كأس من عصير الندى مع الدكتور فاروق مواسي
بقلم : محمد رمضان
 

دخلت البيت الإلكتروني الجميل بلا استئذان، استقبلني صاحبه كأجمل ما يكون، خجلت من نفسي و أنا أسير بصحبة هذا العملاق الذي ملأت رياحين شعره كل خلايا الجسد الإلكتروني و فاح عبيرها فوق أرضنا الحبيبة، أمسك صاحب البيت بيدي، جلسنا سوية على كرسيين من عشب أخضر تحت خيمة من زيتون، طلب من العصافير أن تعزف "سيمفونية حبي فلسطيني" غنت العصافير و ما ملت، جاءت غزالتان تلبسان علم فلسطين، انحنت الغزالتان أمامنا و أنشدتا "قبلتي" لصاحب البيت، فأحسست كأنني في حلم، غير أن المضيف الكريم كان يشعرني دوما أنني معه، أنهت الغزالتان النشيدة الجميلة، و ما زالت العصافير تعزف الموسيقى، تقدمت نحونا غزالتان ترتديان ثيابا بيضاء، بيد كل واحد كأس من بلور، قدمت أحداهما كأسا لي و الكأس الآخر لصاحب البيت، شربت الكأس فوجدته أحلى من العسل، ضحكت الغزالة و قالت سأخبرك ما هذا؟؟ انه حليب الندى الممزوج بعطر و شهد البرتقال، أخذت الغزالتان الكأس و غادرتا. صحبني صاحب البيت في رحلة داخل بيته.

لا أدري لماذا كنت الهث و أنا أقرأ الأقواس الأخرى من سيرة الدكتور فاروق مواسي . ربما خوفا من انقطاع التيار الكهربائي اللعين في غزة و الذي يأخذنا على حين غرة فيقطع ما اتصل من حلو الكلام. و ربما لأنني كنت أحب أن أقرأ المزيد عن أستاذنا الدكتور مواسي و ذلك بعد زيارات عدة إلى بيته الإلكتروني الجميل و الهادئ كبحر فلسطين في زرقته و بهائه و عدم اكتفائي بما في هذا البيت من سيرته الذاتية و شوقي للمزيد من إنتاجه الأدبي و النقدي الرائع. كنت أحس أن شيئا ما يطلب مني الإسراع في القراءة، لإنهاء هذه المقاطع الجميلة و الأخاذة من السيرة و أقواسها الجريئة، مررت بالأقواس قوسا قوسا و خلال الركض كنت أؤكد لنفسي أنني سوف أعود لأقرأ هذه الكلمات من جديد، و هنا أطالبها- أي نفسي- أن تكف عن الركض و اللهث بهذه الطريقة الغير مبررة.

كانت الكلمة الأولى التي قرأتها هي تلك المستقاة من الإمام محمد عبده "إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد حُمل على الإيمان ، ولا يجوز حمله على الكفر". كانت هذه الكلمات كافيات لتبين لنا أي منهج رفيع يحمله الرجل و يسير عليه في حياته.

خلال قراءتي اللاهثة و الراكضة للأقواس في سيرة أستاذنا تذكرت يوم كنت أقرأ سيرة عميد الأدب العربي طه حسين في "الأيام" و ذلك من ناحيتين: الأولى قدرة هذا الكاتب على أن يأسر عقل و فكر القارئ و يشده للقراءة شدا و رغم أنفه، و لقد نجح الدكتور مواسي في هذا الجذب العنيف للقارئ بطريقة تكاد تكون ساحرة، و الناحية الثانية هي خوض أديبنا و شاعرنا لمعارك طاحنة خلال مراحل حياته مع العديد من ذوي الآفاق الضيقة و المحدودة، فهاهو أديبنا يخوض المعركة تلو الأخرى دون كلل أو ملل و ينتصر في هذه ليُرغم على دخول أخرى و بدون مقدمات أو حتى اعداد الخطط لخوض هذه المعارك.

