صورة الشهيد الفلسطيني في شعر فاروق مواسي

                                                                                خلدون الشيخ علي 

                                                                       ( مجتزأ من كتاب أعددته وهو بعنوان                                                                         : صورة الشهيد الفلسطيني في أشعار فاروق مواسي

 

 

مدخل إلى عالم الشاعر

 

"وفلسطين أحرفها تجمع مذخورًا  لغويًا

أحرفها تتكرر في نطق الطفل

أول ما ناغى أمه

وحفيف الصوت

في أجنحة الكلمات العذبـه

يحمل نبض بلاده

يحملها همًّا وسعاده                                       (مواسي :  الخروج من النهر ، ص 16 ) 

الشهداء حنون أحمر :

 

يقول الشاعر فاروق مواسي :

قد كان صوتك موعدا

يا أيها البطل الشهيد المفتدى

والأرض تبني من دمائك

كل يوم معبدا

والزهر غذاهُ الهوى

كان النجيع الموردا                            مواسي :  قبلة بعد الفراق ، ص  7 )

             تزدان لحظات الشهداء بالورود، تحوك لهم الجماهير ألوانًا كثيرة من أكاليل الأحلام المقدسة، وتنسج لهم بريقًا داخلاً لا ينطفئ، ويهرعون إلى أعمارهم يسكبون فيها أرق التقاسيم المعزوفة على أوتار الوطن الغالي، ويمضي الشهداء في الطريق الطويل سلاحهم الابتسامة والمبادئ النقية والأمل الذي يلازمهم..... وكلهم شوق ولهفة للحفاظ على بقايا الجذور الصامدة المتحدية كل تيارات الرياح. كلهم حنين لانتفاضة النخيل على التربة غير الغنية بمقومات الحياة.

قد كان صوتك والصدى

ألقًا على درب تضمّخ في العطور

الفائحات على المدى

نارًا تلوح على المشارف لا تلين من العدا           ( ن . م ، ص 8 )

                            الشهداء تنير لهم دماؤهم الطريق الموحشة، فتصدح الأنوار الكاشفة لهؤلاء السائرين على طريق العدل والإيمان بالعدالة المقدسة، ويأخذون مع هذه الأنوار لحظات الإحساس بقوة الأشياء التي يحملونها، بقوة الوجه الأبيض المزدان بالبراءة، والعيون التي لا ولم ولن تتحمل الخطايا، أنوار لم تدخل حياتهم بقصد التسلل، بل دخلت ربيع عمرهم بقصد وترصد وسبق إصرار، جاءت لتحافظ على روعة الإحساس في عالمهم الواسع الرحب الممتد المحاط بالصفاء. :

ها أنت منتصبًا تجيء كما الرياح

كما العواصف في لثام أربدا

ها أنت يا أملاً يغازلُ صفحة الأيام

لحنًا منشدا                          ( ن . م ، ص 8 )

             كما الشهداء كانوا لحنًا منشدًا، والأرض تبني من دمائهم المعابد وتفوح العطور ذات الرائحة الصادقة من أجسادهم عند شاعرنا، كان الشهداء عند الشاعر المتوكل طه الزفة والمهر الغالي لفلسطين .....كانوا حروف الشواهد وصرخات الخنادق المتحدية كل الأساطيل والأبراج، كانوا العرس والزغرودة والحد الأول للدولة:

في آب اشتعلنا

في القرى الأعراس تتلو

والزغاريد على أبوابنا تعلو

شهيد آخر يعلو

وهنا أنصار يعلو بشهيدين

فما أعلى سماك!!                       المتوكل طه : رغوة السؤال ، ص 78 )

 

فالشهداء ليسوا مشهدًا عابرًا يوقظون الخيال، بل هم ملامح واقعية في خريطة الشعوب والحياة، هم حدودها، أصبغوا ألوانها بدمائهم، حددوا جهاتها الأربعة بمبادئهم، يمضون على طريقها بإصرار، يدغدغون عالم الاتجاهات لا تفصلهم مسافات عن المضي دائمًا في طريق الوعد الحق والسعادة والمجد، تطربهم أفكار العدالة والإيمان، تستهويهم وتسكن قلوبهم ، وتتحرك لهم كل الإشارات السليمة الدالة على الكبرياء والرسوخ - الإشارات التي تنسجم مع كل الأرقام والمعطيات والأسماء.

