قراءة في كتاب فاروق مواسي

 خاطرتي والضوء- نبضات

                بقلم: محمود مرعي

 

"  أكتب حتى لا أموت "

    هذه الجملة جاءت في آخر المقدمة أو " جواز مرور " كما سماه المؤلف ص 3 من ديوانه ،وحتّى نصل إليها وإلى قصد الشاعر وما يرمي إليه من خلال جواز المرور لا بد أن ندخل من الباب الذي يظهر قبل النافذة " جواز المرور " تلك التي تنفتح على أفق رحب ومرج خصب من المعنى والتأويل، والطرقة الأولى على الباب هي الغلاف والعنوان، لتحليل هذه العلاقة بين الخاطرة والضوء - والنبض، والقاسم المشترك بينها، وتظهر العلاقة بوضوح في الزمن الذي يسير الضوء عبره " أي لا نهائي " فهل هذا ما يبحث عنه الشاعر؟؟ ولعل الرسمة على الغلاف " أضواء وإشاعات " تشير إلى شيء من هذا المعنى، ولكن ما علاقة هذا بالنافذة " جواز المرور " وروح هذا النص المنفتح على مرج خصب؟

   من المعروف أن العنوان يشير إلى أمر ما داخل النصوص، فكرة أو نصًا، لنأخذ قوله : " أبحث " عن زمن ضائع قد أستعيده بصورة جديدة، أو أناغي حاضرًا مؤلمًا أو مسعدًا " سنأتي على قضية الألم "، أخاف أن يمضي دون ذكر، أو أنتظر مستقبلاً ص 2ـ3،

 يبدو " الزمن " هنا بكافة أبعاده " الماضي- الحاضر- المستقبل " كقاعدة أساسية، يبني الشاعر عليها الكثير، وهو المقوم الأساسي. ولكن أين يتجسد هذا الزمن، هل نحن شركاء في هذا الزمن؟ لا أعتقد ذلك، إن الأفعال البارزة في العبارة هي الأفعال المضارعة " وفي النص جميع الأفعال مضارعة " والضمير الفاعل هو " أنا الشاعر " " أبحث- أستعيد- أناغي- أخاف- أنتظر" ودائمًا الفاعل ضمير مستتر تقديره " أنا" أي " أنا الشاعر" وهذه الأنا المستترة خلف الكلام، هي التي تتحدث، وهي التي تكشف الكثير من الهواجس والمخاوف التي تعتريها، وهي التي أطلعتنا على دخيلة الشاعر الذي لا يستطيع أن يكشفها،إلا تحت سيطرة " الأنا المستترة "، والزمن الضائع يبحث عنه لا ليخرجه كما كان حين مضى، بل بصورة جديدة، غير صورته التي كان عليها، ولأن " الأنا المستترة" هي المسيطرة، فإنها أبرزت الزمن الضائع كما هو بكل صوره، ولم تستطع " الأنا الظاهرة- الشاعر" غير وضع الزمن داخل الحيز-أي النص- وتأمل قوله: " كتابتي قدر لا تأتي طواعية وترفًا، بل تأتي تعبيرًا عن قلق ينتابني" ص 2 وهذا يعني أن الكتابة ليست في متناول يد الشاعر متى شاء، إنما هي قدر متى حان استسلم الشاعر له وخضع، وهي تأتي " تعبيرًا عن قلق ينتابني " ما هو هذا القلق، وما الذي يفرضه، " أعيد تركيب الأشياء والعناصر كطفلٍ، وأتجشم مسؤوليتها كرجل، وأنقد طبيعتها كشيخ، أكتب حتى لا أموت " ص 3.

   ومرة أخرى يطالعنا الزمن " مراحل العمر: طفل- رجل- شيخ " مطابقًا للزمن في العبارة الأولى " زمن ضائع- حاضر مؤلم- أنتظر مستقبلاً " وهذه الأخيرة أخذت امتدادًا لم يحدد له الشاعر نهاية فطابقت " حتى لا أموت " في العبارة الثانية من جهة " إنه لم يأت بعد " " وربما القلق، الخوف من الآتي "، ولشدة الضوء المنبعث من النص أراه يضيء لنا طريقًا داخل أغوار الشاعر حتى كأنّا نقرأ تفكيره وسطوره المكنونة، ففي الفقرة الأولى قال " أو أنتظر مستقبلاً " دون أن يحدد هذا المستقبل وصورته، لماذا سكت عن بيان هذا المستقبل الذي ينتظره، ألأن المستقبل مجهول، لا أرجح هذا، لأن الشعر إبحار في المجهول مهما كان، والشاعر يمارس الشعر أي الإبحار في المجهول، وعليه فإن المستقبل هو نفسه " أكتب حتى لا أموت "، ويقفز سؤال، إلى ماذا يرمي الشاعر بقوله " أكتب حتى لا أموت "

" وما المقصود بالموت هنا، والنص متعدد القراءات، هل قصد الموت الذي نعرفه جميعًا " نهاية الحياة ". إجابة كهذه تبدو ساذجة وسطحية جدًا، مع أن الموت بهذا المعنى ورد في النصوص، إنما هنا لا أراه بهذا المعنى، وأقتبس قول الشاعر المرحوم إبراهيم ناجي الذي صدّر به مجموعته الثانية " ليالي القاهرة "، يوم صدرت  : الشعر عندي هو النافذة التي أطل منها على الحياة، وأشرف منها على الأبد، وما وراء الأبد، هو   الهواء الذي أتنفسه، وهو البلسم داويت به نفسي عندما عزّ الاساة .