و هاهو الأديب و الشاعر الفتى يدخل مسابقة القرآن الكريم فيفوز فيها بلا منازع و يرتقي و يعرفه القاصي و الداني. ثم انظر إلى الرجل و هو يقول : "سمحت السلطات - ولا يهم من هي - للعرب في الداخل أن يؤدوا فريضة الحج"، ما أجمل هذه الكلمات إنها هي هي التي نحب أن نسمعها و تهبط على قلوبنا كالماء البارد في تموز، و على آذاننا كقطعة موسيقى جميلة لا نود أن ينتهي عازفها أبدا. "لا يهم من هي" نعم... هي كلمات ذاك المهموم و المملوء حزنا حتى النخاع، يعيش وسط بحر الألم لكنه يستمر في حياته، يمارس كل طقوسها كما المعتاد، و لكن يعصره حزن يسكن دمه و خلاياه لا يعرف مداه إلا الله و هو و من جرب بإخلاص المرور في هذا النفق الكئيب من حياة أُرغمنا عليها و لا يجعلنا نزيد حبا فيها و برغم مرارتها و قساوتها إلا كونها في أرض الرباط المقدسة. ما أجمل الانتماء إلى الوطن بكل معانيه و صفاته تلكم الظاهرة أو الباطنة أو التي لا يعلمها إلا الله، ما أجمل الانتماء و أنت تودع حجيج البيت الحرام و هم يحملون ذنوبهم و معاصيهم و تجاوزاتهم و آمالهم إلى الله في بيته العظيم بمكة من القدس العظيمة.

و الأجمل من هذا هو هذا الارتباط المقدس بالأرض و رملها و بحرها و قراها و ترابه و غيمها و نجومها و شمسها، تراه يزهر مع كل نبتة، و يكبر مع كل زيتونة و يثمر مع كل برتقالة و يحزن مع كل أم تفقد وليدها، و يبكي مع كل طفل يفقد أباه، و يذرف دمعه مدرارا على الأندلس و قد جعلنا نزورها معه و نتذكر أيام المجد و النصر و الحضارة الأصيلة النابعة من أسس جذورها راسخة في الأرض و فروعها باسقة في عنان السماء، و ليست كحضارات حديثة لا تقيم لإنسانية الإنسان وزنا. و كأنه في أندلسياته يرسل لكل الكون و للمتشدقة من هنا و هناك أننا هنا و باقون هنا لا يزحزحنا ضعف عابر و لا وهن سائر، لأنه و في النهاية لا يصح الا الصحيح، و الصحيح و هو هذا الدين الخالد أو كما يقول أديبنا الفذ "في الدين - كل دين - بحث عن اليقين" و لقد وجدنا يقيننا في ديننا و هو يقين النصر القادم رأيتموه رأي العيان في قرطبة و أشبيلية و في كل مكان و لا يزال قصر الحمراء شاهدا لمن لا يصدقني.

هذا الانتماء إلى الدائرة الأوسع، و الخروج من ضيق المكان و حدود الزمان إلى الرحب من الأفق و الرحب من النفس و العقل لإدراك ما لا يدركه كثير، و هنا يكمن السر في جماليات أندلسيات الفاروق الرائع يضمنها الحب و العزة و المجد و النصر و التاريخ و الحضارة، و لعمر الحق أن في ذلك لرسالة أيما رسالة إلى الصغار في أمتي الذين يركضون وراء شياطينهم و أصنامهم يبتغون منهم نصرا والله ما هو بآت على أيديهم لأن الله كتب "لأغلبن أنا و رسلي".

في "نبوءة" انظر إلى الشاعر و هو يوغل في أصالة هذا الشعب و تاريخه و حضارته فيقول :
حتى نتجلّى في وادي الأنسِ السّادر
في موصولِ أصاله
عن شعبي الصابر .