من قال مُتَّ؟؟

أمات دربٌ ظلَّ في صوت يرامقُ موعدا

يسقي الهٌدى ظمأَ الضّياع

يصير خطو المبتدا                         ( قبلة بعد الفراق ، ص 9 )

               الشعراء عند شاعرنا مواسي لا يموتون، بل يظلون ممتدين، يطربون الذاكرة الفلسطينية الواعية بالألحان المقدسة، يبتلعون كل الأشياء الجميلة كونهم أكرم منا جميعًا، يتصاعدون نحو النجوم يحملون معهم كل الأفكار النقية، يعلنون بها التمرد والعصيان على القهر والتسلط، يرفعون خواطر قلبية واحدة، وحبًا واحدًا للعالم أجمع وعنوانه القوة والأصالة، ويقتلون الطوفان القوي لليأس، ويسيطرون على كل البقع المأساوية المغروسة في الجسد الفلسطيني المقيد بظلال الطغيان:

من قال مُتّ؟؟

أماتَ إيمانٌ يجاهدُ مجهدا؟؟

ويجيء طيرٌ من عيونكَ حاملاً عُشبًا

ندى

وسرى يلاحقُنا بأغنية مجنحة

الطهارة مسعدا                               ( ن . م ، ص 9 )

            الشهداء كما الإيمان لا يموتون، يحضرون كالطيور التي تحمل العشب والندى والأغنية والطهارة، لهذا كانوا دائمي المشاركة في التجربة والوعي لكونهم يعتبرون الحياد إهانة. زجوا أنفسهم في انتماء عظيم لله والوطن، أبحروا فيها واحتموا من الأمواج، وسافروا يحملون زادهم العظيم (دماءهم)، وليست القصور الفاخرة ولا الموديلات الراقية، ومبادئهم تلازمهم وهي الرسالة الخاصة، رسالة بلا حروف، حروف بلا كلمات، رسالة لا يفهمها إلا أصحاب الكرامة والأفكار الصافية.

ويصيرُ سرب الطير أحلامًا

وذاكرةً وآيات

وينصب خيمة الأحلام

في سفح وروايات

يرفرف مصعدا                         ( ص 9 )

                تنتصب خيمة أحلام الشهداء، ترفرف عاليًا، كما يبزغ النهار من شريان الشهيد لدى عبد الناصر صالح، وكما يطلع من عينيه القمر وتصهل الخيول من أهدابه، فالشهداء يتسابقون من أجل أن يشكلوا بدمائهم جدلية الموت والحياة، ويعمّدوا أجسادهم بالرمل، ويلتحقوا بالركب الطويل إلى احتفال الروح، ينـزرعون أشجارًا على درب الشهادة، يدكون عروش القمع، نعم يتسابقون يلتحمون بالرمل القديم، يسافرون لعرسهم، يتعانقون بمهرجان الحناء والمسك، حالمين بعيد الأرض، معدين النشيد الحر، صاعدين إلى قمم التوحد، يكتبون وصاياهم بحبر دمائهم يقرأون على البحر السلام، يجمعون أصدافه . الشهداء لم يغادروا دفء بيوتهم هكذا يرى عبد الناصر صالح، ويتساءل:

هل غادرَ الشهداءُ دفء بيوتهم

هل ودعوا أطفالهم

هل قبلوا زيتونة في السفح أم سروًا بأكناف الشوارع

هل على أهدابهم حطت طيور الشوق  ؟

                                                عبد الناصر صالح :  المجد ينحني أمامكم  ، ص 97 )

                     الشهداء أضافوا للأحلام لون الذاكرة، وزرعوا فيها عناوين التحوّل المنهجي والمنطقي لمفاهيم الحضارة، وأعطوها فلسفة الحكاية والفلاح والمحراث، ودفعوا بها إلى كسب الوقت وكل الأشياء وإذابة الغازات الملوثة للتفكير الإنساني، وحاصروا بها الخطايا وثورات الصمت القاتلة ، وصنعوا من هذه الأحلام ترانيم تحاصر الجوع، وأفكار تقتل الوجع، وكذلك رسموا عناوين تسامر حكايات المعذبين في الأرض، والبؤساء الذين رسموا بعذاباتهم الصورة والصوت واللوحة واللحن بإيقاع حزين... وهكذا يمضي مواسي في نغمته:

ويظل في الأفراح تسكننا

ونسكن نحن في ضوء المرابع نعنعا

فيفر يومك صانعًا شجرًا

وأمطارًا وضوءًا واعدا                     ( قبلة بعد الفراق  ، ص 10 )

              شهداء فاروق مواسي نسور شامخة، رافضة للعبودية، بوصلة يحددون الاتجاهات... حالة من حالات الوطن الذي لا ينام، حالة من حالات الثبات والدخول والخروج، هم العشق الأول للأرض والسماء والبحر والمواسم وتمازج الألوان، يعيشون في بواطن العقل والتفكير والتجربة، هم الصدق والرؤيا المستمرة لحالات امتداد الضوء، هم المدنية الثابتة والتي لا يمكن أن تهاجر أو تنتهي، هم الحضور الكاشف للرياء، هم إيقاع ودفء الشمس التي تكتشف الرجولة والشهامة والمواقع. هم احتفال الضوء عندما يخترق العيون، متسللاً إليها في طرب ودقة وعفوية.

