محاولة للولوج إلى عالم فاروق مواسي الشعري

 

 

..... يحمل عبق الأرض وهموم الوطن والإنسان ، ويعيش معاناة شعبه وعذابه ،  ويتألم لفراق الأحبة ،  ويحكي في قصائده آلامنا وأوجاعنا وجروحنا ،  ويطرز من خيوط الشمس كلمات الحب والعشق للمرأة وللناس الحيارى، إنه الدكتور فاروق مواسي أحد أسمائنا الأدبية المعروفة، ومن مبدعينا الذين رسخوا أقدامهم بثبات في تربة أدبنا العربي المحلي وثقافتنا الفلسطينية المعاصرة، وهو متعدد الاهتمامات والمواهب، فهو شاعر وناقد وباحث وكاتب قصة ومقالة وقارئ نهم ومثقف واسع الاطلاع ،  ومشارك في تأليف كتب اللغة العربية للمدارس الثانوية ،  ومحاضر في المعاهد التعليمية، ولذلك ليس من المبالغة أن ينعته صاحب مجلة >الحصاد< المحتجبة المحامي حسين الشويخي والشاعر عصام العباسي  بـ >كشاجم< الفلسطيني ..

وللدكتور فاروق مواسي عدد كبير وكم هائل من المؤلفات والأعمال والإصدارات في الشعر والقصة والنقد والبحث الأكاديمية والمقالة الاجتماعية - الأدبية، وقد حظيت كتبه باهتمام النقاد والباحثين والدارسين في الداخل والخارج  ، ونشرت الكثير من المقالات والدراسات عن شعره وأدبه ،  وقامت مجلة >الشرق< الثقافية لمؤسسها وصاحبها محمود عباسي بتكريمه وتخصيص ملفين لكتاباته وإبداعاته ..

يملك فاروق مواسي قاموسًا لغويًا مزدحمًا بالمفردات والألفاظ والتراكيب اللغوية التي تضج بوهج الحياة ، و هو يحقق التواصل بالقول الشعري ،  ويلجأ الى اللغة التي تسكن فيه ويسكن فيها، ونصوصه ذات خصوصية ورؤية متميزة ومتفردة وفتنة غير مألوفة ، وهي  تتسم بحساسية مرهفة ومفرطة وانفعال شديد وعاطفة جياشة وصدق تعبيري عفوي وألفاظ جزلة  وموسيقى ناعمة وعذبة، وفيها ألم وأمل، وحزن وفرح، وحزن وشوق، وشجن وأنين، وبكاء على الشهداء والأصدقاء ورفاق القلم والدرب والخندق الواحد، ونواح على أطلال قرانا المهدمة والمهجرة، وتحد للقهر والظلم والغبن والموت وتمسك بالحياة ..

وموضوعات فاروق مواسي تتنوع بين الذاتية والوطنية والسياسية والوجدانية والإنسانية والعاطفية والرومانسية الحالمة. والهم الوطني هاجس أساسي ومركزي في قصائده، والقضايا القومية والوطنية تتصدر اهتماماته، ويتجلى حبه وعشقه للأرض وتمسكه بترابها وصخورها وزيتونها وصبارها وانجذابه إلى تراثنا وجذورنا الكنعانية الأصيلة وإحساسه الواعي والعميق بالانتماء الفلسطيني، وروحه الشعرية المتوثبة، تتجلى في أزهى وأبهى صورها في قصيدته >حبي فلسطيني< التي تمتاز بالجمال والرقة والطلاوة وجزالة اللفظ ، وهي غنية بالبعد الوطني والإنساني وبالصور الشعرية الخلابة.. ويقول فيها :

 

الأرض أرضي وليس الشوق يبريني           الشوق يحدو... إلى حبي فلسطيني

درجت  فيها  صغيرًا     رمت مأثرة              من كل جد   من الغر الميامين

 شببت  فيها أنيسًـــا عاشــقًا   بلــدا          رغم العداء فطارت  . لي حساسيني

زروعها  من  جنان  العدن   أطيبها              الله  بارك  في  تيني  وزيتوني

 أيامها   ألق .  عطاؤها    غدق             وفوحها  عبق في  عز  تشرين

 قالوا بلادي    بلا أهل   بلا   سكن             يا بئس ما مكرت أوهام   مأفون

  فشردوها  قرى كانت  برغدتها             من بروة، بصة، ميعار    دامون

      

أنى نظرت مئات مثلها نزحــت              أمام ناظرنـــا   أطلال     قاقون            

يا أهلها   أهلنا   -   يا طير منزلها           اقرأ سلامي على أحزان   محزون

    

وشاعرنا فاروق مواسي عايش انتفاضة الأهل في المناطق الفلسطينية المحتلة ، وتمكن من ترجمة الواقع والفعل الانتفاضي إلى ومضات ونفثات غضب على المحتل ،  ورسم صورة حقيقية للشهداء الذين سقطوا دفاعًا عن الحرية والوطن السليب وتفوح من أجسادهم وأشلائهم رائحة العطور والطيوب ..

