صبحية الصالح

 

البعد الإنساني في شعر فاروق مواسي

 

لعل الشاعر فاروق مواسي من أبرز الشعراء الفلسطينيين الذين رددوا كلمة ( الإنسان ) وما تتطلبه الكلمة من ظلال كالخير والحب والعدل والسلم، ولعله من أكثر الشعراء إحساسًا وصدقًا لواقع شعبه المأساوي.

 

ونحن في هذه الدراسة سنعمد إلى مرافقة الشعر في المفهوم الإنساني الرحب الذي يدعو إليه.

 

فالشاعر إذ يجعل على لسان الطفل صفة المعلم المثالي يقول عنه بأنه:

 

يحدثنا بأن الخير كل الخير في الإنسان 

وأن العقل منفتح إلى التجديد والإيمان 

ويدعونا إلى رفض لكل مسارب الظلم

يحب العدل خفاقًا ويعلي   راية السلم

(إلى الآفاق ص 14)

 

بل يجعل للكشاف نشيدًا يذكر فيه:

 

حب البرايا           نبقيه   قصدًا

تسمو بحب           والحب يُفدى

(إلى الآفاق ص 14)

 

وعندما يخاطب أطفالاً يحزن على مصيرهم ويحضهم في آن واحد:

 

من منكم الساهر

على حلاوة الحرف ؟

(في انتظار القطار ص 54)

 

فالحرف هنا له بعد إنساني علمي ،  فإذا ما كبر هذا الطفل على أسس سليمة فإنه سيصبح رجلاً ، وكما تحمل كلمة الإنسان أبعد من مجرد مدلول فإن كلمة (رجل) تحمل كذلك دلالات هامشية، فالشاعر يخاطب صديقًا له مُجدًّا ، فيرى في جده ودأبه خدمة لشعبه، فإنه بالتالي سيصل إلى البعد الإنساني الصحيح.

 

يحب فيه دأبه ودرسه بلا مطل

يحب فيه شعبه

يعمل في صمت وطيبه

بهمة عظيمة المضاء

فمثله مثَل

وكثرة على غراره تعيد صبحنا

 يطل بالأمل.

(غداة العناق ص 35)

 

وعندما يرثى فاروق صديقه الشاعر راشد حسين يتذكره ويقول:

 

كنا نصحو للأسلوب الواثق

للصوت الشائق

للوعد الرائق

للإنسان

( يا وطني ص 39)

 

فهكذا كان يرى في راشد داعية للإنسانية، وما كان فاروق ليركز على هذه الناحية لولا اهتمامه الشديد بالإنسان ،  ولولا هذا الحب الشمولي... ولو فحصنا على المستوى الفلسفي مفهوم " الإنسان  " سنجد أن الحب جزء لا يتجزأ منه ، بل سيصل الأمر بنا  إلى حد الصوفية:

كسرت قفل القلب

لأدين دين الحب

طهرت قلبك بالتأمل

وصفعت وجه الحقد

(في انتظار القطار ص 45)

 

وهو إذ يرى في الأمل بصيصًا إنسانيًا وخلاصًا فإن الأمل يكاد يكون خاتمة لكل قصيدة:

 

متى الشروق

على سفينة السلام ؟

شراعنا أمل

وبحرنا أمل

وحبنا  أمل

(في انتظار القطار ص 57)

 

ويجعله يُلقي على لسان الطفل فلسفة بدائية جديدة خلاصتها المعاملة بالحسنى:

 

أعامل الناس بإحسان

                           فحبهم ديني وإيماني

                                                               (  إلى الآفاق  ص  11 )

 

***

 

وماذا يدعو الشاعر في بعده الوطني ؟  إنه يُحيّي ابن قرية (عابود) الفلسطينية الذي تبرع لبناية مدرسة ، ويرى الشاعر في ذلك دليل العطاء الذي نصل به إلى قيم الخير:

 

ونورث أرضنا حبًا وسلمًا

                           ونملأ أرضنا عدل السماء.

