قراءة في (ومضات) الشاعر فاروق مواسي:

                                                        بقلم: محمد علوش*

 

صدرت مؤخرًا  الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر الفلسطيني د.فاروق مواسي ،  وقد جاءت في مجلدين (مكتبة كل شيء- حيفا 2005).

  تعمد الشاعر نشر قصائده الجديدة التي لم يسبق له أن نشرها في مجموعة، في مجلده الثاني ، وجعل لها عنوان (ومضات)  . وهي من القصائد المستجدة التي جادت بها قريحة الشاعر، وسأتناولها هنا في هذه العجالة المنصفة   .

تمتاز أشعار فاروق مواسي في دواوينه المختلفة  بجيشان العاطفة وتصادي التجربة الحيّة المشفوعة بالجمالية والأصالة، وهي تتناغم مع ما يريده هو بلغة رشيقة متميزة وبدفق شعري يشق طريقه بفكرة متبلورة.

نحن أمام شاعر حقيقي، صادق الأداء ومتفجر الأحاسيس، ولو درس  النقد بنزاهة -  على اختلاف توجهاته لوجد أنه  أمام شاعر ثابت وراسخ القدم بشاعرية متوهجة ومتأصلة، أصلها ثابت في الأرض الفلسطينية ،  وفرعها يعلو في  فضاء القصيدة.... إنه شاعر منصهر بالتجربة، غير منحصر  في بوتقة محدودة، يبتعد عن التمحور من أجل أن يظل مخلصًا لمهمته وقصيدته التي يراها نفحًا في  أسرار الوجود  ، ونافذةً للعطاء الذي لا ينضب، وقد صدق حدس  الباحث (ساسون سوميخ) عندما رأى في بدايات التفتح الشعري لفاروق مواسي بأنه "شاعر لم يغلق باب الرجاء" .

واصل مواسي رحلته مع الكلمة والقصيدة منذ الستينيات ،  وكان وما زال  من أبرز وأنشط مثقفينا العرب الفلسطينيين في منطقة الـ 48 ،  ومن البارزين في المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي ككل.

وفي مختاراته الشعرية الجديدة  - كما أرى -   الكلمة الملتزمة ،  والأحاسيس المرهفة، ومن معطيات النص لديه ألمس البساطة الآسرة في نقل الصور والبُعد عن الغرابة والقدرة الإبداعية على توظيف المعاني بما يتناسب مع أفكار القصيدة ، وذلك  ببوح متأجج ورمزية شفافة.

تستمد مجموعة قصائد (ومضات) نسغها من الواقع اليومي المعيش ،  وتتأثر بما يدور هنا وهناك ...وقد أبرز فيها الشاعر مشاعره بكل صدق بعيدًا عن التصنع والتكلف ، فكان أن  وجدنا أن الصور الشعرية لديه متجانسة مع التجربة، بعيدة عن  الانغلاق في المعنى  ، مع أنه يظل حريصًا  على الرمزية الشفافة ،  مرتفعًا إلى مستوى الشعر الصافي.

تعتبر هذه القصائد تجارب إنسانية حيّة ومتشابكة مع حالات الحّب والوعي والموت والحياة والتمرد والحلم، وهي زاخرة بالبوح والتجليات ، وتنبض هذه التجارب بمشاعره الإنسانية ، وليس أدل على ذلك من تضامنه الأخوي مع القائد والمناضل الكردي عبد الله أوجلان، شاجبًا ومستنكرًا إقدام السلطات التركية على اعتقال أو اختطاف هذا المناضل-  بصورة أدق - ، ومحاولة إنزال الموت به ، ظنًا منهم أن بقتله تنتهي قضية التحرر الوطني للشعب الكردي الذي يناضل من أجل حريته وسيادته واستقلاله وتقرير مصيره، وقد قدم الشاعر وجهة نظره من الحادثة قائلاً:

حتى لا يسأل أحد عن حريته

(أحد من أمثال الأكراد أو أبناء الشرق)

