مأساة الحلاج، بيروت- دار الأدب- 1969.

7- مسافر ليل، بيروت- دار العودة- 1969.

8- الأميرة تنتظر، بيروت- دار العودة- 1969.

9- ليلى والمجنون، بيروت- دار العودة- 1970.

 

ج- النقد:

 

10- حياتي في الشعر، بيروت، دار العودة- 1969.

11- وتبقى الكلمة (دراسات نقدية)، بيروت، دار الآداب- 1970.

 

2- كتب أخرى

 

12- الكتاب المقدس، نيويورك مطبعة الجمعية الأمريكانية في ساحة إستور- 1861.

13- أبو نواس. ديوان أبي نواس( حققه وضبطه أحمد عبد المجيد الغزالي). بيروت: دار الكتاب العربي ، د.ت.

14- أدونيس. زمن الشعر. بيروت: دار العودة، 1972.

15- إسماعيل،عز الدين. التفسير النفسي للأدب.  القاهرة: دار المعارف، 1963.

16- إسماعيل، عز الدين. الشعر العربي المعاصر. القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، 1967.

17- أنيس ، إبراهيم. موسيقى الشعر (الطبعة الثانية). القاهرة: المكتبة الأنجلو المصرية،1965.

18- الحاني، ناصر. المصطلح في الأدب الغربي. صيدا- بيروت: المكتبة العصرية، 1968.

19- خشبة ،سامي.  شخصيات من أدب المقاومة. بيروت : دار الآداب، 1970.

20- رزق ، أسعد. الشعر في معركة الوجود .بيروت : إصدار مجلة شعر ، د.ت.

21- الزوزني. شرح المعلقاتالسبع . بيروت: دار الجيل، 1972.

22- شكري ، غالي. شعرنا الحديث إلى أين. مصر: دار المعارف، 1968.

23 - عباس ، إحسان. اتجاهات الشعر العربي المعاصر . الكويت : عالم المعرفة ، 1978 .

 24- عوض، لويس. دراسات في أدينا الحديث.القاهرة: دار المعرفة، 1961.

25-   فاضل ، جهاد .  قضايا الشعر الحديث  . بيروت : دار الشروق ، 1984 .

26- الملائكة ، نازك. قضايا الشعر المعاصر . القاهرة : مكتبة النهضة،د.ت.

     منصور ، إبراهيم .  الشعر والتصوف  . القاهرة : دار الأمين ، 1999 .

27- النويهي ،محمد. قضية الشعر الجديد (الطبعة الثانية) .القاهرة :مكتبة- الخانجي ودار الفكر، 1971.

المجلات

1- مجلة  الآداب البيروتية.

2 - مجلة  الأفق الجديد -  ( القدس ) .

4- مجلة الشرق ( القدس ، شفاعمرو ).

5- مجلة الطريق البيروتية.

6 مجلة  המזרח החדש (ירושלים )

 

*   مواقع على الشبكة ذكرت  لدى الاستشهاد بها .

 

الإشارات:

* جدير بالذكر أن هذه المادة عن عبد الصبور نشرت في كتيب مستقل ، هو :

مواسي ، فاروق .  صلاح عبد الصبور شاعرًا مجددًا  ، معهد التطبيق .جامعة حيفا،1979.

 

غير أن المادة عن التصوف في شعر عبد الصبور أعيد صياغتها سنة 2007 لتقديمها في مؤتمر عقد في إربد حول الصوفية في الأدب العربي .

 

1- موريه . "الشعر العربي الحديث ". مجلة الشرق (حزيران/ تموز 1972)، - ص 61.

2- أدونيس . "الشعر العربي ومشكلات التجديد". زمن الشعر- ص- 45.

3- موريه. " الشعر العربي الحديث" . مجلة الشرق (حزيران- تموز 1972)-  ص 60.

4- شكري ، غالي. "غربة الشاعر الحديث" ، شعرنا الحديث إلى أين ص 203.

5- عبد الصبور ، صلاح . "مستقبل الشعر العربي الحديث "مجلة الآداب (يناير 1955)

          ص7.

6- نازك الملائكة. قضايا الشعر المعاصر- ص 14.

7- النويهي ، محمد. "ثورة الشكل وثورة المضمون" . قضية الشعر الجديد- ص 453.

8- مقابلة مجلة الأفق الجديد،- العدد العاشر (اكتوبر 1965) - ص9.

9 أعترف أن هذا الرأي هو انطباعي ، وليس علميًا دقيقًا .

10- النويهي . قضية الشعر الجديد، ص 468 ، وكذلك مقال محمود أمين العالم "الشعر المصري الحديث. مجلة الآداب (يناير 1955) - ص 19.

11- عبد الصبور. حياتي في الشعر - ص 87.

12- عبد الصبور. مأساة الحلاج - ص 35.

13- ن.م، ص 186.

14- عبد الصبور." رحلة في الليل" . الناس في بلادي- ص 46.

15- عبد الصبور.  "تنويعات" . شجر الليل - ص 35.

16- عبد الصبور . "لحن" . الناس في بلادي - ص 90.

17- عبد الصبور. "مساءلات" . شجر الليل - ص 61.

18- عبد الصبور. " الناس في بلادي" ، الناس في بلادي- ص 66.

19- عبد الصبور. "4 أصوات- للمدينة المتأملة" . شجر الليل- ص 68.

20- ن.م، ص 62.

21- عبد الصبور. الناس في بلادي - ص 147.

22- عبد الصبور "انتظار الليل والنهار" . تأملات في زمن جريح- ص 49.

23 - منصور ، إبراهيم :  الشعر والتصوف  ، ص 146 .

24 - عباس ، إحسان : اتجاهات الشعر العربي المعاصر ، ص 208 ، ويجد الناقد مظاهر التصوف في اثنتي عشرة  ناحية ، منها الحزن ، الإحساس بالغربة ، اتحاد الشاعر بالرموز المثقلة بالتضحية ، الظمأ النفسي لمعانقة الواقع .....وتحتاج هذه النقاط التي سردها الناقد  إلى  وقفة أطول ، ودراسة متأنية  - الأمر الذي لم يستوف حقه .

25 -  جدير بالذكر أنني كنت قد كتبت هذه السطور عن الصوفية في شعر عبد الصبور  بصورة مختصرة  ومختلفة حيث نشرتها أولاً في كتاب صلاح عبد الصبور شاعرًا مجددًا  ، شركة الأبحاث العلمية - جامعة حيفا ، حيفا -  1979 . أما إعادة الكتابة كما هي هنا  فقد تأتت في تشرين الثاني 2007 .

26- للشاعر ديوان أطلق عليه " تأملات في زمن جريح " .

27 - لا شك أن المتلقي قد يجد تناصات وإلماعات من الصوفية  لا يفطن لها قارئ آخر ، ولذا فمن العسير أن يحدد الباحث أو يحصر  كل تناص وتناص .

28- عبد الصبور:  ديوان صلاح عبد الصبور  ج 1 ، ص 79-80 .

29  - ن . م ، ص 8. .

30 -  ن . م ، ص 177 .

31-  ن . م

32-  ن . م ، ص 173.

33 -    ديوان صلاح عبد الصبور  ج 1 ، ص 267 .

34 - ن . م ، ص 261 .

35- المناصرة ، عز الدين : " مقابلة مع الشاعر عبد الصبور ، مجلة  الأفق الجديد  ، اكتوبر 1965 ، ص 11 .

36 - ديوان صلاح عبد الصبور  ج 1 ، ص 267 .

37 - ن . م ، ص 268 .

38- منصور ، إبراهيم : الشعر والتصوف ، ص 150.

39- عبد الصبور :  حياتي في الشعر  ، ص 10 .

40- ديوان صلاح عبد الصبور  ج 1 ، ص

41 - ديوان صلاح عبد الصبور  ج 1 ، ص 468 .

42 - عبد الصبور ، صلاح :   "مأساة الحلاج  " - ديوان صلاح عبد الصبور ج1 ، ص 469 471 .
    ومع  ذلك فالشاعرأو الراوي  يشير بإصبع الاتهام على الجمهور- على الناس الذين تلعب بهم السلطة  ، وهو لا يبرئهم :

صَفُّونا .. صفّاً .. صفّاً  /   الأجهرُ صوتاً والأطول   /   وضعوه فى الصَّفِّ الأول /   ذو الصوت الخافت والمتواني /  وضعوه فى الصف الثاني /  أعطوا كُلاً منا ديناراً من ذهب قاني /  برَّاقا لم تلمسه كفٌ من قبل /   قالوا : صيحوا .. زنديقٌ كافر /   صحنا : زنديقٌ .. كافر /   قالوا : صيحوا ، فليُقتل إنَّا نحمل دمه فى رقبتنا /   فليُقتل إنا نحمل دمه فى رقبتنا /  قالوا : امضو فمضينا /   الأجهرُ صوتاً والأطول  /  يمضى فى الصَّفِّ الأول /  ذو الصوت الخافت والمتوانى /  يمضى فى الصَّفِّ الثانى ....ن . م ، ص 453 454 .
43 -  يقول عبد الصبور أنه في هذه المسرحية وفق بين أمرين ، أحدهما الشخصية التاريخية المعروفة ....الحلاج الصوفي الشاعر ...، والأمر الآخر هو الفكرة المحورية التي أراد أن يكتبها على المسرح ، وهي فكرة الالتزام ، أو أزمة المثقف في الستينيات  من القرن العشرين ، ويضيف : " لقد جاوزت التاريخ بإرادتي ، بل كنت أريد عرض الحاضر على الماضي " من حديث للشاعر في كتاب جهاد فاضل :  قضايا الشعر الحديث ، ص 26        أما الحلاج فيرى الباحث  علي الثويني  أنه  " قد اخترقت الروحانيات كيانه وأصبح فكراً متحركاً ناطقاً لا يعبأ بأي مصير غير ما
أوصلته إليه قناعاته.وأنعكس ذلك جليًا في سلوكياته .وتناقل الناس كراماته وبلغوا فيها مثلما هو ديدن البشر،-  بالرغم من وجود ما يقارب الأربعة آلاف صوفي غيره في بغداد . وتلمس بعض العامة كرمه وسخاءه مما يرده من كرماء القوم أو ما أسماه هو (دراهم القدرة) التي ترده من الغيب . فاجتمع حوله خلق كبير وآمن به صفوتهم ودهماؤهم ، ويمكن أن يكون هذا بداية ما يبرر مناصبة بعض الشيوخ والفقهاء و"وعاظ السلاطين" العداء له بعد ذلك. وقد تزامن هذا مع مغازلاته السرية مع فرقة القرامطة التي اعتبروها (مارقة) و انتقاده اللاذع لفساد دوائر الدولة وتفشي الرشوة فيها "   . ويضيف الباحث : " لقد كان صوفيًا ثائرًا وربما استثنائيًا بما وسم به الصوفية من الدعة والخنوع و"الدعوى للسلطان بطول العمر" . وتداخل لديه الإيمان مع الاحتكام إلى المعرفة والإصلاح الاجتماعي والسياسي للدولة وكان يبشر بفكرة الحكومة المثالية . فانبرى بعض أقطاب الدولة بمهاجمته ، ثم إدانته بما ذهب إليه ، ثم رميه في غياهب السجن" .  -   انظر دراسته : الحلاج  " بين خيال الشعروشطحات التصوف ومآرب الاستشراق" :           http://www.islamic-sufism.com/article.php?id=1577

44 -  عبد الصبور ، صلاح :   "مأساة الحلاج  " - ديوان صلاح عبد الصبور ج1 ، ص 606-607

45-  موقع  الدكتور يوسف زيدان للتراث والمخطوطات  :   http://www.ziedan.com/research/tagalyat.asp

46-     -  عبد الصبور ، صلاح :   "مأساة الحلاج  " - ديوان صلاح عبد الصبور ج1 ، ص 544.

47 . ن. م ، ص 506 .

48 .-  عبد الصبور ، صلاح :   "مأساة الحلاج  " - ديوان صلاح عبد الصبور ج1 ، ص 586 .

49  - ن . م ، 467 .

50 - يتوقف إبراهيم منصور في كتابه  الشعر والتصوف ، ص 134 على رمز  الجبل ، ويسرد بداياته في القرآن ، ثم لدى العطار في  منطق الطير  ،  وصولاً إلى جبران خليل جبران . ويستقرئ استخدام ( الجبل ) في قصيدته " نزهة الجبل " ديوان صلاح عبد الصبور ج1 ، ص 9-10.

51 - خشبة ، سامي :  شخصيات من أدب المقاومة  ، ص 44 .

وللكلمة أهمية في المسرحية فالجزء الأول من المسرحية عنوانه (الكلمة) ،  فالكلمة هي المنطلق الذي سعى إليه  الحلاج ، وهي ما كان يتمني أن يبقى أثرًا وإرثًا  ،  هي تهمته  التي اتهم  بها ، وهي السلاح الذي سيقتله . هي النعمة وهي النقمة . أما السيف أو (الموت ) فهو عنوان الجزء الثاني ، وهو ما يسعى إليه ليكون فيه الخلاص على غرار المسيح - ، ولتكون فيه الحياة .

52- للتوسع انظر : منصور : إبراهيم -  الشعر والتصوف ،  ص 157-159 .

53 - يقول عبد الصبور : " والواقع أن الصوفية هم أول من أشار إلى أن التجربة الروحية شبيهة بالرحلة ، وهم الذين جعلوا من سعيهم وراء الحقيقة سفرًا مضنيًا مليئًا بالمفاجآت والمخاوف في طريق موحش طويل ، قد ينتهي بسالكه إلى النهاية السعيدة إن وفق الله وأراد .

   يقول أحدهم  :  انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بنفوسهم ، فإذا ظفروا بنفوسهم ، فقد وصلوا " . وتشير هذه الكلمة إلى غاية العمل الفني كما تشير إلى غاية التجربة الوجدانية  ، فليست غاية العمل الفني إلا الظفر بالنفس ..."  عبد الصبور   ديوان صلاح عبد الصبور  ، ج 2 ، ص 24 .

54 - عبد الصبور : :  حياتي في الشعر  ، ص  5 ، وما بعدها  .

55 - عبد الصبور :  شجر الليل  ، ص 22 .

56 - ن . م ، ص 102 .

57- عبد الصبور. الناس في بلادي- ص 47.

58- عبد الصبور. "الظل والصليب". أقول لكم- ص 72.

59- عبد الصبور."الحزن" .  الناس في بلادي - ص 47.

60- مقابلة مع صلاح عبد الصبور، مجلة الآداب أكتوبر 1960 ص 14.

61- عبد الصبور. أحلام الفارس القديم- ص 26.

62- أحلام... ص 26، تأملات ...ص 85، أقول لكم - ص 6.

63- صبري حافظ. "أحلام الفارس القديم" . الآداب ( مارس/ 1965) -  ص 62.

64- عبد الصبور." الشيء الحزين" . أقول لكم - ص 5.

65-  إيليا حاوي " شعر عبد الصبور بين المعرفة والتجربة" . الآداب نوفمبر/ 1957 )- ص

          29.

66- عبد الصبور ." الحزن" . الناس في بلادي- ص 87.

67- عبد الصبور. ن. م، ص 88.

68- عبد الصبور.تأملات في زمن جريح- ص 25.

69-  ن.م ، ص 30 .

70- محيي الدين محمد: " شاعر من مدينتي" . الآداب ( يوليه 1957 ) - ص 20.

71-عبد الصبور، "مذكرات الملك عجيب بن الخصيب" . أحلام ..- ص 95.

72- عبد الصبور. "أغنية حب" .  الناس في بلادي ص- 80.

73- الكتاب المقدس. نشيد الإنشاد 4: 4.

74- عبد الصبور، مأساة الحلاج - ص 149.

75- الزوزني .شرح المعلقات السبع -  ص 213.

76- ديوان أبي نواس، ص 454.

77- عبد الصبور. تأملات في زمن جريح- ص22.

78- מורה,ש . " השפעת השירה המערבית ..." המזרח החדש( כרך ח תשכ"ח 1968 ) עמ' 21 وقد أورد المقارنات أيضًا أسعد رزوق في " بوادر التجربة الجماعية" . الشعر في معركة الوجود - ص 48، وغالي شكري في شعرنا الحديث.... ص 238،  وعبد الله الشفقي:
" الناس في بلادي " .  الآداب  (يونيه 1957 ) - ص 34.

79- عبد الصبور. حياتي في الشعر-  ص 19.

80- عبد الصبور. شجر الليل - ص 23.

81-  اعتمدت في بناء هذا الفصل على مقال عز الدين إسماعيل "معمارية الشعر المعاصر" .الشعر العربي المعاصر-  ص 260 ، وفيه يتحدث عن التشكيل في قصيدة "أغنية حب" .الناس في بلادي-  ص 91 ،  وكذلك : إسماعيل ، عز الدين . التفسير النفسي للأدب- ص 86.

