أستاذ قد الدنيا
( لوحات أدبية ساخرة )
مكتبة الشعب ، كفر قاسم – 1979 .
فاروق مواسي
الرسوم والتعليق : عمر سمور – طولكرم
الرسوم سأدخلها لاحقًا
كنت قد نشرت بعض حلقات هذا الكتاب في مجلة صدى التربية – مجلة المعلمين ، بتوقيع ( أبي السيد ) ، ولا بد هنا من التأكيد أنّ أسماء المعلمين الواردين في الحلقات هي أسماء خيالية ، فإن اتفق وكان تشابه ، فالعذر كل العذر.
فاروق مواسي
باقة الغربية
وغبــــــــيٍ سميتــــــه أستاذًا
وهو في جهله من الأفذاذ
قال : هل رمت رفعه؟ قلت : كلا
رمت إسقاط كلمة الأستاذ
( النجفي )
إن نقدْنا ذاتـــــــــنا إن في هذا الصلاحْ
لست أرضى شعبنا قشة تذرو الرياح
إن بالعـــــلم الهدى وهو قوت وسلاح
لا تظلوا في الخطا والأموا نزف الجراح
إن هـــزئنا عذرنا إن في الهـــزء اللقاح
( فاروق )
ملحوظة لا بد منها
أرمي من وراء هذه الحلقات إصلاح أنفسنا ، فمن يقصر فينا فعليه أن يعتبر. ولنكن صرحاء ونقول : ما من أحد يمنع المخلص أن يعمل ، إذن، لماذا نهمل ولا نفتأ نتهم ؟ وأنا قبل أن يسيء فهمي أحد أؤكد أن كل الجهات ، وأولها وزارة المعارف مقصرة ، وقد أشرنا إلى ذلك في أكثر من مقال.
الحلقة الأولى
* معلم شامل *
اسمي سعيد سعد
معلم شامل في مدرسة ابتدائية . أعلم في غرفة نائية عن البناية المركزية.
أرغمني المدير أن أعلم في الصف الأول ، لأنني معلم جديد ، وعلي أن أتحمل وإلا...
قبلت الأمر مكرهًا ، ودخلت الصف وأنا أزمجر ، ولكن ما في اليد حيلة .
بدأت أعلم وأضرب .
لا تنكروا ضربي لهم ، فأنا لا أضرب أكثر من أربعة في اليوم :
هذا لأنه يتحادث مع جاره عندما أصلح الدفاتر في الصف .
وهذا لأنه انتقل من مكانه .
وهذا لأنه حضر بلا كتاب .
وهذا لأنه حضر بلا قلم .
في حصة اللغة العربية يهجئ الطلاب ورائي .
وفي حصة الحساب أكتب بضعة أسئلة على اللوح، وأجلس في انتظار الزوار الأوائل الذين يأتون للتصليح.
وفي حصة الرسم أقول كل مرة : " يا أولاد .....رسوم حرة " !
وفي حصة الموسيقى : " غنوا ما تعلمتم في البستان " ، فصوتي – بلا مؤاخذه – لا يساعدني على أداء المخارج الملائمة . وعندما أرفع عقيرتي بالغناء أنفر من صوتي .
وفي حصة الرياضة يلعبون نفس التمارين ولا بد من لعبة ( طاق طاقية ) .
وبعد الحصة الرابعة أستريح على كرسيي.
فإن كانت معي مجلة صدى التربية أطالع التعازي والتهاني ، وإلا فأنا أحلم وأحيانًا أحسب ، وما أدارك ما أحسب ؟
كم يومًا بقي حتى ميعاد ( الخبز ) ، وأعني الراتب ؟
كم ليرة بقي من الراتب ؟ المهم أنني أحسب .
في أثناء ذلك أصرخ على من يرفع صوته : ( سد بوزك ) الخ .
وقاموسي النابي يزداد حدة بحكم تعاملي مع هؤلاء الشياطين.
فلا عجب إذا نظرت للساعة لا أقل من عشر مرات ، ويطول النهار حتى الثانية عشرة والدقيقة الخامسة والثلاثون كما طال ليل النابغة .
يا أولاد : أكتبوا الدرس خمس مرات!
قيام جلوس ! قيام جلوس !
قيام صف ! مع السلامة .