يا أيها البطل الموَدّعُ لا عَتَب

هذا حضورك كاشفًا عنا الرّياء

في الشمس تكتشف الرجولة

والشهامة والغضب

هذا احتفال الضوء في عينيك

يأتي في طرب                                   ( ص 11 )

              الشهداء لا يعرفون ولا يفهمون لغة الرقص على الجراح، هم الدليل في الصحراء العربية القاحلة. يفكون الرموز المعقدة ويحللون الغموض الذي به يهبّون علينا مثل النسمة الطرية الرطبة في مواسم الصيف، مواسم الهجرة إلى الراحة والخلود، مواسم قطف الثمار اليانعة، نعم يزرعون في أشعة الشمس القوية نسمات تساندنا على المسير، تقف مع الفلاح في أرضه، مع صانع عود المحراث في معمله، مع التاجر في رحلته وأسفاره حقًا شهداء يعيشون داخل حجرات النور. ولكن من سيفتحها بعدهم ؟ من هو الذي سيقرأ سورة الصبر التي علمها كي يزيد العشق كل يوم؟؟

من ذا سيفتح حجرة النور التي الّقتها؟؟

من ذا سيقرأ سورة الصبر التي لقنتها؟

ليزيد عشقك يا دم الأحباب

يومًا بعد يوم ؟

            الشهداء يختصرون لنا المسافة بين العقل والضوء، يغرقون المتسلقين في بحر الحياة الواسع يسيرون قوافل...... قوافل غير مكترثين بالبكاء والعويل، يسامرون السماء، يرتفعون عندها . هم لوحة فنية أبدعتها صورة الخالق.... هم الأرض والهوية ونشيد البحر وأوجاع الحصار ينحني المجد أمامهم، سنابلهم ذهبية تنتج الآلاف من الحب والخير والبركة، يشكلون بقوتهم صرحًا للصمود. فرسان يتقدمون حتى رفع الراية، وإحقاق الحق، قبلوا الأرض واستراحوا من العناء والتعب والمشقة، يحدثون عن الرغاب الواعدة والأرض، يرسمون الشجر الظليل كي نتفيأ بظلاله:

حدث بربك يا شهيد عن الرغابِ الواعده

حدث عن الأرض التي درت طيوبًا رائده

ارسم لنا شجرًا يظللُ

ما نويت وما رويت.                                      ( ص 12 )

             يحتل الشهداء أرواحنا دائمًا، ويعجبني في هذا السياق قول الكاتب الفلسطيني محمد روحي " أحاول التنقيب عن معدن ثمين اسمه الفرح، فلا أجد غير معدن آخر هو الحزن الأسود، والحزن الفلسطيني هو فحمنا البشري الذي نتدفأ عليه ،  بل نكتوي ونحترق بنيران فقدانه، والفحم الفلسطيني هو جذوع الشهداء...."

ولنعد إلى مواسي وهو يحدو لهذه الجذوع:ا

ارسم لنا نهرًا وهات

الكوكب الدري قربه

ارسم لنا

شوق المراهق للجديلـــــه

                 لقد أكمل شاعرنا فاروق مواسي صورته التي بناها عن العمالقة الشهداء، قدمها بأسلوب إبداعي رائع، التقط الفكرة المقدسة لحياتهم فرسمها بمفهومها العميق، فَجّر ينابيع المحبة والأصالة والتفاهم، بلور كل الصيغ لخلق الدائرة الواحدة للبعد عن حالات العمق والمد والجزر، مستخدمًا أسلوب الإلحاح اللفظي والتكرار القوي ليؤكد على مجموعة حقائق تدور في فلك الشهداء، وكذلك أسلوب الدلالات الكثيرة لتوضيح فكرة المجهول، صاعدًا مع صدى الكلمات، حاملاً معها أجنحة الفعل البناء طالبًا من الشهيد أن يرسم نهرًا ، وأن يأتي بكوكب دري قرب هذا النهر، وأن يرسم نارًا كي يجعلها شهدًا، وأن يقبل الأطفال ليرفرف العلم فوق أرض الدولة الفتية:

ارسم لنا

نارًا لنجعل هذه النيران شهدًا

ونقبل الأطفال في وجناتهم عذبًا وندا

(لتصير دولتك الفتية ساعدا

حتى يرفرف فوق أرضك خافقًا

علم...... فمرحى يا علم!)                          ( ص 13 )

              وهكذا روى لنا مواسي عن طبيعة الشهداء المفعمة بالإثارة والصدق، بل المليئة بالألوان الزاهية. هؤلاء الشهداء الذين بدمائهم جابهوا كل الأعاصير بسعة صدر، وكل العراقيل المرسومة على جدران الزمن ولوحات الوقت ،  فهم إذن النور والصفاء الذي يرتسم فوق خدود الأطفال، وحكمة الشيوخ وقوة الشباب ....هم مزروعون بكل حنان فوق جسور عمرنا، غارقون حتى الأعماق في وجداننا، سائرون على دروب الإيثار والتضحية وحب الآخرين، ضاربون الأنانية وحب الذات والتفرد بعرض الحائط.

إنهم حقًا شهداء ....يثيرون في داخلنا عناصر الجمال..... يجسدون الصورة المعنوية بكل التفاصيل، فربما يكون للزمن بقية ، ويلتحق في ركبهم الجميع.

بهذه الصور الحسية رافق شاعرنا الأشخاص الذين كان موتهم غير طبيعي، وبهذه الصلابة مخر مواسي في بحرهم الواسع ،  وبنفس المتانة أوضح المواسي ترانيم تعيش في عالمهم، وتغني لهم ، وذلك  لكونهم يتمتعون بسمة الخصوصية:

انهض ولا تتردد

انهض بربك، طمئن الأم الرؤوم

وامسح دموعًا ساجلتها أغنيـــه!