82- الحاني،ناصر . المصطلح في الأدب الغربي- ص 47.

83- لويس عوض. دراسات في أدبنا الغربي- ص 193.

84- ن.م، ص 188.

85- انظر على سبيل المثال : الناس في بلادي ص 55، 77، أقول لكم: ص 38، أحلام ...ص 86 -  تأملات ...ص 69.

86- عبد الصبور. حياتي في الشعر - ص 99.

87- ن.م ص 100.

88- شكري،غالي . شعرنا الحديث إلى أين- ص 135.

89- عبد الصبور. أحلام الفارس القديم - ص11.

90- ن.م، ص 62.

91- عبد الصبور. أحلام الفارس القديم - ص 16.

92- انظر كذلك عبد الصبور، تأملات في زمن جريح ص 113.

93- انظر -  מורה ,ש : " השפעת השירה המערבית  " ,  המזרח החדש  כרך ח'  תשכ"ח ( 1968 ) , עמ' 33 .

94- عبد الصبور :  شجر الليل  ، ص 19 .

95-   عبد الصبور :  الناس في بلادي  ،  ص 52 ،  وتجد على  غرار هذا الوصف الممتد في شعر البياتي والسياب وغيرهما .

96- - ن . م ، ص 105 .

97- عبد الصبور : " حديث في مقهى " ،  تأملات ... ، ص 71 .

98- عبد الصبور. أحلام.... - ص 106.

99- انظر مقال محمد النويهي " الوحدة العضوية في الشعر الجديد " . قضية الشعر الجديد - ص 108 ، وفيه يطيل الحديث عن الصور الكثيرة التي استملحها في ديوان  الناس في بلادي  ، وخاصة قصيدته " رحلة في الليل " ، وانظر كذلك مقال موريه

מורה ,ש : " השפעת השירה המערבית  " ,  המזרח החדש  כרך ח'  תשכ"ח ( 1968 ) , עמ' 24 .

100- عبد الصبور، حياتي ...- ص 118،  وكذلك مأساة الحلاج - ص 207، وتبقى الكلمة - ص 5-19.

101- عز الدين المناصرة. مجلة الطريق (1/1971) -  ص 120.

102- عبد الصبور. مسافر ليل - ص 93.

103- عبد الصبور. ليلى والمجنون-  ص 95.

104- عبد الصبور. مأساة الحلاج - ص 37.

105- ن.م ص 32.

106-  ن . م . ص 32.

107- عبد الصبور. مسافر ليل - ص 70.

108- عبد الصبور، ن.م، ص 77.

109- ن.م. ص 7 و 9.

110- عبد الصبور. الأميرة تنتظر - ص 58.

111- ن.م- ص 89.

112- ن.م- ص 33.

113- عبد الصبور. ليلى والمجنون - ص 84.

           نلاحظ أنه كان يجب أن يقول ذا الجلباب الأسود.

114- ن.م، ص 100، 112.

115- ن.م، ص 80-87.

116- عبد الصبور. حياتي.. - ص 92.

117- عبد الصبور." شنق زهران" الناس في بلادي- ص 56.

118- مثلا في الآداب(يونيو 1955 ) - ص 67.

119- عبد الصبور. الناس في بلادي-  ص 24.

120- عبد الصبور. حياتي.. - ص 92.

121- الآداب(يونيو 1955 ) - ص 67.

122- ديوان صلاح عبد الصبور ، ج1 - ص 198.

123- عبد الصبور، أحلام ...ص 93 ، 14.

124- ن.م-  ص 57.

125- عبد الصبور. مسافر ليل - ص 17.

126- عبد الصبور. أقول لكم - ص 18، 19، 23.

127- عبد الصبور. أحلام...-ص 94 ، تأملات....- ص 104، 77.

128- عبد الصبور، أحلام ص 29 وانظر كذلك أحلام ص 55، 95.

129- عبد الصبور. أقول لكم - ص 18 ،  أحلام ....-ص 9  ، وحول هذه الظاهرة انظر

   مقال موريه  : " الشعر العربي الحديث " .  الشرق ( حزيران تموز 1972 ) -  ص7.

130- عبد الصبور. أحلام ..ص 15 ، أقول لكم - ص 75.

131- عبد الصبور. أحلام ...- ص 8، 30، 64، 82، 104 ، شجر الليل- ص 44، 114.

132- عبد الصبور. شجر الليل - ص 21.

133- عبد الصبور. الناس في بلادي - ص 52.

134- للاستزادة في ذلك راجع: حياتي في الشعر ص 19.

135- انظر مقال موريه أعلاه " الشعر العربي الحديث " : وفيه يذكر معاني التكرار في الشعر الجديد:

أ-   تكرار بلاغي للتهديد والانتقام

ب-  تكرار الاشتياق واللوعة

ج-  تكرار الرثاء

د-   تكرار الاستخارة، وقد اكتسب صورًا جديدة ،إذ تستخار هنا آلهة يونانية وشرقية.

هـ_ تكرار سيكولوجي وحديث المناجاة.

136- عبد الصبور. الناس....-  ص 51، ص 52.

137- عبد الصبور، تأملات ...-ص 17 وانظر 8، 13، 47، 56، 57، 71، شجر الليل

    - ص 11، 26، 27، 28، 53، 54، 55.

138- عبد الصبور. تأملات ...ص 21.

139- موريه " الشعر الحديث فنونه ومذاهبه" . مجلة الشرق (حزيران/ تموز 1972 )- ص

        65.

140- عبد الصبور. شجر الليل ص 108 ،104، 110، 114 ، تأملات...- ص  21، 22.

141- شجر الليل - ص 47، أحلام ...- ص 17، 18، 53، 66.

142- عبد الصبور. ليلى والمجنون - ص 78 ،  ص 20.

143- عبد الصبور . تأملات...-  ص 80.

144- عبد الصبور. أحلام ...- ص 54.

145- عبد الصبور. الناس ....- ص 83.

146- عبد الصبور. مأساة الحلاج - ص 80.

147- النويهي. قضية الشعر الجديد- ص 51.

148- شكري ، غالي. "مفهوم الحداثة.." .  شعرنا الحديث إلى أين؟ - ص 115.

149- نازك الملائكة. قضايا الشعر المعاصر - ص 34.

150- " لقاء مع عبد الصبور " . مجلة الأفق الجديد (آذار/ 1966)- ص 53.

151- أنيس، إبراهيم. موسيقى الشعر- ص 321 ،وفيه استقصاء لديوان الناس في بلادي.

152- نشرت القصيدة في مجلة  الآداب (آذار/ 1955) ، وعلق عليها السياب في الآداب عدد حزيران- 1955- ص 66.

153- عبد الصبور. الناس في بلادي - ص 80.

154- ن.م-ص 81.

155- ن.م- ص 46.

156- عبد الصبور.أحلام .....- ص 34  : والروح روح صوفي سليب البدن.

157- عبد الصبور. تأملات ...- ص 96 : وداعا يا نجمي الأوحد.

158- كاظم جواد: نقد القصائد الآداب (يوليو/ 1956 ) - ص 65 يقول:

   "ومع ذلك فهناك خمسة أبيات فقط من مجموع القصيدة قد سلمت من الخطأ العروضي الذي وقع فيه الأخ صلاح الدين عبد الصبور في جميع ما كتب من شعر على صفحات هذه المجلة".

159- نازك الملائكة. قضايا الشعر المعاصر - ص 108، ص 89.

160- النويهي. " نازك الملائكة والشعر الجديد" . قضية الشعر الجديد-  ص 271.

161- ورد البيت في قصيدة "رحلة في الليل" . الناس في بلادي - ص 45.

162- عبد الصبور. تأملات ...- ص 80، وكذلك ص 81، 89، 103، 110.

163- عبد الصبور. مسافر ليل-  ص 69.

164- عبد الصبور. الناس في بلادي- ص 149.

165- لم نعمد هنا إلى تتبع بحث الأوزان الشعرية لتي استعملها الشاعر.

 .......................................................................................................................................................

                               إشارات ورموز عربيـــة في شعر السيــــاب

 

لقد صرح السياب مرة أنه ينتظر المؤلف الحديث الذي يجمع الرموز العربية في شعره من مظانها المتفرقة كيما يمكن الإفادة منها. ( 1 )

 والحديث عن دور الأسطورة والرمز في الشعر الحديث قد يطول بنا إذا تقصيناه ،  يقول السياب في هذا السياق :

  هناك مظهر مهم من مظاهر الشعر الحديث هو اللجوء إلى الخرافة والأسطورة ،  وإلى الرموز ، ولم تكن الحاجة إلى الرمز وإلى الأسطورة أمسّ مما هي عليه  اليوم ،  فنحن نعيش في عالم لا شعر فيه - أعني أن القيم التي تسوده قيم لاشعرية ، والكلمة العليا فيه للمادة لا للروح ، وراحت الأشياء التي كان في وسع الشاعر أن يقولها أن يحولها إلى جزء من نفسه تتحطم واحدًا فواحدًا ، أو تنسحب إلى هامش الحياة .

 إذن  فالتعبير المباشر عن اللاشعر لن يكون شعرًا ، فماذا يفعل الشاعر إذا عاد إلى الأساطير إلى الخرافات التي ما تزال تحتفظ بحرارتها ، لأنها ليست جزءًا من هذا العالم . عاد إليها ليستعملها رموزًا وليبني منها عوالم يتحدى بها منطق الذهب والحديد ( 2 ) .

 وهو يعترف في مكان آخر أن الرموز والأساطير تخلص الشاعر من إلقاء كلماته بصورة نثرية وبلا واسطة ، وتضيف تداعيات لشعره . (3 )

ويرى ب . موريه أن هذه الرموز تساعد على خلق موسيقا جديدة موسيقا الفكرة بالإضافة إلى إيقاع الوزن ،  وهذا النوع من الموسيقا يشبه التنويعات السمفونية إنها عودة لنفس الفكرة التي تؤكد الموضوع الرئيسي  للقصيدة ، وبالإضافة إلى التداعيات التي تثيرها هذه الرموز من التاريخ والميثولوجيا فهي تساعد في تجسيد التشبيهات بصورة حية ودقيقة أكثر،  وتساعد الشاعر أن يكون مراقبًا حياديًا أقل عاطفة ،وقادرًا على كبح مشاعره  ( 4 ) .

 ومن خلال ملاحظتنا لرموز السياب نرى أنه يطعم قصائد بعناصر موحية ، وهي عنده كالكنوز يلجأ إليها مقارنًا بين ما كان وبين ما هو كائن ، وهو بها يعمق المعنى وينقل التجربة إلى جو إنساني يستمد الجذور من التاريخ الفاعل والمحرك .

 وسنحاول هنا أن  نصنفها ونحدد ماهيتها :

 1- رموز من السيرة النبوية :

يقول السياب :

محمد اليتيم أحرقوه فالمساء

يضيء من حريقه  ، وفارت الدماء

                                          ( ص 467 من المجموعة الكاملة 1 للسياب ) ويقول :

محمد النبي في حراء قيدوه

.........

ستأكل الكلاب من دم البراق

                                                 ( ص 468 )

فهو بهذه الأبيـــات لا ينقل إلينا الجو الديني كما كان ، بل يقدم لنا صورة العذاب الذي عاناه محمد أكثر مما يجسم صورة النصر . ومحمد في التاريخ لم يكن شهيدًا حسب الاصطلاح المتولد في بعد  ، بل كان رمزًا للموقف والنضال . وهو يقول في ضوء السيرة :

 ولا ملأت حراء وصبحه الآيات والسور

                                                    ( ص 184 )

وحراء هو الغار الذي نزل فيه الوحي على النبي ،  بيد أن السياب يخلط بينه وبين  غار (ثور ) -  وثور في الطريق إلى المدينة :

 هذا حرائي حاكت العنكبوت

خيطًا على بابه

                                           ( ص 425 )

والعنكبوت حسب السيرة حاكت خيوطها على غار ثور (5) .

وفي قول الشاعر :

 وهبّ محمد وإلهه العربي والأنصار

إن إلهنا فينا

                                                     ( ص 402)

 استعادة لمواقف النصر في تضامنه مع المغرب العربي ،  وهو يشدد على كلمة ( العربي ) وصفـًا للإله حتى يؤكد عروبة المغرب ،  أو ليظهر عروبته هو  بصورة حادة بعد أن مر بتجربة الشيوعية .

2- وإشارات التراث العربي القبلي نجد أصداءها عند الشاعر ،  ففي قوله :

كما أكلوه إذ جاعوا

 إلههم.......

                                            ( ص400)

 إشارة إلى بعض قبائل العرب ( روي أنهم بنو حنيفة ) ،  إذ كانوا  يصنعون  آلهتهم من التمور ،  فإذا جاعت القبيلة  أكلت ما صنعته .

ويقول الشاعر :

 أشم فيه عفن الزمان والعوالم العجيبة

 من إرمٍ وعاد

                                                               ( ص 605 )

وشاعرنا يتعامل مع ( إرم وعاد ) الواردتين في القرآن الكريم كأنهما دلالة للعفن ،  بيد أن السياب يختار في قصيدة ( إرم ذات العماد ص 602 ) رواية لقصة إرم  - عن صياد من الجنوب ( جد أبيه ) الذي تحدث عن أيام صباه ،  وأنه رأى جنة عاد الضائعة ،  ثم اختفت عنه ،  وظل يبحث عنها ....وقد حاول السياب هنا من خلال هذه الأسطورة التعبير عن حنينه للماضي  ، فمن قصص الحب المأثورة يضمّن الشاعر أبيـــاته :

وهي المفلـّية العجوز وما توشوش عن حزام

 وكيف شق القبر عنه أمام عفراء الجميلة

                                                            ( ص 318 )

ويعلق السياب في حاشية القصيدة :

هكذا أصبح اسم الشاعر العاشق عروة بن الحزام عند العامة الذين يروون قصة حبه لعفراء وموته ، ويرددون معاني قصيدته بشعر عامي  .

وتأخذ القصة مسارًا حزينًا وهو غريب على الخليج  ، وإذا كان قد استذكر قصة عروة وحزام فلا بدع أن تجد قصة عنترة وعبلة أصداءها كذلك :

 ......ذاك عنترٌ يجوب

دجى الصحاري إن حي عبلة المزار

                                                              (  604 )

 ويعلق عز الدين إسماعيل في مقاله " الشعر المعاصر والتراث العربي " :

 يستغل السياب قصة الحب البدوي التي تردد في التاريخ العربي ،  وهي قصة عنتر وعبلة ، وذلك في قصيدته - إرم ذات العماد - ولست في حاجة أن أعيد هنا ما قلته في هذا التلاحم بين المأثور والواقع النفسي للشاعر ، فقد وجد الشاعر في هذه القصة القبلية توجيهًا نفسيًا كافيًا يجدد لنا المسار النفسي لشعوره الراهن .  ( 6 )  

 وأبو زيد الهلالي - رمز البطولة العربية الملحمية له مكان أسطوري في ثنايا قصائده ، حتى يتوافق مع اندفاعه وحماسه للعروبة :

 والأمل الخالق من توثب الصغير

ألف أبي  زيد تفور الرغوة

 من خيله الحمراء

                                                    ( ص221 )

3- رموز من التاريخ العربي :

في قصيدة ( مرثية جيكور ) نجد حشدًا من الإشارات التاريخية ساقها الشاعر في معرض استهتار ،  فهو يرمز للتاريخ بعصر (  تعبان بن عيسى ) ،  وربما كان الاسم الأول ليسقط تعبه هو :

لا عليك السلام يا عصر تعبان بن عيسى وهنت بين العهود

 ها هو الآن فحمة تنخر الديدان فيها        فتلتظي من جديد

ذلك الكائن  الخرافي  في جيكور    هومير  شعبه   المكدود

 جالس القرفصاء     في شمس آذار وعيناه في بلاط الرشيد

يمضغ التبغ   والتواريخ    والأحلام بالشدق والخيال الوئيد

 ما تزال البسوس  محمومة  الخيل  لديه   وما خبا من يزيد

نار عينين  ألقتاها على  الشمر  ظلالا   مذبحات     الوريد 

كلما لز شمره الخيل أو  عرى     أبو زيده  التحام    الجنود

شد راحًا وأطلق  المغزل  الدوار  يدحوه    للمدار    الجديد

                                                                          ( ص 407 )

فالشاعر مل حالة الخواء التي خلص إليها أخيرًا من  جراء مضغ  التبغ والتواريخ والأحلام ،  وقد لاحظنا حشدًا من الأسماء :  الرشيد رمز البذخ ، والبسوس معركة بكر وتغلب ، ويزيد هو الذي أمر الشمر بقتل الحسين ، وكان مرتديًا ثيابًا حمرًا ، وأبو زيد اشتهر بملاحمه..... وفي هذه الإشارات جميعًا رمز للحرب التي نجتر تفاصيلها بلا جدوى ، وهو يؤكد ثانية فيقول :

لا عليك السلام يا عصر تعبان بن عيسى وهنت بين العهود !