(يا وطني ص 44)

والسلام والاطمئنان النفسي جزء لا يتجزأ من مفهوم الإنسانية، وكم بالحري إذا كان مبنيًا على حق وصدق وعدل:

والعهد يا فدوى    يراودنا       حلم  السلام  لشعبنا المتشتت

أبدًا نطالب بالسلام وجندنا      الحق والإنصاف صدق الدعوة

(في انتظار القطار ص 81)

 

فالسلام قضية إنسانية، ولا يمكن أن يكون الإنسان إنسانًا وهو يسكت على حقوق أخيه المهضومة .....وها هو الشاعر  يتذمر لأنهم:

خلقوا القوانين التي في نصها       خنقوا الحقوق وصادرونا في الدم

                                                                    ( يا وطني ص 4)

 

ولأن مسرحية التعذيب للإنسان تجري أمامه:

 

وهم يجرجرون خمسة وراء مركبــه

يمثلون لعبة لقطار

وتُصفع العجوز صفعتين

وتُكسر الأبواب..... يبكي طفلنا الحبيب

وتُقذف الحجار ...

( يا وطني ص 9)

 

فليست الإنسانية أن يغمض الإنسان عينيه، بل عليه أن يكافح الشر أينما كان ، ويعمل على إحقاق الحق ،  وشاعرنا لا يريد أن يُعامل معاملة أدنى، لهذا عارض وثيقة (كينيغ) ،  ورأى فيها عنصرية، والعنصرية تمامًا -  نقيض الإنسانية:

 

وثيقة صفيقة تشف عن مكان العداء

عمًى بعنصرية تمج بالسموم

( يا وطني ص 15)

 

فهو حريص على أن يُظهر أن في الشعب اليهودي أناسًا يرفضون مسارب الظلم و بعيدين عن الشوفينية:

 

من شعبنا وشعبكم ....وقد صحا بعض

 تردد الرفض

( يا وطني ص 16)

 

بل هو يرى في (أوري) اليهودي  رمزًا  للضحية ، والموت لا يميز بين " ماتي " وعلاء " ، وهذه الضحية ذهبت  لتقاتل بلا طائل، ومنذ البداية يقول:

 

ويوم أن تلبدت     غيوم

وأرسل الإنسان  للإنسان

صواعقًا... جهنمًا سموم

( يا وطني ص 18)

 

ينتقل الشاعر إلى وصف أهل (أوري) وإلى ابنه الذي تسلم شهادة أبيه الجامعية، ويصف فاروق مشاعر أهل الفقيد وأحاسيسهم ،  بل يتخيل صورة القتيل تتحرك وتخاطب الأطفال:

 

وتنطق العينان للصغار

 تفاءلوا بأنه سيجمل المصير

علامة الوئام

فكفكفوا الدموع

وجمعوا الجموع

للخيـر

للحب

والمجد للإنسان

( يا وطني ص 21)

 

وعند فاروق تتيسر الأخوة الإنسانية ما دام عقل الإنسان منفتحًا للتجديد والعقلانية:

 

فما يجدي التعصب في زمان         به الإنسان يسمو في  العقول

وليس الدين مدعاة    لخلف        إذا العدوان   ( شيَّل )  للرحيل

( يا وطني ص 24)

 

فلقاء الأديان ليس أمرًا متعذرًا، فهذه القدس - رمز اللقاء الديني يخصص  لها الشاعر قصيدة ، فيستوحي فيها تاريخها الإنساني، مؤسساتها العلمية دون أن يكون الشاعر متعصبًا:

 

ثلاثة الأديان في    إيمانها       تقدس الرحمن في  الشعائر

أحبها في علمها في دينها         مدينة الحب ...لسلم زاهر

(إلى الآفاق ص 41)

 

ومن صفات الإنسان ألا يحقد، وفي رحلة الشاعر إلى أوروبا يتبين له أن كل شيء يتغير ،  أما جوهر الإنسان فهو الذي يبقى:

العرق المسفوح على وجه العامل

لا يحمل لونًا أو طعمًا يُتباهى فيه

                                                       (اعتناق الحياة والممات ص 18)

