أنطوان شلحـت

 

طاقة الشاعرية عند فاروق مواسي

( حول ديوان  الخروج من النهر )

 

أول ما يمكن التوقف عنده في ديوان الشاعر د.فاروق مواسي  الخروج من النهر * ، الذي يضم ثلاث قصائد طويلة، هو تواتر المفردات المتعلقة بالحركة هذه الحركة غير المفرغة من هدفها واحتمالها مثل قوله:

لكن المظلوم تربّص / يتربص

وحصى الصاحي يقسو

كجبال ترسو

( ويقضقض عصلاً )

تتهاوى الأسنان الذئبيةُ

سنًا سنًا

والبُرتُنُ يدميه الصخر

والكف على الكف أكف أخرى

تجعل مخرزه مثلومًا

تلطمه، تكسره كسرًا

( الديوان ص 10 )

ثم تتواتر المفردات المتعلقة بالقتل مثل قوله في مخاطبة الباغي:

فاقتل لون الياقوت على الشفتين

واقتل دفئًا في العينين

فاقتل! في القتل سلام

(دباباتك طيّاراتك

تصحب غاراتك

والهيلوكبتر

كم صوّرْ!

- فاحفظ في الأرشيف-)

لاحقنا في كل مظاهرة نصرخ / ونغني

"  بكتب اسمك يا بلادي... "

وإشارة v   نصر يسطع مع شمس بلادي

تعرفها الشمس

فاقتل واقتل!

(الديوان ص 26 و 27)

وقصيدة "الخروج من النهر الظمأ ، التي استشهدت ببعض منها أعلاه ، تعتبر من القصائد المبكرة جدًا في الشعر الفلسطيني الحديث - بل في الشعر العربي الحديث -  لجهة قربها من موعد تفجر انتفاضة كانون الفلسطينية الكبرى ،  وفيها الرؤية (رؤية ما كان) والنبوءة (رؤيا ما سوف يكون).

لكن جملته الشعرية أو قوله الشعري يتلخص، في هذه القصيدة باشتباك زمنين:

الزمن الأول يتمثل في احتمالية الحدث. يقول الشاعر في مفتتح القصيدة:

تنفرج الأزمة إما اشتدّت

شوق أنَّ بوثبة شريان

وبأحناء الوجد الأشواك

مهما صعّد هذا الظالم في رأس التلـــه

لا يمكن إلا أن يهوي في هوَّه

ما من طاغية سيظل أبد الدهر

(الديوان ص 7)

الزمن الثاني يتمثل في سردية الزمن الماضي الذي يستعين به الشاعر ليعلن رؤياه المباحة،

يقول مواسي:

ينسى المأفونُ

أن الحرية تؤخذ .لا تُعطى

أن الموت طريق حياة

أن الوردَ مع الشوك

أن الرومانَ / الهكسوس / اليونان

ولَّـوا أدبارًا وفرارًا

يشهدُ في ذاك الزيتون

يشهدُ دوريُّ   حسّون

(الديوان ص 11 و 12)

ويقول أيضًا :

 

ادفِّني

اهدم بيتي

اطردني عبر النهر

واعتقل البرعم والزهره

لن يثبت حقك بالهمجّية والأثَـرَه

لكنك تثبت أنك تلفظ أنفاسك

ولذا تنتحر

فدماء الناس   ستفرح

ودماء الأطفال ستروي

أرضًا عطشى لخلاصٍ

يفتح باب الدهشه

أرضًا ولهى للحريه

- لا تعبأ إلا بالأبناء -

نزرعها ثانية تينًا ..زيتونًا صبرًا .عنبًا

نخرجها من دائرة اللوعه

تزهو طربًا

(الديوان ص 27 و 28)

 داخل هذين الزمنين تتشكل، أيضًا قصيدة الديوان الثانية "مصطفى العابد".

هذه القصيدة تقوم، أساسًا على سرد شواهد يومية والتقاطات شخصية ترسم، في المحصلة، مشهدًا شعريًا متكاملاً فيه السيرة والموقف وفيه الهاجس الشخصي. لكن محاولة التقاط كل هذه الأمور لا تستنفد طاقة الشعرية في النص ومفارقاته.

ويحاول الشاعر، من خلال شخص "مصطفى العابد"، أن يقدم صياغة شعرية لفلسفة حياتية تشي بالعقلنة بلغة مؤثّـثـة بالجمالي .

فمصطفى في النص شخص موزَّع /ممزَّق بين فلسفته وبين فلسفة المحيط التي لا تروقه ولا يروقها (ولا بد له من موقف). غير أن الفجعية تكون له في المرصاد.

ويجهد الشعر في رسم إيقاع المكان (شاطئ البحر والبحر) في المشهد الشعري الذي يواكب الفجعية. وعندما تختلط الفجعية بمياه البحر تصبح موجة. هذه الموجة يلتقطها الشاعر ويعيد صياغتها لتشكل صلب البنية الشعرية.

فنحن لا نعثر بالقصيدة على صورة تامة للحدث ،  ولا على صورة تامة للمكان. لكننا نجد تكوينات شخصية تؤول، بالضرورة، إلى ملمح صوري يعبر عن شعريته من خلال البناء والتأمل في ذروة الحدث واللغة والشخصية والمعنى، الذي من الصعوبة القول إنه يكتمل. وتلك إشارة واضحة إلى رغبة الشاعر في إبقاء التأويل مفتوحًا بسعة البحر.

قصيدة الديوان الثالثة "أندلسيات" هي نص شعري عن مكان (الأندلس). وهي تفتح المجال للاستفادة من ملمح جديد في الشعر العربي المعاصر يقوم على كتابة أو قراءة النص الشعري من خلال المكان.

