بقلم: محمد دلة

 

 ترددت كثيرا قبيل مخاطرتي بقراءة قصيدة أندلسيات لشاعرنا الكبير د: فاروق مواسي خشية أن لا أفي النص حقه،ولأن قراءتي ستعتمد الذاكرة مرجعًا ومستندًا ،  إذ أني آوي إلى واد غير ذي حرف، وثالثة الخشية محبتي الشخصية لشاعر وباحث وناقد وإنسان تجاوز سقف الصهيل إصرارًا وبحثًا وإبداعًا ورحابة صدر،وامتدّ دالية يأخذ ظلالها وخمرها وماءها بأيدي المبدعين الشباب مغامرًا ومراهنًا ضد سلطات وسدنة البوح ممن آثروا السلم الإبداعي ،  واعتكفوا يدرسون قامات شعرائنا وكتابنا الكبار ،فاغفروا لي قليلاً من دوال استنادي وغضوا الطرف عما  ستلمحون من أخطائي.

 

مفتتح النص وعلامات تأويله تسكن ظلال العنوان ،ونجد الشاعر هنا صدم تلقّينا ب (أندلسيات) بما تجمّر في أشجارها من تداعِ، وفتح باب تذكرنا على ضفتيه لنتلمس ما نشاء من تبرج الموشح ومن صبار الدخول والخروج، عبر عنوان وارف الأجنحة مطلق غير مقيد ،مفتوح لكل تعريف ورؤية،وازداد غيًا بمحاكاته موشح لسان الدين الخطيب "جادك الغيث"عبر جدلية عجيبة تقول الأشياء وتستحضرها بالغياب المر، باستحضار الفقد والفاجعة المغيبة عن النص لفظًا والقائمة ظلالاً ملتهبة .

فجاده الدمع،إذ غاب الغيث..

واستبدل زمان الوصل بزمان المجد

فالمجد غائب،وكان المجد يعربيًا،

وحضر نقيضه مجد غربي الملامح

ولكن حتى النساء اللواتي لا يشربن قهوتنا  هن جميلات أيضًا،فهل ستغنى دموعنا،وأي لظى ستسكن لقاءنا؟ لظى الذكريات البائدة التي استحالت نصوصًا من غياب،أم شوزيفرينية الفرحة الإنسانية بجمال إسبانيا وبهائها وسيطرة مشاعر اليتم لفقدانها،لا بد من استراحة عاشق ترتب عناوين الأشياء.

وداوني بالتي كانت هي الداء ،لا منقذ من الغرق إلا الغرق في موجه، أينقذنا الوجد من الطاعة والعصيان الممتزجان في الخمرة والرؤية والساقي والنديم ؟

وهذه الحالة المتشظية لا مجال للتعبير فيها  إلا بالمتناقضات(فالضوء يكسو بالظلمة)والخيال خرج من صيرورته الوادعة واستحال وحشًا مفترسًا....

وفي ختام الموشح يستحضر الشاعر ما لا تقوله الكلمات،بقيت النقوش ولم يبق من القصور والجواري والموالي والجيوش والحرس والفقهاء والندماء والمشربيات والشناشيل والايقونات والقباب والقصائد والموسيقى وجنوح العلم والفلسفة إلا حشاشة ذكريات تتزيا بالحجر...

فأي فقدِ حضر ،أي جنازات خرس ،وأي مواكب تزف النياح والموت ؟؟؟

 

نفح من الطيب

 

جادني الدمع إذا الدمع شجا       يا زمان المجد في الأندلس

لم يكن روضُك     إلا أرجا      يَعْرُبيًا   عابقًًا   في  النَّفَسِ

فتغنّتْ   دمعتي     في عَبَق     وتلظى   فرحي   في الألـمَِ

فأتاني   الموجُ بعد الغَرَقِ         ينقذ  الوجدَ  من المُضْطَرمِ

أيها الساقي نديمي قد لقـي    في انكسار الكأس ذوبَ الأنجمِ

فكسانا الضوءُ أغلاسَ الدجى       بخيالٍ بات    كالمفـترسِ

فإذا الخط       تبقى  ونجا         وإذا العمران ضوء الغَلَسِ

 