 

إن الموت يتربص بالإنسان... مهما كان جنسه ومعتقده، وسيصبح هو شيئًا ( معقولاً لا يعقل ) وسيخلّف :

أحجارًا مرصوفـه

أشكالاً موصوفـه

وكتابـــه

(اعتناق الحياة والممات ص 22)

 

لذا فلا حاجة لتباهي الإنسان على أخيه، فالألوان جميعها إنما هي ألوان الطيف ، وستغدو  بيضاء:

ومعادلة الإنسان      تساوي  بالتالي

 أن يخفي جسداً .... كانت قد غمرته

 القبلات

ويسافر تحت الأقدام

( اعتناق الحياة... ص 24)

 

 وهذه القصيدة الإنسانية تدعو إلى الحب:

 

لا يحمل أوضار الحقد تنصب على الآخر

والحب سبيل العاقل

والعاقل لا يفهم لغة إلا الحب

والأرض لكل الناس

وحريٌّ أن تُكتب لغة تفهم.

(اعتناق الحياة.... ص 21)

 

هذه نظرية شمولية، بل إن ديوان (اعتناق الحياة والممات) في نظرته الفلسفية نحو الموت والحياة يشكِّل قصيدة إنسانية مطولة، فلا مجال لتفاخر الواحد على الأخر وتباهيه :

 

لا فخر

إن كان حساب الجمع سيُضرب في صفر

(اعتناق الحياة.... ص 53)

 

والشاعر يأسف لأن الإنسان يعيش عمرًا قصيرًا ، فهو يريد أن يعمَّر هذا الإنسان ألف سنة:

 

يا ويلتاه

سنغمض العينين قبل أن نعيش

ألف عام

(اعتناق الحياة.... ص 31)

 

وإنسان اليوم عليه أن يقوم بدور النبي المصلح، بل إن الشاعر يرى أن نبوءة العصر هي الإنسانية ، ولا سيما إذا دعت إلى مبادئ الخير:

ونبي العصر إنسان

يصنع الخيرات لليوم الأخير

(في انتظار القطار ص 32)

والإنسان هو  ذلك الذي يلتصق في القضايا العالمية، وها هو شاعرنا يخاطب (نيرودا) شاعر تشيلي ويرى فيه أخًا للنضال:

 

ألصقنا جسدينا في دين واحد

كي نبني    إنسانًا     أرفع

( غداة العناق ص 32)

 

يرى الكاتب المصري أحمد حسين في كتابه (الطاقة الإنسانية) أن البشر لم ينفكوا في أي عصر من العصور ولا في أي بلد من البلاد ولا في ظل أي ظرف من الظروف عن التطلع إلى حياة كاملة تخلو من الكد والتعب والظلم والإجحاف، ينال الإنسان فيها حظه من متع الحياة وفقًا لمشيئته ورغبته ،  ولا يكدره فيها شجار أو حرب، ولا يعاني فيها حسدًا أو حقدًا

وكل دعوة تدعو للحب، حب الأعداء قبل الأصدقاء، كل دعوة خيّرة ، وهي جنة الإنسان ومثله الأعلى نحو الحقيقة والحق.

 وهذه المبادئ التي دعا إليها الكاتب يدعو لها الشاعر  في خطابه " إلى طفلة سألته ما الحرب ؟ "  فيجيبها الشاعر:

الحرب: بكاء جوع خوف

قنبلة...موت..... ودمار

الحرب جنود يأتون الدار

وقتال.... موت..... نار

الحرب   غياب

عن أهل أحباب

ألحرب ظلام في عز نهار

وقرار يأتيه رجال في وقت  غضب

حسبوا أن العالم في قبضتهم ألعاب

وهم الأبطال

كي يحظوا من أرض أشبار

ويُراق دم الإنسان

والإنســان

دمه أزكى من كل مكان.....

فمتى الإنسان الجاهل

يدرك أن الإنسان اخو الإنسان؟

ما اكفر ذلك الإنسان !