   إن جملة شاعرنا " أكتب حتى لا أموت " تحمل نفس المعنى في قول إبراهيم ناجي وتزيد عليه كونها " حتى لا أموت " أي حتى أظل وأبقى وهذا هو الأبد الذي يشرف عليه إبراهيم ناجي من نافذة الشعر، ونصيب في التأويل أيضًا إذا شبهنا كليهما بالسمك في الماء، حيث لا حياة له بغير الماء فإن أخرج من الماء يموت، وعليه تكون الكتابة، البلسم، والماء، والحياة نفسها، فإذا انتهت انتهى الشاعر، لذلك أرى أن استعمال الفعل المضارع فقط أمر مقصود، لأن الشاعر أراد الإمساك بالزمن وإخضاعه بكافة أبعاده، أراد ما يلغي هذه الأبعاد، والبقاء في حيز الديمومة واللانهاية، ونقترب أكثر فنقول: بالأمس قرأت العبارة " أكتب حتى لا أموت " واليوم ما زالت كما هي، وغدًا ستبقى كما هي، مع أن

" غدًا" قد مضى منذ قرأتها أول مرة، والزمن مضى جميعه، إذن الفعل هنا يعني " كتبت - أكتب- وسأكتب " وهذا يشير إلى أنه " الشاعر" في حالة سير دائم لتحقيق حياته ووجوده، ليس في الحياة الآنية الحسية، بل في الزمن ككل، ولن يخدمه في هذا سوى الفعل المضارع، لأنه دائمًا حاضر ويستوعب الزمن لذلك لم يقل: "سأكتب حتى لا أموت" إنما " أكتب"، وهو بهذا يقترب من الفعل القرآني" كنتم خير أمة أخرجت للناس"110/آل عمران.   وقد جاء في تفسير هذا الفعل أنه لا يحده زمن فهو في حالة امتداد في الزمن حتى نهاية الزمن، وهو ليس متعلقًا بمن عاصر نزول الآية فقط، بل يستوعب من جاء بعده أي لا فعل للزمن هنا، وهذا مما فطن له جاك دريدا مؤخرًا " قضية الزمن وأبعاده" وإلغاء هذه الأبعاد، ويشبه ذلك الفعل القرآني الآخر " وأوحى ربك إلى النحل "68/ النحل/ ونقول القرآني لأنه ليس مما يسند من أفعال إلى الخلق، وذكر مؤلف كتاب " وجوه الإعجاز في آيات النحل" ما يلي حول هذا الفعل: " فهذا الفعل فعل معجز خالد ،  ونلحظ أن الظاهرة الزمنية قد تلغى تمامًا، فالفعل " أوحى" هنا غير مرتبط بزمن، فالله سبحانه وتعالى أوحى إلى النحل ، وما زال الوحي مستمرًا ، وسيستمر حتى يرث الله هذه الأرض ومن عليها ". إذن " أكتب" عند الشاعر تقترب من هذا المعنى بل تحاكيه في  أنها تسعى للخلود والأبد دون فناء ونهاية.

    ونمضي بعد هذا مع المجموعة التي شكّلها الشاعر، من القصيدة العمودية إلى التفعيلة إلى النثر إلى القصيدة الممتزجة من العمودي والتفعيلي ،  ونحاول الاقتراب والوقوف على بعد آخر من أبعاد هذه المجموعة وهذا البعد أشرنا إليه قبل قليل -  وهو الحزن والألم الذي ما زال سمة بارزة في شعر د- فاروق مواسي لم تتغير.

  الحزن والألم سلم الإبداع لدى الشاعر د- مواسي

    يحق لنا أن نسأل عن سر شيوع الحزن والألم في كتابات د- مواسي. فليست هذه المجموعة الأولى التي تحتوي على الحزن والألم كبعد من أبعاد الشاعر. يقول شيلي: " إن أخلص ضحكاتنا لمثقلة بشيء من الألم، وأعذب أغانينا هي تلك التي تحكي عن أحزن الأحزان " ونحن هنا نقول: " إن الحزن هو البوتقة والفرن الذي تنصهر فيه ذات الشاعر لتسيل إبداعًا". لذلك نجد الإبداع والجمالية أكثر حين يحزن الشاعر مواسي، أو يعبر عن حزن معين كما جاء لدى شيلي" أعذب الأغاني- تحكي عن أحزن الأحزان" . وبهذه الصورة يكون الحزن والألم سلمًا إبداعيًا يرتقي عليه الشاعر ،  وكلما اشتد الحزن ازداد الارتقاء والتحليق الإبداعي". فلنمض مع هذا بشيء من التفصيل، وقد مر معنا في" جواز مرور " قوله: " أو حاضرًا مؤلمًا أو مسعدًا" ومن القصيدة الأولى في المجموعة " حبي فلسطيني " يمكن أن نرى حزن الشاعر:

  قد كنت أبكي لأصحاب الهوى   زمنًا           فهل لي الآن من باكٍ فيبكـينـــي

  يا جمرة صهلت في قلب هاجــرهـا          ياعتمة شعلت في قلبِ مغـبــونِ   ( ص 7)  

    وقبل هذا نراه يتحد مع الحزين الذي فارق الوطن مرغمًا وشرد في الآفاق:

  يـا أهلهـا- أهلنـا يــا طيـر منزلهـا          اقرأ سلامي على أحزان محزون  

  ما زلت أذكرهم في الدار في حلقٍ          هذي تنـادي وهذا واجـم دونـــي  ( ص 6)

 قوله " على أحزان محزون" ربما تكون هذه الأحزان هي الأثر الباقي أي

" أي الغصة التي يشرق بها من شرّد" أي القرى التي هدمت فالأطلال هي الأحزان :

  أنّى نظـرت- مئات مثلـها نزحــت           أمــام نــاظــرنــا أطلال قــاقــون (ص6 )

   ويؤكد هذا " يا طير منزلها- اقرأ..." وقبل أن أتابع أحب التوقف عند البيت قبل الأخير في القصيدة وقراءته بتأنّ " وقد قرأه زميل بطريقة مغايرة وذوق مختلف:

  حتى يراني صلاح الدين متشحًا           عدلاً وسلمًا وأحبابي تصافـيني  ( ص 12)

    والسؤال الأول الذي يقفز: لماذا اختار الشاعر " صلاح الدين" دون سواه، وفي التاريخ العربي والإسلامي قواد ربما يفوقون صلاح الدين قوة وبأسًا وتقوى بكثير، لماذا هو بالذات دون سواه، إن العلاقة بين النص المروي " حبي فلسطيني" وبين هذا القائد بالذات دون سواه ليست هشة، أو أنها تمثل فترةً محددة " معركة حطين واسترداد بيت المقدس" لو كان كذلك فإن قطز وبيبرس أيضًا من أولئك الذين أبلوا بلاءً حسنا على هذا التراب. العلاقة مع هذا القائد من القوة بحيث أصبح صلاح الدين يمثل الحلم الفلسطيني الموعود، إنه الحلم الجميل الذي يحلمه كل منا بدون استثناء، والإشارة واضحة، ثم

" عدلاً  وسلمًا" نقول حتى تصل مرحلة " التوشح" بالعدل والسلم. فمن البديهي أن يسبقها تحقيق العدل والسلم، وإلا هل تتوشح بشيء لا تملكه، بشيء غائب، وتحقيق العدل لا يكون مع الضعف والهوان بل بالعكس، العدل مرادف للقوة المحققة له ونقول " المحققة له" حصرًا لأن هناك من القوة ما تظلم وتجور، والسلم تال لتحقيق العدل في النص وفوق الواقع، وبالتشبيه القريب " المحادثات الفلسطينية الإسرائيلية" لم يتحقق السلم ولن يتحقق، حتى يتم تحقيق ما قبله " العدل" فإذا تحقق فالسلم في الأثر، والعدل هنا ليس ما تمنحه إسرائيل " أي القوي للضعيف" فليس هذا العدل الذي يشير إليه نص الشاعر على الأقل، لذلك جاءت كلمة " السلم" بعد " العدل" وعليه فإن الشاعر في هذا البيت يتحدث عن القوة التي سترها بقناع كلمة العدل، وهو كذلك يتحدث عما تصبو إليه نفسه وتحلم به، انه القوة التي ستحقق العدل والسلم.

    لقد قال جبران " ليست حقيقة الإنسان بما يظهره لك، بل بما لا يستطيع أن يظهره، لذلك إذا أردت أن تعرفه، فلا تصغ إلى ما يقوله، بل إلى ما لا يقوله".

     لذلك فإن القوة التي نحب أن نراها في هذا البيت كتعبير أو معنى، تبدو كفكرة مغيبة قالها الشاعر من خلال " متشحًا عدلاً وسلمًا" ،أي الذي لم يظهره لنا على حدّ تعبير جبران، وهو الذي يمثل الحقيقة الناصعة " حتى في تغييبها" ثم من زاوية أخرى لو أخذنا " السلم" مجردًا فإن صلاح الدين حتى أثناء المعارك مع الصليبين كان سلمًا، فقد عقد المعاهدات معهم، كذلك أرسل طبيبه لمعالجة القائد الصليبي رغم الحرب بينهما، فلم تمنعه الحرب والعداء من تقديم المساعدة حتى للعدو نفسه، وأي سلم فوق معالجة قائد العدو في زمن الحرب.

   ونتابع مع الشاعر وأحزانه التي تشيع أيضًا في القصيدة الثانية وفي " حوارية الموت" وغيرهما ولكن نتوقف مع " حوارية الموت" التي يشيع الحزن والألم فيها بصورة أشد، وتحس بتلاحق أنفاس الشاعر ودقات قلبه، والخوف اللاهث من الموت " الحقيقي" وحتى إن إيقاع القصيدة "الخبب "جاء ليتمم مشهد الخوف والحزن، لكأن الشاعر لا يريد أن يقرأ بتريث فاختار هذا الوزن الراكض، كأنه لا يريد أن يطيل الحديث أو أراد أن يمر باستعجال حتى في القراءة.