4 ومن الصوفية رأينا الشاعر يستعمل  ( ابن حلاج )  ،  وهو تحريف للحلاج ( 858م 932 م ) ، إذ يقول :

 ويا عهد كنا كابن حلاج واحد

                        مع الله إن ضاع الورى فهو ضائع

                                                                (ص 354 )

ويرى د . إحسان عباس أنه استخف بفكرة التأليه ( 7 )  ،  وهو هنا لا يدل على عمق إيمانه ، فيقول السياب :

 الحسن البصري جاب أرض واق الواق

ولندنَ الحديد والصخر

 فما رأى أحسن عيشًا منه العراق

                                                          (ص301)

 فهو يتخيل نفسه الحسن البصري الذي يمكن أن يكون أحد الاثنين أو كليهما معًا  :

1- الحسن البصري الصوفي (ولد في البصرة 642م 728 ).

2- الحسن البصري الرحالة الوارد في قصص ألف ليلة وليلة ، والباحث عن الكنوز،  ويبدو لي من خلال معاينة أن الاحتمال الأول أكثر إقناعًا ، بسبب ارتباط الشاعر بالبصرة ، وبسبب الشعور الديني الذي لازم السياب ساعة مرضه . ونحن مع ذلك لا ننكر هنا أن ذكر  ( واق الواق ) يدفعنا إلى التفكير في الاتجاه الثاني .

*             *                  *

5- فيما وراء التاريخ من أساطير وقصص دينية وأبرز رمز يستعمله الشاعر هو السندباد-  صاحب الرحلات السبع  ، وفي حياة السياب ضياع ،   والسندباد قالب  أو قناع يصب فيه الشاعر معاناته واقتحامه وجوَبانه  ، فيقول عن نفسه :

....... مثل  سندباد يسير حول بيضة الرخ ولا يكاد

                                                              ( ص604)

ويخاطب زوجته المنتظرة :

 وجلست تنتظرين عودة سندباد من السفار

                                                                   ( ص 229 )

وبينما هو :

 فلك سندباد  ضل في البحر

حتى أتى جزيرة تهمس في شطآنها المحار

                                                                   ( ص654)

 وقصة قابيل وهابيل  الواردة في الكتب المقدسة يستعملها الشاعر رمزًا للشر في قابيل ، ورمزًا لضياع الحق لدى هابيل ،  وهو يصرخ  :

قابيل فينا ما تهاوى أخوه

                                                  ( ص383 )

 والشاعر لا يريد أن يكون وريثا لقابيل خوفًا من أن يُسال السؤال الوارد في التوراة بصورة إنكارية  :  

ولا أكون وريث قابيل اللعين سيسألون

 لمن القتيل فلا أقول

 أأنا الموكل ويحكم بأخي

...........

 إن قابيل المكبل بالحديد

في نفسي الظلماء .....

                                                     ( ص552 )

يرمز هنا إلى قافلة الضياع ،  وهي اللجوء  .

لكن الفيتوري في نقده لقصيدة (  قافلة الضياع )  يذكر أن الأسطورة التي تعتمد عليها القصيدة تختلف اختلافًا جذريًا عن مأساة اللاجئين في ارتكازها على التجربة  .( 8 )

ويرد ذكر  قوم يأجوج ومأجوج في القرآن الكريم على أنهم مفسدون في الأرض ( سورة الكهف 94 )، لكن الشاعر يستعمل الأسطورة وقد شرحها في حاشية ( ص 529 ) أن يأجوج ومأجوج يلحسان السور بلسانيهما كل يوم حتى تصبح في رقة قشرة البصل ويدركما التعب ، فيقولان   غدًا سنتم العمل وفي الغد يجدان السور على عهده من القوة والمتانة .....وهكذا حتى يولد لهما طفل يسميانه ( إن شاء الله  ) فيحطم السور :

يأجوج يغرز فيه  من حنق أظافره الطويله

ويعض جندله الأصم وكف مأجوج الثقيله

 والسور باق لا يثل وسوف يبقى ألف عام

 لكن ( إن شاء الإله )

طفلاً كذلك سمياه

سيهب ذات ضحى و يقلع  ذلك السور الكبير

                                                             ( ص529 )

وبعد ،  فقد عرضت بعض هذه الرموز والإشارات في سياقها ، وأبنت مدى تداخلها في نسيج السياب  الشعري . ولا شك أن هناك رموزًا أخرى فثقافة الشاعر وقراءاته قد لا تكون مسبورة الغور دائمًا ولدى مختلف القراء المختلفة ثقافاتهم .

إذن  ، لتكن هذه جولة  استكشافية  في شعر السياب وتصاديه مع التراث العربي في الرموز والأساطير  .

 ولمن يهمه الأمر أشير إلى أنني كنت قد أصدرت كتابًا حول الأصداء القديمة في شعر السياب - كما يتمثل ذلك في لغة القرآن ، وأساليب الشعر القديم  ، وقد صدرت الطبعة الثانية عن مطبعة الحكيم ، الناصرة -  ( 2006 ) .

الهوامش

1)       عبد الجبار البصري : دراسة جديدة في الشعر العربي المعاصر ،  الآداب  ، نوفمبر 1964  ص 4 .

2)         أخبار وقضايا ، مجلة شعر ، العدد الثالث، السنة الأولى ، ص 111-  113 .

3)        ن.م - ص 112

4)       همزراح هحداش  ( بالعبرية ) ، العددان 1-2 /1968  ، ص 33 .

5)       ابن هشام  : السيرة النبوية  ، ج2 ص 13 .

6)       الآداب شهر آب 1956 ص 64 .

7)       إحسان عباس :  بدر شاكر السياب  ،دار الثقافة ، بيروت 1969 ،  ص267 .

8)       الآداب شهر آب 1956 ،  ص 64 .

 

............................................................................................................... 

 

 تحليل قصيدة البارودي (1) :

  أبابل رأي العين( 2 )

 القصيدة :

 

أبابلُ رأيَ العَينِ أم هذه مصرُ

                                فإني أرى فيها عيونًا هي السِّحرُ

نواعسَ أيقظن الهوى بلواحظٍ

                                 تدين لها بالفَتكة البيضُ والسُُّمرُ

فليس لعقلٍ دون سلطانِها حِمى 

                               ولا لفؤاد  دون   غِشيانها    سِتر

فإن يكُ موسى أبطل السحرَ مرة

                            فذلك عصرُ المعجزات، وذا عصرُ

فأيُّ فؤادٍ لا   يذوبُ       صبابةً

                           ومُزنةِ عينِ لا    يصوبُ لها قََطْر ؟

بنفسي وإن عزَّت علي ربيبةٌ

                               من العِينِ في أجفانِ  مقلتها فَتر

فتاةٌ يرفُّ البدرُ تحت قناعِها

                           ويخطرُ في أبرادها الغصُنُ النَّضر

تريكَ جُمانَ القطرِ في أقحوانةٍ

                               مفلَّجةِ الأطرافِ    قيل لها ثَغر

تدين    لعينيها   سواحرُ  بابل

                          وتسكر من  صهباءِ  ريقتِها   الخمر

فيا ربةَ الخِدرِ     الذي حالَ دونَه

                         ضراغمُ حربٍ   غابُها الأسَلُ السُّمر

أما من وصال أستعيدُ       بأنسِه

                          نضارةَ عيشٍ كان أفسدَه   الهَجر؟

رضِيتُ من الدنيا بحبِّك عالِمًا

                            بأن جنوني في هواك هو الفخر

فلا تحسبي  شوقي   فكاهةَ  مازحٍ

                       فما هو إلا الجمرُ  أو     دونَه الجَمر

هوًى كضمير الزَّند  لو أن مدمعي

                            تأخَّر عن سقياه لاحترق الصَّدر

إذا ما أتيت الحيَّ فارتْ بغيظِها

                            قلوبُ رجالٍ حشوُ آماقِـها الغدر

يظنون بي شرًّا  ولست بأهلِه

                            وظنُّ الفتى من غير بيِّنة وِزر

وماذا عليهم إن ترنَّم شاعرٌ

                             بقافيةٍ لا عيبَ فيها ولا نُكر ؟

أفي الحقِّ أن تبكي الحمائمُ شجوَها

                           ويَبلَى فلا يبكي على نفسه حُرُّ

وأيُّ نكيرٍ في هوًى شبَّ وقدُه

                        بقلبِ أخي شوقٍ فباح به الشِّعر ؟

فلا يبتدرْني بالملامةِ عاذلٌ

                           فإن الهوى فيه   لمعتذرٍ  عُذر

إذا لم يكن للحب فضلٌ على النهى

                          لما ذلَّ حيٌّ في الهوى وله قَدر

وكيف أسومُ القلبَ صبرًا على الهوى

                 ولم يبقَ لي في الحبِّ قلبٌ ولا صبر ؟

ليَهْنَ الهوى أني خضعتُ لحكمه

                      وإنْ كان لي في غيرِه النهيُ والأمر

وإني امرؤ تأبى لي الضَّيمَ صولةٌ

                              مواقعُها في  كل معترَكٍ حُمر

أبِيٌّ على الحدْثانِ  لا يستفزُّني

                        عظيمٌ ولا يأوي إلى ساحتي ذُعر

إذا صُلتُ صال الموتُ من وكراتِه

                           وإن قلتُ أرخى من أعنَّتِه الشِّعر

 

*****

 

قراءة :

 

يعتبر شعر البارودي عند الكثيرين (3) بداية النهضة الأدبية ، وبالذات لما في شعره من التزام بتقاليد الشعر أو ما اصطلح عليه بعمود الشعر (4)  ؛ فهو الذي أعاد إلى اللغة أصالتها بعد أن مرت بفترة جمود طويلة .

وقد اختار موريه ضمن منتخبات كتابه الشعر العربي المعاصر (5) هذه القصيدة نموذجًا يمثل شعر البارودي النيؤكلاسي ، وقد رأيت  في هذه القصيدة ما نستطيع أن نقيس عليه قصائد أخرى تمثل هذه الفترة التي عاشها البارودي - حيث كانت العناية كبيرة بإحياء التراث .

موضوع القصيدة وصف للواعج الشوق التي يعانيها الشاعر ، ومع ذلك فهو الصابر ،  وهو البطل .

بدأ الشاعر قصيدته بوصف عيون بنات مصر الساحرة التي لا تبطل سحرَها معجزة ،ثم ما لبث أن وجد مفتاحًا يروي به قصته ويبرر حبه الذي ربما سينكره المنكرون :

فأي فؤاد لا يذوب صبابة

                     ومزنةِ عين لا يصوبُ لها قَطر ؟

وما دام ذلك مستحيلاً في نظر الشاعر فإنه يتجرأ ويفدي بنفسه فتاة عيناء تدين لعينيها سواحر بابل " وتسكر من صهباء ريقتها الخمر " . هي امرأة يصونها رجال أشداء كالضراغم يحولون دون الوصول إليها ، ولكن شوق الشاعر وجنونه من جهة أخرى تدفعانه إلى الدنو من حيّها ، يرجو وصالها الأنيس ليستعيد بالتالي نضارة عيشه . يُقدم على ذلك وهو عالم أن أهلها عيونهم مفعمة بالمكر والغدر:

إذا ما أتيت الحي فارت بغيظها

                              قلوب رجال حشوُ آماقها الغدر (6 )

فلا يستبق إليه  بالملامة عاذل ، فقد خضع لحكم الهوى حتى لم يعد له قلب ولا صبر-  رغم ما عرف عن صولته وإبائه .

 ونسأل أولاً  : هل هناك ترابط منطقي بين أجزاء القصيدة ؟ أو هل هناك نوع من الوحدة الموضوعية ؟

إن الجزم في جواب شاف يكاد يكون صعبًا ، ذلك لأن للقصيدة سياقًا ساقه الشاعر حسب مفاهيمه هو : من مقدمة إلى ذكر صفات المحبوبة ورجاء وصالها ،  إلى خضوع للهوى ، وبالتالي إلى المفاخرة ، وهذه بمجموعها تشكل موقفًا شعريًا نستطيع أن نتفهمه إذا عرفنا كون الشاعر محاربًا من جهة ، وشابًا لا بد له من حب في يفاعته ، وشاعرًا مفيدًا من مخزون الشعر القديم بفضل حافظة لاقطة عُرفتْ عنه.

ولكننا من ناحية ثانية نستطيع أن نقدم ترتيب بعض الأبيات ،  أو نؤخره من غير أن يختل المعنى في القصيدة .

وعلى سبيل المثال :

إذا لم يكن للحب فضل على النهى

                              لما ذل حي في الهوى وله قدر

فهذا البيت يمكن وضعه في أكثر من موضع ، وهذه ظاهرة مألوفة في الشعر القديم -  وهي استقلالية البيت الواحد عما سواه . وقد أشار لها العقاد في معرض هجومه على شعر شوقي (7 ) .

      ثم إن التفكك في أبيات القصيدة ليس قائمًا بشكل بارز يجعلنا نبتّ أن الوحدة الموضوعية معدومة .

والقصيدة بمجموعها فيها أصداء الشعر العباسي ، فلو قرأت البيت الواحد منها على أذن أَلِفت الشعر العباسي لما شك هذا  السامع أن هذه القصيدة قريبة من قصيدة أبي فراس الحمداني التي مطلعها :

أراك عصي الدمع شيمتك الصبر

                                 أما للهوى نهي عليك ولا أمر (8)

فهناك قوالب لفظية تتردد في أشعار العباسيين ، وهناك التشبيهات الحسية المشتقة من حياة البادية والطبيعة الساكنة : فالحمى والستر والأسل ، والفتاة التي يرفّ البدر قناعها ويخطر في أبرادها الغصن النضر . كل هذه الصور لا يصعب علينا إيجاد مُشابهات لها في الشعر العباسي .

والقصيدة تحوي افتعالاً للمواقف والعواطف ، وفيها مبالغة : فالفتاة حال دونها ضراغم حرب ، وشوقه دونه الجمر ، وجنونه فخر ، وفتاته مثقلة بالتشابيه  المكرورة التي عدمت روح المعنى ، فهو لم يخلق لها أوصافًا حية ، وإنما قدّم لها ألفاظًا قُدمت لغيرها : فالعيون سحر ، والوجه بدر ، والقامة غصن، وهذه كلها أوصاف لا تستطيع أن توحي بشيء عن طبيعة خاصة بهذه الفتاة  ، ثم إن هذه الأوصاف يمكن أن نخلعها على أية حبيبة أخرى من غير أن تثير فينا إحساسًا خاصًا بجمالها .

وعاطفة الشاعر المتأججة لم تدعُ القارئ للمشاركة ، فشوقه الذي يصفه بأنه ليس فكاهة مازح ، وصدره الذي يكاد يحترق ، كل هذا يثير التعجب عند البعض أكثر مما يثير العاطفة .

ثم إن في القصيدة بعدًا عن واقع الحياة المعيش ، فأين السيوف والرماح التي تخضع لعيونها الناعسة ؟ وهل كان  بكاء الحمائم يشغل الشاعر حقًا ؟

                                      ***         ***                        

 

أما من حيث الشكل ، فقد استعمل البارودي أساليب البلاغة من بيان ومعان وبديع حتى يجعل شعره مسبوكًا بصورة تؤدي إلى ما اصطلح عليه بالجزالة .

ففي قوله : أبابلُ رأيَ العين أم هذه مصر

                                          فإني أرى فيها عيونًا هي السحر

نرى التساؤل على طريقه " تجاهل العارف " ، فيه مزج الشك باليقين ، فقد أخرج ما يعرف صحته مخرج الشك حتى يزيد تأكيد ما يرمي إليه . و "تجاهل العارف " مألوف في الشعر القديم ، يقول المتنبي :

أريقك أم ماء الغمامة أم خمر ؟ (9)

وتقول الخنساء :

قذى بعينك أم بالعين عوّار ؟ (10) 

ثم إن الشاعر استعمل الاستعارة والمجاز،  فنقل العبارة عن موضع استعمالها ليبين أو يؤكد أو يبالغ : فالبدر يرف ، ويخطر في أبرادها الغصن ، وتريك جمان القطر في أقحوانة.

والطباق فن من فنون البديع يزيد الشعر إيقاعا وتوكيدًا :

تدين لها بالفتكة البيض والسمر

وان كان لي في غيره النهي والأمر

فالشاعر يقيم قصيدته حسب تخطيط فني وتزويق لفظي .

