مع د. فاروق مواسي وأقواس من سيرته الذاتية..

بقلم أحمد دحبور

 

من المرات النادرة التي سيصعب على السلفيين، كما أرجح، أن يواصلوا المكابرة فيها، هي هذه التي تقول أن العرب لم يعرفوا أدب السيرة الذاتية قبل القرن العشرين. ولعلنا سنمضي عقودًا في القرن الراحل حتى نحصل على كتاب نوعي مثل "الأيام" لطه حسين . وليس ذلك لتقصير لدى العرب، وإنما لأن هذا النوع من الأدب هو جديد نسبيًا على الساحات العالمية.

وبغض النظر عما يمكن أن يستنتجه المعنيون والفضوليون، فإن أول سيرة ذاتية تعبر الحدود،وتصبح تحت تصرف مثقفي العالم جميعًا، وهي اعترافات العالم السويسري- المظنون خطأ أنه فرنسي- جان جاك روسو، في القرن الثامن عشر. ولست في معرض تأريخ أدب السيرة الذاتية. بطبيعة الحال، ولكنني أنوه باعترافات روسو من حيث الذيوع والشيوع.

ضمن هذا الاعتبار، تستطيع الشريحة الفلسطينية من الجسد الثقافي العربي أن تسجل نقاطًا نوعية، وحتى عددية، في هذا المضمار، ولعلي- من غير عناء- قادر على استذكار اثني عشر كتابًا فلسطينيًا شهدها القرن العشرون في السيرة الذاتية هي " كذا أنا يا دنيا" للمقدسي خليل السكاكيني و"البئر الأولى" و "شارع الأميرات" للتلحمي جبرا إبراهيم  جبرا،"وأيام الصبا" لليافي د.يوسف هيكل، و"غربة الراعي" لابن عين غزال د.إحسان عباس، و"خارج المكان" للمقدسي إدوار سعيد، و"الجمر والرماد" و "صور الماضي" لليافي د.هشام شرابي، و"ظل الغيمة" للريناوي حنا أبي حنا، و"شجرة المعرفه"  لابن البعنة حنا إبراهيم ، و" دروب المنفى "  لابن المسمية فيصل حوراني. ولا أستطيع إلا أن أتوقف باهتمام خاص عند كتاب "بلدي وأهلي أنا" للمعلم ذا النون الجراح- وليس في الاسم خطأ، فهو يصر على أن يكون اسمه مبنيًا هكذا على الفتح، وبالألف طبعًا- ولا ادري كيف فات صاحب "الأسوار" الأخ يعقوب حجازي، أن يعيد طباعة هذا السفر النفيس الذي يعد مفخرة لمدينته العريقة عكا، ولفلسطين بل العرب جميعًا. ومرة ثانية، ليس هذا تأريخًا حصريًا ولكنه ما أتت عليه الذاكرة من غير تنقيب. ويلاحظ أنني لم أبحث في مذكرات السياسيين والشخصيات العامة، بل قصدت ذلك النوع من السيرة الذاتية الذي يحتضنه الأدب بالمعنى الواسع للكلمة. كما أنني لم أتوقف عند النصوص النوعية التي تفيد من السيرة الشخصية لتجني استخلاصات أوسع مثل "يوميات الحزن العادي" للشاعر محمود درويش مثلاً ، كذلك "الضوء الأزرق" و "سأكون بين اللوز" للراحل حسين البرغوثي.

في هذا الإطار، يأتي كتاب د. فاروق مواسي "أقواس من سيرتي الذاتية" الذي صدر هذا العام. وقد كتبه بعد بلوغه الستين عامًا مشيرًا إلى ذلك ببيت الشعر الذي يتصدر الكتاب:

فقد وفيتها ستين حولاً                ونادتني ورائي: هل أمام؟

 

سيرة عصامية

ولد د. فاروق إبراهيم مواسي، في باقة الغربية، سنة 1941، ورأى بعين الطفل دخول اليهود الأوائل إلى قريته يوم 21/5/1949. كان أبوه خياطًا ، وكان ملمًا بالتراث العربي، كما كان حريصًا على تعليمه. وسيحتفظ الطفل فاروق بذكريات الرعب، وأصوات القصف التي اختلطت مع دوي مدفع رمضان، والتشرد إلى بيوت الأقارب. ومن الأقارب تعلم التجارة بالبصل والنحاس، كما تعلم التدخين! وستبقى في ذاكرته صورة شقيقته فريدة التي توفيت وهي رضيعة، وإذا كانت الوفاة من شأن القدر الذي لا يد للبشر فيه، فإنه لن ينسى كيف اعتقله اليهود في مستوطنه قريبة، وهو فتى، فكان أول ما لفت نظره هناك هو "إن بيوتهم هي الأجمل، وإن لديهم الحدائق، وأنهم يشربون الماء من الثلاجة..". أما معلموه الأوائل في المدرسة فهم يهود عراقيون.

