ملاحظات علي ديوان

(ما قبل البعد)

للشاعر د.فاروق مواسي

 

بقلم عبد الناصر صالح

 

*الملاحظة الأولى:

تتعلق هذه الملاحظة بالعنوان، إذ يظهر لأول وهلة، أنه ليس شاعريًا، لكن عند التدقيق فيه نلاحظ أنه شاعري وموحٍ، لأنه يقوم في مفهومه على الحركة، والحركة تدور في الزمن، ولكل لحظة ما بعدها إشارة لمرور الزمن، ولعلّ البعد هنا هو الذي يحدد قبله، أي أنه المطروح أولاً، أو باختصار أن لكل بعد قبلاً.

*الملاحظة الثانية:

اتساع رقعة القضايا التي تشغل الشاعر، وعلى رأسها القضايا الوطنية التي تصدّر الاهتمام بها في  الديوان، وبالإضافة لذلك ، فهناك قصائد ولمسات ذاتية كثيفة ومعمقة، ويرتفع فيها مستوى الشعر.

غير أن الفصل بين الوطن والذات لم يكن كاملاً ،  بل كان هناك تداخل بين وجهي المسألة.

والجميل في المسألة أن الشاعر ينصرف إلى نفسه حتى وهو ينصرف للخارج، وأبرز مثال على ذلك قصيدته الرائعة (قيسارية) ص 26.

*الملاحظة الثالثة:

ارتفاع مستوى الشعر في هذا الديوان، رغم أن الشاعر معروف بغزارة إنتاجه.. وهي ملاحظة هامة يجب أن ينوّه بها، لكنّ الارتفاع في المستوى لا ينسحب على كل قصائد الديوان، وإن كانت تنطبق على معظم قصائد لديوان؛ ولعل النجاح كان حليف القصائد القصيرة على وجه الخصوص .

***

من القصائد الجميلة الأولى (نقوش على ترنيمة الأقصى)، هنا يمضي إيقاع  العروض والدلالة معًا ،  فلا يتقدم أحدهما على الآخر. وهذه المطابقة تشكل حالة الاتزان المركزية في القصيدة. إن الشعر ليُجرّد مخاطبًا، وهو يطلب من هذا المخاطب أن يراجع أمرين (سيرتنا وسورتنا) :

إذا طالعت سيرتنا وسورتنا

تطل عليك صرخات المآسي غاديه.

هنا جمال الإيقاع على مستوى اللفظ والافتراق أو الانطلاق من قاعدة مغايرة على مستوى المعنى، فالسيرة (سيرتنا) - تفيد التراكم والاستقرار، والسورة تفيد الاحترام والانطلاق والصراع ، وفي ذلك إشارة للانتفاضة . إن شاعرنا  بعدها يقفز مباشرة إلى غرضه.. إلى الأقصى - (ومسجدها يظل الذكر والذكرى) ص9

فالذكر هنا فاعل ،  وذو تأثير راهن، والذكرى  نقطة إثارة انفعالية تربط الماضي بالحاضر. وبعد الإشارة نصل إلى حالة داخلية، فالوجد التاريخي المستقر هناك في أماكننا المقدسة يستدعي وجدًا آخر منّا وتواصلاً ورعاية وهو ما استمر أبناء شعبنا يفعلونه على مدى السنوات.

إن الشاعر ليتحد ويخرج إلى التصريح، فهي مسألة لا ينفع فيها الإيحاء أو البوح، وإنما تحتاج إلى المصارحة والهاتف، هذه مقدساتنا فانظروا ماذا يفعلون بها.

أما المعنى الأجمل الذي يربط بين المستويين فهو:

(عليها بقعة حمراء

إذ تنداح تصبغ في  مرائرنا) ص 9- ص 10

هنا يتم الربط بين المستوى الانفعالي الباطني والمشاعر المثيرة لحبنا لمقدساتنا، وبين مستوى الفعل، أو كيف ينطلق ذلك السهم السحري من نفوسنا باتجاه الدفاع عما نحب، وللإشارة يذكر الشاعر ما يفعله المحتل بهذه المقدسات وهو يقدم إدانة واضحة للذين يعتدون علينا . إنه يفعل ما  يفعله بنا، فيأتي الشاعر ليُسقط مزاعمه ويسميه بحقيقته .  فكيف  يزعم أنه إنسان وهو يحمي نفسه بالنار والطاعون؟

إن شاعرنا يرى أن النصر للحق والأصالة، لصبرنا وزيتوننا رمز الصمود والامتداد.

