مع السيرة الذاتيـــة للشاعر فاروق مواسي

 

بقلم:شاكر فريد حسن

 

حين نكتب عن الشاعر فاروق مواسي فنحن نكتب عن واحد من الأصوات الهامة والبارزة التي استطاعت أن تثبت حضورها في المشهد الثقافي الفلسطيني في إسرائيل بالمساهمات والإبداعات المتنوعة في مجالات الأدب الواسعة والمختلفة.

ينتمي فاروق للجيل الثاني الذي شارك بفعالية في النشاط الثقافي وإغناء الثقافة المحلية بالتجارب الإبداعية التي نعتز بالكثير منها ، ويمكن القول بأنها تضاهي التجارب الأدبية في الوطن العربي:

وقد أصدر الكثير من المجموعات الشعرية والقصصية والأعمال النقدية والبحثية والاجتماعية. وصدر له، حديثًا، عن دار الهدى للطباعة والنشر في كفرقرع كتاب "أقواس من سيرتي الذاتية" كان قد نشر بعض أجزائـه في "الاتحاد" ،  وجاء في (172) صفحة من الورق المتوسط الصقيل ، ويشتمل على مقدمة للشاعر وعلى صور ومشاهد من ذكرياته وسيرته الذاتية الحافلة بالعطاء الثقافي المنوع ،  والمشاركة الاجتماعية والأدبية والتربوية ،والسياحة الثقافية الخارجية واللقاءات الأدبية بالوجوه اللامعة في الحياة الثقافية العربية ،  ومتابعة الإصدارات والإنتاجات الأدبية الصادرة هنا وفي الخارج.

وحقيقة ، فهذه السيرة تستهوي القراء بأسلوبها البسيط المشوق الذي يحكي عن جزء من تجاربه الحياتية ،  وينقل الأحداث المرتبطة بهذه السيرة الغنية.

في السطور الأولى من الكتاب يحدثنا فاروق عن طفولته المعذبة البائسة ،  ويروي قصة ارتباطه بحركات الشبيبة الطلائعية... وتردده على بيت محمد السبع - الشاب المرهف المثقف الغاضب الهادئ الذي أسلم الروح بعد أن أعياه المرض، وبفضله تعرف على الشبيبة العربية ،  أخذ بيده إلى الاستماع للمحاضرات  ، والمشاركة في الندوات ومخيمات العمل.... ويتطرق فاروق إلى مشاركته في العمل السري ،  وإلى تأسيس جماعة "دعاة التقدم" لمقاومة الرجعية المحلية والحكم العسكري وكتابة الشعارات والمنشورات على الجدران، ثم مشاركته في نشاطات الحزب الشيوعي ومنظماته.... وحضور اجتماعات الخلية الحزبية التي كان يشارك فيها بشكل دائم المعلم والقائد نمر مرقس (أبو نرجس) الذي كان على حد تعبيره- شعلة نضال حزبي سياسي.

ويروي بعد ذلك صفحات من التربية والتعليم مشيرًا إلى أنه أنهى الدراسة الثانوية في الطيبة عام 1959 ،  ورشح نفسه للعمل في سلك التعليم ، حيث حصل على تعيين رسمي للعمل في مدرسة عسفيا للبنات ،  ثم نقلته الوزارة إلى مدرسة وادي القصب -  خور صقر في وادي عارة ، فمدرسة باقة الغربية الابتدائية ،  والتحق لاحقًا بالجامعة ، فحصل على شهادة B.A ...وما لبث أن انتقل للتدريس في ثانوية باقة - بلده.

ويكشف (  أبو السيد ) عن علاقاته بالمعلمين ،  فيذكر أن العلاقات كانت غالبًا ودية، رغم اختلاف الفوارق في الآراء، ولكنها كانت تصطدم أحيانًا بمناقشات ومشادات كانت تؤلمه.