قرطبة

ويعبر بنا الشاعر دائرة أخرى من دوائر النشيد، بنفس تقنية العنونة " قرطبة"،والآن يشي النص بالحضور ،  فرغم غياب المجد وانحسار الأيقونة العربية عن خصر غرناطة ،أعمدة حمراء وبيضاء وعبد الرحمن الداخل يمضي للمحراب ، فيدخل السماء من بوابة الأرض والناس،وكذلك الناصر، يرفلون عزة وكرامة يعمرون الكون ويحمون الثغور،ويعزفون وينزفون ألحانًا عربية ويفتحون خزائن السماء والماء للمبدعين، فمن ابن زيدون وولادة ثنائية العشق والبوح والاحتفاء بالجسد كقيمة فنية ولاهوتية حتى ابن شهيد سابر أغوار الميتيفيزيقا ، والعقد الفريد الذي يؤرخ للذاكرة العربية ويوحدها ذائقة وإبداعًا ما بين شرق وغرب ، والمجروح بفكرته وبتجلياته، ابن رشد الذي حضر في ذاكرة الموت بعد أن غاب الملوك وتحللت الجيوش بحامض هزيمتها وعناكب كسلها واقتتالها.

وطن من خيال وذهب، مؤمنون ومجدفون ،عرب وبربر وإسبان مقلدون ومجددون، امرأة تتبرج وتتجرد من عباءات العيب والحلال والحرام وتدخل مملكة الجسد علنا،وتركنا كل شيء، وتزوّدنا بالعقد الفريد وارتدينا الزبد.

مدينة الشاعر الفاضلة حاضرة الآن، ولكن النص يراوغ لنستحضر فقدها بالدمع والجمر والترمل واليتم، الكوميديا غير الإلهية في الحال العربي الوارم المتزمت المنغلق الذي يئد الفكر والشعر والخمر والنساء،ويحرم الارتماء في حضن الحبيب ويرتمي في حضن الأعداء، والزعماء الأندلسيون كانوا حصنًا في وجه الأعداء ،وزعماؤنا اليوم حصن في وجه الشعوب يمنع الغزاة، ويسكب البلاد خمرًا ومواخير في أحضانهم .

 

في الجامع بين الأعمدة الحمراء البيضاء

كان (الداخل) يمضي للمحراب

صقرًا تعرفه كلّ سماء

فأصافح فيه العزة والكِبر

يبسم في إيمان

يتبدى في كل الأنحاء

و (الناصر) يضفي أبهة ويسمي نفسه

في قرطبة خليفة

والحصن يقاوم كل عداء

 

(فالناصر) يرفل بالألحان العربيّة      (ترفل بالدمقس وبالحلل)

بجروح زُفت للأضواء

وهنا (الحكم) يفاخر

في مكتبة وَسِعت علما          (وسع كرسيه السموات والأرض)

يحضن كل عصافير الفن

كأحضان نساء

و (ابن شُهَيْدٍ) يكتب عند الوادي

بتوابعه وزوابعه.....

 

 

إشبيلية

 

يمتزج الحضور بالغياب فالمئذنة العزلاء من صوت النداء العربي، كم تمزّق صمتها في حرقة لوركا المشتاق للنداء العربي، لا نستطيع أن نتلمسها إلا بالفقد،ولكن حضور الماضي التليد لا يبتعد كثيرًا،فبنو عباد يشهرون أمسهم وينحازون للمعرفة ، وجارية تجيز بيت شعر تصبح الأميرة ،  ونحن نقول القصائد العصماء ونصبح عبيدًا وإماء ومن ذات اليمين ومن ذات اليسار.

ويتسرب إلينا المعتمد وابن هاني وابن عمار ليكتمل الاحتفاء بالمكان.

وفي اكتمال التجلي يتمرد المكان طاردًا الأشباح والصور ومعلنًا عجميته.

