مع د. فاروق مواسي في (هدي النجمة)...

-   دراسات وأبحاث في الأدب العربي

 

بقلم : محمد علوش

                                                                نزلة عيسى

هذا هو الكتاب النقدي الثاني عشر للشاعر الناقد د.فاروق مواسي . نقول "الشاعر" لأن له كذلك اثني عشرة مجموعة شعرية، وكأنه يعتمد التساوي بين كونه ناقدًا وشاعرًا .

   وحديثنا عن فاروق الناقد الباحث يجعلنا نشير إلى أن أول إصدار له كان "عرض ونقد في الشعر المحلي ( القدس 1976) وهو أول كتاب نقدي صدر في الأدب المحلي  - لدى عرب 48 -، وقد  تناول الشعر الفلسطيني كذلك في كتابين آخرين هما:

"الرؤيا والإشعاع (1984) وقصيدة وشاعر (1996) بالإضافة إلى دراسة (القدس في الشعر الفلسطيني الحديث) التي أعاد نشرها بين دفتي كتابه  الذي نتناوله هنا، وذلك بسبب نفاد الدراسة.

درس مواسي الأدب العربي قديمه وحديثه، فأصدر (صلاح عبد الصبور شاعرًا مجددًا -1979) و (لغة الشعر عند بدر شاكر السياب -1993) و (أشعار الديوانيين- - وهي أطروحة الدكتوراة عن العقاد والمازني وشكري. وله كذلك كتاب -أدبيات مواقف نقدية ، وفيه يعالج مسائل أدبية مختلفة من خلال مقالات مكثفة وجميلة لعلها من أجمل ما كتب مواسي في هذا المجال.

أما كتابنا (هدي النجمة) (دراسات وأبحاث في الأدب العربي) فقد جعله على أبواب:

الباب الأول: دراسات في الشعر، حيث جعله قسمين: قسمًا يتناول الشعر الفلسطيني، وآخر يطرح قضايا في الشعر عامة.

 ثم يأتي الباب الثاني تحت عنوان دراسات في أنواع نثرية، وهنا أيضًا يقسم ذلك إلى قسمين: القسم الأول دراسة في الأدب القديم (عن سحبان وائل وخطبته). بينما القسم الثاني يتناول مواضيع عن القصة والرواية المحليتين.

ويختم مواسي الكتاب بدراستين حول إصدارين حديثين هما: (قدسية مدينة: القدس في أدب الانتفاضة) - بقلم عامي إليعاد والثانية : (صراع المقهور مع السلطة) لرجاء نعمة.

 

الدراسات عن الشعر:

قدم مواسي في بداية الكتاب دراسة استقصائية لما كان قد نُشر من شعر حول مجزرة كفر قاسم، وبيّـن أن الشاعرين دافيد صميح وتوفيق زياد كانا الأولين في طرح هذه القضية في الشعر المحلي، وقد وقف على مضامين القصائد  المختلفة للشعراء ،والشكل الذي صيغت به هذه القصائد، فكانت الارتكازات المحورية على المحور القومي، ثم هناك المحور الماركسي، فالمحور الإنساني. وقد كانت القصائد قديمها وحديثها تصور الحدث في سرد وتفاصيل، وأحيانًا في خطابية موجهة للوجدان العام. أما الشكل الشعري فقد كان فيه النفَس القصصي، وفيه التكرار والمباشرة، كما أن فيه إفادة من الفولكلور وتراوحًا بين الغموض والوضوح، وخاصة في اللوحات المنوعة.

أما دراسة (القدس في الشعر الفلسطيني الحديث) فقد حاول مواسي أن يقف على معنى (قصيدة القدس) أي القصيدة التي سَداها ولحمتها هذا الموضوع الذي يأخذ بمجامع القصيدة في وحدة عضوية، وأظهر أن قصيدة  أديب رفيق محمود هي القصيدة الأولى في هذا الباب (بعد قصيدة الأخوين رحباني، التي تغنيها فيروز، وكذلك بعد قصيدة نزار قباني القدس). غير أن الحقيقة لم تكن قد تبينت لمواسي تمامًا في البداية - بسبب نقص المصادر غير أنه ما لبث بعد صدور الكتاب أن   طالع قصيدة كتبها أمين شنار (محرر مجلة الأفق الجديد المقدسية) عن القدس وعنوانها (بيت المقدس)  وهي تقع ضمن المواصفات التي طرحها مواسي، فلنقتطف منها:

(هنا المآذن الحزينة التي تسامر النجوم

تمتد في وجوم

.....

