القدس في الشعر الفلسطيني في دراسة الدكتور فاروق مواسي

من التعميم إلى التركيز على المكان وقدسيته

 

بقلم نجاة أبو الحبيب

 

 

 

في بحثه عن القدس في الشعر الفلسطيني يلاحظ الكاتب والشاعر الفلسطيني الدكتور فاروق مواسي أن الكثير من القصائد لم تتناول أبياتها القدس كمكان، خصوصًا في فترات الصراع مع الصليبيين ، فيقول  : "لا تستطيع أن نقع على قصيدة مستقلة تتحدث عن قدسية المكان وعن معالمه أكثر من مجرد الاسم وإنما هي شذرات - يضيف د .مواسي جمل وعبارات مختلفة، بل كان من المتوقع أن نقرأ قصائد القدس في كتب "فضائل القدس" الكثيرة أو في كتاب "الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل" لمجير الدين الحنبلي، وفي كتب أخرى من هذا القبيل أو في كتب الرحلات وما شابه. وهي فترة يرى الكاتب أنه كان من المفروض أن تظهر فيها "قصائد تتحدث عن القدس ومكانتها الدينية".

استمر هذا الحال الذي سيظل عليه تناول القدس في الشعر حتى منتصف القرن العشرين، حيث تطغى "لغة التعميم وصف المشاعر دون وقوف حقيقي عند القدس كمكان ،وقد أستدل الكاتب على ذلك بقصائد للشعراء: خليل مطران في قصيدته "تحية للقدس الشريف"، وقصائد أخرى لعلي محمود طه، وعمر أبو ريشة، وأبي سلمى ، وإبراهيم طوقان في قصيدته "القدس" .

ثم وبعد أن  عُرفت القصيدة الحديثة في النصف الثاني من القرن العشرين تطور الشعر على مستوى الشكل والمضمون ، حيث أصبحت القصيدة  تتناول قضايا جزئية أو معينة بشيء من التخصص والتفصيل .

 يعتبر الدكتور فاروق مواسي قصيدة  أمين شنار  وقصيدة "زهرة المدائن" التي غنتها فيروز من كلمات الأخوين عاصي ومنصور رحباني بعد الهزيمة العربية سنة 1967، وقصيدة "القدس" لنزار قباني أنها بداية حقيقية لـ"قصيدة القدس " إضافة إلى الشاعر الفلسطيني أديب رفيق محمود المزداد بعنبتا في 1933، من خلال قصيدته الأولى عن القدس بعنوان "كلمات بالأزميل على سور القدس" وما تضمنته من صور شعرية تنفذ إلى عمق القدس في مشاهد وأحاسيس تستنطق التاريخ وتهزه بعنف وبتمرد كقوله:

لست من قيس

ولا خزاعة

أنا الطريد

والخليع والمعبّد

المنفي

في بلادي الضيعة

ثم ينفخ الحياة في الذكرى بإصرار عنيد:

هلا

عرفت ما

أريد

أريد أن

أكون صادحًا كما

الكناري

أريد أن أكون ضاحكًا كما

الوليد

حريتي هي التي أريد

وبالإضافة إلى القوة التي تميزت بها أشعار أديب رفيق محمود بدأت "القدس" تحضر موضوعًا ومكانًا عند شعراء آخرين أمثال الشاعر إدمون شحادة، وفدوى طوقان  ، حيث أشار الكاتب إلى كون الشاعر إدمون شحادة المسيحي الديانة قد استلهم في شعره رموزًا إسلامية، وكذلك فدوى طوقان المسلمة، استعملت هي الأخرى رموزًا مسيحية في قصيدتها "إلى السيد المسيح" ، كما استعمل الشاعر محمود درويش رموزًا تتعلق بتاريخ اليهود ليلبسها التاريخ الفلسطيني في ديوانه "أحبك أو لا أحبك".

ويتابع الدكتور فاروق مواسي اقتفاء تطور قصائد "القدس" ليقف عند الشاعر مظفر النواب في " وتريات ليلية" باتهاماتها الشهيرة للعرب، والتي يقول فيها:

 القدس عروس عروبتكم

فلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلى

حجرتها

ووقفتم تسترقون السمع وراء الأبواب لصرخات بكارتها

وسحبتم كل خناجركم وتنافختم

شرفا

وصرختم فيها أن تسكت صونًا

للعرض

فما أشرفكم

... هل تسكت مغتصبة؟

وهي القصيدة التي خلفت توجهًا جديدًا للشعر الفلسطيني سار على نهجه شعراء آخرون مثل فوزي البكري، والمتوكل طه، وسميرة الخطيب، كما عرفت " قصيدة القدس " استلهامًا للتاريخ لدرجة قوية عند بعض الشعراء مثل سميح القسم في مناداته للقدس باسمها الأول "يبوس" - للتدليل على أحقيقة العرب في هذه المدينة.

    ويخلص مواسي إلى القول بأن "القدس أصبحت موضوعة شعرية ورمزًا فلسطينيًا قوميًا، يستخدم الأماكن المقدسة، ويستلهم التاريخ للتأكيد على حق الفلسطيني في مدينته ووجوده، ومشيرًا إلى أن ما يسمى "فضائل القدس" لم يستثمر في الشعر لا على الصعيد الديني ولا على الصعيد الوطني.

إن كتاب الدكتور فاروق مواسي "القدس في الشعر الفلسطيني الحديث" دراسة عميقة حاولت أن ترصد المراحل التي مرت منها قصيدة القدس وأهم التحولات التي أثرت في مسيرتها، لذلك يبقى هذا المؤلف من أهم المراجع التي تغري بالعودة إليها مرات عديدة للاغتراف من معينها الذي لا ينضب.

 

عودة للسابق