خاطرتي والضوء أو نبضات الشاعر مواسي

 

 

د. بطرس دلة
كفر ياسيـــف

 

الدكتور فاروق مواسي إنسان متعدد المواهب فهو كاتب أديب، شاعر ناثر وناقد له إنتاج غزير في شتى المجالات، ويكاد يكون ذا مدرسة أدبية واحدة، ولكنه فوق ذلك كله صديق صادق تقوم بيننا علاقات عيش وملح ثقافية.
الدكتور فاروق يعيش في هذا الديوان الأجواء الفلسطينية بتعقيداتها ومشاكلها، ينفعل ويتأثر بالأحداث اليومية، فتخرج هذه النبضات، الانفعالات كما يتدفق النبع الصافي الفضفاض في فوران دائم، لا يهدأ. فهو كما ذكرنا غزير الإنتاج، غزير المعلومات فياض إلى أقصى حدود الفيضان والعطاء. وهو يكتب كما جاء في مقدمة هذا الديوان طلبًا للحياة، حياة الخلود "ولكي لا يموت"! ونحن نعرف أن كل من يكتب إنما يبتغي الخلود في ما يكتب. وقد لمسنا ذلك في جدارية كبير شعرائنا في المنفى الشاعر محمود درويش ، وذلك  عندما يتحدى ملاك الموت قائلا:  سأهزمك يا ملاك الموت لأنني خالد في كتاباتي وإبداعي ،  وأنت لن تقوى علي!
فكذلك كل الشعراء والمبدعين أقوى من كل ملائكة الموت في كل مكان بإبداعهم وأدبهم.

* فاروق عاشق الحزن أم محترفه ؟
منذ مطلع الديوان وفي قصيدته التي يعلن فيها حبه لفلسطين، يحاول الرد على الدعاية الصهيونية التي تقول: نريد فلسطين لأنها أرض بلا شعب لتكون أرضًا لشعب بلا أرض! هنا يثور شاعرنا على أوضاع الوطن، فلسطين إلا أن ثورته هادئة لا هياج فيها ، بل  تصل ذروتها في طرح السلام على أحزان المحزونين ،  وذلك عندما يبكي على أطلال القرى المهدومة - التي هُجّر أهلها متخذًا قرية عين غزال مثالاً لها ،  حيث يقول:

يا أهلها أهلنا يا طير منزلها
                                   اقرأ سلامي على أحزان محزون
ما زلت اذكرهم في الدار في حلق
                                  هذي تنادي،     وهذا واجم دوني
      (ص 6  )
وإذا ما كان يبكي دوما لأصحاب الهوى فإنه اليوم، بات يبحث عن النائحات النادبات على أوضاع قرانا المهدومة بقوله:   (ص 7 )   :
قد كنت أبكي لأصحاب الهوى زمنًا
                                         فهل لي الآن من باكٍ فيبكيني؟!

ثم يتابع مستعرضًا مآسي الشعب العربي الفلسطيني فيعددها منذ النكبة، مرورًا بكفر قاسم ويافا وحيفا وشط البحر و... ويستنجد ببطولات.. صلاح الدين. كل ذلك لأنه يحب وطنه فلسطين ، ويحترف الحب والحزن معًا، يقول في ص 30 :

 كم كنت أوثر أن يمتد بي زمني     حتى أرى زمني يُكوى فيشفيني

 حتى أرى قلبي الظامئ ببهجته        يراقص الفجر أفراحًا فيبكيني

وتنتقل به الذاكرة مرة أخرى  إلى عين غزال، فيبدو حزينًا ،  لأنه عاشق لهذا الحزن ،  ولا يأمل على المدى أن يبرعم الصدى، ففي قلبه لوعة المدى ،  واليأس القاتل من إمكانية إصلاح الحال: يقول في ص 26-27 :
هذي الدنيا

 رغم بهاء حسان فيها

 رغم وداعة أطفال

 أو عزم رجال..

هذي الدنيا لا جدوى لا تبقينا

 بل تبقى مكتظه

بكوابيس الرعب تسمى موتا

 ورحى عشوائية...

في جذوة الوعد بأصواتنا          مات الرجا والحلم والعطر

 حياتنا    أسطورة  مرة           لقارئ    حروفه     الدهر

* فاروق الذي يحب الحياة:

 إذا قلنا في الفصل السابق إن فاروقًا احترف الحزن و/ أو عشقه، فإن له مواقف أخرى حيث يتركه عشقه واحترافه للحزن ، فيتشبث بالحياة التي يحبها على ما فيها من صخب، وجلبة وبناء وشراب وعشق وآمال....... مع أنها في لحظة تنهار تلك الفاتنة.
الدنيا يا الله

 ما أطيبها؟!

ما أعذبها؟!