على أن لي ملاحظة على القافية وهي تخص الكثير من قصائد د.مواسي، وأقصد بها وَلَعه بالقافية السكونية المغلقة، وسأقدم أمثلة على ذلك أن الانشداد إلى القافية يجعلنا نفتقد الليونة ،  وأحيانًا تكون هذه القوافي غير متوقعة.

ففي ص18 نراه يستخدم القافية- غاديه، فاديه.

ومثلها ص 10 (فلاشاهم، دناياهم، رزاياهم) على أن الذي يحسب للشاعر هو عدم التزامه بالقافية  -كما ورد في هذه القصيدة، مع أنه يتمسك بها. ففي القصيدة الثانية القدس، قصيدة أخرى هناك قافية واحدة تستمر على طول القصيدة (الآفاق، الأشواق، الأعلاق، الخفّاق عناق)

بمعنى أنه ليس للشاعر موقف واضح أو قناعة واضحة حول استخدام القافية ابتداءً وتواترها ثانيًا. أقول ذلك لأن للبنية الإيقاعية المركبة للزمان والمكان (زمان القصيدة ومكانها) في النص الشعري المعاصر، علاقةً واضحة بالبنية الدلالية للقصيدة ، لأن العمل الشعري متكامل ويلعب الزمان والمكان دورًا هامًا في بنية فضائه، وإهمالها (أي إهمال البنية الإيقاعية) يفقد النص التجانس والتكامل، إن في هذه القصيدة انسجاما بين الوقفة والدلالة، رغم وجود بعض الاستثناءات).

أما المواقف من القافية فتتمثل فيما يلي:

أ‌)       الاستغناء عنها نهائيًا.

ب‌) المحافظة على وحدة القافية والرويّ.

ج‌)   المحافظة على وحدة القافية دون وحدة الروي.

والمراجعة السريعة للديوان تُظهر أن القصائد في معظمها تقع بين (أ, ب) أي إما الاستغناء عن القافية أو المحافظة على القافية والروي. والقصيدة الثانية خير مثال على النوع (ب).

( غاديه، فاديه، ورد، شهدا، يشجيه، تناديه، تناغيه، تنجيه..الخ)

إن للتمسك بالقافية والرويّ دلالة تشير إلى التمسك بشيء من الصورة الأولى للشعر التقليدي. على أن القصيدة الثالثة (محمود كبها) تشير إلى حالة وسطية، فهناك اليمنى واليُسرى) من جهة. وهناك (دقائق وحقائق) من جهة أخرى. ففي الأولى التزام وفي الثانية التزام.

***

يشير اسم (قيسارية) عند كل زيارة جديدة إحساسًا لدى شاعرنا يدفعه لأن ينظر داخل نفسه.. عندما أذهب إلى قيسارية ترتدّ إلي ذاتي وامتح من بئرها السحيقة ظلمة النجوى الغريقة.. إشارة إلى مناجاته للبحر تشابه مع قصيدته (الشيخ والبحر) -  أي أن قيسارية ترد له ذاته التي تختزن قيسارية، والأجمل هذا الاختراق باتجاه مستوى أعمق:

(عندها تأتي مساءات تجلّت

تلتقي

  كصديق وصديقة)

لقد تحدّث عن قيسارية دون أن يذكرها بالاسم، دون أن يشير إليها إشارة واضحة إلا في العنوان.

(عندها تأتي مساءات تجلت)

عندها تعود إليه الذاكرة بكل تراكماتها، يذكر كل تلك الزيارات المتبانية المتشابهة، أما التعبير الأجمل فهي أنها بسبب هذا التباين التشابه يتلقى كصديق وصديقة. أي أن بعضًا منه كان يبقى في قيسارية في كل مرة يزور فيها قيسارية ،  وها أن بعضه صديق لبعضه. ولعلنا نلاحظ توالي الأفعال في الوسط والمرونة هنا بعيدًا عن سطوة القافية رغم جمال القافية في الختام.

***

في قصيدة عكا ص27 نجد هناك الصورة الجميلة التي تمثل محور القصيدة كلها:

(يسأل عن عكا في عكا)

في هذا إشارة للضياع تقابله المرأة التي تمثّل الصمود:

(ترنو للضوء الممتد

المشتد)

ومن الامتداد إلى الاشتداد صورة جميلة للصمود لعلّ القافية هنا ضرورية:

(عكا امرأة عَنَستْ

لم يلمسها رجل حتى الآن

ترنو للضوء الممتد المشتد

وما يئست).

 

عودة للسابق