وههنا الأسوار

مرفوعة الهامات في إصرار

.....

المسجد الأقصى هنا مسرى الرسول

مشى المسيح ها هنا وأمه البتول

وها هنا الفاروق شاد مسجدا

هنا صلاح الدين روّع العدى

هنا الوليد والمجيد والشهيد)

                ...(مجلة الأفق الجديد، العدد 7- كانون الثاني 1962، ص 15)

 أما قصيدة الشاعر أديب رفيق محمود فقد أرخها 7/8/1969. وقد استقصى مواسي في دراسته الأبعاد الكنعانية والدينية والرفضية اليومية في هذا التعلق بالمدينة، وأظهر أن رموز القدس الإسلامية والمسيحية تتجلى من خلال التعبير القومي العربي.

 وتبقى دراسة مواسي هذه مميزة في هذا التناول وهذه الرؤية.

أما دراسة (صورة اليهودي في الشعر العربي في إسرائيل) فقد أظهر أن شخصية اليهودي تندرج في اتجاهين:

أ‌-     السلطة، وهذه يتصدى لها الشاعر المحلي دون هوادة .

ب‌-                       الإنساني حيث يكون:

ماتي، يوسي

رمزان إلى واحة يمكن

وسبيل الصحراء نعيب

(فاورق مواسي الأعمال الشعرية/المجلد الأول ص 261)

 

وقد أكدت الدراسة على أن الشعراء المحليين عزفوا عن استخدام مصطلح (يهودي) في معرض شتم أو هجاء، وقد توقف طويلا موضحًا سبب ذلك من أبعاد سياسية ودينية.

كما توقفت دراسته  عن  (جبرا إبراهيم جبرا شاعرا) على البعد الفلسطيني في كتابته، إذ سكب جبرا ذوب مشاعره مسترسلة فرمز، وحكى، وروى عن معاناته فلسطينيًا، وعن فكره مفكرًا.

 وتأتي الدراسة الثالثة عن شعر (زيتونة فلسطين) أبي سلمى من خلال (قناعة الشاعر في معنى الشعر) ، فقد أبان مواسي أن أبا سلمى كان شاعرًا عربيًا طرح رؤية واضحة المعالم لها اتصال وطني إنساني... ذاكرًا بها العمال والأطفال والشعب (تعابير جديدة في قاموس الشعر العربي)، وكذلك كان أول ( أو من أوائل ) من مزج بين الأرض والحبيبة، فكان شاعرًا يساريًا له رؤى تربط بين الفرد والمجتمع.

 ومن الدراسات عن الشعر كذلك: (إشارات الصدق في القصيدة الوجدانية كما يستشفها القارئ) وهي محاضرة ألقاها مواسي في مؤتمر النقد الأدبي السابع الذي عقدته جامعة اليرموك في إربد تموز 1998.

وقد بينت الدراسة أهمية التلقي في النقد الأدبي عامة، وتناولت معنى (الصدق) في الأدب، وبينت أن ميدانه الأول هو التعبير، وأنه في الشعر يستلزم أسسًا يقوم عليها هذا الفن ، ومنها التخييل والموسيقى والإيقاع.

وقد تحدث الدراسة عن إشارات قد تسوق القارئ إلى تذوق القصيدة، وهي تبدأ باللغة، وفيها يتم ملء فراغات يكون القارئ فعالاً فيها.

ثم توقف مواسي في دراسته (قراءته المصاحبة) لنص محمد الماغوط (أيها السائح)، فبيّن الدرامية المعتمدة على المفارقات في الموقف والصورة، وفي خيالها المبني على الواقع، إذ ابتدأت القصيدة بكلانية البعد في الطفولة والكهولة فيما يخص الفرد- واختتمت بكلانية تاريخ الشرق يرويه فلاح عجوز (على لسان الجمع)، وفي ذلك استمرارية ودوران وطواف كلي على صدار الألم، ما لم يكن هناك تغيير وتثوير وهما محور الرسالة أو المُرسَلة في النص.