وقد أنهى "البجروت" الصف الثاني عشر- في ثانوية الطيبة، ليتوجه بعد ذلك إلى يافا باحثًا عن فرصة العمل الأولى.. وكانت في سلك التعليم. ولكنه لن يفارق هذه المرحلة من عمره قبل أن يسجل المشاهد المؤثرة للقاء الأقارب في الأعياد، على "الحدود" بين أبناء الشعب الواحد. ومع ذلك فالحياة يجب أن تستمر. فمن جهة، كان لا بد من التشبث بالجذور والبقاء في الوطن. ومن جهة كان لا بد من توكيد الذات على أرض الوطن من خلال العمل والنجاح. كان قد بدأ يقرزم الشعر من المرحلة الابتدائية، وسيستمر في هذه التجربة المثيرة طيلة عمره. أما على مستوى الحياة العملية فسيبدأ معلمًا احتياطيًا، أو بديلاً لمعلم غائب. وكان عليه وهو الحدث- أن يتغلب على مشاكسة التلاميذ، وأن يحقق هيبة "الأستاذ" وإلا فلن ينجح في عمله. كان وضع التعليم مترديًا، لكن إخلاصه للمهنة وإيمانه بدوره التربوي تغلبا على النكسات والمرارت. وماذا إذا حيل بينه وبين حقه في أن يكون مديرًا لإحدى الثانويات مادام حبه لطلابه عميقًا في نفسه؟ وها هو يلمس لمس اليد ما يمكن أن يقدمه من موقعه، فقد كان له أثر واضح في إدخال الشعر الحديث إلى المدارس. وليواصل التعليم أستاذًا ودارسًا، فها هو ينال شهادة الماجستير في الآداب، إثر نجاح رسالته عن لغة بدر شاكر السياب، ومنها إلى الدكتوراة في الأدب العربي، وكانت الأطروحة هذه المرة حول شعراء مدرسة الديوان: العقاد، والمازني، وعبد الرحمن شكري. وسنلاحظ أثر الدراسة والتدريس في شخصيته. بل إن هذا الأثر يطبع سيرته التيه بكل وضوح . وبموازاة هذا النشاط الدراسي فإن له اهتمامه بالصحافة الأدبية، فكان أن تسلم رئاسة تحرير مجلة "مشاوير" التي كانت ناطقة باسم رابطة الكتاب العرب. أما مجموعاته الشعرية فما زالت تتدفق منذ عام 1971 عندما أصدر باكورة أعماله" في انتظار القطار" وستتلوها اثنتا عشرة مجموعة، يحضرني منها "غداة العناق" و "يا و

طني" و"اعتناق الحياة والممات" و" إلى  الآفاق" و " من شذور التعب" و" الخروج من النهر" و"قبلة بعد الفراق" و"ما قبل بعد" و" لما فقدت معناها الأسماء" و "خاطرتي والضوء"

وله دراسات نقدية وأبحاث وضعها في أحد عشر مؤلفًا. كما أن له مجموعتين قصصيتين ، إضافة إلى نشاطاته الثقافية وحركته الدؤوب ،  واتصالاته المثابرة بأعلام الأدب في الوطن العربي.