 ( هذي الدنيا / رغم بهاء حسان فيها / رغم وداعة أطفال / أو عزم رجال / رغم شيوخ في جلد يحيون الماضي / هذي الدنيا / لا جدوى / لا تبقينا / بل تبقى مكتظة / بكوابيس الرعب تسمى موتًا ). ص26 وكلمة " لا جدوى" كما نقول باللهجة المحكية " فيش فايدة" وفي غمرة هذه " اللا جدوى" وكوابيس الرعب تصبح الدنيا " أسطورة مرّة" " حياتنا أسطورة مرّة / لقارئ حروفه الدهر " ص27. وما دامت أسطورة فهي خداع وسراب وخرافية، لذلك لحظة الحقيقة " الموت" ينهار السراب والخداع والخرافية " الحياة" لأنها لا تمثل الحقيقة بل نقيضها.

  في لحظة / تنهار الفاتنة المفتونة / هل تعرف هذي المجنونة / أن حصان الموت يقود العربة / لمدارات الأموات ) ص30. في المألوف أن الحصان " يجر العربة" فلماذا هو " يقود العربة" هنا، وهذا الحصان ما هو " حصان الموت" ربما كان العمر، والعربة نحن، أو نحن داخلها، أي أن العمر يسير بنا إلى تلك المدارات " لمدارات الأموات"، ويصل به الأمر أنه يخاف أن لا يستيقظ من نومه (نبضاتي تتساءل في السحر/هل يأتيني شفق بعرائس أحلامي / عادت من حلم / تتساءل هذي قبل رحيلي في " الموت الأصغر"/ هل يأتيني السحر ) ص 31-32. والنوم هو الموت الأصغر كما هو معروف وهو حديث شريف، والتساؤل هنا يأتي ساعة السحر و" قبل رحيلي في الموت الأصغر" أي أنه سهران حتى هذه الساعات قبيل الفجر، وهذا يبرز القلق والمخاوف لديه من الموت ، ثم إن الشاعر لم يأت هنا بكلمة النوم، بل جاء بما يتفق وروح النص " والموت الأصغر" يخدمه هنا لأنه في حوار مع الموت الأكبر، لذلك يخاطبه ويصفه بصفته :

تتنوع أسبابك / يا موجع / يا مفجع / في ساعتك المحتومة / يؤلمني أن البعد سيقترب / لحد وضريح، جثمان، فاتحة، وعزاء  (  ص 35.)

    إنها الحقيقة الشاخصة على شدة وقعها وألمها " أسباب متنوعة لنتيجة واحدة وخاتمة واحدة"، والخاتمة عبر عنها بما يشاهده، ثم يختم بقوله :( سفر وحدي / سفر وحدك / ورد رهبوت خبب ( ص 36 ). واستوقفني قوله ( سفر وحدي / سفر وحدك) لمطابقة هذا القول مع قوله تعالى : " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة" 94 - الأنعام - وللواقع المُشاهَد. وختمت القصيدة بكلمة " خبب" التي تحمل أكثر من دلالة في هذا النص - أولها: وزن القصيدة من المتدارك "الخبب" - ثانيها: الركض والهرب من الموت كمحاور مجسّد، والثالث: إن الشاعر حين وصل هذه النقطة أطلق الصرخة " وَيْ وَيْ وَيْ..." إلى ما لا نهاية، وقد عبر عنها بكلمة " خبب" التي غطت مساحة هذه المعاني، ويبدو لي أنه لم يحاور أحد الموت قبل د- فاروق مواسي، وخاصة في قصيدة طويلة ذات أبعاد ميتافيزيقية وأسئلة وجودية وتجسيم الموت خارج حيز ملاك الموت، فالحوار هنا مع الموت نفسه مباشرة بدون وساطة، والشيء بالشيء يذكر، فقد استمعنا  لمحمود درويش في  قصيدته التي قرأها على مدرج جامعة بيروت العربية، وكانت " أيها الموت انتظرني سأصير يومًا ما أريد". ومن الطريف أن كثيرًا مع المعاني تتلاقى فيها القصيدتان وهذا بحاجة الى دراسة خاصة.

    ومظهر آخر للحزن عند الشاعر من المجتمع وممارسته قتل المرأة تحت قناع الشرف، وينفجر الحزن ليتحول إلى صرخة رفض لهذا الفعل الشنيع، ويحوّر بيت المتنبي:

 لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى            حتى يراق على جوانبه الدم

إلى معنى آخر يفتتح به قصيدته :

"باسم الشرف / راقت على جوانبه / أنقى دماء/ ذاك اقترف/، لأن في مخرج بول منتهى رؤياه/ وينتهي معنى الشرف" ص44.

