قراءة غير صامتة في قصيدة

"صمت"

 

             مظهر ثقافي يعكس الواقع المأزوم

                                                             د. محمد خليل - طرعان
 
أود، بداية، أن أنتهز هذه الفرصة السانحة لأرفع إلى شاعرنا العزيز د. فاروق مواسي أسمى آيات التهنئة، لمناسبة صدور الطبعة الأولى من مجموعته الشعرية الكاملة، في طبعة فنية أنيقة، عن مكتبة كل شيء في حيفا، - 2005. ومتمنيًا له، في الوقت نفسه، بعد موفور الصحة والسعادة، مواصلة مسيرة عطائه الإبداعي المتميز، كما عوّدنا دائمًا، في مختلف الألوان الأدبية من شعر وقصة ونقد ومقالة وخاطرة.

                                  *                                *                                   *

ثمة قصيدة لافتة للنظر، في المجموعة الشعرية الكاملة، غير تقليدية ولا تسير حسب الشعر التقليدي الاتباعي، اختزلها الشاعر في عنوانها فحسب، هي قصيدة "صمت" (1)!
و ما تزال هذه القصيدة الإشكالية تستثير القارئ منذ صدورها(عام 1979)إلى الآن. إذ أن الصخب من حولها يخبو حينًا ويعلو أحيانًا، لما تثيره من جدل وتداعيات. وعلى الرغم من علمي المسبق بما ينتظرني من صعوبة الكتابة في مثل تلك القصيدة، ناهيك بصعوبة المسير ضد التيار، كما سوف نرى لاحقًا، فقد آثرت أن أعرض لها، لما تمتاز به تلك التجربة الطريفة من جدة وجرأة وريادة غير مسبوقة في مشهد أدبنا. وكذلك،ما تحمله في أعطافها من تداعيات الفكر وعنصر التخييل، لاسيما أنها قد ظهرت في وقت مبكر، وربما قبل أوانها، مع ما يُصاحب ذلك من محاذر ومزالق، قد لا تكون محمودة العواقب. ومتوسّلاً في الوقت نفسه، أن أُجيب على بعض التساؤلات أو المشكلات المطروحة. ومهما يكن، فإن هذه القراءة لا تُلزم إلا صاحبها بالدرجة الأولى!
نظر الغالبية الساحقة من الجمهور إلى تلك القصيدة ، على أنها لا تعدو أن تكون قصيدة عبثية ليست بذات قيمة إبداعية أو فائدة أدبية تُذكر. وهي، إلى ذلك، أقرب ما تكون إلى الهزل منها إلى الجد. ولعل من طريف ما حدث للشاعر مع أحد القراء المتندرين، حين خاطبه قائلاً:

-         أحفظ لك قصيدة عن ظهر قلب!

وبسرعة خاطر تنبّه الشاعر على ما تحمله تلك الإشارة من دلالة، وبعد أن شكره على لفتته رد عليه قائلاً:

-         حسنًا، إن كنت تحفظ قصيدة أخرى سواها فلك جائزة. فصمت برهة، ثم ضحكا معًا!
  وإذ رمى بعضهم الشاعر بالعجز والقصور دون أي تفسير! فلا عجب إذًا أن يُحكم على تلك القصيدة بالاستنكار والصدود والإلغاء، على أنها بدعة مرفوضة! ولو سألت أحد هؤلاء عن تسويغ  لهذا الموقف الرافض لم يُحر جوابًا، بل اكتفى بالقول: ما هكذا الشعر الذي عهدناه أو عرفناه من قبل!
  وفي الحق والحقيقة معًا، إن كانت تلك القصيدة لا تعني لبعضهم شيئًا ما، فإنها قد تعني لصاحبها شيئًا وربما أشياء!

 وتبلغ الدهشة ذروتها حين يدّعي بعض الفضوليين، ممن زيّنت لهم أنفسهم الأمر وسهلته، أن في مقدوره هو أيضًا أن "يجترح" قصيدة يتيمة، على غرار قصيدة "صمت" تلك!