 نأكل نشرب نعشق. ندرس. نرقب. نسمع

 نبني آمالا رحبــه

 في لحظــه

 تنهار الفاتنة المفتونه

 هل تعرف هذي المجنونــه

 أن حصان الموت يقود العربــه

 لمدارات الموت؟!                                              ص 29-30.

* فاروق الواعظ:

 لا ينسى شاعرنا أنه معلم في المدارس الثانوية ،  وكيف ينسى وهو الذي كرس شهورًا في إعداد كتب التدريس، تدريس الأدب العربي شعرًا ونثرًا في كتابيه المشهورين "الجَنَى في النثر الحديث" و "الجنى في الشعر الحديث"! لذلك ينطلق في نقد المجتمع الشبابي الذي لا يقرأ ولا يطالع.... فيغضب ويصب جام غضبه على الشباب الفتوة الأقوياء جسديًا لأنه يريدهم أقوياء روحيًا :
هذا جيل العجب

 جيل الشهوات... اللذات.... الطرب

 والأغلب،

جيل لا يعرف طعمًا للكتب

 قلت، وفي غضبي  :

يا فتيان العصر (حاشا أن أعني كل الفتيان)

 من دون فتوة

 اهتموا بالشَّعر

.................                                 ص 38-39.
ثم يعدد مظاهر الشباب وسلوكهم في تقليد الغرب بقشوره:

خلوا الأقراط

 تتدلى في الآذان

 بل تكفي في أذن واحدة

 تزدان

 وقميصك يا عيني ضيق

 افتح أزراره....

 البس أضيق بنطال

 احمل خلويًا في يدك الأولى

 واستر سكينك ما أمكن

 انتعل الكعب العالي

 يا ارض اهتزي

 يا أمـــه..

لا تنس العلكة فتشدّق

 زمّر... زمّر...

 وارجع بسلامة ربك!
إ
نه إذن يهزأ من شباب (  اليويو )  ذوي القيم المعوجة التي يؤمن بها ،  ويمارسها هؤلاء الشباب، لذلك يدعو الأرض إلى أن تهتز معلنًا نقمته على هذه المظاهر.

* فاروق المدافع عن المرأة:

 يقف شاعرنا معلنًا نقمته على الأهل، وعلى المجتمع الذكوري الذي يحرم الفتيات العربيات حياتهن بحجة الدفاع عن الشرف، ويثير لواعج الشوق والأسى على من تلوّن فستانها بلون الدم وهي بريئة، حتى إن الشجرة مدت يدًا تصافحها ، بينما تحجرت قلوب الأهل ،  لأنها مست بشرف العائلة! فالأخ الحنون: كيف يؤدب أخته؟! إنه يؤدبها بالبلطة أو بالسكين أو يخنقها أو يشنقها .....أو بإعطائها سم الفئران !!    

ينتصر الشاعر للمرأة المظلومة مناقشًا المجتمع الظالم لها بتساؤله:

بأي دين تحكمون؟!

 من ذا الذي أعطاكم قرار موت

 يا أيها الطغاة

 بل أي رب تعبدون

 يا قاتلون                                                            ص 48-49 .

 فصلاتهم لن تُقبل إلا إذا توقفوا عن قتل المرأة بحجة الشرف الواهية.

* فاروق الصافي:

 في قصيدته "صباح الخير" يستهل شاعرنا يومه بمناجاة العامل والفلاح، بمناجاة أبنائهم/ بمناجاة الأرض والوطن، فهو عاشق مدمن على عشق الجبال، جبال الوطن والحياة! ومن يحب الوطن والحياة حسب رأيه هو أقرب الناس إلى الخلود، ذلك الخلود الذي هو من صفات الآلهة فقط!

هنا يسمو فاروق فوق الموت ويصبو إلى الخلود.. وفي هذه الصبوة شيء كثير من طيبة القلب وصفاء النفس ومحبة الآخرين! فالطير والشمس والأنهار والأشجار والحجارة، ليست لفلسطين فقط! وذلك لأنه يتجاوز محدودية التعصب للوطن إلى الانفتاح على العالمية ،  وذلك أن لكل دولة من دول العالم أرضًا وأنهارًا وأشجارًا.. الخ ....ولكنها في فلسطين الوطن تبدو أجمل وأروع بكثير مما هي عليه في الأوطان الأخرى، لأنه لا ينتمي إلا الى هذا الوطن بالذات فلسطين-  فلسطين التي هي موئل الشعراء والمؤرخين والدول المستعمرة الكبرى.