وينقلنا فاروق في رحلة إلى عالم تجربته الشعرية ،  فيؤكد بأنها "رحلة شاقه بقدر ما هي ممتعة، فيها العزلة وفيها التواصل، مشيرًا إلى أن محاولاته الأولى في الشعر نشرت في "حقيقة الأمر" وفي "جريدة الحائط" التي كانت تعلق في ساحة المدرسة ثم في "المرصاد". ومن قصائده الأولى قصيدة "حلم السلام" التي كتبت على إثر زيارة قام بها للشاعرة الفلسطينية الكبيرة فدوى طوقان في منزلها في نابلس، ثم يصف لنا كيف  أصدر ديوانه الأول "في انتظار القطار" المطبوع في نابلس ، وكانت قصائده "منتقاة" ولغتها متميزة ، وقد كتب مقدمته أستاذه ساسون سوميخ. وحملت أشعاره أكثر من معنى، فالقطار مثلا يعني قافلة الجمال... وقد يعني المطر، وتتوالى دواوينه بالصدور فصدر  "غداة العناق" بقالب ( فورمات )  جديد في العام 1974. وديوان " يا وطني" عام 1977، وفيه قصائد من وحي يوم الأرض وديوان" اعتناق الحياة والممات" عام 1979 ،  وتعالج قصائده مسألة البقاء والثبات والرسوخ في الوطن رغم الممات، وديوان "إلى الآفاق" عام 1979- وهو معد للشبيبة والطلاب، وديوان "من شذور التعب" عام 1987 و "الخروج من النهر" عام  - 1989 وفيه قصائد "أندلسيات" التي كتبها بُعيد زيارة معالم وربوع وآثار هذه البلاد الساحرة الأخاذة ،  و "قبلة بعد الفراق" عام 1990 ،  و "ما قبل البعد" عام 1993 و "لما فقدت معناها الأسماء" عام 1995 ،  و "خاطرتي والضوء" عام 1998.

 ويتساءل فاروق عن معنى الشعر ويجيب :

 "إن القصيدة التزام إبداعي صادق تعبر عن الشاعر ،  وعن همومه وهموم مجتمعه، والشعر ليس هواية بمعنى ترفيّ ،  وإنما هو قدري ولغتي ومجتلاي، وإن أهم ما يميز شعري هو الصدق ، والرمز وارد في قصائدي بأشكالها المختلفة ،  وإنني أكتب القصيدة كلما حلّت الفكرة وخطرت الصورة".

وهو يؤكد بأن الأنثى لها حيز واسع في شعره لأنها- كما يقول- هي الرقة والجمال والعذوبة والأنس والصوت العذب الذي يسرّي على النفس، وهي المشاركة الوجدانية الأخاذة التي تعطي الرجل معنى التكامل.

ويعرض للندوات والمهرجانات الشعرية التي شارك فيها ، ومنها مهرجان لندن الثقافي بمبادرة رياض نجيب الريس ،  حيث  تعرف من خلاله على الكثير من أعلام الأدب في العالم العربي - ومنهم "نزار قباني ،  ومحمد عفيفي مطر ،  وبلند الحيدري ،  وأحمد مطر وغيرهم، ومنها كذلك مشاركته في معرض الكتاب الدولي في مصر بقراءات شعرية.

ويتطرق إلى الذين كتبوا عن نتاجه الشعري في الصحف المحلية، ثم يشير إلى أن هناك واجبًا يجب الاعتراف به وهو أن  صديقه وصنوهُ  في الأدب نواف عبد حسن القارئ المتميز كان قد عرّفه على مجلة "الآداب"، ومن خلالها تعرف إلى الأصوات العصرية الجديدة وإلى الأبعاد النقدية المختلفة.

ويخصص فاروق  فصلاً من هذه السيرة للحديث عن الهوية الفلسطينية في كتاباته الشعرية من خلال ذكر كلمة " فلسطين "  بصورة مباشرة  أو غير مباشرة ،  ا لتأكيد الانتماء والهوية. وذكر الأماكن والمواقع الفلسطينية ورثاء الشخصيات الوطنية الفلسطينية وتوظيف الموثوقات الفلسطينية، وكذلك عن الهوية في كتاباته النثرية ، وذلك بمعالجته للأغنية الفلسطينية ،  ودعوته للحفاظ على الآثار الفلسطينية.