 وفي القصيدة  نوع من الترصيع - قافية داخلية - :

فليس لعقل دون سلطانها حمى

                             ولا لفؤاد دون غشيانها ستر

فأي فؤاد لا يذوب صبابة

                     ومزنة عين لا يصوب لها قطر ؟

وفي القصيدة تجنيس " رأي ... أرى "، " يصوب .. صبابة " ،

وفيها تشطير وهو أن يتوازى المصراعان والجزءان وتتعادل أقسامها مع قيام كل واحدة منها بنفسه واستغنائه عن صاحبة (11) :

فليس لعقل دون سلطانها حمى

                                       ولا لفؤاد دون غشيانها ستر

أبيٌّ على الحدْثان ، لا يستفزني

                               عظيم ، ولا يأوي إلى ساحتي ذعر

إذا صلت صال الموت من وكراته

                                وإن قلت أرخى من عانته الشعر 

كما تزخر القصيدة بضروب الإنشاء الطلبي وغير الطلبي من نهي واستفهام ونداء وتمن والتماس على غرار قوله:

" فلا تحسبي شوقي فكاهة مازح !"

والاستفهام الإنكاري يقصد به هنا  التعظيم وتجسيم الصورة والتأثير :

" وأي نكير في هوى شب وقده ؟! "

" أفي الحق أن تبكي الحمائم شجوها ؟! "

ومثل هذه الأساليب البلاغية لا يكاد يخلو منها بيت في قصيدته .

قلت سابقًا إن الشاعر يستوحي معاني السابقين فتخرج في قوالب جديدة . وهذه القوالب أراها  شبيهة بشعر " المعارضة "  الذي نستطيع أن نعتبره شكلاً وصيغة أكثر منه مضمونًا .

يقول البارودي :

فيا ربة الخدر الذي حال دونه

                           ضراغم حرب ، غابها الأسل السمر

وهذا المعنى أورده الطغرائي في لاميته (12) :

فالحب حيث العدا والأسد رابضة

                                حول الكناس لها غاب من الأسل

ولا نكاد نرى جديدًا  جاء به البارودي هنا ؟

ولننظر إلى بيت آخر عند البارودي :

أفي الحق أن تبكي الحمائم شجوها

                                ويبلى فلا يبكي على نفسه حر

فنستذكر بيت نُصيب الأكبر (13 ) :

أأزعم أني هائم ذو صبابة

                         بسعدى ولا أبكي وتبكي الحمائم

ثم إن جو قصيدة أبي فراس " أقول وقد ناحت بقربي حمامة " (14 ) . ليس بعيدًا عن الجو الذي حلق فيه البارودي . ولا يصعب علينا إيجاد مُشابهات أخرى تجعلنا نؤكد أن البارودي مرتبط جدًا بتقاليد الشعر القديم وخاصة العباسي .

وإذا تعدينا المشابهات فإننا نرى التداعيات ،  فبعض شعره يعيدنا إلى القرآن الكريم ،  وبعضه إلى الشعر القديم ،  ومن شأن هذه الإيحاءات والأصداء أن تضفي عمقًا وبعدًا تراثيًا ، الأمر الذي يزيد القصيدة تكثيفا باتجاه واحد .

ففي قوله :

" فإن يك موسى أبطل السحر مرة " يعيدنا إلى قصة موسى وعصاه التي تلقفت ما يأفكون . ( 15 )

وقول الشاعر:     " وظن الفتى من غير بينة وزر "

 يذكرنا بقوله تعالى : { إن بعض الظن إثم } (16) .

وجدير بنا أن ننبه كذلك إلى الجوازات العروضية التي ترد في الشعر القديم بشكل أبرز مما نلاحظه في الشعر الحديث ( وهذه ظاهرة تستحق البحث ) كصرفه الممنوع من الصرف : بلواحظٍ ، بابلٍ وتسكينه المتحرك : نضْر بدلا من نضِر وتحريكه الساكن : الغصُن بدلاً من الغصن ، وإسقاط الهمزة : ليهنَ الهوى بدلا من ليهنأ .

ومع ذلك فالقصيدة لها إيقاع فخم وموسيقا صاخبة ، والبحر الطويل الذي كتب الشاعر فيه قصيدته يستطيع أن يقوم بهذا الدور لكثرة ما ألف فيه الشعراء القدماء من قصائد -  وخاصة القصائد الحماسية شأن بحر الأيامب عند شعراء الملاحم .

نجمل القول إن البارودي في هذه القصيدة يستمر على نسق الشعر القديم رغم الملامح القليلة التي تعبر عن ذاتية الشاعر وواقعه ( إذ تساءل في مطلع القصيدة : أم هذه مصر ؟ )

 

وعليه فإننا نستطيع التأكيد عبر هذه القصيدة على اصطلاح " الإحيائية السلفية "  الذي أشار إليه أدونيس في معرض حديثه عن البارودي (17 ) .

 

الهوامش

 

1) البارودي ( 1838- 1904) : محمود سامي البارودي شركسي الأصل ولد في القاهرة ، كان رجلاً عسكريًا تقلد الوزارات المختلفة ، وأصبح رئيس وزراء ، غير أن مساهمته في ثورة عرابي باشا أدت إلى نفيه طيلة سبعة عشر عامًا في جزيرة ( سرنديب )  ، وقد تأثر بلغة الشعر العباسي ، ويعتبر مجددًا للشعر العربي بعد أن غرق الشعر في الصنعة في فترة العثمانيين .

2) قصيدة " أبابل مرأى العين " ،  ديوان البارودي ج2 القاهرة 1942 ص130 -135 ، وقد كتب القصيدة في منفاه.

3) ا نظر مثلا : عز الدين يوسف ، في الأدب العربي الحديث ، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1973 ص160

،    ضيف شوقي : البارودي رائد الشعر الحديث ، دار المعارف بمصر 1964 ص97 ، Moreh,S modern Arabic poetry , leiden 1976 , pp -                        

 4 - شوقي : البارودي  ، دار المعارف  ، القاهرة ، د . ت -( الفصل عن العناصر القديمة ص 97  ) .

5) موريه . ش : الشعر العربي المعاصر ، دار النشر العربي تل أبيب 1968 ،ص 20 .

6) وهكذا يذكرنا بما فعل عمر بن أبي ربيعة حين قدم إلى حمى حبيبته في قصيدته الرائية حيث يقول :

وليلة ذي دوران جشمتني السرى

                                   وقد يجشم الهول المحب المغرر

أريتك إذ هنّا عليك ألم تخف

                                    رقيبًا وحولي من عدوك حضّر

 

انظر: ديوان عمر بن أبي ربيعة ، الشركة اللبنانية للكتاب ، بيروت 1968 ص 100 .

7) العقاد عباس والمازني إبراهيم : الديوان في الأدب والنقد ط 3 ، دار الشعب ص 132 .

8) ديوان أبي فراس الحمداني ، دار صادر بيروت د.ت ص 157 .

9) ديوان المتنبي ، دار صادر بيروت د.ت ص 62 .

10) الأصبهاني ، أبو الفرج : كتاب الأغاني ج 15 ص 67 .

11) العسكري ،  أبو هلال : كتاب الصناعتين ، دار إحياء الكتب العربية 1952،  ص 411.

12) البتلوني ، شاكر : نفح الأزهار في منتخبات الأشعار ط 6 المطبعة الأدبية ، بيروت 1899 ص 54 .

13) الأغاني ج1 ص 304.

14 ) ديوان أبي فراس ص 238 .

15) سورة الأعراف آية 7 .

16 ) سورة الحجرات آية 49 .

17 ) أدونيس ، صدمة الحداثة ، دار العودة ، بيروت 1968 ص 76 .

 

................................................................................................................................................................................................................... 

 

 

تطور اللغة الشعرية العربية في الشكل والمضمون

رحلـــة  تصفحيـــة  في المراجع

 

اللفظ والمعنى أو المضمون والشكل -  من المواضيع التي بُحثت على مدى العصور الأدبية بعضهم فصل كلاً منهما ، وبعضهم رأى التلاصق بينهما كالروح والجسد (1). والأدب  - كما نعلم - يتبين بالأسلوب ، ففي الأسلوب يتم خلق الفكرة ، حيث تلبس لباسها الملائم ،  وفيه جهد يبذله الأديب وهو يحاول أن يربط الأفكار والألفاظ .(2)

  لا شك أن اللغة هي وعاء الأفكار (3) ،  وكلما كانت مطابقة للفكرة نجح الكاتب في إيصالها ،  ولغتنا العربية لغة غنية المفردات ،  فيها الكثير من المترادفات والمشتركات ( كلمة لها أكثر من مدلول ) وفيها الأضداد ( كلمة لها معنى ونقيضه ) ،  وفيها قدرة عظيمة على الاشتقاق والنحت والقياس(4) .... ولغة الأدب  الجاهلية متشابهة برغم كثرة المفردات (5)، وأفكارها محدودة ،  لأنه ليست هناك فروق ظاهرة في كثير من المترادفات. (6)

 ويرى البعض أن الكلمة جاهلية   كانت مطابقة لواقع البدوي ، فقد حاول مصطفى ناصف أن يربط الكلمات الجاهلية  بالحياة ، وأظهر أن فاعلية اللغة أو تفاعل كلماتها هو الذي يخلق المعنى ويبرز معلمه ،وهو يتابع جمالية اللغة حتى يوصلها إلى أصول أسطورية ورمزية (7)،  وعند تمازج العرب بالشعوب الأخرى رأينا قدرة العربية على استيعاب الكلمات العلمية والفنية  (8) ،  ورأينا الجملة العربية تخضع للمنطق ،  فالنثر اتجه إلى الأدب الرمزي ككتاب ( كليلة ودمنة ) ، وفيه نقد للحكام ، وإلى الاتجاه الفلسفي الذي يجعل من الفلسفة العربية جسرًا موصلاً لعصر النهضة ،  وإلى الأدب الشعبي كما في ألف ليلة وليلة ،  ولا ننكر أسلوب المحسنات اللفظية في المقامات والرسائل الذي كان تدبيجيًا يماثل شغف الناس بالتوشية في مأكلهم ولباسهم ،  وقد جرى ما يوازي ذلك في الشعر العباسي في التركيز على المضمون آنًا ،  وعلى الشكل آنـًا آخر.

 ويذهب أحمد أمين إلى أن الأدب الجاهلي ،  وخاصة الشعر جنى على الأدب العربي ،  فظلت الأفكار تدور حول القديم ، وظلت اللغة جامدة .....(9)

ونظرة إلى نماذج من الشعر العباسي فـإننا نجد كثيرًا من الوقوف على الأطلال ،  أو استخدام الرموز القديمة ،  فهذا مهيار الديلمي(10) - وهو شاعر فارسي -  يقول :

 يا نداماي بسلع هل أرى        ذلك المغبق والمصطبحا

 فهو يستعمل ( سلع )- وهو  مكان في الحجاز(11)،كما  يستعمل  ( مغبق )و(مصطبح )  شراب المساء ومكان شراب  الصباح ،  وهما كلمتان مستمدتان من الأدب الجاهلي . إلا أن أمين غالى في إظهار جانب التقليد ،  ذلك لأن هناك من أظهر التجديد اللغوي (12)، فأبو تمام قد استعمل المجاز ،  وعلى سبيل المثال يذكر "ماء الملام "(13)،  وعندما ينكرون عليه هذا الاستعمال يسألهم :
إيتوني بجناح الذل ...(
14)

 ومن الجدير أن نذكر أن أبا تمام من أبرز الشعراء العرب الذين ضمنوا شعر السابقين وتمثلوه في أشعارهم على طريقة إيليوت فيما بعد .(15)

  أما في عصور ما سماها المستشرقون -   الانحطاط  فقد برزت المحسنات البديعية على حساب المعنى ،  فالشكل كان المقرِّر ،  والمعنى غالبًا ما كان مجترًّا في بداية العصر الحديث (16). ومع ظهور المطبعة وبتأثير الحملة الفرنسية عاد العرب إلى دراسة مصادر الأدب القديم ، وتأثروا بها ،  فكانت المرحلة الكلاسية أو الكلاسية الجديدة .

وبعد الاطلاع على روافد الشعر العربي وتياراته رأينا من اتجه الاتجاه البرناسي (17) - الذي له أساس -حسب رأيي -  في ما ذهب إليه الجاحظ من أن المعاني مطروحة في الطريق ،  وإنما الشأن في إقامة الوزن ، وتمييز اللفظ ، وإنما الشعر صناعة ، وجنس من التصوير(18) ،  ومنهم من يمزج الكلمات المألوفة بغير المألوفة ويرون رأي أرسطو أن فن الشعر مزيج من الألفاظ المألوفة وغير المألوفة ،  والتغير أو العدول عن الألفاظ الواضحة الأصلية إلى غيرها يعد تجديدًا في اللغة (19) ،  ومنهم من يكون غامضًا ،  ولعل سبب الغموض أن الألفاظ غريبة ،  أو مشتركة المعنى ، وهذا يقتضي تبسيط اللغة ،  وخاصة إذا كان المعنى مبنيًا على مقدمات غير معلومة للقارئ (20). وأصحاب مدرسة ( شعر ) اللبنانية الذين قلدوا الشعر الأوروبي  بكل  (موداته )  قدموا لنا محاولات تركيبــية جديدة لنظام الجملة وطبيعة اللفظة فيها (21)، فالشعر هنا صور ..... ويحدد أدونيس الكلمة فيها -  أنها تزخر بأكثر مما تعد ،وتشير إلى أكثر مما تقول (22).  فالشعر عنده ثورة ،  والكلمة معول هدم يجب أن تفرغ من الماضي ، وهو يعني بثورة اللغة أن تصبح الكلمة - وبالتالي الكتابة قوة إبداع وتغير تضع العربي في مناخ البحث والتساؤل والتطلع والعمل. (23)

 والنثر وخاصة القصة والمسرحية يتلاقى  في اتجاهاته العديدة هو والشعر من حيث الغموض ، فالكاتب يعمد إلى أن يقفز بدفعة واحدة إلى حيث يريد ،  وعندما يتشبث به القارئ متوسلاً أن يصاحبه يخلّفه في الطريق  ، حيث يبحث عنه ، أو يعزف عنه  ، وغالبًا ما يعزف عنه .

        وهنالك قضية أخرى ذات أهمية أخرى في لغتنا ،  وهي الفصحى والعاميــة ، فكثيرًا ما اتهم دعاة العاميــة بالضعف أو بالدعوة إلى الشعوبية(24) ،  ونحن اليوم في سبيل لغة وسطى ،  بسبب انتشار التعليم ووسائل الإعلام ،  بالإضافة إلى أن الفصحى ذاتها قد  طرأ فيها تغيير كبير - في هندسة الجملة  ، وذلك بتأثير لغات أخرى ،  فالفصحى والعاميــة في صراع خفي ، وربما يكون يصب هذا في  مصلحة العرب ،  واللغة يجب أن  تتطور حتى لا تصبح مجدبة عقيمة . ولكن الأولية  تبقى للفصحى . و اهتماما بدورها نرى الكثيرين ينقحون أعمالهم الأدبية ، فإذا ما استعمل كاتب كلمة عامية فـإنه يحاول أن يغيرها إلى كلمة أقرب إلى اللغة التي يكتب بها أعلام الأدب القدماء ،  وهو يحاول أن يبتعد عن لهجة يقبل عليها الأقــلاء ، وثمة الكثير من شعراء  الحداثة يمازجون بين الفصحى والعاميــة ،  وربما بتأثير إيليوت القائل إن العلاقة الصحيحة بين الألفاظ هي التي تخلق التناسق والحيوية (25)،  ويمكننا اعتبار هذا تجديدًا لغويًا ضروريًا في كل عصر  وفي كل لغة .    