الحلقة الثانية
* معلم الإنجليزية *
اسمي إبراهيم عويطات
معلم اللغة الإنجليزية ، وصدقوني لا أستطيع تركيب جملة بسيطة ، فكيف بجملة فيها هذه الأفعال المساعدة التي لا يكاد يتقنها الإنجليز أنفسهم ؟ !
كلفت بتعليم هذه المادة ، لأن المعلمين يتهربون من تعليمها ، ولم يجد المدير بدًا من إلقاء هذا العبء على عاتقي .
وصرت معلم الإنجليزية بقدرة قادر ، وأمرنا لله .
قضينا عشرة دروس في تعليم الحروف وفي عد الأرقام حتى عشرة ، وهذه الأرقام تعلمتها بفضل لعبة الطابة التي كنا نخبطها في الأرض وفق أغنية في كلماتها الأرقام الانجليزية .
وعلّمت الدرس الأول مرارًا وتكرارًا . وانسخوا يا أولاد !
وفي صفي ثمة طالب يعد الدرس، ويأتي حافظًا عن ظهر قلب، أو عن قلب ظهر، أكلفه كل مرة أن يعلم الطلاب ، وربما تزيد معلوماتي عن معلوماته قليلاً .
ذات صباح حضر سياح .
والأجانب- كما لا يخفى على بعضكم - يعجبهم كل شيء ، حدثوني عن سبب مجيئهم وعن أشياء أخرى .....كنت أهز رأسي وأقول ( يس ) .
تركوني وهم يهنئوني على هذا الصف وهذا المستوى .
مرة أخطأ طالب في إملاء كلمة ، فوقعت في حيص بيص .
قلت موجهًا كلامي للطلاب : " كيف تكتب " ؟
فاحترت من اختار ، وتداركت الأمر، فوجهت السؤال إلى الطالب الذي حدثتكم عنه ، كتبها وجلس، ولم أقل لهم رأيي . وأنتم تعرفون السبب .
شك أحد الآباء بمعرفتي، والظاهر انه أطلع على دفتر ولده.
فالتقيت به وتحت إبطي الجيروزليم بوست و التايم ، فحياتي وانصرف .
الحلقة الثالثة
* أستاذ الرياضيات *
أنا راضي برهان .
أستاذ الرياضيات ، والملقب بالطالب الخالد ، وسبب الملقب أنني منذ سبع سنوات أتعلم في الجامعة .
ولعلهم يهزأون بي، لأنني لم أحصل حتى الآن على شهادة الكرتون . الشهادة لا تصنع الرجال ، فانا خليفة ( إينشتين ) وحسبي أنني لا أخطئ كثيرًا في الصف أمام العفاريت الذين يتربصون في الدوائر، وخاصة في درس الهندسة .
وعندما أشرع في الحل وأتوقف هنيهة يأخذون بالغمز واللمز ، هذا يبتسم بمكر، وذاك يتنحنح .
لعنة الله عليهم ! إنهم يقتلونني بهذه السخرية المرة ، وكأنهم يشكون بقدرتي الخارقة الفائقة .
أخرجت طالبًا لحل مسألة مستعصية، فحلها حلاً عجيبًا،
وانطلت علي حيلته ، وما كان مني إلا أن قلت له : " أحسنت ! " ، ومن يدريني أنه " تخابث " عن سابق قصد .
وأنا أستاذ ( علمي ) لست من هؤلاء ( الأدباتيين ) الذين مضى وقتهم ، وأن أعجِبت بنفسي فهذا ناتج عن دراسة علمية ، فأنا أحل أصعب المعادلات ، وأنا نسيج وحدي أو( جحيش وحدي) في لغتكم .
أما الشهادة فهي لا تهم ، شهادة الكرتون لا تهم . المهم أنا مقتنع بنفسي .
ومن لا يعجبه العجب فأنا أتحداه .
الحلقة الرابعة
* مدير ومعلم دين *
أنا أمين عبد السميع .
مدير مدرسة ومعلم دين ، البرنامج تحت سلطتي أغيره وفق رغبتي ، والدين موضوع سهل يسير، فـ " الدين يسر ، لا عسر" ، ولإن الدين فيه نصائح ، فإنني أبيعها كما يحلو لي من غير أن يعثر علي ( متفلسف ) .
اقرأ يا ولد ! احفظوا يا أولاد !
الله ، محمد ، موسى ، عيسى ... الخ .