و يقول في "الفوح" بما ينم ان التكميم و كتم الصوت لا يستمران خصوصا اذا كانا مسكونين بالحزن و الألم، و انظر إلى جمال التعبير في " بعذوبةِ صوتٍ مجروح"، فكأنما الضامن للانتشار هو الجرح، و لعمري ليس هناك اليوم على وجه الأرض جرح أعمق من جرح شاعرنا في وطنه و أمته.

لكني موقن
أن النشرَ يفوح
بعذوبةِ صوتٍ مجروح

و ما أجمل قبلة الشاعر، و هو يقبل حبيبته و حسب ما قال "لا يهم من هي" فالأهم هنا هو طعم هذه القبلة و رائحتها و هو هنا يفخر أن قبلته هذه مليئة بريحان الأرض وورودها و شذاها و ليس هناك أجمل من هذا العطر الآتي من مروج و غابات في وطن مرهف.

لكني أعرف
أن فمي أعطاكِ روائحَ ريحانٍ
ممزوج
بعذوبـةِ أنداءِ مُروجْ
أسرارَ الغابــه
ماذا قلــتِ ؟ !

و من الوطن الجميل الوارف إلى من يزرع في الانسان حب الوطن إلى الأم التي يكتب لها شاعرنا، فأجمل هدية من الأم هي كنوز الدعاء التي تمتلئ بها مناجم الصدر الحنون في الام العاشقة للوطن و للابن. و الأجمل من هذا كله و هو يصف سجاياها "بستان وفاء" ، كأنما لا يريد الخروج من بساتين الارض و الوطن الحبيب، فيصف امه بأنها بستان، بها كل صفات البستان الرائعة من الجمال إلى العطاء إلى الغناء و موسيقى الطيور و الرائحة العذبة الخلابة كما صدر الأم الحنون في عذوبته و عطائه الفياض.
وهداياها :
كنزُ دعاءْ
وسجاياها :
بُستانُ وفاءْ

أما ملحمته الرائعة " حبـي فلسطينــي" فهي تحكي قصة العاشق الولهان للأرض و التراب و الرمل و البحر و الزيتون و التين. و يؤكد في مطلعها بملكيته الكاملة للأرض التي أحبها.
الأرضُ أرضي وليس الشوقُ يَبريني
الشوق يحدو إلى حبّي ـ فلسطيني

ثم يتحدث بحزن يجعل دموعنا تجري و نحن نقرأ هذه الأبيات عن النكبة و التهجير و الطرد من الأرض الحبيبة. و يرد على كذبهم أن الأرض بلا شعب و هي المقولة المشهورة، و يدحض هذه المقولة الكاذبة [ان قرى كثيرة و يذكر أسماء بعضها كانت تعيش في رغد و هنيء عيش بين حدائقها الغناء و بساتينها المزهرة.
قالوا : بلادي بلا أهل ٍ بلا سكنٍ
يا بئس ما مكرتْ أوهامُ مأفون
فشرّدوها قرًى كانت برَغْدتِها
من بروةٍ، بصةٍ ، ميعار دامونِ
أنّى نظرتَ - مئاتٌ مثلُها نزَحَت
أمامَ ناظرِنا أطلالُ قاقونِ

و بعد فإنني أنتهي من زيارتي للبيت الجميل و لا أحب المغادرة، و عليه فإنني أستأذن أستاذنا المبيت ليلة أخرى في بساتينه الجميلة لنقطف من ورودها و أزاهيرها و عبقها الرائع لننشر بعضا من رياحينه على شاطئ غزة المحزون و الباسم معا و لا يزال. ودعتني الغزالات و العصافير و الأشجار بمثل ما استقبلتني به و غادرت المكان فرحا مسرورا.

محمد رمضان ـ فلسطين
عنوان المراسلة

تاريخ النشر : 20:06 14.08.04
 

 

عودة للسابق