- حتى لا يصبح عصفور يتغّنى أغنية كرديهْ

- حتى لا يقرأ أطفالٌ في أنطاكيهْ

حرفّاً عربيًا

- حتى لا يعرف كرديٌّ أن له وطنًا يحميه

أن له صفصافهْ

أو تاريخًا يرويه                           (ص 269-270)

وفي قصيدة "شوق الأرض دليل" -  وهي من القصائد المتميزة  الرائعة في المجموعة -  يلخص  الشاعر التجربة الانتمائية، مرسخًا قناعاته الوطنية، فيتحدث خلالها عن واقع الانتفاضة، ليؤكد أن شوق الأرض دليل، وهنا يعرض مشاهد حيّة من يوميات الجرح الدامي النّـغّـار، حيث تفوح في الأزقة رائحة الموت:

.......

تعكف في محرابك تسَّاقَطُ مجنّيًا

لا تقدر أن تقرأ في سفر خطايا الأعداءِ

إذ تبحثُ عن تأويل في كل صباح

مع نشرةِ أخبارٍ فيها السُّمُّ وفيها الدَّمْ

فتزيدُ حوامضَ تُفرزها مَعِدَه

تبري جُدرانًا، تكشفُ أسرارْ

أو تبعث في رأسك صوت دُوارْ

                                       (ص 281-282)

لفتة مشبعة بالإيحاءات وهو يختزل تجربة شعب محاصر منكوب في قصيدة، يواجه محاولات محو الذاكرة وسلب الهوية ،  بلغة شعرية لها صدى الإيقاعات القوية، وتظل قصيدته تنبض بالدفء والحّب والمشاركة الوجدانية الصادقة.... من أجل أن تبقى شجرة الحياة خضراء ندية، ها هو يسكن في حزن مكشوف منكود، إرادته حرة، يرنو لوطنه الذي تُستَمدُ منه كل مقومات البقاء والحلم والعزة، يطلق الشاعر في قصيدته العنان لشوق الأرض، لأغاني الحرية والفرح، يعانق مهجته الأسيرة، وهذه الحالة جديدة من حالات العناق الأزلي بين الأرض وأبنائها تسرب الدم عميقا في باطن الأرض ليرفع درجة حرارة العناق.

لقد عبرت هذه القصيدة عن تجربة صادقة وعهد شوق حقيقي وصادق، كما  عكست أحاسيس الشاعر وتفاعله مع التجربة.

وبنفس شعري متسرب من بين لحظات القهر والانتظار تنبثق قصيدة "الوزير على الطريق" بصدق تعبيري، تحمل معاني الإصرار ونبض العطاء والثورة التي تكتنز في قلوب الناس الأحرار هنا؛ فتتعالى نغمة التحدي في القصيدة ، وتصل حد فضح الواقع الاحتلالي المقيت وأوهام السلام -  بينما ينتظر وزير الثقافة الفلسطيني كغيره على الحاجز الذي أضحى حالة يومية للتنكيل والاستبداد وسادية الجنود. وهذه المعاناة  تؤرق الإنسان الفلسطيني في وطنه المعذب حتى وإن كان وزيرًا، وقصة القصيدة كنت شاهدًا عليها ، إذ كان من المقرر زيارة الوزير لطولكرم للقاء مثقفيها ومؤسساتها ،  وقد كان الشاعر من المدعوين لاستقباله .....فتأخر حضوره ساعات ، حتى تبين بأن الوزير حبيس الحاجزين. من هنا كانت القصيدة تصويرًا  حقيقيًا  وصادقًا  لما رآه وسمعه الشاعر، وقد قدم قصيدته بهذا التقديم مختزلاً الواقعة:

وتقولُ: (خارطةُ الطريقْ)

بالرغم أنّا قد سُجنّا في الطريقْ

الصّبرُ مأساةٌ

فكيف الصَّبرُ يسلو يا رفيقْ؟

                                               (ص 306)