إذا حضر ضيف إلى المدرسة أخرج من الصف لأسوّي الأمر، وأطيل الحديث ...وألف وأدور وأعيد وأستعيد . أما الطلاب فأصرفهم ، أو أجعلهم يخضعون تحت رقابة العريف الذي يقيد أسماء المشاغبين الملاعين .
في الدرس أطلب أن ينسخوا السورة أحيانًا ، وعند القراءة يقرأون بالدور كيفما يحلو لهم . وعندما أسهو في الصف أكلف طالبًا مجتهدًا أن يرد الطالب المخطئ ، ويصحح خطأه ، وعلى الطالب أن يكتفي بخمسة أسطر، فيتابع جاره القراءة.... وأنا في غفلة عنهم .
وأحيانًا أطلب منهم قراءة جماعية .
الله ، محمد ، موسى ، يونس ... الخ .
- أنت يا ولد ، لماذا تضحك ؟ ألا تعرف أن الدرس دين ، والضحك في درس الدين حرام ؟
- أنت يا بنت كاشفة الرأس ، هذا في الدين حرام ....يحرم جلدك ! .
وإذا سأل سائل كيف تعلم ؟
أقول بالتكرار ، فالتكرار يعلم الحمار .
اعلم الفقه، واشرح لهم كثيرًا عن إخراج الزكاة ، فمثلاً - الزكاة من الجمال كذا وكذا ، ولا يهم أن كان هناك جمال أم لا ، المهم أن يتفقهوا في الدين .
ألم يقل تعالى – واسمحوا لي أن أنقل الآية ، فأنا لا أحفظ :
{ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقوا في الدين ... }
صدق الله العظيم !
الحلقة الخامسة
* معلم القواعد *
أنا الأستاذ سليم عطيه ، أستاذ النحو والصرف والبيان ،وكم يشار لي بالبنان !
ولو كنت أدركت سيبويه لما ألّف ( الكتاب ) ، ولحضرت مجالس الأخفش والفراء ، وكان لي شأن أي شأن .
إذن ، فأنا نسيج وحدي في هذا الباب . ذلك لأنني مؤمن أن السليقة كافية لتعليم النحو ، وإذا اضطر الطالب أن يتعلم فعليه ألا يتقيد بطريقة ( هربرت )- من مقدمة وعرض واستنتاج، بل عليه أن يقرأ في الصف، ويحفظ القاعدة غيبًا ، فالقواعد غاية للغة لا وسيلة .
هم يقرأون وأنا أحلم . المعذرة أفكر في إعراب كلمة . . .
والكلمة التي أخشى على نفسي منها أسكّنها حسب القاعدة ( سكن تسلم ) .
ولما كنت مضطرًا أن أفتح فمي بضع دقائق – كي يؤكدوا لأهلهم أنني أعلم – تحضرني أمثلة قريبة من واقع الطالب : ضرب المعلم الطالب ضربًا –
وتتكرر ( جمل الضرب) في كل درس ، وينال الطالب هذا العذاب أسوة بعمرو الذي أكل الضربات من زيد منذ القدم ، كل ذلك حبًا وإكرامًا لخاطر النحو والصرف .
سألني طالب – وما أقل أسئلتهم ، فهم أما متثائب، أو ينظر ولا يرى ، أو يصغي ولا يسمع :
لماذا سمي حرف العلة بهذا الاسم ؟
قلت له بغير حماسة – يقينًا مني بأن هذا السؤال هو من أحد الماكرين الذين يبغون الإيقاع بي :
- لأنه مريض ، ومصاب بالعلة .
- وكيف يا أستاذ ؟ سلامته ؟
- إنه مريض ، معتل ، وهذا يكفي .
- لعله الزكام ، يا أستاذ !؟
- تهزأ بي يا حيوان ؟!
وأصدقكم برغم أنني نحوي كبير إلا أنني لم أفهم تمامًا لماذا سمي " حرف علة " ، ولم أبحث في مصدر يرشدني ، فأنا لا أملك وقتًا ، إذ أن وقتي موزع بين المقاهي والملاهي ، وبعضه أعالج فيه الشؤون العائلية ، ومن هم المرشحون للانتخابات ؟ وفي تشكيل الرئاسة .
تقدمت لامتحان القبول في الجامعة – حتى أكون معلمًا في الثانوية ، وأعطوني قطعة لتشكيلها . وكنت أظن أنني أخطأت في كلمة أو كلمتين ، وإذا بي أخطئ في العشرات – على حد زعمهم .
