الربط الوثيق ما بين الشكل والمضمون

حول كتاب " لغة الشعر عند بدر السياب ...."

بقلم:رياض كامل

 

يقسم الباحث دراسته إلى فصلين رئيسيين: الفصل الأول تحت عنوان "ظواهر بارزة في مبنى الجملة  ، أما الفصل الثاني فهو تحت عنون "اللفظة عند السياب".

في القسم الأول يتمحور البحث حول ثلاث نقاط أساسية تتشعب منها بنود ثانوية عديدة. أما المحاور الثلاثة فهي:

1-      أصداء قديم.

2-      بين القديم والجديد.

3-      أصوات جديدة.

وفي القسم الثاني يتمحور البحث حول أربع نقاط رئيسية متشعبة، هي الأخرى، إلى بنود ثانوية. أما النقاط الأربع فهي كالتالي:

1-      الظواهر البارزة.

2-      التقيد بالأصول اللغوية.

3-      التجديد في اللفظة .

4-      المزج بين القديم والحديث.

إن هذا التقسيم ضرورة تقتضيها الدراسة المنهجية غير العفوية، البعيدة، في معظم الحالات عن "التذوقية" والميول الذاتية للدارس، وهذا ما يميز البحث الأكاديمي والدراسة الجامعية التي تقيد إلى حد كبير العاطفة والميل-  كما ذكرت، مع ما في القضية من إيجابيات وسلبيات، ولكنه برأيي أمر ضروري علينا أن نتعود عليه، وإن كانت طبيعتنا الشرقية تميل دائمًا نحو الألوان المألوفة البارزة ،  وخاصة ما تعودنا على تسميته بـ "الأبيض والأسود".

لذلك فإني أظن  أن كثيرين ممن قرأوا هذه الدراسة كانوا ينتظرون كلمة تقييمية تذوقية تدور حول السياب وشعره ومكانته بين الأدباء العرب، والشعر الحديث خاصة، وإبراز دوره فيما اتُفق على تسميته "شعر التفعيلة" الذي شق طرقه إلى شعرنا العربي في أواسط القرن العشرين.

 لكن هذه هي حال الدراسات الأكاديمية، ثم إن البحث، هنا، يتمحور في "لغة الشعر عند بدر شاكر السياب وصلتها بلغة المصادر العربية القديمة"، وعلى الباحث أن يتركز في ذلك فقط، دون القفز إلى مواضيع أخرى.

من عادة الأبحاث في مثل هذه الحالة أن تكون مقنعة أحيانًا ،  وأن تكون أقل إقناعًا أحيانًا أخرى. ففي الفصل الأول من البحث وفي حديثه عن "تأثير القرآن على السياب" يرى الباحث أن هناك تأثيرات في مجالات متعددة : في الأسلوب والتعابير والمضمون ،  وفي الأجواء القرآنية والإيحاء، وفي ألفاظ قرآنية بارزة. وهو يسوق، لإثبات ذلك، أمثلة عديدة من القرآن الكريم مع مقارنتها بنماذج من شعر بدر السياب. وإني أرى أن المجالات التي ذكرها الباحث فيما يخص الأسلوب وبالتحديد في التكرار والتمني والاستفهام والقسَم واستعمال المفعول المطلق والأسلوب القصصي... واستعمال " من الزائدة" لم تكن مقنعة تمامًا. فهذه الأساليب التعبيرية لا بد أن تتكرر لدى كل كاتب وأديب، قديمًا وحديثًا، وأن وجودها في القرآن الكريم كوجودها في أدبنا العربي القديم عامة. والكاتب لا بد أن يلجأ إلى مثل هذه الأساليب للتعبير عن مشاعره وعواطفه. ولذلك فإني أتفق مع الباحث نفسه وقد قال حول التكرار :

 "إنها ظاهرة تلازم شعر السياب، ولها أصول في القرآن، وعلى سبيل المثال ما ورد في سورة الرحمن، ونحن هنا لا نجزم أنه استفاد التكرار من القرآن مباشرة، بل نؤكد أن أسلوب التكرار وارد كثيرًا في القرآن، وربما كان له تأثير على الشاعر"  (ص18).