(1) - انظر مثلا مدكور :  في اللغة والأدب ص 16  ، عباس  : فن الشعر ص 191 ،  طبانة :  قضايا النقد الأدبي  ص 201 ، ونجد  :في النقد القديم من أنصار تقديم اللفظ على المعنى :  ابن خلدون ،  المقدمة ص 856  ؛ ومن أنصار تقديم المعنى على اللفظ ابن رشيق : العمدة ج 1ص 28 ، العسكري :  كتاب سر  الصناعتين  ص 55 .....ويرى الجرجاني أن هناك ما هو أكثر من  اللفظ والمعنى كبناء الجملة والذوق  : دلائل الإعجاز  ص 40 ، 70 ، 307 ، 320    .
(2) - انظر -  الشايب  :  الأسلوب ص 67  ، وما بعدها  ،  وكذلك الزيات :  دفاع عن البلاغة ص 62 وما بعدها .
(
3) -    في اليونانية تعني  logos   العقل واللغة انظر
(4) - انظر-  أنيس :   من أسرار اللغة ص 7 .
(5) - انظر-  عبود :  الرؤوس ص 28
(6) - نظرة في كتاب الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف فستجد أن ليس هناك فروق  كثيرة  وجوهرية مثلا في أسماء الخمر .
(7) - ناصف -  نظرية المعنى  ، ص 18 ص 122.
(8) - انظر كامل - دلالة الألفاظ العربية وتطورها  ، ص 14 وما بعدها  انظر- زيدان :  اللغة العربية كائن حي  ، ص 48 وما بعدها .
(9) -  انظر -  أمين : فيض الخاطر (ج 2) ص238 .
(10) - انظر -  ضيف : الفن ومذاهبه في الشعر العربي ص 371
(11) - انظر مادة (  سلع )  في معجم البلدان لياقوت.
(12) - على سبيل المثال  - هدارة : اتجاهات الشعر العربي ص 535 565 .
(13)  -  أورد هذه القصة عز الدين إسماعيل في كتابه :  الأسس الجمالية في النقد الأدبي ص 186 ، ولكني لم أجد لهذه القصة مصدرًا قديمًا ، ففي أخبار أبي  تمام  للصولي ص 37 نجد القصة في معرض دفاع المؤلف عن الشاعر، وليس الشاعر عن نفسه ...أما  البيت فهو :
                       لا تستقني ماء الملام فـإنني                          صب قد استعذبت ماء بكائي       
                                                                                  ( ديوان أبي  تمام ص 10 )
(14) - جزء من آية رقم 24 في سورة الإسراء ،  والمقصود بهذا الرد أن القرآن كان قد استعمل الاستعارة ، مما يجيز الشاعر أن يفعل.
(15) - انظر مثلا رمز أبي  كرب ورمز مية وغيلان في ديوان أبي  تمام ص 15، ص 6 .
(16) -  انظر -  الموجز في الأدب العربي ( أدب الانحطاط والنهضة ) .
(17) - انظر عن البرناسية في -  عباس  : فن الشعر ، ص 58  ، الزيات  : دفاع عن البلاغة ص 131 .
(18)  - انظر عن شرح عبارة الجاحظ في كتاب الحاوي  : نماذج في النقد الأدبي ص 719 .
(19) -   طبانة :  قضايا النقد الأدبي ص 158 .
(20) - ن . م ، ص 157 .
(21) - انظر مثلا :  مجلة شعر عدد 23 24 ص 17 ص 31 .
(22)  - انظر -   أدونيس  : زمن الشعر ص 19 .
(23)  - ن . م ص 45  ، ص 199 .
(24)  - انظر -  بنت الشاطئ :  لغتنا والحياة ص 94 ،  المبارك  : عبقرية اللغة العربية ص 7 .
(
25)- انظر-  درو : الشعر كيف نفهمه ونتذوقه ،  ص 12 ، وانظر كذلك اختلاف تقييم كلمة (أخدع )  في كتاب- طبانة :  قضايا النقد الأدبي ص 23

 .............................................................................................................................................................

  

                  رثاء الأب لدى الشعراء المحدَثيـــن

عودة إلى القديم :-

    الرثاء الذي قاله الشعراء العرب على مدى العصور يجاري الدموع التي سالت ، وغالبًا ما قيل للتكسب والتزلف من أرباب الجاه والسلطان ، حتى وُصف الشاعر العباسي بأنه ( مدّاحة نواحة ).     
     ومن الغريب أن الشعر الذي قيل في الأهل قليل جدًا ،  وربما يكون ما وصلنا منه هو  الذي جعلني أحكم بنوع من اليقين أن النتف الشعرية الرثائية كانت تعميمًا تصلح لكل شخصية ،  وتفتقد الحس العميق والهوية الشخصية للراثي والمرثيّ .  ففي رثاء الزوجة ( الزوج) عرفنا  جريرًا في بضعة أبيـات يستهلها بأن الحياء يحول دون استعباره وزيارة قبر حبيبته .  أما غريمه الفرزدق فلا يملك في رثاء زوجته سوى أبيــات جرير نفسها يرددها . وفي حماسة أبي  تمام نقرأ مقطوعة لشاعر مغمور هو مويلك المزموم يرثي زوجه أم العلاء
(الحماسة 1 ص 402 ) (1)
وفي رثاء الزوج وجدت رثاء  لعاتكة بنت زيد بن نفيل ،  ولأم قيس الضبية ، ولأسماء بنت أبي  بكر في أبيـات قليلة باهتة المعنى .
ونجد نماذج في رثاء الأخ لدى المهلهل ودريد بن الصمة والخنساء . وفي نهاية حماسة البحتري فصل في مراثي النساء . كما  نجد فصلاً آخر في نهاية ديوان الخنساء فيه  شعر لبعض شواعر العرب المغمورات ممن تحدثن عن السجايا والشيم ، كما تجلت في المرثيّــيـن . وفي حماسة أبي  تمام نقرأ لنهار بن توسعة وابن عمار الأسدي  والعتبي وطريف العبسي .
 وتظل هذه القصائد معدودة إزاء الكثرة الكاثرة من شعر الرثاء ،  بالإضافة إلى أنها لشعراء مغمورين .
وفي رثاء الابن قرأنا  أشعارالسلكة - أم السليك  ، وقصائد ابن الرومي( وهي قمة في الوجدان ) ، وابن عبد ربه، وعبد الله بن الأهثم، وأبي  صخر الهذلي وغيرها .
ونادرة هي القصائد في رثاء الابنة أو الأخت أو الأم (2) ،  نذكر منها قصيدتي المعري في رثاء أمه ( سقط الزند ص 39-46 ) وبضعة  أبيـات لأبي  فراس في رثاء أخته ،  وليس السبب يعود لكونها أنثى - كما يخيل للبعض ،  فـإن حظ الأب ليس بأفضل .
 ففي رثاء الأب وقعت على بيتين لامرأة ترثي أباها ، وهي تؤكد أنه لا يساوي أباها أحد    
( الحماسة لأبي  تمام 1 ص 452 ) ،   كما وردت أبيـــات متفرقة لهند بنت عتبة ( زوج أبي  سفيان ) في رثاء والدها الذي قتل يوم بدر ( الأغاني ج 4 ص 212 - 214 ) .  وفي  نفس الفترة رثت قُـتيلة بنة النضر بن الحارث أباها ، وعاتبت الرسول
r لأنه قتله  بعد أسره في بدر .
وسأسوق مثلاً على رثاء الأب من أروى بنت الحباب ،  حيث رثت والدها في ثلاثة أبيـــات  :
            قل للأرامل واليتامى قد ثوى                 فلتبك أعينها   لفقد     حباب   
            أودى ابن كل مخاطر بتلاده                   وبنفسه  بقيا على  الأحساب 
            الراكبين من الأمور صدورها                 لا يركبون  معاقد    الأذناب

 ويبدو أن الشعر الذي قيل في رثاء الأب في معظمه وارد من نساء، فبالإضافة إلى من ذكرت تروى أبيـات قليلة لعمرة بنت الخنساء  ، وآمنه بنت عيينة  ، وكذلك أشعار بنات عبد المطلب قبيل وفاة أبيهن ... ( راجع القصائد في ملحق ديوان الخنساء )
      غير أن قصيدة المعري في رثاء والده ( سقط الزند ص 13 ) كانت من القصائد النادرة ،  فأبوه :
      مضى طاهر الجثمان والنفس والكرى       وسهد المنى والجيب والذيل والردن
كما يتحلى أبوه بالوقار والحجى والجرأة والسماحة  ، ثم ما يلبث المعري أن  يقف أمام الموت والدنيا ، ويعرض آراءه وأفكاره ،  وينتــقل إلى العاطفة ،   فيتمنى لو أن أباه موارى في جفنه ،فأبوه ( لؤلؤة المجد )....... وتصل القصيدة ذروتها الوجدانية :
              فهل أنت إن ناديت رمسك سامع    نداء ابنك المفجوع بل عبدك    القن
            وأحمل فيك الحزن حيًا فـإن أمت     وألقك لم أسلك طريقا إلى    الحزن
           وبعدك   لا يهوى   الفؤاد مسرة      وإن خان في وصل السرور فلا يهنى

وبرغم  هذه القصيدة المعبرة فـإن  القصائد التي قيلت في رثاء الأب  هي قليلة ، أو مغمورة  ، وهي لا تقول الكثير .
وما ذكرته من نماذج اهتديت إليها لا يدعى الحصر رغم كل اجتهاد ، فثمة نماذج أخرى  لا أرى أنها تغير من أفق التوقع .

 في الشعر المعاصر :
وقبل أن ألج الموضوع لا بد من التأكــيد على أن الشعر المعاصر بوظيفته الاجتماعية  انتبه إلى قيم جديدة ،  فأُفرِدت ولأول مرة كتب  تناولت  رثاء الزوجة منها  ( من وحي المرأة ) لعبد الرحمن صدقي (3)  و ( أنات حائرة ) لعزيز أباظة  ، بالإضافة إلى قصيدة البارودي الدالية في رثاء زوجــه .... وقس على ذلك أشعارًا ترددت هنا وهناك في رثاء الابنة ( المازني ) والأم
( شوقي ) .

وسأقف تخصيصًا على رثاء الأب كعينة من خلالها أتوصل إلى أن الشعر المعاصر- وبالأدق الشعر الحديث - هو الذي استطاع التعبير عن عاطفة  الشعر بجدارة ، هو البؤرة التي تستقبل الأشعة وتفرقها .

سأقف  أولاً على قصيدتين لأحمد شوقي ولأحمد زكي أبي  شادي، حتى أصل إلى  أدونيس ونزار قباني وصلاح عبد الصبور، متركزًا على قصيدة سميح القاسم - كنموذج حي ومتفاعل ومعبر ، عن المشاعر الذاتية والإنسانية معا .

          *                                 *                          *

 رثى أحمد شوقي أباه  عليًا سنة 1897 ،  وكأنه مسوق إلى قول لم يعتد عليه الشعراء ،  فيبدأ قصيدته :
 سألوني لمَ لم أرث أبي                      ورثاء الأب دين      أي دين
 أيها اللوام ما   أظلمكم                      أين لي العقل الذي يسعد أين ؟(4)
                         
( القصيدة في الجزء الثالث من الشوقيات ص 154 _156 )

ثم ما يلبث شوقي أن يؤكد بدهيات - أن كل الناس يموتون وحتى الرسول مات  :
 يا   أبي  ما  أنت    ذا أول                  كل نفس للمنايا فرض عين
 هلكت قلبك  ناس     وقرى                  ونعى الناعون خير  الثقلين
 غاية المرء وإن طال المدى                 آخذٌ     يأخذه   بالأصغرين 

ونحن نكاد لا نجد عاطفة للشاعر بأحاسيس منفعلة ،  فهو يتحدث عن قوة الموت ،  وأن الطبيب يعود خائبًا بخفي حنين ،  وأن الموت ينفذ الجو على عقبانه ،  ويلاقي الليث ويحط الفرخ من أيكته .
ونجد في ثنايا القصيدة ما يحوي لنا بالعلاقة معه :
وتمشينا يدي في يده                              من رآنا قال عنا ( أخوين )
طالما قمنا إلى مائدة                            كانت الكسرة فيها كسرتين (5)
   غير أن هذه العلاقة تكتسب طابعًا صوفيًا على المستوى الشكلي على غرار قول الحلاج :
          أنا من أهوى ومن أهوى أنا                  نحن روحان حللنا بدنا
           فإذا أبصرتني     أبصرته                   وإذا أبصرته أبصرتنا
فيقول شوقي :
 أنا من مات ومن مات أنا                      لقي الموت كلانا مرتين
وفي ختام القصيدة :
 وإذا مت وأودعت الثرى                      أتلقى حفرة أم حفرتين ؟
   وبالإجمال فـإن هذه القصيدة لا تنقل لنا ( العدوى ) العاطفية على حد تعبير الشعراء الرومانتيين .
ويبدأ أحمد زكي أبو شادي ( 1892- 1955) قصيدته في رثاء والده محمد أبي  شادي بك ، وكان صحافيًا ورئيس نقابة المحامين  ، وعضوًا في مجلس النواب وقد توفي سنة 1925.(6)
يبدأ الشاعر قصيدته :
أرثيك والحب الصميم رثائي
(انظر الشفق الباكي لأبي  شادي ص 133 - 14 )

ويعدد الشاعر الفضائل التي تحلى بها والده ثم ما يلبث أن يكرر ( لهفي على ..........)
فيتلهف على جوده ،  وحدته لصون العدل وقلمه المصلح وأدبه المفكر وخلقه وعمله وظرفه ووده الكريم وشممه وشيمه التي لا يستطيع إحصاءها .

وبالإجمال فـإن في هذين النموذجين من شوقي وأبي  شادي  شيئًا مشتركًا  ، وهو الوضوح والمباشرة والتقريرية في تكرار عبارات الأسى واللهفة عند كليمها ، وإذا كان شوقي قد عكس طريقته في كتابة الشعر من معارضة وحكمة وخطابة واستطراد ،  فـإن أبا شادي قد رثى والده بتفصيل عبارة وبناء متماثل  ، وهو يعكس على الأقل شخصية نموذجية من شخصيات مطالع هذا القرن أكثر من كونه والدًا له معه أكثر من وشيجة .
فإذا انتقلنا إلى نماذج من شعر "  الحداثة  " فـإننا  نطالع قصيدة أدونيس (الموت ) ،  وهي مؤلفة من ثلاث مراثٍ نشرها  في مجموعته الأولى ( قصائد أولى ) ( 1947 - 1955 ) ففي المرثية الأولى ( ص 116 ) يبدأ  قصيدته بالإشارة إلى أن أباه تركه وهو واثق من مستقبله المفتوح ، وإلى أن حياة الشاعر مع والده كانت سهلة فقد كان :
( أبي  غد يخطر في بيتنا  شمسا
                                            وفوق البيت يعلو سحاب )
ويؤكد لنا الشاعر ( أحبه ) ثلاث مرات... في المرة الأولى  " أعظما  " ،  وفي الثانية " سؤالا عصيًا دفين ....وجبهة ملفوفة بالتراب "  وفي الثالثة  " وأحبه  صدرًا رميمًا وطين " ،
ثم يعود في المرثية الثانية (ص 117 ) ليؤكد أن الأب  كان قد شد بصدر الشاعر للسماوات ، وحمله الماضي وخلى صدى منه ينادي للمستقبل ( وفي هذا عود لمعاني المرثية الأولى)  ، ثم
يخاطب لهب النار الذي ضمه قائلا لها إنها مقدسة لم يفن فيها  : 
" هي كالشمس تأفل
 عن أجفاننا وهي وراء الشمس لم تأفل"
  وهذه القصيدة غارقة بالفكر والذهنية ،  ونحن نتساءل  فيها : لماذا قرن بين والده والنار المطهرة ؟  أكان ذلك بتأثير البوذية أم أن في عقيدته بعض الإشارات الخاصة أن فكرة الشمس تعود في المرثيــتين الأولى والثانية  ، وأن الشمس لها دلالة رمزية كذلك .

 أما المرثية الثالثة ( ص 118 ) فهي سطران معبران فيهما تمازج استعارات وسببية مبالغ فيها ، لكنها مترابطة ومتعانقة والبيتان  هما :

                              " على بيتنا كان يشهق صمت ويبكي سكون
                                لان أبي  مات أجدب حقل وماتت سنونو "

وفي تقديري  أن البلاغة متأتية بسبب مخالفتــه  لسُنة الطبيعة  ، ومن حق الشاعر أن يرى زوال الصيف والخيرات في لحظات حزنه العميق .  غير أننا نلاحظ في المرثيــتــين الأوليين نوعًا من التحدي للقوة الإلهية ففي الأولى  :
                            " أحبه أعظمًا في القبر تستعصي على الخالقـــين "

وفي الثانية : " ترمد الزند الذي طالما شد بصدري للسماوات "  ،
ثم بنوع من المفارقة للآية " يا نار كوني بردًا وسلامًا "    يقول أدونيس  :
"   يا لهب النار الذي ضمه
                                   لا تك بردًا ولا ترفرف سلام
  ففي صدره النار التي كُـوّرت
                                  أرضـًا عبدناها وصيغت أنام  "

إذن فأبوه فوق طاقة البشر ،  فمنه الأرض التي عبدناها  ، وصيغ منها البشر ،  ومهما حاولنا القبض على معاني أدونيس فـإنها سرعان ما تتسرب منا ...... لكن القصائد الثلاث تلتقي في رؤية وجدانية ذات  صبغة تأملية .  لقد رأى أدونيس في موت أبيه علاقة إيجابية ،  فصاغ معاني ولم يصغ عاطفة .

            *               *                 *                     *

 وقصيدة نزار قباني في رثاء أبيه - انظر مجموعته ( قصائد ) ، الطبعة الثامنة ص 157 - 161 ) تبهر القارئ بلغتها ووزنها وطاقتها الموسيقية ونحت كلماتها ،  لكنها أسوة بأشعار نزار  في كثير من قصائده  تشع للحظة وتتوهج آنيــًا بشكل لا يوازي أي إشعاع ،  ولكن دون أن تترك أثرًا كبيرًا ،  أو حكاية وراءها حكاية ،  أو نفسية ممزقة .... فنزار قباني لا يصدق موت أبيه ،  لأن السبب أنه  ما زال فيه " روائح رب وذكرى نبي " ،  فركنه وأشياؤه تتوالد " تفتق عن ألف غصن صبي " ، وكأنه لم يذهب .  