ولفاروق قصيدة استوحاها من الوضع المأساوي والحالة السياسية في عاصمة الفن والثقافة والحضارة >بيروت< التي لا تموت، وهي قصيدة تحفل بالألم والحزن والأسى المخزون في أعماقه وبالثورة العارمة التي تعصف في أحشائه جراء ما حل بهذه المدينة الجميلة من مأس ومصائب..... وتحولها الى بلد القتل والعنف وسفك الدماء والاغتيالات.. ولنسمعه يقول :

في لبنان وغول الموت يجوب الطرقات

يكمن في المنعطفات

نسر الرعب يغير على الأحياء

>وهنا لا ينفع مزمور أو آيات<

ينسى بلد الشعر ويكتب أشلاء

لغةً يُسمع صوت الغوغاء

وتقول إذاعة: "  لا تزال الانفجارات......"

وعلاقة فاروق بالمكان علاقة جدلية، وهو وصاف ماهر ،  وأوصافه دقيقة وغاية في اللطف والجمال ،  ويبرز ذلك بشكل واضح في >أندلسياته< التي كتبها من وحي زيارة إلى المدن الأندلسية الساحرة ،  ويصف فيها أماكن تركت أثرها على نفسيته وفكره وبصيرته ،  ويستعيد فيها التاريخ العربي ،  ويستوحي عبد الرحمن الداخل والخليفة الناصر وابن رشد وموسى بن ميمون وابن عبد ربه وابن زيدون ولادة والمعتمد بن عباد وجاريته وابن سهل و الزبيدي وابن هاني وبني نصير والزير وغيرهم.

والرثاء جزء وجانب هام في شعر أبي السيد، ومراثيه تنم عن حس إنساني صادق، بعيد عن الزيف والتصنع، في هذه المراثي يأبى الدمع أن يجف وتأبى العاطفة أن تتوقف، لأن الفراق قاتل وحارق، والحزن شديد على الراحلين، وقد رثى فاروق كل من الشاعر راشد حسين وخليل الوزير >أبو جهاد< وشهيد الانتفاضة محمود كبها الملقب >أبو جندل< والدكتور عبد اللطيف الطيباوي والمناضل فهد القواسمي ووالده الحبيب والشاعر والسياسي توفيق زياد والأصمعي وصديق العمر الأديب والمثقف نواف عبد حسن وغيرهم كثيرون.

فاروق مواسي شاعر عميق الإحساس بقضايا شعبه ومجتمعه وأمته ،  ويختزل كل ما في القلب والوجدان من نبضات ونفثات وخلجات شعورية ،  وكلماته هي كلمات محب عاشق للإنسان والحياة، وهو شاعر الحب والجمال والمرأة والطفولة والقرية والوطن والقضية والثورة على القهر والظلم والقمع، وقصائده قريبة الى الحياة اليومية، بمدها وجزرها وهبوطها وصعودها، ويغلب على مجملها التبسيط في الصياغة والأداء واللجوء إلى أسلوب >السهل الممتنع< وتوظيف الرموز والأساطير التاريخية واستخدام الاستعارات والتشبيهات والمحسنات البلاغية، ويأسرنا بإغراءات جمالية صامتة في رمزيتها وطاعنة في لغتها الحادة وإيقاعاتها المتسارعة وعلاقتها الدلالية، وبالتكثيف والتوتر والقوة المشحونة والانفعالات والقدرة الفائقة على الصياغة الشعرية ببساطة وشفافية ومرونة وعمق ، والحفاظ على السلاسة والنعومة التي تعطي كلماته قوة وزخمًا وأبعادًا فنية وجمالية، وتغور في سطوره الآمال المشرقة والعريضة بحتمية سطوع الشمس وانبلاج فجر الحربة والاستقلال........

 وأخيرًا أعطر التحيات وأصدق المشاعر للدكتور فاروق مواسي مع التمنيات له بمواصلة درب الإبداع والتعلق بناصية الحلم وأهداب الأمل.... وإتحافنا بإصدارات جديدة ..

عودة للسابق