 

صداقات وذكريات

واضح مما تقدم، أننا أمام شاعر نذر نفسه للأدب والعطاء. وعلى هذا، فقد كان طبيعيًا أن تحتشد السيرة الذاتية بأخبار الأعلام ممن عرفهم واجتمع إليهم في مسيرته الطويلة، وإذا كانت انطباعاته وأخباره عن بعضهم مبعثًا للدفء الإنساني والتواصل الحميم، كما هو الأمر مع فدوى طوقان وعبد اللطيف عقل، فإن اجتماعه إلى بعضهم يكشف عن جوانب من وفائه ودماثته واعترافه بفضل الكبار، كما كان الأمر مع يحيى حقي مثلاً. إلا أن أخباره مع بعضهم الآخر تبقى مثار إشكال، كلقائه بعبد الوهاب البياتي ،  وإعجاب هذا بما كتبه د. فاروق مواسي عن السياب، وحاشا لله أن نشكك في صدق رواية صاحب هذه السيرة. فللرجل من رصيد الصراحة والصدق، حتى لو كان على حساب نفسه، ما هو واضح للعيان. ولكن لنا مطلق الحق في أن نبتسم عندما يكون صدق البياتي، سامحه ورحمه الله، هو الذي على المحك. فقد كان حسده للسياب وتهجمه عليه موضوع تندر المثقفين العرب من المحيط إلى الخليج. وحتى حين كان ينحني للعاصفة أو للمجاملة كما فعل مع د. مواسي- فإنه كان يحاول منح نفسه صفة الموضوعية التي سرعان ما تنكشف مع الكأس الأولى من العرق. مع شكنا الشديد والمشروع في أن يكون قرأ عشرة متواصلة تخص الراحل السياب ببعض الخير!! وتستوقفنا علاقة د. مواسي بالراحلين الكبيرين إميل حبيبي وتوفيق زياد. وقد استحضر هذه العلاقة في إطار مثير يتعلق بالأيديولوجية. لكن المستوى الإيديولوجي عمليًا لم يتجاوز العنوان. صحيح أن الراحلين قد وصلا إلى أعلى المواقع في قيادة الحزب الشيوعي، وأن صاحب السيرة يمكن أن يكون مر بالشيوعية لمحًا ليجد نفسه في اختيار وطني قومي تقدمي غير مؤطر. لكن الصحيح أنه لم ينشغل بشيوعيتهما، وإن كان يتساءل عن سر نجاح إميل حبيبي وشعبيته: هل هو الحظ أم الحزبية؟ وكان مثيرًا للاهتمام وضوح د.فاروق مواسي في هذا الموضوع. فلم يكن ليرى في إميل حبيبي موهبة خارقة وإن لم ينكر عليه خفة دمه وذرابة لسانه. ومن هذه الصراحة التي تبلغ حد الشجاعة، ينتقل الى أنه غَير رأيه بعد وفاة إميل حبيبي، وأعطى أبا سلام بعض ما يستحق من اعتراف. وإذا كانت هذه لحظات الكتاب المشوقة، فقد كنت أتمنى أن ذَهَبَ إلى شيء من التفصيل في الأمر، لأن مهمة السيرة لا تقف عند حدود لذة النص، بل إن فيها فائدة معرفية. وقد أشار د. مواسي الى شيء من ذلك في بداية سيرته. ولو أنه أوضح ما إذا كان هو الذي تطور فهمه للأدب... أم أن أبا سلام هو الذي قدم إضافات في كتاباته الأخيرة، لكانت الفائدة أعم. صحيح أن صاحب السيرة أشاد بآخر آثار إميل  حبيبي، وهو "سراج الغولة" لكنها إشادة تتوقف عند إطلاق حكم القيمة لا أكثر. على أن الوضع كان أفضل شيئًا ما، بالنسبة إلى الراحل توفيق زياد، فقد أشار د. فاروق مواسي إلى النبرة التحريضية المبكرة لأبي الأمين، وتأثيرها في الجيل التالي من شعراء 1948 في مرحلة معينة. كما أشار إلى مشروعه في تطويع النصوص الشعبية المتوارثة للغة الفصحى. ومع ذلك فقد كان مفيدًا أكثر لو أنه أخذ نصًا  محددًا وتناوله بالإضاءة والتأويل والنقد. ومع ذلك فالوقت لم يفت. فلا يزال د. فاروق مواسي في أوج عطائه، وهو قادر، بالتأكيد على كتابة ما هو متوقع منه،سواء أكان ذلك يتعلق بإميل حبيبي أم بتوفيق زياد... ولعله فعل ذلك في رحلته الطويلة. إنه يشير دائمًا، وبدأب، الى حدة آرائه النقدية التي قد تكلفه صداقات عزيزة، وكان من حق الذاهبين إلى سيرته الذاتية أن يروا شيئًا من ذلك إجرائيًا. فهل نتفاءل بطبعه ثانية؟