قلت :
- الممتحِــن لا يعرف اللغة ، وهو أجنبي لا يتذوق لغتنا ، شأن المستشرقين المدعين .
- لم يصلحوا ورقتي ، وقدروا العلامة تقديرًا .
- متحيزون ضدي يريدون أن يحدوا من اعتزازي بنفسي وبلغتي .
وعندما راجعتهم لم يصدقوا أنني معلم في إحدى المدارس الابتدائية ، بل يجب أن أكون محاضرًا في الجامعة .
اعتذرت لهم . فوقتي لا يسمح لي .
أو ليس تشكيل الرئاسة أهم من تشكيل القطعة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا ؟؟!!
ومن لا يصدّق فليسأل !
الحلقة السادسة
* معلم الرسم *
أنا راسم معروف ، أعلم عشر حصص أسبوعية . بمعنى آخر -عشر حصص استراحة (كيف) ؟
يبدأ الدرس عندي بالتفتيش عن الدفاتر ، والألوان ، وعقاب الطالب الذي لم يحضر دفتر ، أطلب إليه أن يخرج ورقة ، وإلا فليخرج من الصف .
- رسوم حرة يا أولاد !
الأولاد يرسمون ما يشاؤون – هكذا يطلب علم النفس – وأنا أتجول بين الطلاب . فأنا لست رسامًا ولا أعرف المقاييس والأوضاع الصحيحة والأحجام والأبعاد . ثم من قال إن الرسم ضروري للحياة ، وأي قيمة تربوية له ؟ هذا درس للترفيه .
أصحو على صوت طالب " أستاذ أنهيت " .
أنظر إلى رسمه، فإذا به رسم ( سريالي ) لم أفهم أوله من آخره .
أقول له : " مليح . أرسم رسمًا ثانيًا "!
وأنا- يا سادة يا كرام - لا أملك الحس النقدي في الرسم ، فحتى صورة ما تسمى ( بالموناليزا ) لا تقول لي شيئًا ، فكيف يتسنى لي أن أكتشف موهوبًا ، وكل ما أعرفه من الرسم رسم شجرة ، أركّب أغصانها كيفما أتفق .
***
حضر طالب من دار المعلمين ليعطي درسًا نموذجيًا ، وأحضر وسائل إيضاح ( أوراق خاصة لإبراز الرسوم، أو لتكميل صورة ناقصة ، ولوحات ) .
حدثهم عن الفنان ( بيرو ) ولوحة الأمومة . ناقشهم في الصورة ، وعرض عليهم لوحات تمثل الموضوع نفسه لفنانين - لا أذكر أسمائهم - لأني لم أسمع بها ، وإذا كنت تذكرت ( بيرو ) فهو على اسم دولة .
ادعى الأستاذ أنه نمى عندهم الملاحظة والذوق الفني ، ثم رسم الطلاب بعد ملاحظاته ، وأخذ المعلم يجول بينهم ، ينبه، يشجع ، يرشد ويوجه بعضهم لتفصيلات نسيها .
والأنكى من ذلك أنه أعطاهم وظيفة بيتية .
قلت له متعجبًا : وهل لدرس الرسم أصول ؟ لقد ظننته درسًا للراحة .
أجاب : مراحل الدرس : محادثة تمهيدية ، ثم رسم حر من إيحاء الموضوع ، ثم أرسم أمامهم رسمًا نموذجيًا ، تلي ذلك مرحلة التذوق والنقد.... ويشترك الطلاب في التقويم ، وأحيانا يتخلل ذلك نشيد دفعًا – للملل .
قلت له : أما أنا فالدرس عندي بدايته رسوم حرة، ونهايته ممتاز جيد جدًا .
قال لي : حقًا : أنت تتعب – الله يعطيك العافية !
الحلقة السابعة
* معلم الجغرافية *
أنا مطيع إسماعيل .
أستاذ الجغرافية ، أو الجغرافيا . أنهيت الصف الحادي عشر، وها أنا أعلق الشهادة في واجهة غرفة الاستقبال . ولحرصي على المعلومات فما زلت أعلم ما حفظت بدقة أحسد عليها ، فعدد سكان القاهرة وعاصمة أستراليا وأسماء الدول تظل على ما كانت عليه .
حضر عندي مفتش، وكنت أعلم عن مصر .
