قراءة في ( أندلسيات ) الشاعر فاروق مواسي

                                                                                         بقلم: بدر الكيلاني

 

كثيرون من الشعراء العرب- قديمهم وحديثهم - من كَتب عن الأندلس، انفعل بتراثها وتاريخها ،  واعتز بماضيها مستلهمًا ومستوحيًا.

لكن "أندلسيات" الشاعر الدكتور فاروق مواسي التي صدرت في مجموعته الشعرية "الخروج من النهر" ( كفر قرع 1989 ). لها نكهة أو مكانة خاصة، إذ أنها انطلقت من شاعر يعاني قضيته الفلسطينية، لذا فإن كتابته تكتسب طابعًا مأساويًا خاصًا، ثم إنها قصيدة طويلة في مقطوعات - تتحدث عن أماكن بعينها تركت أثرها بعد زيارة الشاعر لها.

وأندلسييات مواسي مكثفة وعميقة في مقطوعاتها السبع .فلندخل البوابات السبع -إلى عالم الشعر المسحور.

*    في المقطوعة الأولى وهي بعنوان "نفح من الطيب" يبدأ الشاعر القصيدة على شكل موشح بإيقاع متردد ومألوف على الأذن العربية فيقول:

          جادني الدمع إذا الدمع شجا                        يا زمان المجد بالأندلس

          لم يكن روضك إلا    أرجا                           يعربيًا عابقًا في  النفس

وعلى هذا المنوال يستطيع القارئ التوصل إلى عمق إحساس الشاعر بوجوده في الأندلس ، حيث ينهي قفل الموشح:

           فإذا الخط ... تبقى ونجا                             وإذا العمران ...ضوء الغلس

قرطبة

يستوحي الشاعر مواسي شخصية  عبد الرحمن الداخل ، من خلال زيارته لجامع قرطبة ،  ويوهمنا بأنه التقاه ، بل رآه متوجهًا إلى المحراب:

فأصافح فيه العزة والكبر

يبسم في إيمان

يتبدى في كل الأنحاء.

ويعود ليسترجع التاريخ.. الخليفة الناصر وحصنه، الحَكَم وحبه للنساء، ابن الشهيد "وتوابعه وزوابعه"، ابن رشد وموسى ابن ميمون، ابن زيدون وولادة، ابن عبد ربه والعقد الفريد. بعد هذه الجولة مع أدباء قرطبة ومفكريها يقول:

فأعود لكي أتملى السقف

المصنوع من الذهب

ومن المرمر

وأشم عطور القمم الشمّاء

وأكاد أصلي....

وكلمة "أكاد" فيها إيحاء بالروعة التي أخذته، وفيها تعبير شخصي موصول. وتنتهي رحلة قرطبة وهو يشيّع عن بعد "ألوان الشوق الخضراء" ، ومع ذلك يتخيل في أثناء وداعها  كيف أتاها الفاتح" يلبس تاج عمامته، يركب فرسًا ومضاءً.

إشبيلية

المئذنة حُشاشة من مسجد، والقصر المزخرف من أمامها. يستلهم الشاعر أخبار بني عباد الذين "رسَوا على شواطئ نهر الكبير" (حافظ الأسبان على اسمه وحرفوه بلهجتهم - فاديكبير). يستذكر الشاعر أخبار المعتمد بن عباد والجارية اعتماد التي أجازت بيت الشعر، وهذه القصة معروفة خلاصتها أن  المعتمد كان يتجول في الرياض ،  فأعجبه منظر الماء فقال: "نشر الريح على الماء زرد" فسمعت الجارية اعتماد هذا الشطر ....وأجازت البيت وأكملت": يا له درعًا متينًا لو جمد"  ، فدهش المعتمد ،  وأُعجب ببراعة الفتاة وسرعة خاطرها ....

إذن يعمد الشاعر إلى اللمحة ،  ونحن معه نستقصي التاريخ.

يقول الشاعر:

حيث اعتماد الجاريــــه

تجيز شعرًا رائقا

يطل صفوًا ذائقا

عذوبة في الألســنـه

وفي إشبيلية يقف الشاعر موقف الولهان يسائل السكان والسياح، ويسائل المجذوب والسكران عن الأعلام الذين عاشوا في هذه المدينة: ابن هانئ، ابن سهل ، الزبيدي ....وعندما يعرفون أنه موري (عربي بلغتهم) يأتون به إلى المئذنة، إن تساؤله هنا وأمام المئذنة  فيه لهفة ، وفيه معاني البحث عن الماضي الجميل..