 

نزار قباني

لكنني أعترف بأن ما أثار دهشتي -  إن لم أقل: ذهولي، إن لم أقل: حنقي- هو ما تباهى به د. فاروق مواسي من أنه شهد للمرحوم نزار قباني بأنه مثال على الرجل الذي يفهم المرأة أكثر من المرأة؟؟؟!!؟ وآسف كثيرًا لعدم اتساع الصفحة لما يكفي من علامات التعجب والاستفهام. لقد مضى نزار قباني وأصبح في دار الحق الآن. وما أجدر د. فاروق مواسي بأن يلتزم بما ذهب إليه في سيرته هذه من "ما أحوجنا الى أن نتخلص من بريق الأسماء وقدسيتها". وليس معنى هذا أنني أنتقص، لا سمح الله من الدور التاريخي لشاعرية نزار قباني، فلست مجنونًا لاقترف هذه الجريرة. ولكنني أمام نقطة محددة، هي فهمه للمرأة مع أن من الممكن، بتمرير النظر ولو سريعًا، على أعماله الكاملة، أن تعطيه تعريفًا شافيًا وافيًا هو: أنه الشاعر الذي لم يفهم المرأة إلا بمنظار الشرقي الذكوري الآتي من منطقة الظلام. صحيح أنه دشن حياته الشعرية ببعض "الحكم" الاجتماعية من نوع :

تسقط الأنثى إذا تزني وكم                            رجل دامي الزنى لا يُسأل

وسرير واحد       ضمهما                          تسقط الأنثى ويحمى الرجل

ولكن هذه حكمة، أو ملاحظة من الخارج. ولا تتعلق بفهمه أو عدم فهمه للمرأة، أما المرأة كما يفهمها، فهي التي يخاطبها قائلاً "بدراهمي لا بالحديث الناعم" أو يتباهى عليها بأنه " يحرث كالحصان على السرير الواسع"، ولا يرى  في جسدها إلا بئرًا لا يتمتع بمائها إلا السابق إليها، حتى أنه يتشفى بمن جاءه بعده:

          يكفيه   ذلاً    أنه       قد جاء ماء البئر بعدي

 وحتى عندما راقب امرأتين مثليتين و"دافع" عن حريتهما في أن تفعلا ما تريدان، فإن مراقبته وهي بحد ذاتها بذيئة أتت بمقاربة ذكورية تنفي خصوصيتها النسوية:" والباب تئن مفاصله ويعربد فيه المفتاح". ولعلنا نذكر قصيدة "أيظن" وتوعد المرأة بأن تثأر لكرامتها من العشيق الذي ما إن يظهر حتى ترقص فساتينها فرحًا وتسقط على قدميه. وهي وريثة عصور الرقيق، بحيث لا تجد تشبيهًا للأشياء الجميلة أكثر من الذهب والحلي:" كصوت رنين الحلي". إلا أن المشهد المنفر الذي بقي عالقًا في الذاكرة، هو أن نزارًا، سامحه الله، أراد أن يمجد المجاهدة جميلة بوحريد، رمز ثورة الجزائر، ففطن إلى: "في الصدر استوطن زوج حمام- والثغر الراقد غصن سلام" وقد طاش صواب المناضلة الجزائرية عندما قرأت هذا الكلام. وهي شاهدة  - ترزق -  أطال الله عمرها. والله يشهد أنني سمعت من أبي توفيق شكوى مرة من ردة جميلة بوحريد على قصيدته تلك.. أما القصيدة التي يرددها أنصار نزار مثالاً على "ثوريته" وهي " الحب والبترول" فلنقرأها الآن بعين حيادية، لنكتشف أن الصوت ليس صوت امرأة، مع أن الصياغة النحوية تقول ذلك، وأن القصيدة لا تتجاوز كونها خطابًا سياسيًا من فئة تعليقات طيب الذكر أحمد سعيد في إذاعة صوت العرب.. وأخيرًا لا آخر، يظل نزار قباني الذي يفهم المرأة! هو القائل:

فصلت من جسد النساء عباءة                     وبنيت أهرامًا من الحلمات

مع الاعتذار من القارئ الذي يمكن أن تنقلب معدته تقززًا واشمئزازًا من هذا الكلام الرقيق.. ومن المحير أن أبا السيد تنطلي عليه محاولة نزار قباني أن يتخلص من تبعة هذا البيت القميء. ففي كتاب "أدبيات مواقف نقدية" للدكتور مواسي، وقفة بعنوان "تفسير الكاتب لنتاجه"، حيث يقبل تأويل نزار لهذا البيت بأنه على لسان أحد أمراء النفط ؟؟.. ولكن لا بأس، تعالوا إلى قصيدة "الرسم بالكلمات" التي تشتمل على البيت القميء- وهي قصيدة يفخر بها نزار إلى حد أنه جعلها عنوانًا لمجموعة شعرية فماذا نقرأ ؟

مارست ألف عبادة وعبادة                        فوجدت أفضلها عبادة ذاتي

فمك المطيب لا يحل قضيتي                   فقضيتي في دفتري   ودواتي

كل الدروب أمامنا مسدودة                     وخلاصنا في الرسم بالكلمات

فهل هذا كلام أمير النفط أم هو الكلام المكرور الذي صدّعنا به الشاعر ألف مرة؟ وإذا كانت القصيدة على لسان أمير النفط، فهل أمير النفط- الذي حمله نزار قباني مسؤولية أهرام الحلمات- هو الذي يجد قضيته في الدفتر والدواة ولا يجد خلاصة إلا في الرسم بالكلمات؟ ولماذا  كانت مجموعته كلها تحمل هذا العنوان، فهل إن القصائد الأربع والخمسين- وفوقها، على البيعة، ثلاثة أبيات- مجيرة كلها للأعرابي الذي يأكل الجدري منه الوجه والمعصم على حد تعبير نزار؟.. إن التأويل الركيك المضحك الذي استحدثه نزار، رحمه الله، لبيته القميء، لم يأت إلا بعد أن أصبح البيت فضيحة. وعندما حاصره به محاوروه فتح الله عليه بذلك التأويل.. أي أنه لزوم الشغل..

 

في النقد واللغة

لم يحاول د. فاروق مواسي أن يهدينا، ولو إلى بصيص فكرة عن منهجه في النقد. وقد لا يكون هذا مطلوبًا في كتاب يفتح أقواسًا على سيرة ذاتية. ولكنه يستوقفنا بحماسته لأثر نقده في الأوساط الأدبية. فهو يسجل كلامًا قيل فيه: "أنت تكسب لقاء كل مقال مبلغًا وتخسر صديقًا " ويصدق هو على هذا الكلام مؤكذًا:" وأعترف أن مقالاتي كثيرًا ما تثير زوابع وردودًا قاسية أكثر مما يجب". وإذا كان هذا الكلام يشير إلى نزاهة لا نشك فيها بطبيعة الحال، فإنه يربكنا بحكاية أحمد منير التي تعود أن تكون اسمًا مستعارًا وظفه في كتاباته النقدية موضحًا:" كان غرضي شريفًا". ونحن الذين لا نشك في نزاهته وشرف مقصده، نتابع الحكاية، فنجد أن من أسباب اعتماده الاسم المستعار، ما يلي:" كان صعبًا  علي أن أحاور المبتدئين في الأدب ممن يتطاولون بدون رصيد أو معرفة، فآثرت أن اختفي وراء قناع".. والأمر المحير هو: هل عدم معرفة ضحاياك بشخصك هو أمر طبيعي؟ أو هل هو حل لمشكلة المبتدئين والأدعياء؟ وماذا إذا ردوا عليك، فهل سيكون ردهم موجهًا إليك في هذه الحالة أم إلى شبح اسمه لؤي جعفر أو أحمد منير؟ وكيف تستقيم معادلة الحوار إذا كان أحد المتحاورين لا يعرف الآخر؟ يريد أبو السيد أن يكحلها فيعميها تمامًا عندما يقول:" والطريف أنني نقدت فاروق مواسي بشكل فيه قسوة... وذلك حتى أبعد الشك عني".. وأعترف بأنني لم افهم هذه النقطة. إذ مادام يكتب نقدًا ميدانيًا في صحافة يومية، فمعنى هذا أن نصه الذي نقده "بشكل فيه قسوة" هو نص جديد. والآن عليه أن يحدد لنا أين فاروق مواسي الحقيقي؟ هل هو صاحب النص الأدبي أم صاحب النقد الذي فيه قسوة؟ وإذا كان قصده يستحق القسوة فلماذا نشره أصلاً؟ وإذا كان فعل ذلك على غير اقتناع فهل يجوز أن يظلم نصًا أدبيًا يراه جيدًا بتمرير كذبة بيضاء على القراء؟ وكيف نحصل على المعرفة اللازمة إذا كنا لا نعرف حقيقة موقف الكاتب من كتابته؟.. إنه يصل إلى خلاصة محددة هي: "هناك من يرضى وهناك من يغضب من النقد.. وهذا هو الدرس الأول". اللهم لا تجعل صديقنا أبا السيد من المغاضبين بسبب هذه الملاحظة..