    ونزيد على قوله انه في مرات عديدة ثبتت براءة القتيلة " الضحية" حتى من اقتراف الفعل، ويدخلك الشاعر في جو من الاشمئزاز لهذا الحكم وتنفيذه لدرجة لا تملك إلا أن تصرخ معه كفى " دم / دم / ببلطةٍ يحزّ رأسها / أو طلقة / أو قطعة من سمّ فأر / أو خنقها / أو شنقها " ص 45- 46. وبعد أن يعرّي المجتمع أو بالتحديد ذكوره - ولا نقول رجاله، فالفرق كبير بين الذكورة والرجولة لأنه ليس كل ذكر رجل ،  بينما كل رجل ذكر ،  والذكورة شاملة في الخلق ، بينما الرجولة خاصة للإنسان؛ ومتى كان قتل المرأة رجولة، ودفنها الذي يتم على استحياء: " قبيل دفنها الذي يتم في استحياء " ص 47. ويسأل الشاعر على لسان الضحية: " بأي دين تحكمون / من الذي أعطاكم قرار موت / يا أيها الطغاة / بل أي رب تعبدون / يا قاتلون "ص 48. حتى الشريعة تشترط أربعة شهود لتنفيذ الحكم من قبل الحاكم وليس الفرد أو الأفراد. ومعنى أربعة شهود أن الفعل علني على أقل تقدير. فهل تمّ قتل أية ضحية بناء على شهود الفعل أم بالظن، وحتى لو وجد الشهود من يملك حق تنفيذ مثل هذا الحكم، والحديث الشريف يقول " ادرأوا الحدود بالشبهات"، وقصة المرأة التي اعترفت بمحض إرادتها أمام الرسول " صلى الله عليه وسلم" بالزنا، قال لها " لعلك قبلتِ، لعلك كذا وكذا" ليعطيها المجال بالتراجع مع أنها اعترفت بمحض إرادتها، ولو بحثنا في جميع حوادث قتل النساء في بلادنا لن نجد اعترافًا واحدًا. ولسنا في هذا نميل الى تبرير الفعل.

 وإلى حزن آخر يخفيه الشاعر بستار التحدي، لكنه يطل من خلف الستار:

" ممكن/ أن صحفًا صفراء وتحجب نوري/ نكرات وتمني/ أن تنطح سوري/ أفواهًا تطفئ نوري/ لكني موقن/ أن النشر يفوح/ بعذوبة صوت مجروح/ يصل الآفاق لآفاق أرحب/ بصداه يغني/ ويبوح" ص 54 ــ 55.

  الحزن هنا أطل برأسه رغم أن الشاعر حاول ستره بالتحدي، ورغم جدية النص فهناك نص سابق شبيه بهذا النص، وكلاهما يكشفان نفس الحزن، مجموعة " لما فقدت معناها الأسماء" وفيها يبث حزنه ويتجه بالخطاب لزوجه " أم السيد" " لأنها مرت سنين كنت أنت الشاهدة/ في دربي الذي/ ضوأته رغم العداء/ على عقوقهم على مكايد عجاف/ إذ يجعلون القول في دوائر ادعاء / وتدركين " في كل يوم تحت ضبني / إن لم اعد فلم تلمني"ص 2. و " أو واطئًا على تفاهة هنا، هناك / أو ملقيًا من دبر أذني / عواهر الكلام / من مدع يشبه الصديق / " كائنًا من ذا يكون" /  كأنه الحذاء /  من كاذب أشر / أو سادر في غيّه / أو في جهالة بدت في عيّه" ص 3، لاحظ الشبه بين النصين القديم والجديد، أي أن الشاعر ما زال يشكو من نفس الفئة ونفس الأمر والعقوق وقد ضمن جزءًا من بيت المتنبي:

" أفي كل يوم تحت ضبني شويعرٌ          ضعيف يقاويني قصير يطاولُ "

   ورغم أن المتنبي حصر العدو " كل يوم شويعر" فشاعرنا لا يعد " إن لم أعدّ فلم تلمني" بل في نصه الجديد نرى زيادة على السابق " صحفًا صفراء" ورغم ذلك نرى الشاعر موقنًا من انتصاره في النهاية " أن النشر يفوح / بعذوبة صوت مجروح / يصل الآفاق لآفاق أرحب / بصداه يغني / ويبوح ".

   نار من ماء -Niagara Faills 

   بركة البحتري من خلال الشلالات

  قبل أن نحلل هذه القصيدة، أقول : إنني استمعت عبر الإذاعة وخلال برنامج الزميل نايف خوري منذ زمن ، وكان المتحدث الزميل سلمان فراج، وما زلت أذكر بعضًا من تعليقه على هذه القصيدة بالذات، ولأن الذاكرة لا تسعف الآن، فبكلمة مقتضبة قال: " إنها من أجمل القصائد" ولماذا هذا ما سنراه.