فيسائل الشاعر السياح والسكان فيعرفون أنه عربي فيصحبونه إلى القصر وما نسيه أجداده من حضارة وحنين، ليجد أن الدودة لم تبق من الصحيفة إلا

(الملك لله

القوة لله

القدرة لله

العزة لله)

ترتفع المئذنـــه

بالصمت محزنــــه

لتلتقيني في العلاء

هناك تبدو المئذنــه

حُشاشة من مسجد

فراق عمر أعلنه

والقصر من أمامها

مزخرفًا مُلَحَّنًا

(عبّادُ) ظلوا للرؤى

رماحهم مسننـــه

رسَوا على شواطئ (الكبير)

 

 

مالقة

 

ما زالت العناوين تفرغ كؤوسها في حواسنا وذاكرتنا الأرملة،الجنود هنا تأتي وجنودنا تفر،هؤلاء أعمامنا وجنودنا أعمام المحتل،الجنود في مالقة يحملون في يدهم مصابيح السماء، وجنودنا تتورم أقدامهم فرارًا، نتذكر الأشياء الجميلة،تنتمي إلينا كما كأم تخبز فجرنا بالزيت والقهوة، فنرش الورد على الجرح ،هنا بحث البحر عنا وتعلم أبجدياتنا ورغم مرور الجراح عميقا إلا أنه ما زال يذكر وما زال متحفزًا بالتواصل والنشيد :

 

- وبالقلعة العالية

مناظر : تأتي جنود

- كأن لذاك ملامح عمّي ?

لنصر الأماني ،

وفاكهة تخلِسُ اللون من هسهسات السنين

فيخضرّ ضوءُ الثواني

فأذكر أمي ،

 

وبحر يداعبه زورق

ويرتادُ يبحث عن لغتي

ويلقي صباباتِهِ في ندوب الأغاني

 

 

على نجوة من مضيق جبل طارق

 

طاف  يبغي نجوة     من هلاك فهلك

 

هكذا ودعت السلكة ابنها،ومن هنا ضرب طارق البحر بعصا النور والمعرفة،وحرق السفن واجترح المعجزة ،خلافة من طيف وحرف،ومن هنا مر طارق كسيرًا وقد تمرد عليه ابن نصير في رحلة الشام والنكران

وهنا زفر أبو عبد الله زفرته الأخيرة

 

و (طارق) يحرق السفن

حتمًا هنا، ربما هناك

 

والشمس تخثر الدماء

والريح تبتلع الدموع

وينتشي الزيتون

أيها البطل الذي أنكره (موسى بن نصير)

فأنكر الخليفة موسى بن نصير

وأنكر بعضنا بعضا

حتى صرنا

موتًا ممتدًا

لهبًا ممتدًا

فأعادونا من نفس المضيق .

- أيها الجبل أشهد

أن حبي لمن يرقدون هنا

مثل حبي لبلادي

 

وفي جدلية الغياب والحضور يبرز صوت الشاعر ليعلن علاقة الوفاء مع الأندلس ومع فرسانها الراقدين هناك ، وأنه يحبهم كحبه بلاده،....إنه يحبهم لأن بلاده تحتاج فرسانًا كالفرسان الراقدين.

أم لأنه إباء صدق ومجد ورسالة:

 

أودّ أن اصعد الجبل

لأرتقي قلعة (طارق)

فهي من مخمل يبعث الدفء

بهجتهُ متوثبة

أودّ أن أخطو مع ظلّ (طريف)

بصحبة أفواج من الآيات

البحر من ورائيه

 

- قصر ال㸉مراء

 

تتواصل غطرسة العنوان ....

كل نظرة إعادة بناء،و يعيد السياح بناء قصر الحمراء بكل اللغات،ويحلق الشاعر فخورًا ليخبر عن سند ملكيته شعرًا وفكرًا وإبداعًا لهذا القصر،أليس هو حفيد البانين؟

ويقفز إلى الذاكرة التناص مع قصيدة الراحل نزار قباني :

 

في مدخل الحمراء كان لقاؤنا           ما   أجمل   اللقيا بلا ميعاد

ومدينة الحمراء  زهو جدودنا         فاقرأ على جدرانها أمجادي

أمجادها ؟ ومسحت جرحًا نازفًا      ومسحت جرحًا ثانيًا بفؤادي

يا ليت   وارثتي الجميلة أدركت       أن الذين   عنتهم     أجدادي

قبلت  فيها       عندما ودعتها       رجلا   يسمى  طارق بن زياد

 