أما في اللغة فهو يثير حميتنا بانفتاحه وتفهمه لحاجة اللغة إلى استيعاب المصطلحات الحديثة، وإن كان لا يلبث أن يفاجئنا باقتراحات من نوع توحيد وضع الهمزة في الكلام على النبرة. وهو أمر مستحيل طبعًا. صحيح أن للهمزة مشكلاتها المحددة ولا سيما لدى أشقائنا في مصر. لكن الأمر لا يحتاج إلى أكثر من جهد متضافر يبذله المؤثرون في المحافل المختصة. أما أن نبدأ بعد أربعة عشر قرنًا من التدوين ببرامج جديدة، فإن هذا من شأنه أن يدوخ الأجيال الجديدة بدل أن يهديها. ثم كأن أبا السيد اكتشف النحت اللغوي على حين غرة، منذ أن قرأ مصطلح "الزمكان" لدى عبد اللطيف عقل الذي لا أظنه، رحمه الله، كان سيزعم أنه من أوجد هذا المصطلح لتبيان انصهار الزمان في المكان. وقد نتذكر مصطلح "المدرحية" أي المادية الروحية -  الذي ابتكره أنطون سعادة منذ عام 1934. وقد شغف د. مواسي بهذه اللعبة فاقترح مصطلحًا من نوع "الواقنسية" ويقصد به الواقعية الرومانسية، مع أن المترجمين لم يحسموا أمرهم مع الرومانسية ، وهل هي الكلمة الملائمة أم الرومنطقية أم الرومانتيكية أم الرومنتية، ويوغل د. مواسي في النحت فيصل الى "الإجتأدبية" التي اعترف بأنني لم افهم لها معنى. والمشكلة كما أظن، هي في فهمنا لفلسفة اللغة ونشوئها. فهل كان البشر يؤلفون المفردات تأليفًا واعيًا أم يكتشفونها بلفظهم التلقائي؟ إن سوسير، عالم الألسنية الأكبر، يقول بعشوائية اللفظ في البداية، ثم يجري توظيفه وتقنينه وفق قواعد متفق عليها.. وما لم يكن الأمر كذلك، فإن من حق أي منا أن يؤلف معجمه الخاص به..

 