    إن القراءة المتأنية المحللة تشير إلى الخروج والغياب عن الحضور " الوعي" إلى الذاكرة الثقافية للشاعر والحضور خلالها، لذلك يستلهم أسطورة " جنيّات الماء"، والتراث الشعري العربي " أفواج الماء"، و" صهيل الخيول المنصبة" وقد كتب الزميل حسين حمزة في " الإتحاد" 4/ 6/ 1999 مقالاً بعنوان " شعرية الماء عند د- فاروق مواسي" ومن شاء فليرجع إليه، ونمضي مع النص من بدايته يقول: " بعد أن وقفت أمام الشلالات، أصبت بلحظات دهشة وحبسة عن الإبانة، فلما صحوت،  كتبت " ص 105. ولنا أن نسأل كم استمرت هذه اللحظات، هل هي مجرد لحظة عابرة تساوي دقيقة أو أكثر، ام انها زمن طال واستغرق عامًا مثلاً، ومتى كانت الصحوة، وطبعًا نحن لا نتحدث عن دهشة لمنظر تستغرق بضع دقائق وانتهى الأمر، إنما عن جمالية رهيبة مدهشة وقعت عليها عين الشاعر " وليس الإنسان العادي" فبدأت المخيلة بالعمل على رسم حدود هذه الجمالية، وأبعادها الآنية، والموغلة في القدم، وإسقاط القديم على الجديد، كم استغرقت هذه المخيلة من الزمن لتجميع وتركيب أبعاد هذه الجمالية، وإعادة صبها وصياغتها في هذا القالب، هل نخطئ إذا قلنا عامًا يزيد قليلا،أو ينقص قليلاً ربما، ولكن يستحيل ولا يعقل أن تكون المدة يومًا أو يومين بله الساعة والساعتين، فإذا وقفنا أمام الجملة الأولى

" نار من ماء ــ تخرج جنيّات الألوان عرايا ــ وحكايا تتدفق " ص 106. إن الصورة

" نار من ماء" جديدة بلا شك، وهي في حدود المعجز وليس المستحيل، ورغم أنها في جانب منها تحاكي التراث، ولا يعيب هذا، والنار والماء كنقيضين، وردا في الشعر العربي، أو الحرارة والبرد، أيضًا وردا في التراث الشعري العربي، بل وفي النص القرآني، غير المجازي. وهذا قول أبي نواس في السخونة لشدة البرودة أو البارد الحار:

    سَخُنت من شدة البرودة حتـى          صِرت  عندي    كأنك     النارُ

    لا يعجبِ السامعونَ من صفتي         كـذلـك الثـلج بـارد  حــارُ

   فتأمل السخونة لشدة البرودة أو الثلج الحار في نفس الوقت، وقارن بالنار من ماء.

  لو تأولنا بالقول الحرارة من برد لكان استلهامًا للتراث، ولي من قصيدة:

    فــأصــاب بـــبـــرد حــرارتــه        أتـجـمـر حـيــن يثـلجـنــي

    فانظر الى برد الحرارة أو التجمر حين التثلج كيف يكون، ثم صورة ليست مجازية، وهي قوله تعالى : " قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا"69/الأنبياء / فكانت بردًا وسلامًا، رغم أن الناظر إليها يراها نارًا وهذه صورة حقيقية، نارٌ مشتعلة باردة. وقلنا إنها في نطاق الإعجاز وليس المستحيل. ومن منا يجهل المادة التي نسميها " مية نار" للتنظيف فما معنى قولنا " مية نار" ثم الجنيّات، وهذه تشير الى الأسطورة القديمة ولكن الشاعر أضاف الألوان " تخرج جينات الألوان عرايا" وقد تحدث الأخ حسين حمزة عن هذا فلن نعود عليه، لذلك نقفز إلى صورة أخرى تستلهم التراث وهي قوله: " من فوهة الضوء الممتد على أفواج الماء "  ص 113.    قارن هذا مع قول البحتري:

" تنصب فيها وفود الماء معجلةً        كالخيل خارجةً من حبل مجريها "

     " أفواج الماء = وفود الماء". وقوله قبل ذلك " فرسان الماء تحاول أن تغمرنا". وتستوقفني القصيدة بشدة لهذه المحاكاة واستحضار بركة البحتري وإسقاط الصور على الشلالات في نصّ الشاعر ونقتبس: " كان هناك صهيل الخيل المنصبة / مع وفد لا يحصى، كالرمل / أو ذرات شعاع " ص 109. " فرسان الماء تحاول أن تغمرنا " ص 110. " من فوهة الضوء الممتد على أفواج الماء"ص113. النص هنا يجدد الصدى القديم " لوفود الماء المنصبة في بركة " البحتري" كالخيل الخارجة المفتلة من الحبل  

" فرسان الماء" " كالخيل خارجة" ،  وربما كان " الصهيل" هو الصدى القديم، وإذا كان البحتري استعمل " الكاف للتشبيه" " كالخيل" فشاعرنا لم يستعملها بل " فرسان الماء" والاستعارة أبلغ من التشبيه، " والفرسان في هذه الحالة فوق خيولهم". وأحس هنا أن الشاعر كان يرى صورة بركة البحتري في انصباب الشلال فأتى بهذه المحاكاة والتصوير الإبداعي للتراث في صورة استحضرت ذلك في الماضي وأحيته من جديد في أذهاننا.