 والمبالغة تأخذ دورًا بارزًا في القصيدة فبقاياه " بقايا النسور على الملعب " ،  وحينما يمر على الزوايا "  يمر معشب "  ،  والأب ما زال حيا يسامره  ، و " الدوالي الحبالى توالد من ثغره الطيب " ،  والأب له كروم بذاكرة الصيف وبذاكرة الكواكب ،  وعيناه ملجأ للنجوم " فهل يذكر الشرق عيني أبي  ؟ " وأبوه "معنى من الأرحب الأرحب " . وبعد هذا الإغراق في المبالغات التي عبرت عن شاعرية وصفية أكثر من  كونها إحساسًا منقولا - يصل بنا الشاعر إلى أنه هو وأبوه متماثلان :
           "  حملتك  في صحو عيني حتى           تهيأ     للناس أني     أبي 
            أشيلك حتى بنبرة       صوتي          فكيف ذهبت  ولا زلت بي  ؟ "

 وهنا نجد الصدق في تساؤله العميق على بساطته والوحي بتلقائيــته  ، والبعيد عن تقريرية شوقي في المعنى نفسه .
إن نزارًا متأكد من عودة  أبيه ، فهو كالمسيح المنتظر..... هو تموز  :
              "  فتحنا لتموز أبوابنا          ففي الصيف لابد يأتي   أبي  "

وبالإجمال فـإن هذه القصيدة فيها تشبيهات من مقلع رخامي صقيل .  فيها تقديس للأب في أداء مشحون بالمبالغة . ولعل قوله واصفًا بقاياه -  " بقايا النسور على الملعب "  ما يشي بذلك بصورة جلية .

                  *                           *                           *

 أما صلاح عبد الصبور ( 1931 - 1981 ) فرثاؤه لأبيه كان  على شكل  قصة ( انظر ديوانه الناس في بلادي  ص 23 ) ،  ونحن نتعرف إلى سبب موت أبيه في تضاعف القصيدة  ، ونتقرّى في تجميع جزيئات القصيدة مصرعَ أبيه في ( صخر الجبل ) ،  وكانت الذؤبان  تعوي والرياح.... وقد أتيَ به إلى الميدان " مشجوج الجبين " حمله أشخاص ( لعلهم عمال جنود )
في وصف درامي  :
"  وبأقدام تجر الأحذية
 وتدق الأرض في وقع منقـــر
 طرقوا الباب علي  ..."

يصف الشاعر الجو عندما أتاه نعي أبيه ، فيجعله ملائمًا للحدث ولنفسية الحزن الذي أطبق عليه :
       " كان فجرا موغلا في وحشته
          مطر يهمي وبرد وضباب
          قطة تصرخ من حول المطر
           وكلاب  تتعاوى "

 ويقف الشاعر موقفًا جديدًا أمام الموت ، ويصفه بالبحر الكبير،  وبالدرب المضلل ،  والقدر الذي لا يخطئ  ،  والسكون..... ثم ينتقل  وكأنه فطن إلى عمق  ماساته -  إلى تساؤلات عن سبب غيبة الأب  ، فيبدأ كل سؤال : "  ما الذي.....؟ "  "  لمَ ....؟ "  في تكرار بداية - ANAPHORE       يثير كوامن الحزن .
وإزاء لإغراق في وصف الأب عند نزار فـإننا نجد صفات الأب هنا بصورة  إيحائية ،  فهو محبوب من مجتمعه  ،  ورفاق  قبلوه خاشعين ،  وهو عطوف  على  أولاده يداعبهم ويناغي تارة رأسي  وطورًا منكبي  ، وهو عنوان  العائلة ، وهم  كالقطيع غاب راعيه وطالت  رحلته  ، وهو قوي البنية .... وأبي  يثني ذراعه كهر قل  ،  وهو فقير ،  وجلسنا نأكل  الخبز المقدود .

ومن ملامح الواقعية في القصيدة أنه يذكر  والده في مواقف  بعينها :
" جنت الريح على نافذتي
 وفي مسائي فتذكرت أبي 
   وشكت أمي من علتها
  ذات فجر ، فتذكرت أبي 
 عض الكلب  أخي ... 
وهو في  الحقل  يقود الماشية
 فبكينا 
حين نادى 
يا أبي  !!! "

 وإذا  كان شوقي  وقباني  قد اعتبرا  أنفسهما  جزءًا  من الأب  وصورة له فـإن  عبد الصبور يعبر  عن  ذلك بطريقة  أخرى وبواقعية  تصويرية  :
" ثم جمعت حياتي
 وهي بعض من أبي  "
 ويصف  عبد الصبور جو القتامــة من بعد أبيه ،  فهو يراه بين الضباب  :
" ونرى طلعته  بين الضباب 
وأرى الموت فـــاعوي يا أبي  "

 ولفظة (أعوي ) و " صرير الباب "  في "صوت كئيب "  فيها تماثل وهذه القتامة  ،  وتتميز قصيدة عبد الصبور ( القصصية ) بالإضافة إلى شعبيتها وصدق تجربتها بالتكرار الذي تردد على الكثير من مقاطعها  ، وخاصة ما يتعلق بالنعي أو بالجو المتلبد الذي صاحب النعي  ، وفي قوله المعبر ( إنه مات ) تكرار يلائم المضمون .....وهو نابع من الشك أن الموت فعلاً قد وقع ....وحالة  الذهول ساقته إلى التكرار غير المفتعل والمعبر عن إنسانية مرهفة .

                                     *             *            *

 وتقع قصيدة سميح القاسم في ستة مساقات ( انظر  GRATA NON PERSONA    ص 42 - 48 ) تارة يكتب شعر التفعيلة  ،  وطورًا يلتزم الشعر العمودي ،  وفي هذا التراوح توزيع لآهاته ،  وتنفيس عن لواعج ذاتية مضطربة .ففي  المساق الأول يبدأ القول :
  " كبرت
 وصرت
من الأهل في منزل الحزن "
 يفضي لنا الشاعر بسرائره فقد تغيرت ملامحه ،  وصوته ترهل ، وضاقت خطاه ..هرم.. وغام وصاحب تغير ملامحه تغير في طبائع الأشياء - فقد العشب من نضارته ،  وتلون الصبح بالصفرة والورد بالغبرة ،  وقد تغيرت ملامح الأفق والشمس .
 وفي المساق الثاني يلجأ إلى البحر الخفيف بقافية مقيدة :
كان قبري فكيف أصبح قبرك
                                وهو سري أم أنه كان سرك
 يا  أبي  والدي  أبوي   ويابا
                             فيك وحدت والردى فيك أشرك

ولا يخفى أن البيت الأول يلامس بيت شوقي الذي ورد سابقًا ،  لكن الأصوات المجسمة لنداء الأب وبكل نغمة ولغة تضفي جوًا مأساويًا ،  كما تتميز هذه المفارقة الحادة بين التوحيد والشرك على عمق الصورة النابعة من عقيدة التوحيد الدرزية - ( سري ، وحّدت ) .
    إن الشاعر يشتهي أن يسمع نداء أبيه العذب ( يا ابني !  ) ليجبه ( أمرك )..... وهو أسوة  بنزار وعبد الصبور لا يصدق بأنه غاب عنه  :
"  غبت عني !  هل غبت عني ؟ هذا
                                    طيفك الحي بيننا يتحرك
  لم  تزل     تملأ    العبــاءة    بيتي
                              من ترى يملأ العباءة غيرك (7)

وبالطبع فـإن الشاعرين رمزا من ورائها إلى هيبة الأب وديمومته.

 وفي المساق الثالث يقول إن وجه أبيه السمح "  قصارى الرضا" ، وإن همسة الطيبة غاية الرزق  ، والشاعر يكرر طريقة الأب في تحية الصباح ، وتشبّع الابن بجو الأبوية - يبوس يديه...يلثم ردن عباءته المعشبة ( تعبير نزاري ) .....يملأ روحه برائحة البن والتربة الطينية ....يملأ قلبه بحكمته السمحة المرعبة .....
يعود الشاعر ليؤكد أن أباه حي مثل جبل حيدر المتاخم لقريته ( الرامة ) ، بل هو أحلى وأكبر وأعلى وأنضر  .
وفي المساق الرابع يتوقف لدى زيتونة في قطعة أرض تابعة له  ، ويخلع عليها طاقة إنسانية مستقاة من شعور سميح بدوره  ، فالزيتونة تهب الوجود لأمة العرب ،  ونشرت على الآفاق خضرتها ،  وتفجرت نورًا مدى الحقب... عرفت الزيتونة ( وهي  رمز بارز في التراث الفلسطيني ) هذا الأب  ،  فعند زيارة الشاعر لها  تعاجله بالسؤال ،  أو هو يعاجلها ( أين  أبي  ؟ ) وكأن الزيتونة والأب صنوان.
  وفي المساق الخامس يحدثنا عن عواطفه إزاء "  جسر روحه " ،  يقول له    :
" ساعتك الأوميغا استسلمت للزمان
  قلبك في جسدي موضعه
 أتفتح أبواب حزني
 وتغمض عينيك عني
أبي  لا تدعني  ! "
ويحس الشاعر بطفولته وهو يتلهف إلى لمسة من يدي والده ،  وهو يتشوق إليه ،  ويكرر "  أبي  لا تدعني !!" .

 وفي المساق السادس يقول لنا إنه  لم يَضع ( يعلق )  صور والده على الجدار ، لأنه لا يعرف كيف يلاقي نظره.... وضحكة قلب الشاعر انتهت ، وأصبحت دمعة فوق تراب دثر والده :
يا أبي  ما زلت في منزلنا
                    ماثلا  لم ننس حتى نذكرك
ومرة أخرى يعود الشاعر  ليركز على كونه طفلاً ،  وهي ( الموتيف ) في القصيدة :
"  كم تماديت وكم باركتني 
                     غافرا  من قبل أن استغفرك
 طفلك المتعب مشتاق فمن 
                يا أبي ، عن موعدي قد   أخرك

وقصيدة سميح تشي عن وصف ذاتي لشخصيتــه  هو  ، فالأب صديقه ،  وفارسه ، وإمامه ، وهو يجد في هذه الشخصية انعكاسًا  لطموحاته  الوطنية الأصـيلة  . ولعل من الجدير أن أذكر أن الشاعر يربط باسم والده ( جبل حيدر ) و ( خلة القصب ) .... وعند شرح معنى اللفظين يلجأ إلى شاعرية التعبير مستمدة من واقعة الذي وصفه :

 *جبل حيدر الذي يحمل الرامة على زنديه مثل طفلة ترفض النوم .

 * خلة القصب - قطعة أرض تنبت زيتونًا وأجيالاً وتاريخًا .

 وأخيرًا  ، إن في هذه الوقفة عند قصيدة القاسم دليلاً على الزخم في المشاعر والحيوية ،  وفيها تاكيدًا على أن الشعر الفلسطيني لم يكن في موقع ريادي بفضل القضية ومعاناتها فقط ، بل لأن الطاقة الشعرية هي التي أهلت بعض شعرائنا  للدخول في محراب الشعر الرفيع .

ولا بد من التأكيد من خلا ل متابعة قصائد المحدثين أن هذا الشعر عبر عن عواطفنا الإنسانية بعمق وشفافية  ، وبمضامين مصوغة بحيوية وألفة  ، فإذا ترجمت هذه القصائد لأية لغة فـإنها لا تفقد حلاوتها وطلاوتها .... وفي ذلك نموذج على تناول موضوعات كثيرة قصر فيها الشعر القديم وجلّى فيها الشعر الحديث ،  وفي ذلك عبرة لمن بقي في مكانه  يرفض حداثة الشعر والتجديد في صياغته  .   

(1) -  انتبه إلى قول الشاعر :
ولعمري ما العجز عندي إلا              أن تبيت الرجال تبكي النساء
ومن العجيب كذلك أننا لا نكاد نجد شاعرًا تغزل في زوجه ،  وكأن الغزل قاصر على المحرمات فقط ،  غير أن نعمات فؤاد في كتابها
( خصائص الشعر الحديث) ص 57  تورد أبيـــاتًا ثلاثة لشاعر قديم.... وهي ليست  أبياتًا موزونة تمامًا :
بينما نحن بالبلاكث فالقاع                فالعيس تهوي هويا
 إذ خطرت ذكراك على القلب     وهنا فما استطعت مضيا

دعاني لك الشوق فقلت :          لبيك وللحاديين حثا المطيا
(2) - رثى المتنبي جدته في قصيدة مشهورة مطلعها :
 ألا لا أري الأحداث مدحًا ولا ذما
                    فما بطشها جهلاً ولا كفها حلما
             لكن هذه القصيدة تعتبر فخرًا للشاعر ،  وليست رثاء محضًا .
(3) - يقول العقاد في مقدمة هذا الديوان إن المرأة ( لم تعد قــينة مملوكة أو ربة بيت أو شهوة ......) وجدير بالذكر أن نزار قباني كتب مرثية طويلة بعنوان ( بلقيس ) صدرت عن منشورات نزار قباني ، بيروت -1982 ، وتتميز بمعانقتها للموقف الذي يعبر عنه الشاعر من حرية المرأة خاصة ،  وحرية الإنسان العربي وقيمته .
(4) - وازن   و هذا البيت  :
 ويُسأل في الحوادث ذو صواب                           فهل ترك الجمال له صوابا
(5) - يلاحظ القارئ أن في الشعر  خطأ لغوياً -  هو استعمال  ( أخوين ) والصواب ( أخوان )  .ٍ
(6)  - لحافظ إبراهيم قصيدة أخرى في رثاء  أبي شادي الأب :  ديوان حافظ ،  ج2 ، ص 217 .
(7) - لأدونيس قصيدة بعنوان ( العباءة ) في مجموعة ( قصائد أولى )  يقول فيها:
 في بيتنا عباءة فصلها
 عمر أبي 
خيطها بالتعب 
..............
     ألمح في ثقوبها
          ذراعه المحتضنة .

...............................................................................................................................................................

كيف يصف الفيتوري تجربته الشعرية

 

محمد الفيتوري شاعر سوداني من سلالة زنجية ( 1930 -     ) ،  وهو من رواد الشعر الحر ،  وقد واصل العطاء الأدبي بهمة لا تكل ولو أنه  يكتنفها بين الفينة والفينة  بعض الغياب - .

وقد قرأت له مقالاً منشورًا في مجلة ( الدستور لندن ) عدد  3 أكتوبر  1989  ص 64 بعنوان " تجربتي في الشعر"  .

أسعفتني ذاكرتي  على التو بمقال آخر له  - بعنوان "  تجربتي الشعرية "  ، وكان قد  نشر في مجلة الآداب البيروتية عدد آذار  1966 ص 9 (1) .

ارتأيت ضرورة الدراسة المقارنة حتى نتوصل إلى فهم مدى  التجربة - رغم مرور ما يناهز ربع قرن على نشر المقال الأول -  ، وذلك لدراسة التغاير / التباين الذي جرى في  تفكير شاعر يمثل وجهًا بارزًا من وجوه حركتنا الأدبية  العربية .

 ويعنينا في هذه الدراسة أيضًا ذكر المؤتلف والمختلف في حديثه ،  من باب موازنة الشاعر مع نفسه قبل موازنته  مع سواه .

 والعنوان ( تجربتي الشعرية ) فيه اختلاف يسير عن العنوان ( تجربتي في الشعر ) ،  فالأول هو ممارسة وتطبيق ،  والثاني هو معرفة حول الموضوع  وفيه ، تمامًا كأن تقول  " تجربتي الدينية " و " تجربتي في الدين " .

 وعنوان ( الآداب ) أتاح  للشاعر أن يحدثنا عن طفولتـــه ، ومنابع ثقافته ،  وكيف يدرس سيرة عنترة بن شداد ، لأنه عربي أسود مثله ،  وقد عرفنا على عناصر الحزن والغربة وشكوى زمنه الغادر ورثاء شبابه الغض :

 فقير أجل ودميم دميم ..

 بلون الشقاء بلون الغيوم

يسير فتسخر منه الوجوه ..

وتسخر حتى وجوه الهموم

 ولكنه أبدًا حالم ....

وفي قلبه يقظات النجوم  .....

ويحدثنا كيف أنه فرح بقصيدة ( المواكب ) الجبرانية كالأطفال ،  وضمها إلى صدره ،  وأخذ يتعبدها بخشوع  . وقد تعرف إلى  بودلير ،  واهتم به اهتمامًا خاصًا ،  وببطلة أزهار الشر  جان ديفال  ، فأحس أنه ينتمي إليها بصلة ما  ، وذلك لكون البطلة سوداء البشرة .