كما يؤكد الباحث في موقع آخر من البحث على أن "شيوع استعمال التكرار في الشعر الحديث لا يدعنا نؤكد التأثر بالموروث اللغوي، فظاهرة التكرار مألوفة في الشعر الغربي ،  وقد أُفيد منه الكثير" (ص87)، وإني أرى أن ما قاله الباحث حول التكرار ينطبق على بقية الوسائل الأسلوبية التي ذكرها وعددها.

وهنا أود أن أسجل نقطتين:

الأولى أن الباحث وقد اقتبس عن باحثين آخرين قدامى ومعاصرين رأيهم حول أهمية ظاهرة التكرار وأسبابها فإنه أفادنا كثيرًا وأقنعنا بأهميتها أكثر من مجرد ذكر الظاهرة نفسها، كظاهرة. (انظر ص 86- ص87). ثانيًا ان هناك اجتهادات خاصة بالباحث قد نقبلها او نرفضها، لكنها اجتهادات تدل على العمل الدؤوب والجاد الذي قام به.

ونحن هنا لا نستطيع أن نقسم اجتهادات الباحث إلى قسمين أو أكثر، ولكن لإيضاح ما أرمي إليه فإني سأسوق مثالين على ذلك: ففي ص 24 من البحث وفي مجال "المضمون" يقارن الباحث ما بين قول الشاعر:

" وبدا الموارى منهما فإذا هناك سوءتان

                                        وعليهما طفقا من الورق المهدل يخصفان"

وقوله تعالى: " فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة". فإننا نقنع تمامًا أن السياب قد تأثر فعلاً بقوله تعالى في القرآن الكريم. لكنه حيث يتحدث عن استعمال"من الزائدة" فإنه أقل إقناعًا. فاقرا معي!

 "استعمال (  من )  الزائدة وتكون مسبوقة بنفي أو استفهام كقوله تعالى "ما أريد منكم من رزق" (سورة الأعراف:21) والسياب يستعمل هذا الأسلوب في قوله: "ما لها من مرسى" (ص 21).

فكيف نستطيع أن نجزم، في مثل هذه الحالة، بأن الشاعر قد تأثر فعلاً بالقرآن الكريم؟

كذلك الأمر فيما يخص "تأثير الشعر القديم على السياب"، في مجال الأسلوب خاصة، وبرأيي أننا لا نستطيع الجزم أن ذلك كان بتأثير الشعر القديم، لكن لا نستطيع في الوقت نفسه إنكار ذلك التأثير، خاصة وأننا نرى أصداء الماضي في شعر الحاضر لدى السياب وغيره من شعراء القرن العشرين، ونحن نعلم، مسبقًا، مدى إعجاب الكثير من الشعراء المعاصرين بالشعر القديم وأسلوبه، إضافة إلى أن اللغة الشعرية القديمة قد عُرفت بجزالة ألفاظها، كما نعلم أن كثيرين من شعراء القرن قد قلدوا تقليدًا أعمى الشعرَ القديم وأسلوبه، وأن كثيرين مثل السياب قد دعوا الى التجديد دون التنكر للماضي ولغة الماضي. وعليه فإن دعوى  الباحث في مدى تاثر السياب بتراكيب من الشعر القديم مقنعة جدًا، وقد أعطى لنا الدارس نماذج عديدة مثل الدعاء بالسقي، على سبيل المثال، وقد ورد عند السياب في قوله:

"ألا يا منزل الأقنان سقتك الحيا سحب"، كذلك الأمر فيما يخص بـ  "  رعي النجوم "  ،  وقد ورد لدى النابغة الذبياني - "وليس الذي يرعى النجوم بآئب"، فورد عند السياب:

"وأرعى نجوم الظلام العميق" (ص43).