بحت مع الآهات كل الأدعيـــــه

               يطالب مواسي الشهداء أن ينهضوا دون أدنى تردد،  أن يسيروا إلى الأم الحنونة -  أم الشهيد العزيزة، ويبثوا في قلبها الطمأنينة والراحة، علهم يطمئنون الأمهات على المصير الرائع والنهاية الجميلة المرجوة (الشهادة)، ويمسحون الدموع التي تساجل الأغاني، الأغاني التي بحت مع الآهات الخارجة من الأعماق، الناطقة بكل الأدعية، المرددة صوت الضمير الواعي........ ويستمر مواسي مطالبته بأن يقتلوا حزن الأرض وحزن الإنسان، ويرحلوا مع الضوء، يمزجوا دمائهم بالخضرة والنماء، يمزجوها بالتراب والحناء .....كي تنبت لنا شقائق النعمان، كي تزهر لنا حنونًا أحمر، كي تزرع في عقولنا النضال ورقة المكاشفات والمساجلات والصور الحية، كي تورق في شبابنا براعم جديدة قادرة على حمل الرسالة وإيصالها إلى مكانها المناسب. كي تحطم في داخلنا كل مشاعر الرياء والنفاق والزيف والتفرد.

انهض فليست معجزه

أن تكتب الأفعال عند الأمسيــــه

للشمس تزجي الصحو

بعد الأمنيــــه

                شهداء مواسي جادوا كي يردوا للطفولة الفلسطينية اعتبارها، ويعيدوا للأقصى كل الترانيم المقدسة في ليالي رمضان وعاشوراء. ويبللوا ورود الأرض بقطرات الندى العبق الجذاب، ويساعدوا البحر على الاستقرار وقلع الأمواج التي تقلب السفن وتغرق البحارة، ويعيدوا للأيام كل ربيعها، ويجددوا سهرات الليالي في شهر نيسان والربابة تعزف والنجوم تتلألأ.

شهداء مواسي حضروا كي يقتلوا الصمت، ويجعلوا الفراشات ترقص للحياة من جديد، جاءوا يتوجون الأحلام العربية بالطهارة، ينزعون من صمت الأرض حكايات ومواويل وأغاني السيف والفروسية والتهليلة.

سال الدم على عتبات الفجر الإبراهيمي

أسقاهم كأسًا قبل الإفطار

- قبل الفرحة -

"كان يقودهم للجنـــه

ودليلهم رضوان                                    الاتحاد  ، 11 آذار 1994 )

               شهداء شاعرنا يصارعون الطلقات النارية، يتحدونها. يردونها إلى مرقدها الأصلي بقوة الإرادة التي تهجع في القلب. في قلوبهم التي لا تنام، يمنحون الدم لونًا جديدًا غير الأحمر، لونًا لذيذًا سحريًا، يعطون للأرض سعة وكثافة نوعية جديدة، يبدلون مجالها الجوي. يقتلون كل السموم التي تحلق في أرجائها، يسقطون من حساباتهم كل الألحان البائسة، يطلقون العنان لأغاني الحرية. لخطوط التاريخ أن تتموج. وللأعلام أن تسمو. والبنادق أن تزغرد، والورود يبللها الندى، حقًا يعانق دمهم ذرات الرمل ويباركها، وفي هذا السياق أتذكر كلمات الكاتب ناصر الدمج حين يقول:

".....حالة جديدة من حالات العناق الأزلي بين الأرض وأبنائها تسرب الدم عميقًا في باطن الأرض ليرفع درجة حرارة العناق.... بين الأرض وأبنائها المغتربين عنها منذ زمن، وأجيال اليوم احتفلت الأرض لعودة أبنائها إليها... تزفهم ملائكة الشهادة إليها شهداء في عرس دام شربه وملبسه والاهتزاج به هو الدم... الدم الأحمر السائل من الجرح النازف... والدم الأحمر المجمد على ملحمة الصمود والحرية مسجلاً ملحمة رفض العار والعبودية "   ( كتاب أنصار : شاهد على عصر الجريمة ، ص 12 ) ؛  وهذا يتوازى ويتماثل مع ما يقوله مواسي:

                      صلاة دمائنا شفت لهيبــا

                                  على قلبي فيخفقها وجيـــبا

                      دماء صلاتنا أضحت ورودا

                                    وفوحًا عابقًا منها وطيبـــا

                      لهيب صلاتنا ربٌ   ويروي

                                       معاناة تحيل الكرم ذيــبا

                                                                          ( الاتحاد 11 /3 / 1994

الشهداء يدافعون عن الأغصان الخضراء، يمنعون العدو من أن يطالها، يحمونها بالقمر والشمس والمبادئ، انتصاراتهم أقوى من كل المؤامرات، نعم هكذا هم شهداء فاروق مواسي..... وهكذا هم شهداء رفاقه الشعراء "باسم الهيجاوي، سميح فرج، باسم النبريص، علي الخليلي، محمد حلمي الريشة، المرحوم عبد اللطيف عقل، توفيق الحاج، سميح القاسم، د . جمال قعوار، يوسف المحمود،... وغيرهم.