الشعر والأنا

حسنًا فعل د. فاروق مواسي حين أولى الحياة اهتمامه الأول في كتاب مكرس لجوانب من سيرته الذاتية. لكن أدب الأديب جزء من حياته ،  ولا نختلف مع د. فاروق مواسي في قوله: "شعري هو أناي". بل دعونا نتعامل حتى إشاراته العابرة على هذا الأساس. فقد أهدته الشاعرة فدوى طوقان إحدى مجموعاتها بجملة" إلى الشاعر الرقيق" فكتب معلقًا ومعبرًا عن سعادته بالإهداء، رادًا على من انتقص من موهبته أيام البدايات: "إذن فأنا شاعر رقيق.. لا ركيك" والجناس الناقص الطريف هذا يشغلنا، ولو إلى حين، عن جدية تعامله مع الإهداء. فهل كان حسب إهداء الشاعرة الرقيقة- هو الرقيق كإنسان أم أنه رقيق بما هو شاعر؟.. لا شك في أن صاحب السيرة في حالة من التماهي مع شعره  ، بحيث لا يرضى بأي فصل بين رقة شعره ورقة شعوره: شعري هو أناي.. ألم يقل هذا؟ وما دام الأمر كذلك، فإننا نأخذ من إصراره على"الصدق الفني" إصرارًا موازيًا على الصدق المطلق، في الكتابة وفي الواقع المعيش. وهذا الواقع هو الذي أملى فلسطين على قصائده، بحيث كان للمكان الفلسطيني حصة ملحوظة فيه. ومرة ثانية، كنت أتمنى لو توسع في مسالة المكان هذه... وفي يقيني أنه لو فعل لوصلنا منه شيء كثير، فقد تنقل- كما تدل سيرته- بين الديار الفلسطينية، وكان له من العمر ما يكفي ليلتقط ما حل بالمكان من الآثار الأولى للنكبة. وهو إذ يشير إلى تركيزه، في شعره، على بعض المترددات الفلسطينية، إنما يؤكد هذه الحقيقة، وكذلك قصائده في رثاء بعض الشخصيات الوطنية الفلسطينية. لا سيما وأنه لم يتقيد بالرثاء كغرض تقليدي موروث، بل جعله مناسبة لإحياء لحظة الراحل المرثي. فقد اقترح يا للطرافة المرة أن يرفع حب توفيق زياد وهو يرثيه مثلاً. إلا أن الفقرة، الوحيدة تقريبًا، التي تخص الشعر في هذه السيرة من جانب نظري، هي هذه: "يهمني أن يرضى الجمهور الواسع عن قصيدتي الوطنية ، ولا يهمني كثيرًا أن أجد العدد الكبير لقصيدتي الفكرانية او المتعمقة" ففي هذا البوح ما يشبه الاعتراف بأنه يكتب نوعين من الشعر، الأول بهدف إيصاله الى الجمهور، والثاني يدخل في مكنوناته الشخصية. وما لم نتوسع في محاولة الفهم فقد يكون في ذلك إساءة للشاعر كاتب السيرة إذ لا بد من استيضاح علاقته الحميمة بالقصيدة "الوطنية".. هل هي مجرد استثارة لعواطف جمهور محبوس في قاعة مغلقة؟ أم أنها، وإن ارتدت لبوسًا خطابيًا، تظل في منطقة الشعر؟ وإلى أي حد يكتفي الشاعر بمن يفهمون قصائده "الفكرانية المتعمقة"؟ لأن النخبة مهما كانت محدودة- تظل من فئة المرسل إليه. فضلاً عن أنها نخبة ليست واضحة المعالم. فهل هي مجموعة مثقفين متبحرين في الشعر؟ وماذا إذا كان هؤلاء المثقفون تقليديين، بمعنى أن الخطاب "الفكراني المتعمق لا يصل إليهم؟ فهل نخرجهم من مدرج الثقافة؟ لقد طرح د. مواسي فكرة شديدة الخطورة، وما كان له أن يتركها معلقة. بل لا بد له في رأيي المتواضع من العودة  إليها في سياق آخر أو في طبعة لاحقة، استكمالاً للفائدة. ومن باب الطرافة لا أكثر، يعنيني ألا أبدو "عدوًا" للمرحوم نزار قباني من خلال ملاحظاتي السابقة، ولهذا فقد يبتهج د. فاروق مواسي وأنا أيضًا- عندما استشهد ببيت لنزار كتبه في مرحلة مبكرة من عمره، وهو يفي بالغرض  الذي نتدبره في هذا السياق:

إذا قيل عني: أحس، كفاني                       ولا أطلب الشاعر الجيدا..

على أن الحس يلزمه الموهبة التي لم يزعم أحد أنها كانت تنقص هذا الشاعر الإشكالي. إلا أن هذا موضوع آخر.

 

لماذا السيرة؟

بعد ان صدر د.مواسي كتابه ببيت الشعر الذي يشير الى بلوغه الستين من عمره المديد ،رأى أن يوضح سبب إقدامه على كتابه هذه الأقواس من سيرته الذاتية ،وبشيء من حيرة العالم المتواضع ،لم يشأ أن يطلق في وجوهنا بيقينه الجازم الصارم،فكتب:

" ربما هي إمتاع ومؤانسة،أو مشاركة وجدانية ، أو مراجعة أخيرة لكتابة الفصول قبل أن تدبر الحياة" أما أنها إمتاع ومؤانسة ،فالأمر يعنينا من جانبين: الأول أن في كل سرد- فما بالك بالسيرة الشخصية- قدرًا من هذا الإمتاع والمؤانسة ، إذ كان لدى كاتبه فضلاً عن تجربته العصامية التي تبعث عن الإعجاب والتقدير. والجانب الثاني هو ما يدل عليه هذا التعبير بحد ذاته :"الإمتاع والمؤانسة" ،  فهو يحيلنا طبعا إلى أبي حيان التوحيدي،في إشارة من د.مواسي  إلى استغراقه في التراث ،   وهو المتحمس للحديث إلى درجة إقرار الشعر الجديد في المدارس . وبهذا تكون الصورة واضحة،فالرجل هو ابن عصره بكل ما يمليه من معطيات تملي بدورها ضرورة الأخد بكل جديد، من غير أن يغيب عنه لحظة واحدة انه لا يؤسس على فراغ، بل هو سليل تراث عريق. وتزداد أهمية هذا الموضوع عندما نتذكر- وهل يمكن أن ننسى؟- أنه ينتمي إلى فريق من الشعب العربي الفلسطيني كانت قضية عمره - ولا تزال -  هي الهوية وصيانة الهوية والدخول عن جدارة، في عمق روح العصر. وأما المشاركة الوجدانية فإن ما يعنينا منها هو هوية المخاطب. وإذا كان الخطاب الأدبي يفترض بداهة وجود مرسل ومرسل إليه ، فإن المرسل إليه هو القارئ العربي في حال المشاركة الوجدانية. ولما كانت طباعة هذه السيرة ،على المستوى الإجرائي، محكومة بقارئ محكوم برقعة جغرافية محددة هي التي تم الاصطلاح عليها بالخط الأخضر- فإن الجور التاريخي السياسي حرم هذا النوع من الكتابة من وصوله إلى الساحة العربية الأوسع فضاء وفرصًا. وفي يقيني أنه كان من واجب د.مواسي وزملائه أن يتصرفوا كما لو أن الرسالة ستصل إلى العرب جميعًا-وهي واصلة إليهم لا محالة- وكان هذا يقتضي توسعًا في فتح ملف سنوات الطفولة التي شهدت بدايات النكبة،لا سيما وأن القليل الذي كتبه د.مواسي في هذا الشأن  يغري بكتابة الكثير.

وأما " المراجعة الأخيرة" فهي بيت القصيد على المستوى الأدبي . ولا يتاح كل يوم للكاتب أو الشاعر أن يراجع تاريخه وتجربته على الورق. ولهذا تساءلت عن منهج د.فاروق مواسي في النقد. وعن رؤيته التفصيلية للشعر،وعن موقفه الشعري من العالم. وما زلت أنتظر.

بقيت ملاحظة أخيرة، وهي ضرورة الاعتراف للدكتور فاروق مواسي ،من خلال هذه السيرة ومن مجمل مشروعه الأدبي،بأنه مثقف جاد،محب بمعنى أنه لا يبخل بالشهادة الطيبة على من يرى أنه يستحقها .إلا أن الصفة الأهم في رأيي هي أنه قلق ، والقلق هو المحرك الحقيقي للإبداع الذي لا يعترف بالاستقرار ، بل ينشد البحث حتى اللحظة الأخيرة ،عن المعرفة والحقيقة.ومع ذلك فقد يبدو د.مواسي مطمئنًا  أحيانًا إلى نتائج تحتاج إلى التمحيص،كإشارته إلى قصيدته الرائدة في الموت وفلسفة الموت التي سبقت جدارية محمود درويش - من حيث العمر الزمني،فقصيدته مكتوبة في وقت أسبق. والواقع أن سؤال الموت قديم جدًا في الشعر العربي، ويائية مالك بن الريب أشهر من أن يشار إليها. وكذلك دالية المعري بطبيعة الحال: غير مجد في ملتي واعتقادي كذلك مجموعات السياب الثلاث وقد درسه د.مواسي وهي " المعبد الغريق"و "منزل الأقنان" و "إقبال"، إضافة إلى قصائد أمل دنقل في مرحلة السرطان.. ويطول البحث في هذا المقام..

ويبقى في النهاية أن كتاب " أقواس من سيرتي الذاتية" للشاعر د.فاروق مواسي، كتاب ممتع، شائق مليء بالفائدة،ويشع بذكاء القلب على ما تعتوره من نقاط تحتاج إلى المراجعة، وهذا شأن الأعمال الجادة منذ أن كان الأدب.

 

                                       الحياة الجديدة   24/7/2002 

 

عودة للسابق