إن هذه المعاني وأشباهها تناسب الشعر القديم وأجواءه ، ولا تناسب أجواء القرن العشرين ولا عالمه .      

لسنا نشك أبدًا في مدى تأثر كثير من الشعراء بالصور والتشبيهات الكلاسيكية المألوفة، والسياب أحدهم، ولا بد أن يكون هو الآخر، قد استفاد من تجربة سابقيه.

إن مثل هذه المقارنة تتطلب اطلاعًا واسعًا وقراءة متواصلة متأنية، وهذا ما قام به الدارس فاروق مواسي، خاصة في إشاراته إلى "تضمين أبيات أو أجزاء من أبيات في سياق جديد" ص48.

إن هذا البحث لهو شهادة على مدى اطلاع الباحث على أصول اللغة وقواعدها ،  وقد لمست فيه ميله إلى التجديد في قواعد اللغة؛ وذلك  دون إغفال الماضي أو تجاهله، وقد لفت النظر اختياره لبعض الجمل والتعابيروالألفاظ غير المألوفة والمقبولة في معاجم اللغة، والتي لم يصنفها في إطار الأخطاء اللغوية .... إن مجرد الإشارة إلى هذه الظواهر يدل على الاطلاع على أصول اللغة وعلى الاستعداد لتقبل كل ما هو جديد شريطة أن يظل في إطار المعقول والمقبول.

 كما أن عمليات المقارنة مع آيات القرآن الكريم ومع أشعار العرب - القديمة والحديثة هي أيضًا شهادة على اطلاع الكاتب على موروثنا الأدبي من ناحية، وعلى العمل الجدي في البحث والتنقيب في طيات الكتب والمراجع على اختلافها من ناحية أخرى .

ان البحث كان في بعض المواقع جافًا حين اقتصر على مجرد مسح للظواهر الأسلوبية دون إعطاء تفسير لمثل هذه الظواهر، لكنه حين يعطينا تبريرًا لهذه الظواهر فإن البحث يكون أكثر حيوية وأقرب إلى هذه  الروح. ففي حديثه عن الجمل الإنشائية قام في البداية بعملية إحصائية مجردة، لكنه حين شرح دوافع استعمال مثل هذه الأنواع من الجمل، وأهمية هذه التعابير في هذه المواقع والمواقف أصبح البحث أكثر قابلية وجاذبية للقراءة والمتابعة والاستزادة.(انظر ص 63- ص 68).

يلجأ الباحث، أحيانًا، إلى الاستشهاد بآراء الباحثين والنقاد ،  وهذا أمر مألوف، بل ضرورة الباحث يقتضيها البحث الأكاديمي.كنت آمل أن يقوم الباحث بمناقشة هذه الآراء والإدلاء برأيه الخاص مع إثبات ما يدعيه، إن كانت هناك حاجه لذلك، فلنقرأ هذه الفقرة من البحث:

 "واذا كان عباس يرى أن تزاحم العبارة في الذهن نوعًا من المعاظلة، فإن بعض النقاد يرون في هذا التزاحم إثراء للتجربة وتعميقًا لها. وأيًا كان الأمر فإن الإفراط في الجمل المعترضة سمة من سمات شعر السياب وميزة هامة من مميزاته".(ص8).

إن ما هم الباحث أعلاه هو إبراز أن الجمل الاعتراضية من سمات شعر السياب، وكنت أتمنى على الباحث أن يعطي رأيه ،  فربما وجد أن هناك جملاً اعتراضية مقبولة وأخرى غير مقبولة، وذلك حسب المواقع والسياق الواردة فيه تلك الجمل، وبهذا يكون قد أتانا بشيء جديد ، أو كان بإمكانه أن يثبت أو يدعم أحد الرأيين.

ولنقرأه، أيضًا، في موقع آخر:

"ليس من شأننا هنا أن نبحث سلامة هذا الرأي بقدر ما نتوخى أن ندلل على بروز الظاهرة كجزء من أسلوب......."(ص96).