 

"شهداء نشهد لهم"

 

1- "محمود كبها" "أبو جندل"

توضأ وجلس للصلاة كعادته اليومية، ففي الصلاة متعته الحقيقية بعيدًا عن المادة والهموم والمشاكل والأحزان، فيها يجد نفسه واضحًا، يكرس لها معظم وقته، قلبه يعتمر بمجموعة من المفاهيم. موزعة بين حب الله أولاً والوطن والأهل ثانيًا، ركع أبو جندل ثم سجد، وفي أثناء ذلك جاءته عصفورة صغيرة، واتخذت من كتفيه موقعًا لها. ثم انتقلت على ظهر إطار لصورة مكبرة له. ثم مرة أخرى إلى يديه. وعندما فرغ من صلاته ماتت على راحة يديه، هذه الرواية الحقيقية كانت فاتحة البشرى لتأكيد الشهادة. فيتساءل مواسي :

قل لي

ما معنى أن يأتي عصفور

ويحط على راحة يدك اليمنى

يمسح منقاره

في راحة يدك اليسرى

- في أثناء دعاء -

ويموت

من قبل (استدعائك)

بدقائق؟!                               ( مواسي :  ما قبل البعد  ، ص 21 )

            أما محمود كبها  فقد ولد عام 1962م في بلدة يعبد -  يعبد التي اعتادت أن تمنح الإنسان الفلسطيني القوة والكرامة، وعلى أرضها استشهد القائد الأول عز الدين القسام، واستشهد أحمد الكيلاني وصالح وعبد الرحيم عبادي، وعبد الله ويوسف الكيلاني، وباسل سمارة، ومروان القنيري، وربيع حمارشة، وعمر ياسين، وزيد عمارنة، وعمار عمارنة، وعبد الله ديباش ووووو، وعلى أرضها كذلك ظهرت الكرامة العربية ويكفيها فخرًا أن ابنها محمود كبها، محمود الذي استشهد بتاريخ 21/7/1992م.

 ينحدر أبو جندل من عائلة متواضعة، نظيفة، مستقيمة. أخواه مصطفى وأيمن المناضلان المعروفان. وأبناء عمومته صادق وناهد ومحمد ومحمود كبها. كلهم دائمو العطاء والتضحية. ولمحمود مجموعة من الأبناء وهم "جندل، محمد، عبد الله، حنان، منال. وفيه يقول الروائي الفلسطيني أحمد رفيق عوض:

(لقد سقطت متممًا كل الواجبات.... وهذا هو فخارنا وغارنا لقد سقطت أيها الحبيب واقفًا، ناهضًا.وصنعت شيئًا جارفًا ساطعًا. سقطت فتكاملت، سقطت فتعاليت، ولك أيها الحبيب أقول كم أرغب في أن أتكئ على جذع شجرة في وادي الزيتون. وأبكي قليلاً ثم أصيح في وجه القمر الذي تعشقه. أيها القمر ذهب صديقي محمود) . " صحيفة  الشعــب  20 آب 1992 ، ص 4 "

مواسي يتساءل عن أسرار الرائحة التي تفوح من مهجع الشهيد. يتساءل عن طبيعة الاسم (أبو جندل) هذا الاسم الذي يحوي معنى الصلابة والصخر والعظمة:

قل لي

ما سر الرائحة النافذة الــــفاحت

من مهجعك العابق؟!

(أتراني ألجأ لأساطير وحكايات

أعجنها بحقائق؟ )

قل لي

بادئ بدء لا تغفل!

من سماك

"أبا جندل" ؟!!        

الأرض في أشعار مواسي أعلنت الولاء لمحمود كبها، آوته بين أحضانها، أبعدت عنه كل الخيالات والأشياء الموحشة، ظللت عليه بأكوام من الأغصان كي يستظل تحتها، ومي لا تراه حرقة الشمس ولا تمتد إليه بلهيبها القاتل أنقذته من كل أوجاع الغربة والاغتراب والوحشة والظلمة، وتحدت به كل المجاهيل، حملته في مهجعها، وضمته إلى صدرها، وأزالت الأشواك من طريقه، وزرعت له كل الأمجاد والأسماء، وأطلقت له جناحيها كعصفورة تمددت على راحتيه اليمنى واليسرى.

أبو جندل جرح لا يندمل في ذاكرة الأعداء. صفحة سوداء ترافق مواسمهم، ليلة شتائية لا يمكن أن تضمحل أو تنسى، خربشة سوداء في عيون جلاديه، موال حزن تردده كل المواسم العتيقة. هو حكاية الجد عن عنتر وعبلة والزير سالم في ليالي كانون، هو نقش على جدران القلب ينمو، يكبر، يمتد، يعرش على كل الحقول والكروم، يكبر مع بيت الزعتر وزهرة الياسمين. ينمو مع شجرة الدفلى، ويمتد مع كل الأخلاق الحميدة.