   ومن صور القصيدة المبتكرة قوله :" أخضلّ على خافق هذا الدّفق الطّائر ثجّاج الأرجاء"ص 109- فهذه صورة الحباب المتطاير عند سقوط الماء نحو المصب ، "الدّفق الطّائر " والشّاعر يبتلّ " أخضل" ثم "ثجّاج الأرجاء" والثّجّاج المنصب وهذا من قوله تعالى " وأنزلنا من المعصرات ماء ثجّاجا "4/النبأ/ وقال ابن دريد :هذا مما جاء في لفظ فاعل والموضع مفعول ، لأن السحاب "المعصرات " يثجّ الماء فهو مثجوج ، وكذلك عند الشاعر "ثجّاج الأرجاء " أي مثجوج، منصب الأرجاء  وأمام هذه العظمة سواء الشّلالات نفسها أو الجماليّة الشاخصة ، يعلن الشاعر "أكثر من شريان للعظمة "ص 111 ونراه يحسّ بحجمه مقابل هذا الحجم " ألوان / ألوان / انبجست / رقصت/ وارتدت في أعماقي  تسألني إن كنت هباء " ص111/ أي أنّ الخطاب داخل نفس الشاعر ، إذن هو في لحظة تأمل وتفكّر ومقارنة بين المُشاهِد والمُشاهَد بين قدرته مقابل عظمة القدرة التي يرى في الشّلال نفسه أو القدرة التي تقف خلف قدرة الشّلال، وبكلمة واحدة:الله جلّ جلا له،وهذه لحظة إشراق بلغة الصوفيّة لذلك قال بعد ذلك " أكثر من مرآة لله " والمرآة تعكس الصّورة ، أي أنّه رأى الله جلّ جلا له في قدرته ونقصد بالصّورة ، القدرة والوجود أي استشعر عظمة الخالق في مظاهر خلقه .

والآن  ، وحيث أعلنّا من البداية عدم انحياز للمؤلف ، فإننا نذكر ما له وما عليه " كما نرى" ، ونبدأ بما عليه:

   نقاط ضعـف / كما أرى

"أيّا مها ألقٌ،عطاؤها غدقٌ              وفوحها عبقٌ في عزّ تشرين" ص5

لو قال : "إنعامها" بدل " عطاؤها" لأنّ  "خبن مستفعلن " الثانية في حشو البسيط يشعر بنشاز رغم جوازه ، وهو وارد على قلّة، لأن هذا البحر موسيقي وله جرس قوي ، وهذه الوحيدة في القصيدة كلها .

" فقلت من بعد قولا غير ممنون" ص7 - العجز هنا متكلف وتشعر بأنه قطع استرسال النصّ .

"العبد سيّدهم، والموت عمّدهم           والذّنب ذنبهمُ، حَينًا على حين" ص 8

كان بإمكانه جعل البيت مسمّطا لو غيّر " ذنبهم " بكلمة أخرى مثل " أجهدهم " أو ما شابه، خاصّة وأنّ البيت مفصّل الإيقاع ومنسجم التقفية الداخليّة ..

 

" أكثر من شريان للعظمة، أكثر من مرآة لله " ص 111،  لو أنهى القطعة عند هذه الجملة ، لكان جميلا ،  ولكن ربما لاستطراده في الحالة فقد خرج إلى شطحة  .

                            صور تستوقف

 " اكتب حتى لا أموت" ص3 / " يا عتمة شعلت" ص 7 / " حتى أرى زمني يكوي فيشفيني" ص 12 / " حصان الموت يقود العربة" ص 30 / " تسرج غابات الليل نجومًا" ص 32 / " وشجرة مدت يدًا تصافح البريئة" ص 45 / " أن حياتي تحمل معنى للمعنى" ص 51 / " الصوت على صمت يدي" ص 59 / " كعكة شعر" ص 70 / " في غيابة الهباء" ص 82 / " ضاءت دموع العين" ص 85 / " أيقظت ضحكته" ص 86 / " ارتقيت بلا وزن أو إيقاع" ص 96- ( كناية عن النص نفسه وكتابته بدون تقيد بالوزن وعنوان النص " الحرية" -) " شرفة مثقلة بالضحى" ص 96 / " صهوة غريبة الجموح " ص 97 / " نار من ماء" ص 106 / " أصوات الألوان وألوان الصوت" ص 107 / " فرسان الماء تحاول أن تغمرنا" ص110 / " ونشيدًا تطلقه كل صقور الماء" ص110.

   وهناك غير ما ذكرنا الكثير، ولولا الإطالة لأتينا عليها، ولكن هذه نبذة عن ملامح الشاعر ذاته وفيها رسم صورة عنه، وننتقل إلى نواح أخرى حتى نستكمل الصورة.       

          التسميط

" ايامها ألق، عطاؤها غــدقٌ                وفوحها عبقٌ في عز تشرين" ص5.

 

" ظلت لنا أملاً تحلو لنا مقلاً                تروي لنا عسلاً كل الأفانين"  ص 11.                          