 وننتــقل إلى الثوابت التي بقيت في خلد الشاعر ورؤيته النقدية في ( الآداب )  ، وذلك من خلال الموقف من الشعر :

"   الشعر يتشكل وفقًا لقوانين خاصة تفرضها مجموعة الظروف والعلاقات الاجتماعية التاريخية المحيطة بصاحبها " .

  وهذا الفهم الماركسي يعود الشاعر إليه ، فيؤكد في ( الدستور ) :

"   إن الشاعر هو ابن بيئته ومجتمعه الذي ينتج من التفاعلات السياسية والاقتصادية والثقافية " .

 وفي المقولتين هاتين وعي بحقيقة الأوضاع الاجتماعية ،  وإدراك المتناقضات - وهو ما يدعى بالمادية الديالكتيكية في لغة ماركس ، وتبعًا ذلك فهم الفيتوري أن الشعر هو موقف " وليس هناك شعر حقيقي دون موقف اجتماعي " -  ( الدستور ) . والطائر الملتزم بسربه هي صورة الشاعر حسب تصوره ،  أما أولئك الذين انفردوا عن مسيرة السرب فله رأي ثابت نحوهم ، يقول أولاً -  "  إن الشاعر بغير العوامل الثقافية والمؤثرات التي تحرك التاريخ   يعزل نفسه عن  حركة الحياة ،  وكثير من الشعراء ماتوا لأنهم ظلوا داخل قواقعهم الذاتية -  ماتوا لأنهم ظلوا بعيدين عن الشمس والهواء " .

 ويقول ثانية :

"  فلا شك أن مواقفهم تلك إنما هي حصيلة انطوائهم على أنفسهم أو انتمائهم الضيق للفئات أو القوى الاجتماعية التي ينتمون إليها ،  أو ربما خضوعهم لمغريات ومصالح أنانية انحرفت بهم عن أداء رسالة الشعر " ( الدستور ) .

 ومن ناحية ثانية يشترك فيتوري اليوم مع فيتوري أمس بالتأكيد على موسيقا شعره :

"  لقد ورثت إيقاعات الطبول وارتجافات الدفوف ودقات النحاس " ( الآداب ) ،

 و " إن لدي صدى موروثًا من مستوى الإيقاع " ( الدستور ).

وهذا  الرصيد لا يستطيع اختياره وفق هواه ،  فإيقاعاته  مفروضة عليه لا تتـشكل ،  أو تلبس جسدها الإيقاعي الذي يفرض ذاته عليها .

 أما التمايز أو التباين فيتركز أولاً في  (  الآداب )  على أنه منتم إلى أفريقيا بالدرجة الأولى :  كانت أفريقيا بالدرجة الأولى اعترافه وهويته  :

  من الذي يطلب مني أن أكون غير ما أنا عليه

الأن وجهي أسود

 ولأن وجهك أبيض

سميتني عبدا  ؟؟!

    لقد كان يحس أنه جزء من أفريقيا كلها ( لاحظ كيف وصف الموسيقا آنفًا في جو إفريقي محض ) ، كان يتصور أنه يتحدث إليها جميعها -  بعراياها وجياعها وحفاتها وأكواخها القذرة ومستنقعاتها الملوثة ، وكان يسأل  :

" كيف كان  يمكن أن يصل إليهم صوتي  " ، وكان يشعر أنه واحد من مجموعة شعراء :  سيزار ، ليوبولد سنغور ،  دافيد ديوب..... " ،  و " هل لأني أكتب باللغة العربية يجب أن أنفصل عن ترابي  عن ذاتي ؟....  إنني لا أومن بوجود أي تناقض بين أسلوبي كعربي ورؤيتي  كإفريقي " ( 2 ) .

 هذه الرؤية الإفريقية أضحت في مقاله الأخير رؤية عربية صافية ،  فهو إنسان يتحرك راضيًا أو مكرهــًا ضمن دوائر هذا الخراب الهائل الذي تعيشه أمتنا العربية  " .

  وبرغم أنه اعترف في مقاله الأخير بالأحلام التي كانت تراوده هو وأبناء جيله ،  إلا أن المشترك بين الرؤيتين - الأفريقية والعربية كما أتصورها يتعلق بالخواء وانعدام الحرية  ، والقيود في الأرجل ،  والسلاسل في الشفاه ....

يحدثنا الشاعر اليوم كيف "  تكرس عجز الجيل العربي الحاكم عن قبول التحدي وإمكانية المواجهة "  ، وذلك في هزيمة 1967 . وفي السبعينيات "  أمكن للخيانة وحدها ولروح الهزيمة أن تسود الساحة، وان تشق لها طريقًـًـا متعـرجة عبر النضال المسدود  . ومع تتابع حلقات سلسلة النماذج أو  المواقف المفزعة تستفحل ظواهر عقمنا الفكري والسياسي ، ويزداد الواقع العربي ضعفًا وفسادًا بانتظار قدوم الثورة الاجتماعية " . ( 3 )

 

وبينما كان نقاشه مع محمود أمين العالم كما أشار إليه في (  الآداب ) حول الدفاع عن أفريقية  ، وهل كان الصراع لونيًا أم ماهيًا " بين المستعمر والمستعمر والمستغل والمستغل فـإن مثل هذا النقاش غير قائم الآن ،  وكأنه أصبح من المسلّمات  ، وأصبح ما يزعجه اليوم ويؤلمه  أن -  " كل مظاهر مسخ معالم الوعي والإرادة في شخصا نية الإنسان - كل إنسان "  .

 ويعترف الشاعر اليوم أنه قديمًا كان يتفجر بالمعاناة طامحًا لتجسيدها بغض النظر عن الكيفية التي تنصب فيها تلك المعاني (  الدستور ) ،  ولكن ذلك  لم يذكر في ( الآداب ) ،  وإنما ألمح إليه في مقدمة ديوانه  ، فيقول :

" إن عملية الخلق الفني عملية خفية - إذا صح هذا التعبير - ،  إنها حالة انشطار الإنسان شطرين - حالة صراع داخلية ، يسقط ضحية لها في أغلب الأحيان وجود الفنان الصناعي الخارجي ليرتفع فوق أشلائه ذلك الوجود الحقيقي الآخر الكامن أبدًا فيه " ،  إلا أن الرعشة المقدسة التي تأخذ الفنان حينذاك يستحيل التعبير عنها إلا ضمنًا .....ضمن هذا النسيج النفسي الفكري الموسيقي الذي يسمى بالقصيدة الشعرية " -  ( ديوان الفيتوري  ج1 ، ص 32-31 ) .

أما اليوم فـإنه لا يعترف بهذا الجو الإلهامي ، بل هو يخطط ويعد قائمة نفسية بما يريد أن يقوله :

 

" ....أصنع البذرة عن سابق وعي ( سواء كانت سياسية أو اجتماعية ) ،  ثم أنتظر بعض الوقت حتى تزدهر فيّ ،  كما في باطن الأرض لتبدأ تتشقق في داخلي ، وتشقني في نفس الوقت ،  ثم تبرز شيئًا فشيئًا حتى تأخذ شكلها الخارجي الذي سوف تواجه به الآخرين " -  ( الدستور ).

كان هدفه في مقتبل عمره أن يطهر نفسه مما ورثه عن أبيه ،  لأنه أراد أن يخلص إلى الواقع كإنسان في هذا العصر .

 أما هدفه اليوم فهو التخلص من ظروف التخلف التاريخية التي ما زال يعاني منها الإنسان العربي المعاصر ( الدستور ).

 وهذا الاختلاف هنا وهناك في موقف الشاعر ورؤيته يبرره الفيتوري وبحق  :

إنني مجمل المعاناة الإبداعية ،  والتجارب الفنية تكتسب كل مرحلة قيمتها بأن تضعها ضمن شروطها الزمانية والمكانية " - ( الدستور ).

 ولعل في هذه المقالة استيعابًا  لقول برجسون  : " ما من أحد كالشاعر يحس الزمان " .

 

 أما أسلوب الكتابة في النصين فهو جدير بالوقوف عنده  :

 ففي النص الأول  كان أسلوبه  على غرار أسلوب طه حسين ، من حيث  السرد بلغة الغائب ،  بل في استعماله لفظة ( الفتى ) عينها ،  لكنه كان ينتقل من موضوع إلى موضوع دون ترابط ضروري ، وكأنه يجيب عن أسئلة معينة حددتها هيئة التحرير ، ثم حذفت الأسئلة المطروحة . ( 4 )

أما النص الثاني فهو مقسم إلى خمس فقرات رئيسية تتلاحق في تصويرها لرؤيته  الشعرية ،  وهي متماسكة تبدأ من نقطة يركز عليها ،  لينتهي بها من خلال موقف واضح ورؤية متألمة لواقع ممض .

 

الهوامش :

 

 1 - أعيد معظم هذا المقال في مقدمة ديوان الفيتوري المجلد الأول بعنوان  " حول تجربتي الشعرية " أرخ سنة 1970 ، وصدر هذا الديوان عن دار العودة بيروت 1972  ،  وسأشير إلى  هذه المقدمة في حالة الضرورة . 

2 - من الطريف أن اذكر أن هذا الإحساس الحاد في إفريقية لم يسجله في المقدمة ( ديوان الفيتوري )  .

3 - وتتمة الاقتباس :

" و الشاعر العربي العظيم  "  ، وهذا الانتظار يوحي بأن الشاعر هو المهدي المنتظر،  وقد ورد مثل هذا الافتقاد عند أكثر من شاعر-  أذكر منهم  محمود درويش  حيث يقول :

"  فلا يستطيع الشاعر الفرد أن يوقع على هذا النص الساخن المفتوح بلا حدود ،  وعلينا أن ننتظر لعل شاعرًا  ما يكتب في هذه اللحظة قصيدتنا  الجديدة " (  الكرمل قبرص العدد 33 / 1989 ص 167 ) .

4 -  أجرى الكاتب تغييرات على مقاله المنشور في (  الآداب ) ، وظهرت هذه التغييرات في مقدمة الديوان ج 1   ، وكان ثمة ترابط أقوى في مباني الجمل ،  وخاصة في المقدمة ، وقد لاحظت أن النقلات هادئة ، وليست طفرات متسارعة  .

وجدير بالذكر أن الشاعر تطرق في هذه المقدمة إلى تجربته الصوفية  ، حيث لم يرد ذكر هذه التجربة في

(  الآداب ) و ( الدستور) ،  ويهمنا تأكيد على كونه الصوفي الثوري ،  وليس الصوفي الذي تعبث به الأحلام ( ص35 )  .

 ..............................................................................................................................................................

مراجعة في كتاب "دراسات في الشعر والعروض "

 

( أبو خضرة ، فهد : دراسات في الشعر والعروض _( 1 ) ، مكتبة الجيل ، كفر ياسيف 1989 ، وقد طبع الكتاب طبعة ثانية : مطبعة النهضة ، الناصرة 2004  ، وهذه الدراسة تعتمد الطبعة الأولى من الكتاب  ) .

يضم هذا الكتاب بين دفتيه سبع دراسات نقدية وبحثية ، اثنتان منها في مفهوم الحداثة ،  وثلاث حول الشعر المحلي ( أدمون شحادة ،  فوزي عبد الله ،  وجمال قعوار ) ،  ودراسة عن قصيدة قديمة ( تأبط شرًا ) ، وأخرى في العروض العربي .
وهذه الموضوعات لا ينظمها سلك واحد ، سواء من حيث المضمون ،  أو من حيث الاتجاه ،  فتارة  نحن أمام نقد ووجهة نظر ، وطورًا نحن  أمام بحث مستفيض ينطلق من بؤرة ليشع على جوانب متفرقة لها علاقة ما بمركز انطلاقها .
ففي المقال الأول ( مفهوم الحداثة في الشعر العربي المعاصر ) يتبين لنا أن هذا المقال ما هو إلا محاضرة  ، وعندما أعيد نشرها لم يحاول الكاتب توثيقها والإحالة إلى بعض إشاراتها .
 يقول الكاتب :
*   الحداثة-  في الشعر العربي المعاصر مصطلح استعمل منذ أو آخر  الخمسينيات من هذا القرن ، وما زال يستعمل كمقابل للمصطلح
modernity  
                                                    ( ص 1  من الطبعة الأولى )
*  وقال بعض الدارسين إن الحداثة ثورة على نفسها
                                                                         ( ص 8 )
*   ومن الجدير بالذكر أن عددًا من الدارسين وقرائهم قد رأوا في مقاومة هذه الحداثة واجبًا قوميًا ،  وذلك بسبب موقفها من التراث
                                                                    ( ص 10 )
*   وقد وُصفت ( الحداثة ) خلال ذلك بالعبث والفوضى والتخريب والتزوير والجنون والضحالة والركاكة والعدمية  ( ص 15 )
* وشعراء الحداثة في أوروبا عامة وفي روسيا خاصة وجهت إليهم تهم عديدة
                                                         ( حاشية في ص 15 )

وهذه الأقوال التي ساقها الكاتب فيها خطورة ، ويطغى عليها التعميم الذي يطلقه ،  ونحن أحوج ما نكون لمعرفة قائليها ،  وكيفية سياقاتها ،  بل إن بعض آرائه بحاجة إلى بحث مستقل - كقوله عن محاولات تعديل مسار التراث في شعر الحداثة بأنه :
تغير جذري شامل لا يكاد يبقى من المسار شيئا  . ( ص 9 ) .
 ثم إن الكاتب يعمد إلى تقسيمات وتعريفات يقترحها : فالشعر الجديد يشترط أن يختلف عما كان سائدًا قبله  ، دون أن يصل إلى قطع الصلة مع ما سبقه من توجّهات ( ص 2 ) ؛ وشعر الحداثة هو تجاوز لكل ما سبقه من توجهات ( ص 7 ) ،  وهو ثورة مستمرة على كل ما هو قائم أو مألوف من المفاهيم والمقاييس والنظم والأشكال .
 والشعر الحديث  يُخصص للناحية الزمنية ، على أن يكون الحديث للفترة القريبة منا ، ويمكن أن نحددها بثلاثة عقود .
 والشعر الحر هو الذي لا يتقيد بأي وزن أو قافية  ، ووجه الإشكال يتركز أولاً على تحديد القصيدة وتصنيفها ( ص 7 ) .
                 من هنا فإني أسأل :
أين وفي أي خانة نضع قصيدة ما لصلاح عبد الصبور أو الماغوط ؟
  بل أين تقع قصيدة أدمون شحادة  ( الشهاب ) التي  أعجب بها الكاتب لما فيها من علاقات متشابكة بين الرؤيا والبنية والأسلوب ؟  وهل  هي ضمن  شعر الحداثة أم لا ؟
      ثم إن مصطلح   الشعر الحر الذي ابتدعته نازك الملائكة معادلاً للمصطلح
vers irre`gulier    هو  المصطلح السائد ،  ونحن لا تهمنا صحة المصطلح بقدر ما يهمنا شيوعه وتواصليته  ، علمًا بأن محاولات التسمية على نحو : الشعر الجديد ،  شعر التفعيلة ،  الشعر المنطلق ، شعر الشكل الجديد ( انظر مثلا كتاب النويهي قضية الشعر الجديد ص 453  ) لا تؤدي إلا  إلى الخلط والارتباك .
 وفي تصوري أن هذا التعبير (  الشعر الحر)  هو الشائع عند الأكثرية الساحقة من  نقاد الأدب العربي الحديث ، ولم يبق إلا أن نجتهد في تبريره ، فالشاعر حر في توزيع التفاعيل في السطر الواحد، وهو حر في اختيار القافية .... والحرية كما نعلم لها قيود ،   وقيود حرية الشاعر تتأتى في الوزن والبحر الذي تسبح فيه تفاعيله .
 أما عن مصطلح (  شعر الحداثة ) فيجدر بنا ذكر رأي أدونيس فيه - من خلال بيان الحداثة
  ( انظر فاتحة لنهايات القرن ،  دار العودة  بيروت 1980 ص 313  ) ،   حيث بين الأوهام التي تتداولها الأوساط الشعرية حول الحداثة :
  منها الزمنية -  إذ يجب ألا نربط الحداثة بعصر ،  فالحداثة خصيصة تكمن في بنية ذاتها ،  فهو يرى في شعر أبي  تمام حداثة لا تتوفر عند نازك  .
 والوهم الثاني الذي يعمد إليه البعض هو المغايرة ،  وهذه نظرة آلية  ، تقوم على فكرة إنتاج النقيض.
 والوهم الثالث هو وهم المماثلة ،  ففي رأيهم أن الغرب هو مصدر الحداثة ،  وهم ينعون على الشعر العربي تخلفه ،  ولذلك يجب أن تكون الحداثة كتابة الذات الواقعية الحية .
والوهم الرابع هو التشكيل النثري ، حيث لا تكون قصيدة النثر بالضرورة شعر حداثة ، كما لا يكون الشعر الموزون بالضرورة خارجًا عنها ، فينبغي على القارئ / الناقد إذن أن يواجه في تقييم شاعر ما ثلاثة مستويات : مستوى النظرة أو الرؤيا  ، مستوى بنية التعبير ،  ومستوى اللغة الشعرية .
ويصل أدونيس في نهاية بيانه إلى القول :
 ينبغي التأسيس لمرحلة جديدة : نقد الحداثة ،  فالحداثة انتقال نحو سمة -  رؤية ما  ، حساسية ، تشكيل ما -  ليست الغاية ، وليست في حد ذاتها ،  ولذاتها قيمة بالضرورة .الأساسي هو الإبداع من أجل مزيد من الإضاءة... من الكشف عن الإنسان والعالم  .   والإبداع لا عمر له لا يشيخ ، لذلك لا يقيم الشعر بحداثته بل بإبداعه ،  إذ ليست كل حداثة إبداعًا ،  أما الإبداع فهو أبديًا حديث . ( ن . م ص 340 ، وانظر كذلك  يوسف الخال : مفهوم القصيدة الحديثة ،  الحداثة في الشعر   ، دار الطليعة ، بيروت 1978 ، ص 18 ) .