      لغة فاروق الفنية:

المطالع للديوان لا بد أن تستوقفه بعض التعابير الجميلة عندما يلجأ الى المحسنات اللفظية كقوله مثلا  :                      ص 11

فرسان الماء تحاول أن تغمرنا

 يعدو الماء بنا

 نعدو بالماء

 ويرش كل لحون الزمن

 فوق مدى يتبع أصداءه

فكيف تكون رشرشة لحون الزمن هذه؟!
ثم ينتقل ليرى عظمة الخالق وجبروته أمام تضاؤل الإنسان بقوله:
أكثر من شريان للعظمـــه
أكثر من مرآة لله
يطل وراء الأكمة
يضحك فجأة
ينظر ساعته المائية
                                                  ص 111-112.
هنا تكمن عظمة المقارنة بين صخب الماء المتناثر والمنصب بغير حساب وبين جفاف الصحراء العربية  - حيث العطش والحاجة إلى قطرة ماء أكبر بكثير من أية حاجة أخرى قد يحتاجها الإنسان عند الحاجة الحقيقية!
من الجدير ملاحظة أن  لغة شاعرنا هي من نوع السهل الممتنع، لأنه لا يلجأ الى حوشي الكلام، ولا يبحث في قواميس اللغة عن مصطلحات معقدة، بل يلجأ إلى لغة البساطة ،  فتأتي كلماته متوهجة شفافة، فيها الكثير من الجمال دونما صناعة أو فذلكة زائدة. ولذلك فإن قصائد هذا الديوان قريبة من نفس القارئ العادي، والقارئ الناقد كذلك!
ومع هذه البساطة المحببة يضع أستاذنا نفسه كشاعر في مصاف المصلحين الاجتماعيين والناقدين لسلوكات اجتماعية كما مر معنا ، فيرتقي إلى مستوى المفكرين المنظرين.... وهو لذلك يعتبر صاحب مدرسة نظرية معينة في الشعر والأدب ،  بحيث يتلاحم الشكل بالمضمون في انسجام رائع وجميل.
ومع ذلك ، ومع أن شاعرنا عضو في المجمع العلمي اللغوي العربي في إسرائيل، ومع أن لديه قاموسًا واسعًا جدًا من الكلمات والمصطلحات إلا أنه يلجأ إلى المصطلحات الأجنبية ، فيستعملها كما لو كانت عربية دون أن يكلف نفسه عناء ترجمتها إلى العربية... وهي متوافرة وسهلة ومفهومة للجميع ،  فمثلا يستعمل كلمة "الديسكو" ومعناها الرقص على أنغام الأقراص الفنية.
فهل استعمال ديسك -  مثلاً - أسهل من استعمال قرص؟ ومصطلح الستيريو أي التسجيل على أكثر من نغمة واحدة وهو جميل حتى بالعربية  ، حيث يوازي المسجل بين لحنين أو صوتين لآلتين أو أكثر في آن واحد. وأنا لا أعتقد أن هذه المعاني قد فاتت أستاذنا الكبير الشاعر فاروق مواسي! فما هي حجته في ذلك؟!

 كذلك يلجأ الشاعر إلى لغة الخطاب من حين لآخر كما في حوارية الموت مثلا ص 32-33 حيث يقول:
"
فاغرب لا تندب

 لا تفتح أبوابك

يا من ساويت وما ساويت

 عفناك وعفنا شربتك المسمومــه

أو:

 

 حبّب نفسك في  ليلة عشق

 أو سَورة كأس

او أغنية خضراء...
فهو بذلك يجسد الإنسان المقابل ، وهذا لا يعيبه مطلقًا. ففي قصيدته ص 38-39 "     " مأهاة من جيل اليوم" -  يخاطب الشباب بلغة الخطاب المباشر في قوله:
يا فتيان العصر.. من دون فتوَّه
اهتموا بالشَّعر
لا تنسوا أصناف مساحيق أو صابون
أو (ديودورانت...)
وقميصك

 افتح أزراره

حتى تبدو في الحسن زيادة!
إن الخطاب قد يحبب النص الشعري كما ذكرنا ،  وهو أسلوب اتبعه الكثيرون من شعراء الالتزام والشعر الهادف.... لأنه أسهل من الحديث  بلغة ضمير الغيبة .
في قصائده يلجأ شاعرنا كما مر معنا إلى المحسنات اللفظية كالتشابيه والاستعارات والكنايات وغيرها. ولديه من ذلك الشيء الكثير مثل: يخضل الندى يقتات من عذابه المدى نداؤهم ينسل في شؤم ويثخن الزمان- أو يا برعم الصدى ويا لوعة المدى! كل هذه الجمالات الفنية تشير إلى أننا إزاء شاعر مجرب حافظ لقواعد اللغة ولبيانها وبلاغتها فيأتي إبداعه كجرعة النبيذ في مواسم الشتاء ،  تمتع الفم واللسان ،  وتشعل الدفء في البدن،  وتمتع الذهن إلى كل جميل.
إننا نشد على أيدي الصديق الدكتور فاروق مواسي متمنين له طول العمر ودوام العطاء، وإلى اللقاء في دراسة أخرى مع إبداعات جديدة قد يتحفنا بها في القريب العاجل ،  كما وعدنا.

 

عودة للسابق