ولكن الهزيمة أمام تمثال إيزابيلا تستدعي بعض الجأش المر، ولاتزان الشاعر المطعون باستبداد التمثال لا بد من زيارة كعبة الخيال ومناجاة شخوصها العابقين ضوءًا وظلاً في موشحاتنا وإبداعنا ، فنتفيأ مع  لسان الدين وجنات العريف والبيازين ، ونمر بأبي عبد الله الصغير أول الملوك البكائين والأب الروحي لكل ملوك الطوائف ونتأسى بسنة / آية  " لا غالب إلا الله".....

نقرّعه بدموعه التي بزت شهرتها دموع التماسيح،الذي بكى مرة وما زلنا نبكي :

فأبو عبد الله بكى مرة

والنافورة ظلت تبكي

وأسود سكنت دار رئاسة

تثوثب في إيقاع

تزأر ماء

في طعم الماء نواح ممزوج بغناء

ونعاس دون غطاء

 

ويرنم الشاعر مع لسان الدين فينتشي ويطربُ راقصة الفلامنكو فتنتشي معه :

 

أترنم

فإذا إسبانيـــه

لحظت طربي وغناءَه

رقصت (فلا منكو)

أسرع من لمح البصر

عيناها ينبوع دُرر

فشربت نبيذًا من فمها

وشربت نبيذًا من شفتين تذوبان صفاء

ومسحت بكفي وجنتها

 

وكأننا أمام الهزيمة تستعيد نصرنا المفقود بالجنس والقبل... كما فعل بطل موسم الهجرة إلى الشمال وشاعرنا الكبير نزار،أو إن إسبانيا ما زالت تعرفنا ،  ورغم غربتنا عن سريرها ما زالت تتذكر طعم قبلاتها فتحن إلينا ونحن إليها.

 

 

عود على بدء

 

ويختتم الشاعرة قصيدته بمقطع يشبه شكلاً مطلعها ، وكأنه في دائرة موسيقية تبدأ إذ تنتهي كموشحة كلاسيكية أسكرتها الموسيقى،وفي منتهاه يعرج بالسلام على ابن العربي عله بصوفيته ورؤاه يخلصنا مما آلت إليه انزياحاتنا ، ربما نجد خلاصًا  في رياض الكتب،والخلاص صيرورة مثنى يقي من الغرق وينتشي بحسن الماء....

القصيدة أندلسية نصًا ومعنى وهوى وجرحًا غائرًا في الذاكرة،ولو لم يكن عنوانها أندلسيات لسميناها كذلك .

 

اسقني ذكر الهوى بالغَدَق          ثم خذني صوب ابن العربي

علّه يهدي سُطوعَ   الأفق        وهو يهمــي في رياض الكتب

عد  بنا مثنى قبيل الغرق            ينتشي الماء بحسن السحب

فإذا ذكر الهوى طيبُ الرجا      أتقاوى    نفسًا    في    نفسِ

كلما   أظلم     ضوء بَلجا            لا تزد ظلمًا على المقتبسِ

 

*                                             *                                        *

 

وبعد هذا الاستعراض السريع لمكنونات القصيدة لا بد من الغوص في بناها الشكلي لغة وتراكيب وفراغات....

اختار الشاعر لقصيدته شكلاً يزاوج ما بين شعر التفعيلة في صدر القصيدة ومقطعين من الشعر العمودي في مبتداها ومنتهاها،وإذا بالنص يفتتح تلقينًا بالحزن ،  ويختمه بحزن تحفره الموسيقى وتقاوم محوه بترديد إيقاعاته المرةِ المرةَ تلو المرة على أخاديد الذاكرة ....