( إلى الآفاق ص 75)

 

***

 

 ولو عدنا إلى الواقع الحالي فإننا نجد الشاعر يلقى عليه نظرة تشاؤمية :

وجعي أحاسيس تملأها

وجع    من      القيثـار

يبكي سواعد عالم  منهار

(في انتظار القطار ص 16)

 

وذلك بسبب الطغيان ، ولأن البعض يدعم الظلم ، ويسانده ،  وخاصة في مراحله الأولى:

 

أي طاغ لم تحمله الأكفّ؟

أي باغٍ لم يقولوا هو نابه

( في انتظار القطار ص 30)

 

فالإنسان إذ يجابه مثل هذه المواقف فإنه  يسير على أحداقه وعيونه ولا يجد الحقيقة المطلقة:

دربنا الإحداق يا إنسان هذا

الوقت

فوق بعد الظن

تفهم الإنسان يا إنسان هذا الوقت

عند فهم الظن

( غداة العناق ص 60)

 

إذًا فليس ميسورًا أن تتوصل إلى الإنسان، ذلك لأن الإنسان معقد بقدر ما نخمن أمورًا مجهولة، بل إنه يصبح أحيانًا رمزًا للشر:

 

هل صار      الإنسان

رمزًا للشر على لبنان

( يا وطني ص 79)

 

وعندما يفقد الإنسان كرامته لا يبقى له قيمة .... وعندها:

وتهرأ الإنسان

وتهرأت في ذكرها الأحساب

(غداة العناق ص 79)

 

ورغم هذه النظرة التشاؤمية التي تتبادر إلى الذهن فإن التفاؤل يظل خاتمة وأساس للقصيدة لدى الشاعر ، ويبقى الإنسان في منظوره  رمزًا للخير والمستقبل:

 

لا بد لغابتنا من إنسان

يدأب في إخلاص

يتعلم كيف يسير بتاج الشوك

وجميلٌ أن  يصبو

أن الظلم  سيخبو

لا بد لغابتنا من  إنسان

يبعث فيها روح الإيمان

يبني مستقبلنا الملموح

في   قلب    مفتـوح

حتى ينتصر الإنسان

( إلى الآفاق ص 64)

***

 

استعرضنا في هذه الدراسة كيف يدعو الشاعر فاروق مواسي إلى تربية إنسانية شمولية ، حيث يشير إلى ارتباط الإنسانية بالحب والسلام، إنه  يتحدث عن قضايا شعبه على صعيد إنساني غير متعصب، يدعو إلى نفي لمظاهر  الحقد، فالإنسان هو الإنسان، وإذا كان الواقع يشوبه الألم فإن الأمل هو باب الرجاء.

 

يقول البروفيسور سوميخ في تقديمه لديوان الشاعر الأول ( في انتظار القطار )

 

( وسيتبين لنا بأن مواسي ليس بالشاعر المأساوي.... ولا حتى بالشاعر اليائس حقاً ، فهو لم يغلق باب الرجاء ،  ولا أغمض عينيه عن رؤية النور والفجر، والكثير من قصائده ينتهي بعكس النبرة المتوجعة القانطة التي يبدأ بها.....).

 

مصادر الدراسة:

 

دواوين الشاعر:

 

1- في انتظار القطار ، جمعية عمال المطابع، نابلس -  1971 .

 

2- غداة العناق  ، المطبعة الأهلية ، طولكرم 1974 .

 

3- يا وطني ، إصدار مكتبة الشعب ،  كفر قاسم -  1977 .

 

4- إلى الآفاق (مجموعة شعرية للطلاب) ، منشورات الأسوار ، عكا 1979.

 

5- اعتناق الحياة والممات ، لم تذكر دار النشر - 1979

 

مصدر آخر :

أحمد حسين، الطاقة الإنسانية، دار القلم ( الطبعة الثانية) القاهرة - 1963.

 

 

* المقال كان قد نشر في مجلة الشرق ( شفا عمرو ) ،  العدد الثالث ، تموز - أيلول  1980  ، ص 17 - 23

 

عودة للسابق