محمود رصف شارع الأحزان الفلسطينية بالدم، وأنبت فيه كل الورود الجميلة سقاها من عبيره. من رائحته كي تستمر هكذا رحيقًا حلوًا لذيذًا. محمود أرض مقدسة لن يقترب من حدودها إلا الشهداء الذين أشعلوا من جراحهم مصباحًا لنا. إلا الشهداء الذين لا يفهمون سوى لغة الحق والحرية والصمود.

وشهيدنا شق الطريق، وشاعرنا أطلق العنان لكلماته كي تروي الحقيقة كاملة، حقيقة محمود وأمثاله، ومواسي خفق قلبه لهذا العملاق العربي وأحب هذا النسر الطائر في كل الأرجاء، ولهذا رسمه شاعرنا بدماء، وحتمًا سيحفظ التاريخ الفلسطيني القادم صورة هذا البطل في صفحة ناصعة متألّقة.

"خليل الوزير أبو جهاد" :

يقول شاعرنا :

لأن في عينيك نبضًا يوقد الشموع

لأن في يديك دفقة العطاء

يجتاحنا حزن ...                                  قبلة بعد الفراق ، ص 15 )

    أبو جهاد. شيخ الشهداء. صاحب الإشعاع كما يقول مواسي الخارج من العيون. والذي يجعل الشمعة تنير، وفي يديه عطاء بلا حدود. عطاء المد والقوة يصيبنا الحزن واللوعة على فراقك:

خليل الوزير أو كما يسمونه " قلعة الكفاح المسلح "  استطاع أن يخترق أسرار إسرائيل. واستطاع أن يصل إلى أدق التفاصيل النووية في حياتها، حيث اكتشف مفاعل ديمونا. وأرسل أبطاله كي يقوموا بالعملية الفدائية المعروفة وهي عملية ديمونا التي قادها الشهيد عبد الله كلاب والشهيد محمد الحنفي والشهيد محمد العيسى.

أبو جهاد مهندس الانتفاضة. حيث كان المبرمج الأول لها، وكان يقوم بإعداد البرامج. والتوصيات والتنظيمات لها.

وقلب شعبنا مضاء

على وسادة بمرقدك

             هذا البطل الذي يعتبره فاروق مواسي إنسانًا. مناضلاً، شهيدًا ذا تجربة ثورية، وخط سياسي. استطاع أيضًا أن يسقط كل الخيارات المشبوهة والتقاسم الوظيفي المعروف. وحاول بكل الطرق أن يلم شمل الدول العربية جميعًا كي تعمل في اتجاه واحد وصف واحد. وتميز بعلاقاته الدولية المعروفة وخاصة مع ألمانيا الديمقراطية، وبهذه الأمور سطع نجمه في العالم الأوروبي والعربي على حد سواء، ومن هنا قادته هذه الظروف مجتمعه إلى الاغتيال والموت والشهادة. ففي تاريخ 16/4/1988م وصلت إلى تونس مجموعة من الكوماندو المسلحة. والتي بدورها أطلقت عليه مجموعة من الرصاصات، وعلى الفور أصابت جسده الطاهر.

وسقط عاليًا شهيدًا. وكل ذلك أثار استغراب ومشاعر فاروق مواسي مما جعله يردد كلمات الحماسة والنبل والطهارة في أبي جهاد "جنرال الانتفاضة وعقلها السياسي، ومهندسها التنظيمي":

يا نهلةَ الضوء التي قد ضُرّجَتْ

هل صَدئتْ حكاية الغوغاء

فاستكلبوا في وحشة اغتيال

في ربقة العداء؟؟

و"صوّروا" هزيمة أخرى لهم

ليشهدوا أنّ على سبيلك الإباء

       مواسي يؤكد مجددًا - ومرة أخرى -  أنه بموت خليل الوزير شهادة تجعل الجماهير تسير على طريق الإباء والكرامة والعزة، وهو أي -أبو جهاد كان الشعلة الأولى لتحرير الإنسان من العبودية والرق والذل، كان رمزًا واعيًا لمفهوم العمل الجماهيري. كان رجلاً مهتمًا بالجوهر والإنجاز والحساسية المرهفة لأية أمور حوله، لهذا كله أحبه الجميع، فحكوا عنه في كل مناسباتهم، رسموا مبادئه في عقولهم، زرعوا أعماله في قلوبهم، كان بالنسبة لهم تقدير خاص لرجل خاص أمضى حياته رهنًا لفلسطين، عاشها في خنادق الثورة دفاعًا عن الحق العربي والكرامة العربية. ولهذا كله اكتسب قيمة تاريخية، وحتمًا فإن سجلات التاريخ سوف تذكره ، لأنه مجموعة خلاقة للثورة والشعب والأمة، ولهذا أيضًا عشقه شاعرنا مواسي، فكتب فيه كل تجليات الشعر والقصيدة الوطنية الفذة المعبرة عن الإعجاب بشخص وحكمة هذا القائد المغوار.