 لكن هذا الادعاء مردود على صاحبه، لأنه يتنافى مع أصول ملكة الشاعرية ، وقديمًا  قالوا: يحق للشاعر ما لا يحق لغيره! وحتى هذا الحق، فإنه مقيّد، إذ من غير المعقول أن تصبح القصائد كلها على هذا النمط، وتختزل في عناوينها فحسب! ولو كان ذلك متاحًا لكل واحد لأصبح الناس كلهم شعراء، فمملكة الشعر ليست "وكالة من غير بواب" كما يقول الأشقاء المصريون! وأما أبواب الشعر، وكذا سائر الفنون الأخرى، فإنها مشرعة على "عتبات مقدسة" لا يحق الدخول إليها إلا لمن يعرفها حق المعرفة فقط. فالرأي، أنه يجب على كل من يدعي مثل هذا الحق أن يكون شاعرًا مطبوعًا، سبق أن تعمّد في حرارة التجربة الشعرية، وأثبت نفسه أولاً، حتى يرخص له أن يُؤلف قصيدة مختزلة في عنوانها ثانيًا!
               *                                     *                                    *  
لا نستبعد أن يُعد، ما أقدم عليه الشاعر، من تلك التجربة الشخصية المستحدثة والمجازفة الصعبة والممتعة، في الوقت نفسه، إحدى تجلّيات "ما بعد الحداثة" النوعية، التي لم تكن معهودة من قبل على مستوى أدبنا المحلي. فإن صحّ هذا، يكون الشاعر مواسي أول من أحرز هذا السبق!
وقد يحسُن بالمرء أن يتذكر، أنّ "الحداثة" تأبى، كما هو معلوم، الروتين والنمطية والاتباعية، وما تنادي به وتعمل على تحقيقه من مفاجأة، وكسر للقاعدة والخروج عليها، وعلى كل ما هو معروف أو مألوف أو موروث، ومحاولة الخلق الجديد عن غير صورة، تحقيقًا للإبداع الحقيقي؛ غايتها المنشودة ومعشوقتها!
  أما "ما بعد الحداثة" فتنأى عن سلطة النمذجة، وعن القصيدة النموذجية، وعن الثقافة التقليدية. وإذا كانت الحداثة لا تعيش إلا في مناخ من الحرية المطلقة، فإننا قد لا نبالغ إذا قلنا: تتجاوز ما بعد الحداثة الحرية المطلقة إلى الفوضى المطلقة، وبهذا  يقول أمبرتو إيكو (2) "من المؤسف أن ما بعد الحداثة مصطلح صالح لما هبّ ودبّ"!

