شعرية الماء عند فاروق مواسي

حسين حمزة

 

    قد يبدو العنوان للوهلة الأولى مرنًا ،  ولكن لا شك في أن الماء في الشعر العربي الحديث رديف للحياة والبعث والانطلاق ، ولعل السياب أبدع في مزواجته بين الماء وبين إيقاع الحياة في أنشودته وهو يردد  : مطر مطر مطر.

في قصيدته Niagrara Falls في ديوان  (خاطرتي والضوء/ نبضات) - ص105 ، ينطلق الشاعر الدكتور مواسي لرصد اللحظة الشعرية في أقصى درجات توترها ليشحن قصيدته بدلالات ذاتية وجماعية إنسانية.

وهو في سبيل ذلك يؤسس قصيدته في صوتين لا نستطيع التفريق بينهما ،  إلا من خلال الإطار الذي وضع فيه  ليشعر القارئ بعمق أحدهما تجاه الآخر. كما أن ما يميز قصيدته هو التضاد بين الألفاظ وتبادلها محاولاً  تنويع الدفق الموسيقي فيها .

تبدأ القصيدة بجملة اسمية خبرية تقريرية ،  لكنها تصدم القارئ  في ضديتها:

"نار من ماء

تخرج جنيات الألوان عرايا

وحكايا تتدفق

وضباب داعب تلك الشمس المعتزه

بوصال كان.. يكون"

تختلف طبيعة النار المشتعلة عن طبيعة الماء  ،  إلا أن هذا الاختلاف يزول إذا دققنا في جوهر الطيعتين. فالنار كطاقة هي نتيجة فعل للحياة ،  أما الماء فهو مسبب للحياة.

إذًا يبتدئ الشاعر قصيدته من النتيجة ثم السبب ،  وهو في ذلك يفتح نصه كله ليتحرك بين هذين القطبين نار_ ماء.

تخرج جنيات الألوان/ قوس قزح في ألقها انعكاسًا لقطب النار، لذلك نرى الشاعر يقرن خروجها بالعراء ،  لأن العراء في معناه الجوهري هو كشف للجوهر دون لبس أو خداع ،  كذلك طيف الماء المتوهج.

أما الحكايا فهي في دلالاتها العميقة قناع للجوهر الإنساني أيضًا،  لأنها سرج يؤسس منطقية الأحداث ولا منطقيتها في الذاكرة الجماعية للإنسان. هذه الحكايا في سلاستها تتدفق كالماء في انسيابيته ، كذلك فإن الضباب كقناع أخر يمثل الماء -  حيث داعبت تلك الشمس (النار) جنيات الألوان، أي أن التضاد بين المحورين كفعل تقابلي مستمر بأقنعة أخرى. ولكن حقيقة التضاد هو الوصال المستمر ،  كما يدل على ذلك "كان يكون".

أما إذا نظرنا إلى توزيع الأفعال في استهلالية القصيدة فإننا نجد ثلاثة أفعال مضارعة (تخرج، تتدفق، يكون) ،  أما الأفعال الماضية فهي (داعب، كان)  .

       مرة أخرى بإمكاننا إحالة الأفعال المضارعة إلى قطب الماء باعتباره انسيابًا يتشكل في كل شيء/ قناع ودلالة على الاستمرارية المطلقة. أما الأفعال الماضية فترتبط بقطب النار ،  لكونها لا تمتد في الزمان ،  لأنها محدودة الفعل في اشتعالها وانطفائها.

إن مثل هذا الاستهلال يؤكد أن  للبدايات في الشعر العربي الحديث أهمية كبيرة في بناء القصيدة من جهة واحدة ، وفي توجيه القارئ منذ البداية للبحث عن دلالات ترتبط بها -  مهما كانت  عملية الاتصال الأدبي بين القارئ والنص على درجة كبيرة من التفاعل المتبادل من جهة ثانية.

يُستثمر في قصيدة الشاعر مواسي قناع الديمومة الذي يشكل نسغه الماء ليتحول الصوت الهادر إلى زمان لا يتلعثم ،  أي إلى المطلق:

"والصوت الهدار

ملء السماء

كان من الله زمانا لا يتلعثم"

أما التنويع في الجرس الموسيقي فيتمثل في قوله:

1 - "أصوات الألوان

ألوان الأصوات"

2 - "كانت أبهى كانت أزهى".

وكذلك في توزيع الأحرف الشكلي على مساحة النص:

3 -     "يا شلا

                     لا

                          ت"

(صيغة جمع لا تكفي)

بالإضافة إلى تعليقه المتضمن حيث يعمق دلالات اللفظ شكلاً ومضمونًا

4 - "ألوان ألوان

انبجست    رقصت".

يشكل هذا التنويع دائرية رؤيوية متناغمة لحركة الحياة والكون.

أما الصوت الثاني للشاعر فقد جاء داخل ثلاثة أسطر تقابل استهلالية القصيدة من حيث أن السطر الأول جملة إخبارية (  نار من ماء)؛ ثم يتوزع الفعل ما بين ماضٍ ومضارع، ففي الإطار الأول:

"في الماء عبارات تطلق أمواجا

سلمت الهوة للذروة".

يصف الشاعر بتوظيفه الطباق حركة الماء المستمرة والمنطلقة من ناحية الشكل.

ثم أن قوله ( عبارات) تأكيد على أن لفظه الصوت في بداية القصيدة تحمل دلالة جديدة ،  وهي الصوت الإنساني -  باعتباره فعلاً ،  لأن العبارة باعتبارها صوتًا هي تحديد هوية وإعلان وجود.

أما في الإطار الثاني فيقول:

"كان هناك صهيل الخيل المنصبه

مع وفد لا يحصى كالرمل/ أو ذرات شعاع

كان هناك رحى زمنٍ  تطحن من غير كلل".

وهو في توظيفه لمحور الزمن الماضي يستدعي من ذاكرته الحضارية صهيل الخيل/الرمل/ رحى ،  وهي ألفاظ لها دلالتها في الزوال: "تطحن من غير كلل".

أما الإطار الأخير:

"أكثر من شريان للعظمه

أكثر من مرآة لله

يطل وراء الأكمه

يضحك فجأة

ينظر  ساعته المائيه".

يحول الشاعر فعل الديمومة إلى المطلق ، ليخترق حاجز الزمان والمكان (الأكمة/الساعة) ليتجسد الماء مرآة لله  - خالق الحياة ومصورها.

تحاول القصيدة أن تنتهي بأمنية خاصة كإسقاط من الشاعر على الواقع:

 "ونلون هذا الكون

بسؤال د  وّ  ى

صحراواتك تحتاج الخصب حياة ...من روّى؟"

فالصحراء نقيد الخصوبة ،  كما النار هي نقيض الماء، ولكن هذا التناقض ما هو إلا ذو جوهر واحد ؛  لذلك يطلب الشاعر من الله:

"فانقل في كفك للكف الأخرى"

ففي كف توجد الصحراء وفي الأخرى الخصب. هكذا إذن تتمحور دلالات الألفاظ في قصيدة مواسي بين قطبين اثنين- النار والماء لتشكل البداية حجر بناء أساسي في فتح النص الشعري على مصراعيه ، حيث أن الماء هو قوة الرواء ،  أما النار فهي قوة الظمأ.

 وفي تنازع هذين القطبين يُسقط لشاعر دلالات النص على مرآة نفسه ،  فينهي القصيدة في جدلية الواقع والرؤيا بقوله:

"أشرب لا أدري كم!"   -  كفعل موازٍ لبداية النص ،  ولكن في قناع آخر وفي جمالية أخرى.

 

عودة للسابق