وكيف حال المئذنة؟ إنها:

بالصمت محزنـــه

وتلتقيني في العلاء

 مالقة :

وفي مالقة يكتب لنا مواسي شعرًا  ، فيتخيل الجندي وكأن له ملامح عمه. إنه عربي بعبارة أخرى:

وفاكهة تخلس اللون من هسهسات السنين

فيخضر ضوء الثواني

فأذكر أمي

..........

وعدت ببرق....

بريح... بنفسجة تتعرى

برائحة البرتقال

 على نجوة من مضيق جبل طارق

هذه القصيدة ليست موزونة بخلاف أخواتها، ولذا فطاقتها الشعرية متحررة. وقد تكون منطلقة أكثر. فقلعة طارق هي  من "مخمل يبعث الدفء، بهجته متوثبة"  ، والشاعر يود أن يخطر مع ظل (طريف) خادم موسى بن نصير الذي أرسل إلى الأندلس أولاً -   لاستطلاع إمكانية الفتح، ولكن خطوته مع طريف كانت بصحبة أفواج من الآيات، هو يستحضر صورة خطبة طارق، وحرق السفن يتخيلها أين وقعت تمامًا.

"حتمًا هنا  ..... ربما هناك"

والمواسي في هذه القصيدة يذكر قصة التنكر ويتألم فقد تعودنا على ذلك:

وأنكر بعضنا بعضًا

حتى صرنا

صوتًا ممتدًا

لهبًا ممتدًا

فأعادونا من نفس المضيق

ولكن الشاعر لم يوهم نفسه بأن هذه البلاد له في نوستالجيا مفرطة، فيقول مخاطبًا الجبل:

أيها الجبل اشهد

إن حبي لمن يرقدون هنا

مثل حبي لبلادي

 قصر الحمراء

عندما يزور الشاعر غرناطة ينمى إلى سمعــه ألفاظ السياح بلغتهم المختلفة تردد "الحمرا الهامبرا......" فيفخر ويقول:

وأكاد أقول لكل الناس

إني من أحفاد البانين

لكنه قبل وصوله (الحمراء) كان قد زار النصب التذكاري لإيزابيلا وهو يعرّفها بـ "طاردتـــي"

وماذا فعل أمام نصب إيزابيلا وفرداند؟

 انظر إلى هذا الاعتراف الموحي المعبر:

"ومن القهر أخذنا صورة"

هنا يهبط المستوى اللغوي إلى درجة الإحساس الشعبي. وينتقل بنا الشاعر إلى بني نصر وبني الزير إلى ترديد "ولا غالب إلا الله" في الحمراء، إلى نوافير أبي الحجاج، إلى حدائق جنات العريف:

      "وحفيدات الزهرات بقين

يتناجين حديث العشق الأبدي"

وبعد أن يأخذنا الشاعر في جولة إلى الحمام، القلعة، قصر العدل يقول لنا:

والمصباح على سارية خضراء

ضج غناء

ملأ خريطة وجدي بالحلم المشرع

بالزمن أعيده

وينهي لنا رحلته في قصر الحمراء بلقطة فوتوغرافية أخاذة، إذ يرفع هامة نخلة، وهي رمز للوجود العربي، وقد أحضرها عبد الرحمن الداخل وخاطبها متلهفًا بأنها في المنتأى مثله.....وها هي النخلة ترمقه ..وتعرفه من بعد، ترحب به ...تطلق زغرودة شبيهة بـ"زغرودة أختي عند زواج أخي"....فيفرح ، ويعبر عن فرحته بصورة شعرية..... يتسلق الشاعر جذع النخلة.... تأخذ له زوجته التي اصطحبته في الرحلة صورة فوتوغرافية ...ويتابع قصته:

أحتضن النخلة حتى تلد النخلة مني

ولأول مرة

امرأتي ما غارت

 

ويلاحظ القارئ المتمعن لشعر مواسي أنه قادر على رسم الصورة الجنسية في ثنايا الشعر الوطني وتضاعيفه، وقادر كذلك على إضفاء الجو القصصي كما لاحظنا هنا، وما لاحظناه في رحلته إشبـيلية، وقادر كذلك على أن يتعامل مع اللفظة وكأنها حَرَم مقدس لموسيقاه وأجوائه، وقادر كذلك على التعبير الشخصي الصادق.

 

                                                                     الاتحاد   29 / 12 / 1989

 

عودة للسابق