 ويلحظ الناقد المصري إيهاب حسن، الأمريكي الجنسية (1925-) (3) على ما بعد الحداثة احتفالها الزائد باللا توجّه " أو بالأحرى بملازمة اللاتوجّه أعني الإشارة المعقدة التي تساعد هذه المفاهيم على تقليبها وتدويرها: الالتباس، الانقطاع، هرطقة الخروج عن المألوف، التعددية، العشوائية، التمرد، الشذوذ، التحوّل التشويهي. والمفهوم الأخير يدل، وحده على دزينة من المصطلحات الراهنة حول التهديم: اللاإبداع، التحلل، التفكيك، اللامركزة، الانزياح، الانقطاع، التقطع، الاختفاء، الانحلال، اللاتعريف، اللاكُليّانية، اللاشرعنة إذا وضعنا جانبًا مصطلحات تقنية أخرى تشير إلى بلاغة المفارقة، والشرخ، والصمت "! وهي ترفض أن تحدّها حدود، أو تُفرض عليها قيود، سوى التعبير عن رأي ما أو انفعال ما. وتكون علاقتها بالمجتمع وحتى مع الذات، مغايرة تمامًا لما هو معهود من قبل، إنها علاقة رفض وتمرد. أما رحلتها بهذا المعنى فهي رحلة اختراق وانتهاك وريادة، قد تصل مع اللغة، أحيانًا، حد الانشطارية والانفجارية! ما بعد الحداثة في جوهرها: رفض وتجاوز للشكل والمعنى النمطي والنموذجي المترهل. هذه هي روح ما بعد الحداثة وهذا هو جوهرها!
  لقد فاقت ما بعد الحداثة كل تصور، وتخطت كل ما هو معقول، في تحولها ليس إلى تفكيك المعنى وتشظيه فحسب، بل إلى تبديده وتقويضه وحتى هدمه" إن ما بعد الحداثة التفكيكية تبدّد التاريخ، مُلغية هُويته وما يجعل منه ما هو عليه، كما تطلق الحاضر في لجة اللامعنى واللامعقوليةومن شأن ذلك أن يعيد بناء طريقة ديكارت، الفيلسوف الفرنسي
(1596-1650) من أنا أفكر، إذًا أنا موجود إلى أنا أهدم وأقوّض، إذًا أنا موجود (4)، في نزعة واضحة إلى الفلسفة والغرائبية واللاهُوية، وعزوف تام عن المثالية والعقلانية والهُوية، فضلاً عن كونها ظاهرة فنية. إنها النقيض التام، أحيانًا، للحداثة!
وهكذا نرى، مرحلة انتهاء الحداثة وبدء ما بعد الحداثة. وكما طوّحت الحداثة بالرومانسية، من قبلها، وحلّت محلها أو على أنقاضها، جاء دورها، وجاءت ما بعد الحداثة لتطيح بها وتحل محلها وتنهض على أنقاضها!
في المقابل، ثمة موقف مغاير ورافض تمامًا لهذه الشعارات، من قبل خصوم الحداثة وما بعد الحداثة. موقف يرى فيها انزياحًا خطيرًا عن المقدّسات ؛ الأصول والموروث الثقافي. وفي منظورهم أن الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة كان كالمستجير من الرمضاء بالنار، أو من السيئ إلى الأسوأ! ويرى هؤلاء أن التجديد الشعري ممكن فقط في الأفكار والموضوعات لا في الأشكال. إذ لم يحن الوقت بعد لمثل ذلك التغيير. يقول أدونيس(5) :

" إن في الواقع العربي ما يدعم هذا الموقف، موضوعيًا. فالأشكال التي هي وليدة تجربة اجتماعية كالأشكال الشعرية العربية، لا تتغير إلا إذا تغيرت التجربة الاجتماعية الثقافية التي أنتجتها وتغيرت القيم النابعة من هذه التجربة، وتغيرت عقلية المجتمع وعلاقاته بالأشياء  ونظرته للعالم ".

 فالناس أكثر ما يرغبون بالأدب وكل فن آخر، كلما كان مشاكلاً لحياتهم، والعكس صحيح، فهم يرغبون عنه، وينفرون منه، كلما كان مخالفًا لها. وأحيانًا، ليس أنهم يرفضون التغيير فحسب، إنما يرفضون حتى مجرد التفكير به! ويُثبت واقع الحال، كما يبدو، أننا كمجتمع، ما زال غير مهيّأ لمثل تلك الظواهر الحداثية بعد. في حين نجد مجتمعات أخرى، تتحدث عن مرحلة ما بعد الحداثة وتتفاعل معها منذ منتصف القرن الغابر!
في ضوء ذلك يطرح السؤال الآتي: تُرى إلى متى سيظل مجتمعنا، في الشعر والنقد الأدبي وسائر الفنون، أسير النمطية والتبعية من الماضي، أو من الغرب؟

2

يصعب على المرء أن يستحضر تلك اللحظة أو اللحظات التي أوحت للمبدع في إبداعه قصيدة صمت، وأنه مهما بلغ القارئ من الدراية والكفاءة، فلن يتمكن من استكناه حقيقة غاية المعنى الذي رمى إليه المبدع.
 