نخلص إلى القول إن الكاتب كلف نفسه ...، وذهب إلى  تحديد مصطلحات تناولتها الأقلام واعتادها الأدب ، بل إن مفهومي ( الحديث ) و ( الحداثة ) يتناوبان بشكل متطابق ، وهذا ما تجيزه العربية ، فما الفرق بين قولنا  ( شعر الجاهليين ) و ( الشعر الجاهلي ) ؟ وكذلك 
 ( شعر  الحداثيين )  و( الشعر الحديث ) ؟

*                   *                   *

 وفي الدراسة الثانية :   الإغراب في الشعر الحديث   يقف الشاعر موقف المعارض لشعر الحداثة ( لاحظ انه استعمل المصطلح الشعر الحديث في العنوان ) ،  ويستشهد بنموذج شعري لتيريز عواد ، ويعلق على التشبيهات فيه أنه  لا يُقصد بها كلها إلا الإغراب ،  وإلا فما هو الإبداع الذي تحققه ؟ وما هو الإيحاء الذي تثيره ؟

 ويعيد مثل هذا التساؤل في مكان آخر ، ولا أظن أبدًا أن في مثل هذا اللعب تعميقًا .( ص 29 ) ؛  ويقول عن شعر أنسي الحاج   ولا نجد إلا حلمًا فقد عفويته   ص (19 )..... ومثل هذه الجمل هي آراء ذاتية يسوقها الكاتب -  ناسيًا أن  لغيره مقاييسه وأدواته التي ينظر بواسطتها إلى الشعر ، وهذا لن يشفع له أن يقف موقفًا عدائيًا من مادة لم نسبر غورها -  ربما بسبب النفور منها ، أو بسبب ظروف لم تتصاف والقصيدة..... فجمال الشعر يتأتى من خاصية بقائه مفتوحًا نغالبه ويغالبنا ،  وليس شرطًا أن نلج الباب إلى عالم الدهشة ، أو عالم الحلم الذي فقد عفويته .
ويستشهد الكاتب بخالدة سعيد التي تعلق على شعر أنسي الحاج بقولها :
  ولذلك استطاع أن يحفظ للإحساس والفكر تشوشه وطبيعته .... ،  فيستنتج الكاتب أن الناقدة تعترف بان هذه الصور تعكس تشوش الفكر والإحساس ،  وبالطبع فـإن الفرق بين المعنيين واضح  ، فخالدة أكدت على صدق التجربة ،  بدليل حرصها على كلمة  ( يحفظ ) ،  بينما فهم الكاتب المعنى بصورة سلبية تخدم غرضه .
 وقد حدث مثل هذا الفهم غير الدقيق قي تفسير قول   خالدة :
  وعندما يسقط الشاعر عالمه الداخلي على هذه الأشياء يقدم لنا صدى التجربة أو طيفًا لها -  لا فعلها الأصلي ،  وإن كانت تأتي أزهى وأكثر لمعانًا وأسهل إدراكًا  وتقبلاً ....
فقد فهم الكاتب قولها بصورة  ميكانيكية : ،  وكأن خالدة تعترف بأن الصور الغامضة تأتي أقل لمعانًا وأصعب إدراكًا وثقلاً من الصور العادية ذات العلائق الخارجية ،  ناسيًا أن الناقدة تقف موقفا إيجابيًا  من شعر أنسي الحاج.
 ويبدو أن معالم الحداثة حسب تصور الكاتب كما هي في الغرب مقبولة عنده ،  بديل أنه يقبل   في بعض الأحيان الأسس النظرية التي تستند إليها هذه المظاهر   ،  ولكنه يتابع   إننا
 ( ؟ )  لا يمكن أن نقبل مثل هذا التطبيق الذي أشرنا إليه    ( ص 30 ) .
   ومع ما في هذه الجملة من فضفاضية يحضرني مثل هذا السؤال : كيف تقع أشعار كمنجز
cummings   ( 1962 1894 ) في مقاساته ؟
ولن أسوق له عشرات الأسماء عربًا وغير عرب ،  لأطلب منه عملية فصل في النظرية والتطبيق .
    إن الشعر اليوم سواء كان عربيًا أم غربيًا فيه جموح وانطلاق ،  تبعًا لطاقة الشاعر وإبداعاته ،  وما لا أفهمه وأعيه قد يفهمه الآخرون -  حتى وإن قل عديدهم .
 ويورد الكاتب رأيًا أو موقفــًا فيه جدة الطرح (2) ، رغم ما فيه من مزا لق .
يقول  :
وإذا عدنا إلى الشعر الحديث  ( ؟ ) ،  وتعمقنا النظر إلى ما فيه من إغراب ،  وجدناه  لا يختلف كثيرا في حقيقته عما ساد في القرن الرابع الهجري  وفي ما تلاه من قرون  الفرق الأساسي بيننا وبينهم -  أن معظم اللعب عندهم كان لفظيًا ، في حين أن معظم اللعب عندنا يقع ذهنيًا  ( ص 31 32 ) .
  ووجه الموازنة غريب إذا تأكدنا كون اللعب الواقع في الذهن هو إحياء وتعمق وتصور وإدراك وتفتيح للقدرة العقلية ، بينما اللعب الشكلي هو لفظي  خارجي قشرة ،  ليس غير  .

* * *

وفي دراسة لقصيدة الشهاب لأدمون شحادة يبني الكاتب دراسته للقصيدة على المقطع الأول حسب تقسيمه الذي يعكس صورة الماضي ( ص 34 ) ،  وهذا المقطع هو:
يمتطي الفرسان خيل الباديه
كشهاب يمتطي غيم السماء
ولا أدري ما الذي ساقه إلى الماضي غير كلمة ( الفرسان ) كدلالة ماضوية بيئية ، مع أن هذا المعنى هو حضاري / مستقبلي نابع من واقع معين يسلمه الشاعر سياسيًا ووجوديًا ، وقد أوهم الكاتب نفسه بزمن مفروض بنى عليه ،  فأخذ يسوّغ  استعمال المضارع بأنه يعطي للحدث بعدًا دراميًا عنيــفًا ( ؟؟)  إذ يضعه في منطقة تجاذب مستمر بين الزمن المنطقي المفروض ( الماضي ) والزمن الأدبي المستعمل ( صيغة المضارع ) -  ص 37  .
وثمة أحكام وتقريرات أخرى بحاجة إلى توضيح ،  كقول الكاتب :
  علينا أن نلاحظ هنا أن الشاعر لم يراع بذلك  أصول البلاغة العربية القديمة ( حاشية ص 35 ) ،  وهو بذلك ينكر وجود تشبيه على غرار تشبيه الفرسان بالشهاب في البلاغة العربية القديمة .   ومهما يكن من أمر فـإن مثل هذه الجملة بحاجة إلى تحديد ودقة .
   ويكرر الكاتب جملة تتردد كثيرًا في الدراسات اللغوية في الأدب ،  وهي على نسق :
 لا نستطيع حذف أو إضافة أو تغيير أية كلمة .
 والكاتب يستعمل مثل هذه المقولة عن قصيدة أدمون  لا يمكن أن تحذف منها أو تضاف أية كلمة دون أن تشوه الصورة تشويهًا  .......
ولن أقوم هنا بتمرين لأغير هنا وهناك ، فقد يكون الأمر افتعالاً واقتسارًا ،  ولكن محاولاتي التي لن أسوقها هنا أقنعتني بأن حكم الكاتب كان فيه مبالغة .
  وقد يكون الافتعال في بعض الدراسات اللغوية يتبدى في التركيز بشكل مغالى فيه على تسبيق كلمة وتأخير أخرى ،  ففي تكرار  يمتطي في المقطع الأول من قصيدة أدمون يشرح الكاتب -  لماذا تقدم الفعل في السطر الأول ،  وتأخر قليلاً في الثاني ،  وذلك حتى لا يوحي بالجمود ، وقد آثر الشاعر أن يكون الانتظام مطلقًا ( ص36 ) .
ثم يعمد الكاتب إلى تصنيع لتفسير الصورة الوصفية ، فيشرح( كشهاب يمتطي غيم السماء )  بأن غيم السماء يوحي بالمطر رمز الخصوبة والنماء وتجدد الحياة (انظر أيضًا ملاحظة 2 ص 47 ) علمًا بأن التشبيه البائن - هو أن الشهاب المضيء ينشق عن ظلمة وسواد ووضعية حالكة ، حتى يظهر أثر الإضاءة أسطع على خلفية معتمة  .

* * *
 وفي دراسة الملامح الرمزية في شعر جمال قعوار يتصور الشاعر أن التشبيهات العادية هي رموز ،  وهذا التقديم لم يكن أساسيًا في حساب المدرسة الرمزية - كما تعارف عليها النقاد ( انظر إيليا حاوي : الرمز والسريالية في  الشعر الغربي والعربي ، محمد فتوح أحمد :  الرمز والرمزية في الشعر المعاصر ) ، فسمة الرمز الجوهرية وما يعطينا معناها الرمزي  إنما يتمثل في  الأسلوب كله -  أي طريقة التعبير التي استخدمت هذه الصورة ، وحملتها معناها الرمزي ، ومن ثم فـإن علاقة الصورة بالرمز من هذه الناحية أقرب إلى علاقة الجزء بالكل ، أو هي علاقة الصورة البسيطة بالبناء الصوري المركب الذي تـنـبع قيمته الإيحائية من الإيقاع والأسلوب معًا ( انظر عدنان الذهبي: سيكولوجية الرمزية   مجلة علم النفس مجلد 4 العدد 3 1949 ص 365 ) .
 أما قول جمال :
  وذبحت للغربال أغنيتي                            لما التوت في وجه تيار
 يا ضائعًا في قلب زوبعة                            لا موطــن فيها لأحرار
..............................
  ورميتها بين الكلاب على                       تابوت أفكاري وأشعاري

 فهذه تشبيهات واستعارات وصور بيانية لم تصل إلى مفهوم الرمز إلا إذا كانت موتيفًا متكررًا  في القصيدة ، أو في قصائد سواها .
ثم كيف يجيز الباحث لنفسه دراسة أشعار لا يؤمن هو بكونها شعرًا ،  فيقول :

سأعتبر هذا الديوان شعرا على سبيل الاستثناء لا القاعدة ( ص64 ) ،  لكنه ما يلبث أن يعود إلى مثل هذا الاستثناء ثانية في تناوله لكتاب الفارس يترجل لفوزي عبد الله ( ص 48 ) ، وثالثة في تناوله قصيدتَي جمال  : ( حديث أم ) و ( الدروع ) - من ديوان أقمار في دروب الليل ( ص 67)   ثم يعود إلى رأيه  ثانية ويمضي في التحليل ، وكأنه حقيقة  ( ص 68 ) .
 ومن التقريرات الحادة التي تفاجئ القارئ قوله عن مجموعة غبار السفر  :
  لا نستطيع أن نرى فيها أي مظهر من مظاهر الكسل الذهني الذي يدفع الشاعر إلى الاعتماد على إنتاج السابقين باعتباره مادة جاهزة وفي متناول اليد   ( ص66 ).
 غير أن  الكاتب كان موفقًا حيث توصل إلى أن كتابات جمال  تنحرف انحرافًا حادًا  باتجاه السهولة التي تصل في بعض الأحيان إلى النثرية الكاملة ( ص 68 ) و هذه النثرية تشكل  خطرًا
حقيقيًا على شعره .

* * *

أما دراسته عن الأدب القديم قراءة جديدة لقصيدة قديمة فيتناول فيها قصيدة لتأبط شرًا ، وهي تتحدث عن محاولته للتخلص من بني لِحيان والهرب منهم عن طريق التزلج على العسل الذي كان يشتاره - حسب الروايات الأدبية القديمة - ،  أو على الصخر-  حسب الفهم الجديد للكاتب - ،  وثمة ملاحظات لي  على البحث أشير إليها :
*   ليس هناك ضرورة لنفي قصة العسل ما دامت أساطير كثيرة ترافق قصص تأبط شرًا ، وما دام هذا الغلو قائمًا في أشعار الصعاليك  . ( انظر قصة لقائه الغول ،  وقصص هجماته على القبائل وحده ، وخبر مقتله -  الأصفهاني : الأغاني ، ج 21 ، ص 144 198  ) .
على ضوء ذلك فلا ضرورة حتمية  للمنطق والتعليل العقلاني في تحليل أشعار تعتمد أصلاً على الإيقاع وعلى الغلو .
ويتطرق الكاتب إلى بيت القصيدة :
إذا المرء لم يحتل وقد جد جده              أضاع وقاسى أمره وهو مدبر
فيبني استنتاجات هنا وهناك على اعتبار أن هذا البيت هو هو المطلع ، مستندًا بذلك على روايتي التبريزي والمرزوقي للحماسة .
وهذا التيقن في شعر يمت إلى العصر الجاهلي وقبل التدوين غريب ، خاصة إذا علمنا أن صاحب الأغاني يورد المطلع على أنه :
أقول للِــحيانَ  وقد صفرتْ لهم             وِطابي  ويومي ضيق الجُحر مُعور

وليس هذا المطلع بغريب على نسق الشعر القديم  ، فالقصائد التي تبدأ : أقول و  ... أكثر من أن تحصى ، ولا يشفع للباحث أن يحترز  وهو يقول :
إن الاعتماد على الأصفهاني وحده لا يكفي للخروج إلى على الرواية الشهيرة ( ص 83 )  ، وعلى إثر ذلك يرفض الباحث البيت الذي   أضافه  الأصفهاني ، ولا يعتبره جزءًا من القصيدة ، والبيت هو :
فإنك لو قاسيت بالــلَّصبِ  حيلتي            بلقمان لم يقصر بي الدهر مقصر

وسبب دعواه في الرفض أن البيت يشوه خاتمة القصيدة كما رآها بوحدتها .

وهذا الفهم بحد ذاته فيه منطق معاصر ، ووعي مستحدث لمفهوم الوحدة العضوية ، وهو كما أرى ليس ضروريًا أن يُطبق تراجعيًا على الشعر القديم . فالشاعر الجاهلي كان يقدم وحدات معان ويؤخر أخرى  ، وأية دراسة لرواية اللغة والشعر  ( وحتى الحديث والقرآن )ستوصلنا إلى قراءات متباينة  .

ولا أدري كيف ولج الكاتب هنا  إلى نقاش  حول الوحدة الموضوعية ، وساق لنا آراء بلند الحيدري ، وإبراهيم العريض مشيحًا بقلمه عن الحاتمي والجرجاني وابن رشيق وابن طباطبا  - وهم أحق أن نعتمد على مقاييسهم وتطلعات نقدهم .
                 وفي رواية البيت :
فأبت إلى فَهم وما كدت آئبًا          وكم مثلها فارقتها وهي تصفر

يورد الكاتب رواية أخرى : وما كنت آئبًا ، ثم ما لبث أن أكد أن الرواية الأولى ( وما كدت ...) هي الأصح  ، بسبب أنها تحوي خطأ لغويًا ، فيقول :
من المعروف أن القراءة الأصعب هي الأقدم  ، فالمنطق يقول إن التغيير يتناول الشاذ والمشكل ليجعله مألوفًا ، وليس العكس ...
وهذا المنطق لا أراه ، ذلك لأن الروايات كما أشرت تتباين وتتغير ، ولا ضرورة لأن نزج أنفسنا في نقاش قد لا نصل فيه إلى إجابة مسوّغة ....ثم إن القول وما كدت آئبًا ورد في شواهد الشعر القديم على اعتبار شذوذ في عمل ( كاد )  ، وبهذا قبل ابن منظور هذه الرواية  بمنطقه    . ( انظر : لسان العرب  - مادة كاد ) .
ويعترف الكاتب بان كلمة (  أصادي ) في قول الشاعر :
 وأخرى أصادي النفس عنها وإنها         لمورد حزم إ