اختلفنا أولاً : كيف يكون الشرق في الخارطة ، لكنه سرعان ما أقنعني، وتنازلت له احترامًًا وإكرامًا – فهو مفتش – ، ولكني ما زلت أعجب لقوله إن النيل يتجه شمالاً في هبوط ، أو ليس له عينان حتى يرى أن النيل يصعد صعودًا ؟
كتب الجغرافية ( البابوريشية ) فيها مادة وفيرة ، وأقرأها أنا والطلاب : مرة أنا ، ومرة هم ، فإذا وقعت على خطأ مطبعي أضخم المصيبة التي وقعت . وفي هذه الكتب يخلطون الجغرافية بالحساب ، فما علاقة مقياس الرسم بالجغرافية ؟
أحضر لي طالب خارطة صماء ، وطلب مني أن أساعده في تعيين طهران والإسكندرية .
طهران يليق بها أن تكون عند الخليج حتى يستحم أهلها صيفًا ، والإسكندرية لا بد إلا أن تكون جارة الإسكندرية ، وطلعت عليه بخارطة... أين منها خارطة الإدريسي ؟
يدعي بعض زملائي أن الطالب قادر على الملاحظة الدقيقة ، والتعليل، واستخلاص المعلومات من الصور التي يجمعها عن نشاط الإنسان .
ويقولون أن الطالب يدرك أسباب الظواهر الطبيعية المختلفة ومدى ارتباطها بظواهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية ، وأن بوسع الطالب أن يجري موازنات ومقارنات من بيئته ، بل حدثني معلم من الخضيرة أنه يستعمل في صفه الخرائط المختلفة ، ومنها المجسمة والرسوم البيانية والإحصائيات العلمية الدقيقة ، والصور والأفلام ، والنشرات والصحف والمجلات، والكتب المناسبة . وأغرب ما سمعت أن الرحلات المدرسية هي رحلات تعليمية . ما شاء الله !
فالرحلات عندي فيها يغنون ويأكلون، ويذكرون الفكاهات بعد أن يعذبوا أهلهم للحصول على المبالغ التي يريدونها . وبالنسبة لي فهو يوم راحة، وخروج عن روتين العمل .
فبالله خبروني أين الراحة ؟ هل هي في عملي ؟ أم في عمل هؤلاء الزملاء ؟
الحلقة الثامنة
* أستاذ التاريخ *
أنا الأستاذ سيف الدين ماضي ، أستاذ التاريخ في إحدى المدارس الإعدادية . شخصيتي أزلية ولي حق الأقدمية في تعليم الصفوف العليا .
عندما أتحدث عن واقعة أو عن بطل
أتقمص الشخصيات، وأعيش أجواء الحروب بحماسة
( منقطعة النظير ) ، الطلاب ينصتون وأنا أروي لهم من طق طق حتى السلام عليكم .
ومحسوبكم محدث من الطراز الأول ، رزقني الله لسانًا ذربًا أتخلص به في كل مأزق .
مرة كتبت أمام الطلاب ( مُرجأة ) ، وبعد دقائق نبهني طالب إلى أن الهمزة على نبرة ،فقلت بحضور بديهة : " لقد كتبتها عمدًا حتى امتحن قوة انتباهكم " . ( ومشيت )
ومن أساليبي التي أستعملها لاستعراض العضلات التاريخية أنني أحفظ بعض المصطلحات وأسباب تسميتها ، أتشبث بها كالقرد الذي لقي الخرزة ، وحتى لو كان للموضوع علاقة بعيدة كالفظة (البرجوازية) – مثلاً- إذ أفصّل معنى الكلمة، وكيف كان .
في كل درس تضيع دقائق عديدة وأنا أؤنب هذا لأنه لم يحل الوظيفة، وأحاسب ذلك لأنه لم يحضر الكتاب .
ومن الغريب أن المؤلفين قد وضعوا أسئلة تحليلية في نهاية كل درس، كأن يسأل المؤلف سؤالا فيه ربط بين التاريخ والجغرافية ، فما العلاقة بالله عليكم ؟
ويحاول المؤلف أن يجد رابطًا بين ما يقع اليوم في حياتنا الاجتماعية وبين مجريات تاريخية ؟
إن التاريخ قصص وحكايات فما هي النتائج التي يريدوننا أن نستخلصها نتائج ، عوامل ، قارن ، ما رأيك . . . ؟
كنت أحسب نفسي قويًا في التحليل، حتى التقيت مرة بمعلم محنك أخذ يصول ويجول في تاريخ العرب، فتبين لي أني لم أعرف ( خمسي من طمسي ) . أخذ صاحبنا يشرح فلسفة التاريخ، - كما قال لي - ، وربط بين حوادث، وعلل ظواهر، وذكر مصادر، وأشار إلى أنه يوجه طلابه لها، وأنه يأخذ في كل درس بضعة دفاتر فيها وظائف الطلاب ، يصححها ، ويوجه الطلاب إلى الإجابات السليمة .