وقد تحسُن الإشارة إلى أن القراءة لمثل تلك القصيدة، سوف تكون قراءة إسقاطية(6) في الأغلب، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه لا توجد قراءة صحيحة في قاموس النقد الأدبي، ولاسيما النقد الأدبي الحديث، الذي يميزه أكثر ما يميزه أنه انفتاح التفكير فيه على الاتجاهات كافة، من تيارات فكرية ومصادر معرفية. وينهض القارئ بالدور الأساسي في هذه القراءة، ما يُظهر مقدرته الأدبية والثقافية والإبداعية على المواجهة وعلى بلورة رؤية ورؤيا. فالنقد الأدبي ظاهرة ثقافية تمامًا مثلما هو النص.
في المقابل، يرتبط وضوح الفكرة بسياق مجراها المعرفي والنظري والتاريخي والاجتماعي، وبالحالة النفسية التي كان يمر بها الشاعر، لا في تأطيرها اللغوي فحسب.
والذي لا شك فيه أن قصيدة صمت لم تكن وليدة الصدفة، ولم تنبجس من فراغ أو من لا شيء، إنما من سياق ما، لكن ما نذهب إليه، أن حدثًا خطيرًا أو سياقًا غير عادي قد أفرزها، وترك الشاعر مسكونًا بهواجس واحتقان واختناق لا مثيل لها!
تحتمل القصيدة غير احتمال. لنأخذ على سبيل المثال لا الحصر، عالمنا الذي نحيا فيه اليوم، ألا يصلُح لمثل هذا الموقف ؟ لو نظر كل منا إلى هذا العالم، وإلى تلك التحولات الهائلة التي طرأت، نظرة تأمل وتفكر، لوجده قد انقلب رأسًا على عقب، وعلى المستويات كافة: الشخصية والأُسرية والاجتماعية والتربوية والثقافية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية الخ

 ألا تُلقي هذه التحولات بظلالها القاتمة، على كل متأمل أو مراقب إلى الحد الذي يمكن أن تخرجه عن طوره ؟
وقد تكون الحرب الأهلية اللبنانية آنذاك ، هي الحدث وهي السياق، الذي ربما  أوحى للشاعر قصيدته، تلك الحرب التي استمرت قرابة الخمسة عشر عامًا، وقد كادت تجهز على لبنان شعبًا ووطنًا. شاهد الشاعر هذا المشهد المروّع، لبنان كله يدمر، ويذبح من الوريد إلى الوريد، على مذبح النفعية والتبعية والطائفية والجهل والهمجية، في ظل صمت عربي وعالمي، كافته وخاصته، ولم يصدق ما سمعته أذناه ولا ما رأته عيناه. فالمشهد، كما يبدو، كان فوق العادة وفوق الطاقة، ما أدى إلى إصابة الشاعر بصدمة قوية، أو انفعال هزّه من الأعماق. ولن نستغرب إذا ما أدت تلك الصدمة إلى انفجار باطني أعقبه مخاض عسير. وحين أدرك الشاعر عمق المأساة التي حلت بشعبه ، لم يقو، كما يبدو، على احتمال تلك الصورة، فقوة الصورة في تأثيرها في المُشاهد  لا في ما تعرضه من مَشاهد! ما دفعه إلى الصمت كشكل من أشكال التعبير عن الاحتجاج والرفض!
يقول النفري كلما اتسعت الرؤية، ضاقت العبارة! وفي حالة الصوفية قد لا نبتعد كثيرًا إذا ما قلنا: لا بل تلاشت العبارة نهائيًا!

ثم ما لبث الشاعر أن وقف مشدوهًا وقد ران عليه ذهول مطلق، واغتراب نصله حاد، فما كان منه إلا أن عبّر عنه بقصيدة مختزلة في عنوانها صمت صمت مطلق!

 وجدير بالذكر أن إيهاب حسن أطلق  على أدب ما بعد الحداثة اسم أدب الصمت (7) وهو " استعارة تعبّر عن لغة تجسد توترات الإنسان الحديث كما تنعكس على صفحة الفن والثقافة والوعي، وهذا الصمت يتضمن اغترابًا عن العقل والمجتمع والتاريخ، واختزالاً لكل التزام لعالم البشر، ونسخًا للوجود الجمعي"(8 )