ويحكي فاروق عن قراءاته لأشعار فدوى طوقان وعبد الوهاب البياتي ونزار قباني وعبد اللطيف عقل ولقاءاته بهم والعلاقة الحميمة التي ربطت بينه وبينهم.

ثم يروي لنا رحلته النقدية التي بدأت في صحيفة "اليوم" و "المرصاد" بدراسة عن ديوان "موعد مع المطر لفوزي عبد الله"، وبعد ذلك في "الجديد" و "الأنباء" عبر زاوية "قصيدة وشاعر ، ويستعرض كتبه في النقد ،  وإقامة " الورشة الأدبية " - النقدية التي نشطت في الثمانينيات . ويحدثنا عن تجربة مثيرة ، حيث نشر زاوية أسبوعية في "الاتحاد" بعنوان "مداعبة/ معاتبة" تحت اسم أحمد منير ، وقد  كتب ست عشرة حلقة حول أدباء محليين.... وأثارت في حينه ردود فعل عاصفة... منها المؤيد ومنها الغاضب.

 كما يروي لنا عن مشاركته في مؤتمر النقد الأدبي السابع في جامعة اليرموك في الأردن.

ومن جهة أخرى يتحدث عن رحلته الأولى لأرض الكنانة ...ولقاءاته بالأدباء المصريين مبررًا في مستهل حديثه أن رحلته إلى مصر تهدف إلى السياحة أولاً، ويورد لنا تفاصيل زيارته ومشاهدته للأهرامات والنيل  "ميمون الروحات والغدوات "  والأقصر الشامخة ،  والأعمدة في الكرنك... وسد أسوان وآثارها الخالدة ،  والمتاحف المصرية ،  والمساجد التي تبهر الزائر والناظر بالفن المعماري، ومعالم القاهرة وأسواقها......

ويحكي عن لقاءاته بأمل دنقل وصلاح عبد الصبور و نبيل راغب ، وعبد العزيز الدسوقي وكامل السوافيري وفرهود السعدي ....وزيارته لمنزل العقاد ولدار المعارف ولدور النشر المصرية وتعرفه إلى يحيى حقي.

أما في باب " رحلتي في رحاب لغتي "  فيحدثنا عن قراءاته وإبحاره في مكامن اللغة واغترافه من كنوز التراث العربي ومن القرآن الكريم ،  ومساهماته في حماية وصيانة اللغة العربية ،  حيث كان قد نشر حلقات عن اللغة السليمة تحت عنوان "من أحشاء اللغة" في مجلة صدى التربية، ودوره في إعداد مناهج تدريس قواعد اللغة العربية في المدارس الثانوية.

ويتناول فاروق علاقته بالشيوعية ،  ويتحدث عن رمزين منها هما :  إميل حبيبي وتوفيق زياد ، منوّهًا إلى أن أبا عمر -  إبراهيم بيادسة  سكرتير الحزب في قريته  - هو من أكثر الشخصيات التي أثرت عليه بصدق عزيمته ووضوح رؤيته واطلاعه على الثقافة العربية والماركسية، ويواصل فاروق ليحدثنا بأنه  مواكب ومتابع لصحافة الحزب الشيوعي وأدبياته ونشاطه، كاشفًا عن لقاءاته وتعرفه إلى القائدين البارزين  حبيبي و زياد ،  موضحًا رأيه في كتاباتهما وإبداعاتهما.

والفصل الأخير من السيرة فهو مكرس للدكتور ماتي بيلد، حيث يلخص علاقته به ودوره في إرشاده وتوجيهه لنيل شهادة الدكتوراه ونشاطه السياسي ضمن الحركة التقدمية.

إن "أقواس من سيرتي الذاتية" هو كتاب شائق وغني بالروايات والحكايا والمعطيات والحقائق عن سيرة فاروق مواسي ،  وهو جدير بالقراءة ، بالإضافة إلى كونه يشكل إضافة نوعية وكمية لكتب السيرة الذاتية في المكتبة العربية، رغم ندرتها.

ومع التحية لأبي السيد نرجو له مواصلة الإبداع والعطاء -  بما هو مفيد وخير لمجتمعنا وشعبنا.

 

(مصمص) 

 

عودة للسابق