ويستعير الشاعر من أساليب اللغة ما يخدم أغراضه بصنعة وفنية عالية ،  فهو يزاوج ما بين المتناقضات ليفجر منها أحاسيسه وفكرته مجازفًا بتحطيم كل القيود الأسلوبية ليخط للغته منحى أسلوبيًا جديدًا يدعوني لأطلق عليه تقنية التضاد والبتر،فهو يضع جمله قصيرة مبتورة بالتشظي ومسكنة كقبلة السيف ليصفع سائدنا بالنقض ،  ولتجبرنا وخزته الصاعقة أن نغادر مرجع إحساسنا ، وننطلق لأسئلة جديدة وحواس تتوالد في أبعاد النص كموجات رؤية :

(هناك تبدو المئذنــه

حُشاشة من مسجد

فراق عمر أعلنه )

فالمئذنة تبدو بكل وضوح وارتفاع لتغيب حشاشة مسجد ....ورغم حضوره فقد أعلنه الفراق،والقصر من أمامها متكئًا على بعث طارق بن زياد(البحر من ورائكم والعدو من أمامكم) ليكون القصر عدو المئذنة،ألم يكن صديقها ذات فتح؟؟!

ويزاوج مابين جدلية الحضور والغياب فهو في الأندلس حاضر غائب ،  وجده العربي غائب حاضر .....سيدرك آفاق وجده ويتفهمها رغم طواحين الزمن :

 

فأصبو لترتيل جَدّي

ليدرك آفاق وجدي

 

وتتجلى المتناقضات وتفجر ما شاءت :

 

فأبو عبد الله بكى مرة

والنافورة ظلت تبكي

وأسود سكنت دار رئاسة

تتوثب في إيقاع

تزأر ماء

في طعم الماء نواح ممزوج بغناء

ونعاس دون غطاء

 

وعرس المتناقضات ليس عرسًا شكليًا يأخذ مجده من طباق اللغة ،إنه عرس يتبرج باصطفاف الأشياء ومراوغة المعنى،وخلق تراتبية جديدة للأشياء يقتضيها الإبداع وتنفى صورة الواقع الآيل للنفي بنبوءة الحق والشاعر :

 

هنا الحمّام، هنا الأزهار هنا...

- ما أقسى التاريخ يدور كدولاب

يطحن يبني

يزرع يجني

والمصباح على سارية خضراء

ضَجَّ غناء

ملأ خريطة وجدي بالحلم المُشْرَع

بالزمن أعيده

أرفع هامة نخلة

رمقتني من بُعد فَدنوت

تطلق إذ تعرفني زغروده

- زغرودة أختي عند زواج أخي -

فألمَّ ندى

أتسلق جذع النخلة.....

 

وتتجلى ثقافة الشاعر وإصراره على الاحتفاء بموروثه ليعمق من إحساسنا باليتم الأندلسي عبر الأقنعة الحاضرة نصًا أو ظلالاً من خلال تناصه مع الأدب الأندلسي كخطبة طارق بن زياد وأشعار ابن زيدون وأشعار ولادة التي ما زالت تشكل حداثة في النصوص النسوية،وكذلك تناصه مع النص القرآني دون مباشرة مما يؤثث روح القارئ بالقدسية واستشراف الأشياء :

 

في كل مكان تتردد

لست على الغيب ضنين...

فالنصر مبين

والعزم مكين

 

ويتناص الشاعر أيضًا مع لوركا عند مشاهدته امرأة تحمل وجهًا عربيًا،وكان الهم فرد جناحيه وأعطى كل مبدع نجمًا يرسم بريشته أغنيات موته وبعثه :

" وحفيدات الزهرات بقين

يتناجين حديث العشق الأبدي...."

 

(ثلاث نساء عربيات

عائشة وفاطمة ومريم

كن مسلمات أصبحن مسيحيات)

                                            لوركا

 

وفي الختام لا بد من التعريج على علاقة الشاعر بالمكان التي لا يجاريها إلا علاقة شعراء العصر الجاهلي الذين جعلوا من المكان مسرحًا عامرًا بالشخوص والنور والظلال واستنطقوه حتى آخر البوح،وشاعرنا ومن منطلق حداثي يعمق المكان بالمكان وبالموروث الحضاري والمعرفي والجمالي ويصحبنا بجغرافيا الحزن عبر خريطة النص العامر بالتضاريس والخضرة.

 

عودة للسابق