وقد قيل: يُقرأ الكتاب من عنوانه. ومما يؤكّد على أهمية العنوان (9) ما  يقوله الباحث بسام قطوس (10) :  " العنوان سمة العمل الفني أو الأدبي الأول، من حيث هو يضم النص الواسع في حالة اختزال وكمون كبيرين، ويختزن فيه بنيته أو دلالته أو كليهما في آن. وقد يضم العنوان الهدف من العمل ذاته، أو خاتمة القصة وحل العقدة ". وهو(العنوان)ما يوحي بوجود إحالة إلى مرجعية معرفية أو اجتماعية... أو دينية. "
أو ربما عاش الشاعر تجربة لا يعلم كنهها أحد سواه، أو المرء العادي في أقل تقدير. تجربة استمدها، كما يبدو، من شخصه وحده، من أناه الفرد وحده، فجاءت تعبيرًا عن ذات الفرد، يتعانق فيها الشخصي والفلسفي! وقد تكون حالة لم يتدخّل فيها العقل أبدًا، صوفية مثلاً، أو سوريالية! أو ربما كانت لديه حاجة إلى الصمت أكثر منه إلى التعبير. وقد قيل: الصمت(أحيانًا)أصدق تعبير! بيد أنّ هذا لا يعني أن يصمت الجميع بالمطلق، ولكنها حالة خاصة في ظرف خاص . كذلك هو الشاعر المبدع خليل حاوي حين أقدم على الانتحار(1982)على خلفية الحرب الأهلية اللبنانية، والغزو الإسرائيلي. إنه، ولا شك، حالة خاصة! وهو من منظور ما بعد الحداثة نوع من الأدب " الأدب يتحول ضد ذاته، ويتوق إلى الصمت، يترحّل في تلميحات مقلقة من الانتهاك والرؤيوية. ولو تواجد طليعي من عصرنا، فمن المحتمل أن ينوء كاشفًا بانتحار" (11)
قد لا تكون مثل أشكال التعبير هذه، هي الطرق المثلى لمواجهة الأزمات، أو قد لا تكون مقبولة على بعضهم، لكنها في الواقع، بالتأكيد موجودة! ألم يُؤخذ على الشعراء أنهم محكومون بالعواطف!
وليس من جرب تلك الحالة كمن سمع عنها، يقول أدونيس(12) " وتنحصر قوة اللغة المحدودة هنا، والتي لا تنقلنا إلى عالم التجربة، في كونها تكشف لنا عن مكان آخر، عن اللامعقول، أو عما لا يُقال )indicible( وحين نريد أن نصل إليه، نصل بطريقة صوفية هي ما يُسمى في الاصطلاح بـ (الانخطافExtase )  )حيث نتواصل مع ما لا يُقال، مع ما لا يُوصف "! حيث يتقلص عالم الكلمات إلى    عالم الحدث ذاته!
إن دائرة الإبداع هاهنا بالتأكيد سوف تتسع أكثر فأكثر. ففي غياب نص نمطي أمام المتلقي، يتم استنطاق البياض (صفحات بيضاء) وحده، وتجسيد البنية الدلالية لهذه القصيدة، انطلاقًا من العنوان وحده، فهذا " رولان بارت يتحدث عن الأدب بوصفه الفقد و الانحراف و الانحلال، وفولغانغ آيسر يصوغ نظرية عن القراءة تستند إلى البياضات النصية " (13). ولا يقدّم الشاعر، في هذه القصيدة، إلى القارئ أو المتلقي، سوى طرف الخيط أي العنوان، لكي يمسك به ويخرج إلى الطريق مبتدئًا رحلة البحث والتنقيب والاستكشاف، رحلة القراءة المضيئة والمنتجة إلى حيث هو يريد، أو يستطيع الوصول، في مواجهة نص هو العنوان، وعنوان هو النص، مع ما يترك للمتلقي من مساحة شاسعة أو فجوات، قوامها: الانفتاحية والتقاطع والتشابك والتجاور والتحاور. طبعًا في غياب قيم جمالية ومعايير فنية أخرى، عن دائرة النقد الأدبي الحديث أو النقد الثقافي، كما يُطلق عليه أحيانًا، التي قد تضيق وقد تتسع. كل حسب طاقته وسعة مخزونه الثقافي وتكوينه الإبداعي. علمًا أن المتلقي لم يعُد، في عصرنا، مستهلكًا فحسب، إنما هو شريك لا غنى عنه في إنتاج الدلالة! وإننا لنجد من ذهب إلى أبعد من ذلك، إنه الناقد التفكيكي الأمريكي بول دي، الذي أكد على انتهاء عهد سلطة العمل الأدبي، وبدء عهد سلطة القارئ (14)! كما أشار ستانلي فش (15) إلى سلطة القارئ المطلقة، وقال  " النص ليس شيئًا أو موضوعًا، ولكنه تجربة أو عملية يخلقها القارئ " ما يتحقق فعلاً وبكل تأكيد، في قصيدة صمت! ما يؤكّد على انحسار دور المؤلف وإناطة مهمة الإبداع إلى القارئ أكثر!
وقد يكون ما جال في خاطر الشاعر: إشفاقه على شعره من الإفصاح والكشف ،  لأن الأفكار متى أفصحت عن ذاتها وكنه ذاتها، ماتت من فورها، ومتى ألمحت واختزلت عاشت مدة أطول، أو ربما من الصواب القول: كل من يُفصح عن معنى، لا محالة يحكم عليه بالموت المحقق! فالتزم الشاعر الصمت، ولم يبح بسره!
من جهة أخرى، لا يعرف الإبداع القيود والحدود، ولن يستطيع أحد كائنًا من كان، أن يفرض أهواءه ورغباته على المبدع، لأنه ليس من حقه. فالأثر الأدبي، وكل أثر إبداعي آخر، لا يخضع إلا لمقاسات أو مواصفات مبدعه، لأنه حقه الطبيعي وحده، وليس أحد سواه!