 ألأصداء القرآنية

               قول الشاعر                           ألآيات القرآنيّة

" الله بارك في تيني وزيتوني" ص5         " والتين والزيتون وطور سينين"  1/التين

" يا عتمة شعلت في قلب مغبون" ص7         " واشتعل الرأس شيبًا"  4/ مريم

" وموسم الوحي يعلو طور سينين" ص9           مرّ في الاقتباس الأول  

" فيم عيونك من ذكراها" ص58                  " يسألونك عن الساعة أيان مرساها                             فيمَ أنت من ذكراها "42/ النازعات

" فالجنة من فوق الأنهار" ص 61      " جنات تجري من تحتها الأنهار" 89 /التوبة                                                                                                                                         "بعضًا مما حق بي القول " ص 68        " فحق عليها القول فدمرناها تدميرا" 18/

                                                                                          الإسراء                                                                                                             

" قل جاء الحق ..." ص69        "وقل جاء الحق وزهق الباطل..... " 81/ الإسراء          

                                                                             

" أشرح صدري" ص 72                         " ألم نشرح لك صدرك" 1/ الشرح

                                                           " رب اشرح لي صدري" 25/ طه

" في غيابة الهباء" ص82                      " وألقوه في غيابة الجب" 10/ يوسف                                    

  استـلهام التراث

" وعين غزال/ جامدة العينين ظلت في المكان" ص 18 من قول الخنساء في رثاء صخر.

       أعيني جودا ولا تجمدا             ألا تبكيان لصخر الندى"

" زادا بلا معاد"ص 19- مستوحى من عنوان كتاب لابن الجوزي " زاد المعاد في هدى خير العباد". 

   " لكن رؤوس الأصحاب، أراها في مشهد ذعر متصل / رأس حسين مقطوع في ذهل" ص 28. والإشارة واضحة الحسين بن علي الذي قُطع رأسه في كربلاء.

   " الموت الأصغر" ص 32 من الحديث " النوم هو الموت الأصغر" أو كما قال:

 " باسم الشرف/ راقت على جوانبه / أنقى دماء" ص 44 مستوحى من قول المتنبي:

  " لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى           حتى يراق على جوانبه الدمُ "

" أن تنطح سوري" ص54 مستوحى من قول الشاعر:

  " كناطح صخرة يومًا ليفلقها                   فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل"

وعلى حد تعبير جبران السابق، فالجواب هو ما لم يقله الشاعر.

" أعدى أعدائك أدنى" ص 65 مستوحى من قول الشاعر:

" أعدى عدوك أدنى من وثقت به          فحاذر الناس واصحبهم على دخل"

" فاحذر ألفًا/ واحذر مرّة" نفس الصفحة - ص 65- مستوحى من قول الشاعر:

              احذر عــدوك مـــرة            واحذر صديقك ألف   مرة

              فلربما انقلب الصديق   - م -   فـكـان أدرى بـالمـضــرة

"أطعم نفسه / بالجوز الفارغ" ص79  مستوحى من المثل الشعبي الدارج " مطعم حاله جوز فارغ" و"كان يومًا كان" ص 80 من القول الشائع " كان يا ما كان".

   " تخرج جنيّات الألوان عرايا" ص 106 سبق للشاعر أن جاء بهذه الصورة بشكل مغاير في مجموعته " لما فقدت معناها الأسماء" ص 19 قوله " جنيّات تظهره في عري أبيض" من قصيدة الماء المجنون والتي فيها تشابه مع قصيدة niagara falls رغم اختلاف مضمون كل منها، والقصيدتان تتحدثان عن الماء.

" أفواج الماء" ص 113 نعيد بيت البحتري للتذكير فقط

 تنصب فيها وفود الماء معجلة           كالخيل خارجة من حبل مجريها       

 القلب - العكس

" قطرات الطل ... طلات القطر" ص 66.

" أصوات الألوان، وألوان الصوت" ص 107.

" يعدو الماء بنا، نعدو بالماء" ص 110.

    العروض والأوزان

                             

   كان بالإمكان دمج هذه النقاط ضمن نقاط الضعف التي ذكرنا ولكن أخرناها عمدًا لذلك نقول: بالرغم من اجادة الدكتور التوقيع على الأوزان إلا أن الفارس يكبو به فرسه أحيانًا كقوله:

ورد في ص 27ــ 28 - داخل الإطار:

 

             " والموت صمّــاءٌ بلابـلــه               في سكـتة قد عـافها ثــغـرُ

                في جذوة الوعد  بأصواتــنا               مات الــرجا   والحلم   العطرُ

 

                حـيــاتـنــا أسطورة مـرّة           لقـارئ حــروفــه الدهــرُ

 

                في كل تسبيلة عين عمـى                   في دربها لا يهتدي فـجــرُ "

     البيت الأول يمكن قراءته على "الكامل الأحذ " أي عروض حذاء وضرب أحذ مضمر". وبسبب إضمار تفاعيله السباعية كلها يمكن قراءته على السريع الرابع " ضرب أصلم" الذي رفضه قسم كبير من العروضين لامتناع " خبن فاعلن" في عروض السريع" كما يرون، لأنها تخرجه من السريع إلى الكامل، وقد أجزناه بشروط في كتابنا " العروض الزاخر واحتمالات الدوائر"، وعند تأمل باقي أبيات شاعرنا نجدها من السريع كلها وعروضها " فاعلن" وضربها " فعلن" مفعو" ولا يوجد سوى البيت الأول عروضه " مَعُلا = فَعِلُن" بكسر العين وفي هذه الحالة، في البيت الأول خلل في الوزن، وهو صحيح إذا أفرد لوحده. وبهذا نختم.

* الكتاب : إصدار المعهد العالي للفنون وبيت الكاتب، الناصرة 1998.

 

عودة للسابق