ولما كنت معجبًا بالربط الذي شرحه الأستاذ فقد أخطأت أمام الطلاب خطأ اعتبروه فاحشًا، وما دروا أن لكل عالم هفوة، ولكل جواد كبوة . وذلك أني شرحت عن واقعة ( واترلو )، وأنه جرى فيها استخدام الدبابات والطيارات والرادارات والقنابل والغازات، وقد وزعت المناشير تدعو السكان للتسليم .
فإذا بأحد الطلاب يسأل : وهل كانت هناك صواريخ يا أستاذ ؟
ففطنت، ولكني بلعت خطئي وقلت : ( لا يهمنا . . المهم هو . . . )، وطبعًا أنا أقرر المهم .
الحلقة التاسعة
* أستاذ الرياضة *
أنا الأستاذ رياض حافظ أستاذ الرياضة – ولا أعنيها باللهجة المصرية – وإنما أعني أنني أستاذ التربية البدنية ، ومرتبط بالصفارة والسيجارة وكرسي الإمارة .
يبدأ درسي باصطفاف الطلاب – استرح ، واستعد ( عشرين مرة )
انتظم ، أسبل ( عشرين مرة )
اصمت ، اخرس ، اهدأ ( ومرادفاتها ) .
التمارين هي هي ، آنًا يقومون بها بتكاسل وبتثاقل ، وآنًا أجلس وإياهم تحت الشجرة يحدثونني أحدث النكات، أو يقومون بمصارعة تسمى في قرانا ( مباطحة ) .
وفي لعبة المعسكرين – اللعبة شبه الوحيدة – يقرر القوي في الصف مجرى اللعبة ، هذا يصرخ وذاك يشتم ، والمعلمون في الصفوف الأخرى يقفون وراء النوافذ ، بعضهم يتذمر، وبعضهم مرتاح، لأنه وجد متنفسًا ومبررًا لراحته، وبعضهم لا يعنيه الأمر ، وأنا أدخن في الظل أجلس أنا و كرشي .
وتسألني ما الغرض العام من درس الرياضة ؟
لا أدري إلا أنه إنهاك الجسم، ومساعدة الجسم على نمو مرتبك، ونتائجه فوضى،عدم انضباط ولا مسؤولية ، فماذا تأمل من مثل هؤلاء الطلاب ؟
المهم – بصراحة – أن أزجي خمسين دقيقة بأمان ، ودرس على درس فإذا بالشهر ينتهي ،وشهر على شهر فإذا بالسنة تنقضي .
التمارين عندي تندرج من الصعوبة إلى السهولة ، وليس فيها اختيار خاص لجيل خاص .
وتسألني عن أهداف خاصة لكل تمرين ؟
لا أدري، والسؤال حري به أن يوجه لطلاب ( وينغت ).
في بعض الدروس تجري سباقات ، فكثيرًا ما يُشج بعض الطلاب، ولا اعرف كيف أسعفه، وهل أنا ممرضة حتى أكون ملزمًا بالإسعاف ؟
وعند فوز أي فريق أتحمس له ، وآخذ في مماحكة الطرف الآخر وكأنني أحدهم . أليس هذا بناء على أصول التربية الحديثة ؟
تضيع بعض أدوات الرياضة، فهل كتب علي أن أدونها ؟
أتراني سكرتيرًا ؟
والأنكى من ذلك أن المدير يطلب مني أحضّر لدرس الرياضة .
لا يكفيه أن صوتي أبح أجش ؟
ثم يطلب مني ان ألزم الطلاب بملابس رياضية خاصة ويدعوني أن أفعل أنا كذلك ، هذا ما بقي علي ؟
أطلب تعليم الرياضة حتى أرتاح، وهاءنذا جالس على كرسي الإمارة .
الحلقة العاشرة
* أستاذ الزراعة *
أنا الأستاذ عبد القادر سامي .