3 -
ليست قصيدة صمت كما يظن بعضهم، للوهلة الأولى، طفرة خالصة من طفرات الحداثة، وإن كانت تحمل في تضاعيفها مغامرة معرفية وشكلية، قد تبدو غير مسبوقة. فقد حفظ لنا التاريخ أقصر رسالة، ليوليوس قيصر (101-44 ق. م.) أحد قواد روما الذي يقول فيها: �جئت. رأيت. انتصرت ! فالنص يمكن أن يكون جُملاً أو جملة أو كلمة !
 
أما القرآن الكريم، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، بما اشتملت عليه بدايات بعض السور، ما يُسمى فواتح السور تلك الأحرف الغامضة، التي لم يعرف لها تفسير أو تخريج إلى الآن، وقد تكرر بعضها في غير سورة، ومثاله (ألم-سورة البقرة:1) و (ألمص-سورة الأعراف:1) و (ألر-سورة يونس:1) و(كهيعص-سورة مريم:1) و(طسم-سورة الشعراء  ) الخ?
 
وليست الكتابة وحدها هي النص، وإن تكن تدخل في تركيبه " وما الكتابة إلا وجه واحد من تجليات (الأثر) وليست هي الأثر نفسه. وبكل تأكيد فالأثر الخالص لا وجود له كما يقول دريدا "(16). فهنالك عدة مكوّنات أخرى تعمل على تشكيل النص، كما تعتمل، في الوقت نفسه، عوامل أخرى في دخيلة مبدع النص منها " لُغوية ونفسية واجتماعية ومعرفية "(17)
 
وكما أن الكلام يدخل في تركيب الأدب، كذلك هو السكوت " فالأدب لا يطابق أبدًا الوعي ولا يعبر عن الذات المبدعة تعبيرًا تصريحيًا، هو مصنوع من الكلام بقدر ما هو مصنوع من السكوت، وما يفصح عنه ويُصرّح به لا يكتسب قيمته ودلالته إلا بما يسكت عنه "(18). فالسكوت يدخل في تركيب النص، تمامًا مثلما هو الكلام. كذلك يعلم المتلقي إن إحدى غايات النص هي اللذة والمتعة وقد تحققت فعلاً في القصيدة ! علمًا أنه إلى الآن لا وجود لتعريف جامع مانع للنص. من هنا يبقى مصطلح النص ذاته، يمثل إشكالية معقدة وكبيرة في النقد الأدبي الحديث !
الصمت في الفنون
 
وتبدو هذه الظاهرة مستجدة في حقل الأدب والإبداع عامة، لكنها لا تقتصر  على مجال الشعر وحده. فهنالك ما يشبه ذلك، إلى حد كبير، في مجالات الفنون الأخرى، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: الموسيقا والتمثيل.
 