غدًا أبا جهاد

غدًا تعود شوق أمطار تحنّ

إلى المطر

غدًا تعود

على روابينا فداء

            يؤكد شاعرنا حتمية عودة القائد أبو جهاد، ولكنها ليست عودة الجسد بل عودة للروح والمشاعر، المشاعر التي لم تفارق الشاعر ولا الجماهير التي أعطته كل وقتها، فأبو جهاد علمته الحياة أن يكون دائمًا فارسًا ومقدامًا وبطلاً، فارسًا علم شعب فلسطين معنى الفروسية. أعطاهم كما أعطوه الوقت والحب والحياة. وظهر ذلك في كل رسائله. حيث يقول في إحداها:-"إلى كل شعبنا العظيم في فلسطيننا المحتلة" :

"إن ما أنجزته انتفاضتنا الوطنية الكبرى هو حتى الآن كبير بكل المقاييس. وعظيم بكل الحسابات وبطولي ومشرف بكل القيم والمعايير".

هذا هو أبو جهاد المصلح الأول الذي عشق الإرادة والجماهير معًا، القائد الأول صانع المجد وباني الحضارة، وقد رسمه مواسي بكثافة تعبر عن أصالة، وأصالة تعبر عن حب.

شهداء آخرون

إذا تتبعنا المجموعات الشعرية لمواسي، فإننا نجد عشرات الأبيات التي تتطرق إلى الشهادة متناثرة هنا وهناك، ففي قصيدته "يوم الأرض" يرى في الشهداء ضحايا قدسية تؤول نجومًا في السماء:

يا شعبي العملاق إنك   ملهمي           أنت الكريم وما سواك معلّمي

 قدَّمــتَ كل ضحيةٍ قدسيةٍ           لتضــمَّ نجمًا في  مجرة أنجمِ

                                             ( مواسي :  المجموعة الشعرية الكاملة ، المجلد الأول  ، ص 134 )

ومواسي الذي حفظ القرآن ، ويعرف أن الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله هم أحياء عند ربهم يرزقون، يذكر هذا المعنى شعرًا متأثرًا بالمعنى القرآني:

                  أحياء  هم، ومخلدون، ونورهم

                                           هدي لنا في كل ليل مظلمٍ          

أما في قصيدة "الستة في حوار" فتناول شهداء يوم الأرض الستة فيقول فيها:

إذ عاشت ستة أصوات كالدهر

.............

فسلام يوم صراخنا

وسلام يوم قتلنا

وسلام يوم سنبقى أقوى.                             ( ن . م ، ص 139 )

وهذا المعنى للعطاء يكرره مواسي في قصيدة أخرى:

                      تبارك شعبنا شعب العطاءِ

                                                وقد وهب الزكي من الدماء

                                                                              ( ن . م ، ص 162 )

إذًا عطاء الدماء هو اللازمة التي تتكرر عند مواسي، وكأنها حركة تتردد على مدار القصائد.

ولو عدنا إلى ديوانه الأول (في انتظار القطار) فإننا نجد نشيجه بسبب أحداث مأساوية عانى منها الشعب الفلسطيني:

       يا من يواسي  أمه        ويقول: يا أمي أنا

       أوقدت يومًا عزمه       إذ أنت أولى بالغِنا        

                                                               ( في انتظار القطار ، ص 23 )

أما عصام السرطاوي فقد توقف الشاعر لرثائه بقصيدة خاصة عنوانها (عصام السرطاوي يقرأ في أسفار العودة)، يقول فيها:

والدمع يسيل على الجرح

والدمع يجف

والدم يجف

والشمس تطل على (سَرْطا)

والشمس تغيب

والشمس تطل     

                                                                                  ( مواسي :  المجموعة الشعرية الكاملة ، المجلد الأول   ص 260 )

ومثل هذه التشبيهات فيها شاعرية جذابة وتوصيف رائع أخاذ.

أما شهداء كفر قاسم فقد خلدهم في قصيدته "يستهان المسرح":

          فاقتلونا  واشهدوا            أن   بعثًا  يصبحُ

          وشهيدي  لم يمت           ظل يسمو  يطمحُ

                                                                      ( ن . م ، ص 271 )

والشاعر يرى كذلك في د. عبد اللطيف الطيباوي الذي مات غريبًا عن وطنه شهيدًا، بدليل الحديث "من مات غريبًا فقد مات شهيدًا"، ويرى في فهد القواسمي رمزًا حيًا يعطي معنى التضحية والفداء:

              فدائي من الأرض          إلى الآفاق  يرتدُّ

              فيعطي درس إيثار         ويجري زاحفًا  مدُّ

                                                                           ( ن . م ، ص 306 )

أما هؤلاء الشهداء الأحباء الذين حرقتهم أيدي الطغيان فيخاطبهم الشاعر أو يخاطب النار التي حُرق بها  بعضهم :

كوني بردًا سلامًا

كوني حبًا وعطاءً                                        ( ن . م ، ص 158 )

ويحكي مواسي عن الذين استشهدوا في باحة المسجد الأقصى، ولكنه في النهاية يؤكد على أن نهاية الظلم آيلة إلى الزوال، ولا بد للصبح من أن يظهر، وهذا التفاؤل النهائي يرسمه مواسي بعزيمة المؤمن بحقه، المؤمن بوطنه، والمؤمن بالطريق التي يجب أن تسلك.