في الاقتباسين أعلاه يعلل الباحث عدم إعطاء رأيه بأنه لا ينوي بحث الأسباب والدوافع، وأن لا مجال هنا لبحث ذلك، وبرأيي أن العمل في مثل هذه الحالة سيكون جافًا بعيدًا عن العمق والدراسة ، وهو أمر لا ينطبق أبدًا على هذه الدراسة الجادة.

لكنه في استشهاده بسلمى الجيوسي وبآرائها حول استعمال النعت في شعر السياب لم يقبل برأيها، ودَعَم وجهة نظره بالبراهين. وهذا هو شأن الباحث الذي يأتينا بالجديد ويثبته في كتبه ومقالاته.

من أهم مميزات هذا البحث، برأيي، هو الربط ما بين الشكل والمضمون، وإلا كان البحث مجرد استعراض سطحي وعملية إحصائية جافة. ونحن نعلم أن هناك نقادًا حاولوا دراسة الشكل مفصولاً عن المضمون، وأن هناك من تناول المضمون مفصولاً عن الشكل؛  لكن التوجه الحديث يدعو إلى الربط الوثيق ما بين الشكل والمضمون ،  وهو من أهم مميزات هذا البحث، وإن كانت الصيغة الشكلية تطغى أحيانًا، وخاصة في الفصل الثاني من البحث ،  حيث جاء قصيرًا من حيث الكم ، وأقل عمقًا من حيث الكيفية. وإني لأرى أن عصب البحث، قد تركز في الفصل الأول من البحث أكثر مما رأيت في الفصل الثاني.

إنني كلما قرأت بحثًا كهذا توسمت خيرًا ،  وانتابني شعور بالغبطة والفرح ، خاصة وأنا أقرأ وأسمع محاولات نعي أدبنا المحلي، وكأننا نعيش في أزمة لم نعشها منذ أمد .

لم ندّع في يوم من الأيام بأننا وصلنا القمة، ولم نـدع في يوم من الأيام أننا نتسلق ذرى جبال الألب ،  ولم نصل بعد قمة إفرست. لكني أعجب وأفزع كلما قرأت هذا الصراخ وذاك العويل من على صفحات الجرائد والمجلات، في حين أن من يتابع أدبنا المحلي يلاحظ أن القدامى كتبوا وما زالوا يكتبون دون انقطاع، بل إن من توقف منهم لفترة زمنية عاد إلى الكتابة. كما نلاحظ أن هناك جيلاً من الشباب يحاولون شق طريقهم الأدبية، ولا بد من أن يصلوا. وها نحن نرى القصة والرواية تشقان طريقهما ليأخذا مكانهما إلى جانب الشعر. أما من يقيس الجمود بحسب مقياسه هو لمجرد أن فلانًا أو علانًا  لم يكتب منذ سنة أو أكثر -  ينسى هذا  أو يتناسى أن هناك فرسانًا جددًا في عالم الأدب ، فهو ينظر بعين واحدة، لا بعينين اثنتين.

وها نحن اليوم نشهد عددًا من الأبحاث الأكاديمية وغير الأكاديمية تصدر في الآونة الأخيرة، لتعرف طريقها إلى مكتباتنا وطاولاتنا.

وإني بهذه المناسبة أشد على يدي الأديب فاروق مواسي ، وأهنئه بصدور هذا الكتاب/البحث، لما فيه من جدية وجدية وإفادة. وأدعوه إلى تخصيص القسم الأكبر من وقته لكتابة البحث والدراسة ، لأننا في أمسّ الحاجة إلى نقاد وباحثين، وإن كنت أعترف أن الشعر مرض مزمن ،  والخلاص منه ليس بالأمر السهل.

فأحر التهاني للباحث الدكتور فاروق مواسي ،  وإلى مزيد من العطاء  ، وإلى مزيد من الأبحاث والدراسات.

(الناصرة)   

 

عودة للسابق