ففي مجال التمثيل، كنا قد قرأنا من على صفحات صحيفة الاتحاد، قبل ثلاثة أشهر ونيّف، خبرًا عن مهرجان للتمثيل نظّم في إحدى دول أمريكا اللاتينية وتم فيه عرض مسرحية دون ممثلين ! فقد دُعي جمهور المشاهدين إلى قاعة المسرح لمشاهدة عرض مسرحي، دون علم مسبق بحقيقة ما سوف يُعرض على خشبة المسرح. وبعد أن جلس جمهور النظّارة مستعدًا، ومنتظرًا بدء العرض المسرحي  لوقت غير قصير، فوجئ بالإعلان عن انتهاء المسرحية التي لم تبدأ أصلاً ! فكانت تجربة فريدة من نوعها، أدت إلى جدال ونقاش صاخب بين جمهور الحضور !
 
وفي مجال الموسيقا، حدث أمر مشابه تمامًا. هذا ما أخبرني به وأكده لي الأستاذ منير أبو شقارة، معلم الموسيقى وزميلي في الكلية الأكاديمية العربية للتربية في حيفا. فقد دُعي مع من دُعي، ذات مرة، للاستماع إلى معزوفة موسيقية. وقد جلس جمهور الحضور في القاعة، بينما جلس العازف على المنصة وأمامه آلته الموسيقية (البيانو)، وبعد أن انتظر الجمهور وانتظر، لأكثر من ربع ساعة، ومع بدء الحفلة ، كانت المفاجأة: فقد وقف العازف، أمام الجمهور، مُحييًا، إيذانًا بانتهاء الوصلة الموسيقية� !
 
هذه التجربة توحي، كما يبدو، بنقلة نوعية في التفكير العميق، والتأمل والتطهير والتوحد مع موسيقا الذات، الصادرة من أعماق النفس، أو مع ما يمكن أن يتصوره من موسيقا، كل متلق في خياله !
 
وفي الحالتين ثمة غاية واحدة: وضع المتلقي مكان صاحب الأثر، وحثه واستنهاضه ليخرج من جلده، وجعله يمر في تجربة المبدع ذاتها !
عودة  إلى القصيدة  وإجمال :
 

  وهكذا، في مجال الشعر أيضًا، كانت قصيدة صمت. فهي في اتحاد أبياتها في عنوانها، مثلها مثل حزمة من أشعة اتحدت في شعاع واحد. فأصبح الكل في الجزء والجزء في الكل، ما جعلها أشد وقعًا وأثرًا وتأثيرًا. أو قُل مثلها مثل لوحة من الفن التشكيلي، لا تحمل سوى اسمها. فلينظر فيها من يشاء، وليعرض عنها من يشاء ! لكن ليذكر كل واحد فينا: أن كل جميل وسام وباهر، هو رفيع ومتعال ولا نهائي، وما هو رفيع ومتعال ولانهائي، لا يمكن أن يُحدّ أو يُحتوى أو يتشكل !
وتبقى قصيدة صمت وسواها من اللوحات الفنية الأخرى، مظهرًا ثقافيًا يعكس الواقع المأزوم لإنسان هذا العصر، وفي الوقت ذاته، ليؤكد على قدرة المتلقي على استنطاقها، كما هي، دون زيادة أو نقصان !
 
وصدق جبران خليل جبران(19) وهو القائل " إذا كنت لا ترى إلا ما يظهره النور، ولا تسمع إلا ما تعلنه الأصوات، فأنت بالحقيقة لا ترى ولا تسمع " ! على أن تجلياتالحداثة أو ما بعد الحداثة، كما يبدو، سوف تبقى إحدى أهم إشكاليات هذا العصر !
 