 

الدراسات عن النثر:

 

أما "سحبان وائل وخطبته" فقد كان هذا البحث المستقصي يثير كثيرًا من الشك والتساؤل في سحبان وخطبته، فهناك شك في النص ونسبته، ثم أن النص غير متميز بلاغيًا حتى يُضرب في سحبان المثل: "أفصح من سحبان" (أو أخطب، أبلغ... وعلى غرار ذلك من وزن أفعل ) . ومع هذا الشك  اجتهد مواسي في ذكر أكثر من سبب ليعلل سبب شهرة سحبان وضرب المثل به.

وفي القسم النثري الآخر من الكتاب -  عن القصة القصيرة والرواية يتوقف مواسي أولا على كتاب الأستاذ  حنا أبو حنا "ظل الغيمة" فينحت للعمل الأدبي هذا لفظة (سيرواية)  ، ويقول إنها مزيج من السيرة الذاتية والرواية، ثم يرى ويحلل ويلقي الضوء على التسمية الأخرى "سيرة وثيقة" وكذلك "سيرة موسوعية" وعلى العموم فقد ظهر إعجاب الناقد بهذا النص من خلال هذا الإطراء الذي ختم به الدراسة:

"ولم يبق لنا إلا رجاء أن يكمل لنا المؤلف هذا البوح الصادق محافظًا على المستوى الفني المرموق، وأن يأخذ "يحيى الكتاب بقوة وبخفة ظل مصاحبة ومواكبــة".

ويقرأ مواسي ثلاث قصص لمحمد علي طه وناجي ظاهر ومصطفى مرار، وهذه القراءات مشبعة بالجو الأكاديمي والدراسة النظرية، غير أنه في تقديري كان عليه أن يضع النصوص (القصص) إلى جانب الدراسات، حتى يفيد القارئ منها إفادة مُثلـى، ذلك أنه قد يصعب على القارئ أن يحصل على هذه القصة أو تلك؟  وذلك حتى يتأكد من هذه العبارة في النص أو تلك؟

ومع إعجابي المتناهي بما يكتب مواسي من تقييم ومعالجة من خلال عمق وجدية، إلا أن من حق القارئ أن يتابع القول ويتحرى أثره ، ويتذوق النص المعالَج، ويصاحب النص - حسب تعبير مواسي - .

أما القسم الأخير من الكتاب، فهو يتناول أولا دراسة عامي إليعاد، إذ ينتقد كتابه بروح موضوعية، فيخاطب إليعاد قائلا:

"وكان بإمكان البحث أن يكون حذرًا في تقديره، كأن يحيل إلى مرجع معين يرى أنه استوفى الموضوع بحثًا، فقد خفي عليه أنه يناقش مسائل دينية محضة، واقرأ معي كيف يرى الباحث أن الإسراء والمعراج عبارة عن أسطورة اتخذت فيما بعد حدثًا تاريخيًا، ونقاشي مع الباحث أولا هو: ما ضرورة ذكر جمل مستفزة أو غير مستفزة على أي صعيد. الإسراء والمعراج موضوع / موضوعان، العلاقة الأولى فيهما مرتبطة بالإيمان أو عدمه، ونحن هنا في غنى عن الخوض في ذلك ما دمنا نعترف أن "الإسراء" موضوع مركزي على الصعيد السياسي، حتى لمن لا يؤمن به على الصعيد الديني".

أخلص إلى القول إن هذه الدراسات والأبحاث الجادة التي قدمها لنا د.فاروق مواسي لا غنى عنها لكل من يتابع النقد الفلسطيني  والكتابات المحلية الأدبية على اختلاف ألوانها.

ويظل مواسي بثقافته وإطلاعه جَوّابًـا وطوّافـًا  أدبيًا ينتقي لنا ما يقدم لنا من  زاد لنا في رحلتنا الثقافية.

ويظل في الاسم "هدي النجمة" وفاء لامه المرحومة "نجمة" التي توفيت قبيل صدور الكتاب، وقد استمعت إلى د.مواسي وهو يشرح كيف حاول أن يجعل العنوان بدلالات مختلفة، فالباحث يهتدي بالنور القليل (نور النجمة الضئيل)، وهذا يدل على صعوبة  البحث والاستقصاء ،  ثم أن الآية الكريمة "وبالنجم هم يهتدون" لها دلالتها في العنوان.

ولا ازعم أن هذا التفسير للعنوان من بنات أفكاري، وكان المؤلف قد شرح لي  سبب التسمية، فله الشكر أولا وآخرًا .

 

*إصدار دار الثقافة العربية الناصرة 2001

 

عودة للسابق