بنية السرد والوصف، في هذه القصيدة، واضحة دون مواربة. وهناك إيقاع أو تشكيل شعري صوري يتراكب في الحاضر المسكون برؤية الماضي. ومن خلال  هذا التشكيل يحاول الشاعر أن يقارب معنى جديدًا للأشياء التي أصبحت ماضية ،  لكنها ما زالت حاضرة بقوة.

يقول الشاعر في مقطع بعنوان "على نجوة من مضيق جبل طارق":

أود أن أصعَد الجبل

لأرتقي قلعة (طارق)

فهي من مخمل يبعث الدفء

بهجته متوثبة

أود أن أخطو مع ظل (طريف)

بصحبة أفواج من الآيات

البحر من ورائيه

و (طارق) يحرق السفن

حتمًا هنا. ربما هناك.

والشمس تخثر الدماء

والريحُ تبتلع الدموع

وينتشي الزيتون

أيها البطل الذي أنكره (موسى بن نصير)

فأنكر الخليفة موسى بن نصير

وأنكر بعضنا بعضًا

حتى صرنا

موتًا ممتدًا

فأعادونا من نفس المضيق.

- أيها الجبل اشهد

أن حبي لمن يرقدون هنا

مثل حبي لبلادي

(الديوان ص 69 و 70)

إن مواسي يرسم مشهدًا شخصيًا لما يراه من معالم الأندلس ولما هو حاضر فيه من تاريخها المجيد، هو نسيج مشاهداته التي تتدحرج فيها، كما هو بين ذاكرة التاريخ وذاكرة الشعر، وهذه الأخيرة (ذاكرة الشعر) ممثلة بإيقاع الموشح الذي يبدأ هذه القصيدة والذي يختتمها به.

يقول:

             جادني الدمع إذا الدمع شجـا          يا زمان المجد  في الأندلـس

             لـم يكن روضـك إلا أرجًـا           يُعربيًا عـابقًا  فـي النـفس

             فتغنت دمـعتي فـي عـبق          وتلظـى فـرحي  فـي الألـمِ

             فأتاني الـموج بعد الغـرقِِ           ينقذ الوجـد من  الـمضطرمِ

             أيها الساقي نديمي قد  لـقيَ          في انكسار الكأس ذوب الأنجم

             فكسانا الضوء اغلاس الدجى          بخيال بـات  كـالمـفتـرس

             فـإذا الخـط تبقى  ونجـا           وإذا العمران  ضـوء الغلـس        

" نفح من الطيب "  (الديوان ص 53)

ويختتم قصيدته بـِ "عود على بدء":

             استقني ذكرى الهوى بالـغدقِ        ثم خذني صوب  (ابن العربي)

             عليه يهدي سطـوع الأفــق        وهو يهمي في رياض الكـتب

             عد بنا مثنـى قبيـل الـغرق        ينتشي المـاءُ بحسن الـسحب

             فإذا ذكر الـهوى طيبُ الرجا         أتـقاوى  نـفسًا فـي  نـفسٍ

             كلما أظـلـم ضوء بـلـجا          لا تزد ظـلمًا  على الـمقتبس            

(الديوان ص 79)

 

الحقيقة أننا حين نقرأ قصيدة أندلسيات نرى، أول ما نرى منها، بناء ينهض أمامنا فنيًا مشغولاً، بناء لا يهمله اهتمام فني ولا يسقط هذا الاهتمام في القصيدة والافتعال ،  بل يوحي بطاقة الشعرية عند بانيه. ويوحي كذلك بطاقة الوصف والقدرة على تملك الموصوف وجعله ينبض بالحياة:

أرفع هامة نخلـــه

رمقتني من بُعد فدنوت

تطلق إذ تعرفني زعردوة

- زغرودة أختي عند زواج أخي -

فألم ندى

أتسلق جذع النخلة

تأخذ لي الزوجة صوره

أحتضن النخلة

حتى تلد النخلة مني

ولأول مره

امرأتي ما غارت

(الديوان ص 78)

هذه القصيدة قد توهم قارئها في بنائها بالبساطة. لكنها تشعره، في الوقت نفسه، بعالمها الفني الواسع وتدعونا إلى استرسال في إيقاعها. ولكون قصيدة أندلسيات تتخذ لنفسها ذلك المفهوم البسيط كان بدهيًا أن يغيب عنها الحلم الرومانسي التقليدي أو حلم " الفردوس المفقود" ،  وذلك لكون الشاعر، في شعره وفي قصيدته، يحلم بمستقبل يقع ضمن الممكن لا المستحيل. وفي سبيل هذا  المستقبل فإنه يتعامل مع الماضي والحاضر. وهو يفعل ذلك من حيثُ يعي ويعلم أن التعامل مع الماضي والحاضر طريق إلى الحلم المستقبل.

في ديوان الخروج من النهر لجأ د.فاروق مواسي إلى ذاته في التعبير، غارفًا من مخزونه في التأمل والرؤيا. وذلك، باعتقادي، من أبرز مؤشرات التجربة الشعرية في هذه المجموعة التي يمكن اعتبارها بحق مجموعة متميزة لهذا الشاعر - وإن كانت قصائدها الثلاث لا تستوي كلها على مستوى واحد في التميز والتفرد.

                                             من كتاب : أنطوان شلحت :  على فوّهـة بركان

                                                   ،  مديرية الثقافة ، الناصرة - 1996 ، ص 139 - 146

                                                                                      نشرت الدراسة قبل ذلك في الاتحاد 23 /6 /1989

 

عودة للسابق