"الدلالة الأسطورية والدينية للشهداء" :

الأسطورة علم قائم بذاته ويدعى المثيولوجيا. واشتهر فيه الإغريق أو اليونانيون. والأساطير كثيرة تبلورت منذ القدم. استخدمها الشعب القديم. ولها إيحاءات خاصة ودلالات معينة. تهدف إلى خلق صورة معينة عن وَحَوْل موضوع معين. ويقوم على فكرة المستحيل، كون بني البشر جميعًا عاجزين عن الوصول إلى قضايا خارقة وغير عادية.

هذه الأساطير تغير من مجريات التاريخ وعلى كافة الأصعدة. ومجموعة التراكمات لهذه الأساطير خلق ما يسمى (المثيولوجيا) التي هي بمجملها محصلة مجموعة من المعتقدات بغض النظر عن مدى صحتها أو بطلانها.

وللتدليل على ماهية الأسطورة نضرب ونسوق هذا المثل الذي يروي ويحكي قصة قصيرة يراد من خلالها الوصول إلى نتائج هامة بالنسبة لشعب معين والأسطورة تقول:-

إن قدموس ابن الملك آجنور هام على وجهه يبحث عن شقيقته، وألقى به التجوال في سهوب أوروبا وأصقاعها. ولأن الندى يمنح البراعم الخضرة والنماء فقد أخذ قدموس الكنعاني يعلم أبجدية الكتابة. وأعطاهم بذلك الطريقة السحرية لحصر العالم والأشياء في خطوط وخيوط متشابكة لها قوة الطلسم وتأثير الطوطم، وبذلك -كما تقول الأسطورة- فإن سارق النار أو إكسير المعرفة الإغريقي النازل من رحم المثيولوجيا الإغريقية الغارقة في التعددية والتشبيه أقل تطورًا من حامل الحرف الكنعاني.

إن المحاولة الكنعانية كانت دومًا وأبدًا نتاج الحياة الفاعلة المؤسسة على الحرية، المحاولة الكنعانية محاولة زراعية. أما المثيولوجيا الإغريقية بمجملها نتاج مدن البحر ومناقشات التجار.

إن القارئ لهذه الأسطورة يستدل مباشرة ما توحي به من أن أصل الحضارات الأجنبية والأوروبية هو أصل عربي. وأن العرب هم بداية المدنية والزراعة والصناعة والتطور التكنولوجي. وعنهم ومنهم استمد الغرب كل تقنياته وقوته، وتؤكد الأسطورة على وجود الإله والرب وبأسماء مختلفة مما يوحي بضعف الذاكرة العقلية لدى الكثير من القدماء.

لكن ومهما يكن من أمر فإن الأسطورة تتحول أحيانًا إلى حقيقة وتأخذ شكلاً آخرًا ويطلق عليها اسم التكريم، ويكون ذلك نتيجة قوة غير عادية تقف وراء حدث معين. وما يهمنا هنا هو قضية الشهيد الذي يأخذ صفة الدين وصفة التكريم. وهكذا كرّم مواسي شهداءه وهو يبكيهم  ، وخلع عليهم من أجواء الدين والأسطورة ما يجعلهم في عليين .

إن الشهيد دائم الاستعداد للتضحية والمجازفة في سبيل الله والوطن والمجتمع والإنسانية  . ولهذا منحه الله خصوصيات متميزة في الشكل والقدرة والقوة والكمية والكيفية ...ومن ظواهر التكريم تحضرني شهادة المناضل محمود كبها وقصته مع الحمامة  ( وكانت قصة أخرى مع الحمامة لدى الشهيد عمر حمارشة  ، بينما يروى عن رائحة زكية كانت تنطلق من الشهداء أحمد الكيلاني ، ربيع حمارشة ، عبد الله ديباش ، زيد عمارنة ، مروان القنيري وباسل سمارة  ) .

إذن موت الإنسان بالشهادة له دلالة دينية واضحة ، وثمة دلالة أسطورية مصاحبة تأخذ شكل الكرامة  ، وشاعرنا فاروق روى لنا عن هذه الكرامة في قصيدته ( محمود كبها ) :

 قل لي

ما معنى أن يأتي عصفور

ويحط على راحة يدك اليمنى

يمسح منقاره

في راحة يدك اليسرى                    ( ما قبل البعد ، ص 20 )

 

ومثل هذا الجو الأسطوري الملازم للواقع هو الذي ساق الشاعر إلى الرؤية الحمراء شموليًا   :

وطفلاً ضرّجوا دمــه

فغرّق شنطة حمراء

صار الأفق أحمر 

                                                ن . م ، ص 12 )   

إذن فالأفق والغيم والدماء كلها حمراء ....وهذا الاحمرار جو أسطوري ، لكنه ملازم ومعانق لواقع أحمر مماثل   ، وما أكثر مثل هذه اللمحات والدلالات الأسطورية في قصائد مواسي .

 

عودة للسابق