ولا نطالب القارئ، في ضوء مثل ذلك الواقع، إلا أن يكون منصفًا، وأن يعيد النظر في الموقف من مثل تلك التجليات، وسائر ألوان الفنون الأخرى، وكل الأشياء الجديدة والمعاصرة، وإن كانت خلافية. والتعاطي معها وفق رؤية جديدة ووعي جديد، يقوم على مبادئ الانفتاحية، وحرية الرأي والرأي الآخر، لا على الجمود والانغلاق، وتغييب منطق العقل ! فالأدب الجيد وكل فن جيد، كما اصطلح عليه: الذي يطرح إشكاليات، ويثير تساؤلات، لا الذي يقدّم حلولاً وإجابات !

الهوامش

(1) فاروق مواسي: الأعمال الشعرية الكاملة، المجلد الأول، ص219، مكتبة كل شيء، حيفا، 2005. نشرت دار الأسوار في عكا المجموعة الشعرية اعتناق الحياة والممات خلوًا من ذكر قصيدة "  صمت " ، وقد خصّها الشاعر بأربع صفحات، بيضاء لا كتابة فيها! وبسؤال الشاعر عن السبب أجابه الناشر: اعتقدت للوهلة الأولى أنه لا توجد قصيدة ،  وأن كل ما في الأمر أنه قد وقع خطأ، ومن باب توفير الصفحات فقط!
(2) طيب تيزيني: من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، إشكالية ونقد، مجلة  الكرمل، عدد54، ص160، رام الله، شتاء 1998.
(3) إيهاب حسن: نحو مفهوم لـ ما بعد الحداثة، مجلة الكرمل، عدد51، ص19، رام الله، ربيع 1997.
(4) صبحي حديدي: ما بعد الحداثة، مجلة الكرمل، عدد51، ص50، رام الله، ربيع 1997.
(5) أدونيس: الصوفية والسوريالية، ط2، ص214، دار الساقي، بيروت.

 1995 (6) عبد الله الغذامي: الخطيئة والتكفير، من البنيوية إلى التشريحية، ص 75، جدة، 1985. القراءة الإسقاطية: نوع من القراءة عتيق وتقليدي لا تركّز على النص ولكنها تمر من خلاله ومن فوقه متجهة نحو المؤلف أو المجتمع، وتعامل النص كأنه وثيقة لإثبات قضية شخصية أو اجتماعية أو تاريخية والقارئ فيها يلعب دور المدعي العام الذي يحاول إثبات التهمة.
7 (
إيهاب حسن: أدب الصمت، ترجمة محمد عيد إبراهيم، مجلة إبداع، عدد11، ص24-38، القاهرة، 1992.
8(
ماهر شفيق فريد: تقطيع أوصال أورفيس، مجلة إبداع، عدد11، ص20، القاهرة، 1992.
9(
جميل حمداوي: السيميوطيقا والعنونة، عالم الفكر، عدد3، مج25،
ص97، الكويت، 1997.
10
)  بسام قطوس: سيمياء العنوان، ص39، عمان، 2001.
11
 ) إيهاب حسن: أدب الصمت، مجلة إبداع، عدد11، ص25.
12(
أدونيس: الصوفية والسوريالية، ص239.
13(
إيهاب حسن: نحو مفهوم لـما بعد الحداثة، مجلة الكرمل، عدد51، ص19.
14(
سمية سعد: كريستوفر نوريس، التفكيك، النظرية والتطبيق، مجلة فصول، عدد4، ص231، القاهرة، 1984.
15(A Dictionary of Stylistics , Katie Wales , Lonman , London and New York , P. 460.

( 16 ) عبد الله الغذامي :  الخطيئة والتفكير  ، ص 54 .

( 17 ) سعيد حسن بحيري :  علم  لغة النص   ، المفاهيم والاتجاهات ، ص 97 ، مؤسسة المختار للتوزيع والنشر ، القاهرة ، 2004 .

( 18 ) محمد الناصر العجيمي :  النقد العربي الحديث ومدارس النقد الغربية  ، ص 84 - 85 ، تونس ، 1998 .

( 19 ) جبران خليل جبران :  رمل وزبـــد  ، المجموعة المعربة الكاملة ، ص 179 ، دار الجيل ، بيروت ، 1994 .

 

عودة للسابق