بهذه القصيدة يضيف الشاعر أشجانًا للمعايشة الإنسانية اليومية  المعذبة، وهو يصف حال البلاد السليبة التي قطعوا أوصالها ، ونصبوا على أضلع أرضها الحواجز، وأقاموا الحصار التعسفي في محاولة عبثية  لتركيع الشعب وإلحاق الهزيمة النفسية به، والوزير على الحاجز، ورغم القهر والتشظي يزداد الفلسطيني إصرارًا على البقاء، معمقًا معاني الحّب والاباء مرسخًا في ضميره قيم الانتماء:

كانت خمائلُ حبّك  المحزون في درب انتظارْ

منعوكٌٌ من نجوى تناجيها الحبيبْ

لم يعبأوا إن كنتَ ضيفُا أو وزيرْ

- في عُرفِهم- أنت الغريبْ

طافت زبانيةٌ وقد كانت تساومُ باللَّهيبْ

والموتُ بالمجّان يُهدى للجميعْ

والكّلُ في موتٍ جديرْ..

قف وانتظر

لا تبتئس !

                                   (ص 307)

قصائد مواسي تنداح بتدفقها الشعري في حركة متواصلة، تختلف دلالاتها من رحم التجربة الشعرية، وهي تقتنص لحظات أو لقطات من الحياة اليومية ،  وتصوغها شعرًا ، كما  تستند إلى صياغة لغوية وأسلوبية شديدة الخصوصية والحميمية، و تعبر عن شحنة نفسية وعاطفية عميقة في الذات الشاعرة، وتنبئ عن روح معذبة لا تنثــني وهجًا وموقفًا ، تحتشد بالتفاصيل التي تصنع النسيج الشعري من اللغة البسيطة المتحررة، ويُلاحظ أن مضمونها إنساني ووجداني على الأغلب ، ولا يتعارض مع أغراض الشعر.

نرى في قصائد مواسي عامة -  ثلاثة أبعاد: البعد الذاتي ،  والبعد الوطني ،  والبُعد الإنساني. ومن هنا نرى أن الشاعر يبرز هويته الشعرية الخاصة في قصائده ، ويوظف ثقافته وشبكة معارفه لصناعة النص الدال إليه ....كل ذلك بأداء  وطني صادق مفعم  بشاعريته الرقيقة  الثرية بإيقاعها الموسيقي العذب.

في " الحج الأصغر" -  وهي قصيدة طويلة كتبها  الشاعر خلال زيارته للديار المقدسة ، يستذكر هذه الأمكنة ، ويتذكر تفاصيل التفاصيل من خلال السيرة وقصص الصحابة ، وهذا الجو نقله  بحميمية شعرية،ولم يكن مباشرًا كمنحى مثل هذه القصيدة ، فكان  يمارس عبرها  حلمًا، ويناجي نبيًا، سائلاً عن كل سبيل ،  وهو يحمل خارطة الحّب وأسرار القداسة:

ها إني أقرأ سُورًا مكّيّهْ

حتى أستلهمَ هذا الجوّ المكّي

أدعو التاريخ إليّ

كي أدرك معنى الآياتْ

وهنا بالذاتْ

حتى تتجّلى لي في معنى آخر

وأصلّي......

                                         (ص 289)

 

ونأتي إلى  قصيدتين في رثاء صديق الدرب والصديق نواف عبد حسن ،  يستذكر الشاعر فيهما رحلته مع الفقيد ومكانته الخاصة في قلبه ووجدانه ،  فقد عُرف  الشاعر والفقيد في المحافل الأدبية بأنهما  يشكلان ثنائيًا ، و تمازجًا وتناغمًا مشتركًا ، فكانا  صوتًًا موّحدًا في الصّمت الرّهيب....و تبرز في المرثيتين لوعة الفراق وثقل الأحزان إثر  هذا المصاب الجلل الذي أفقد الشاعر صاحبه القريب إلى عقله وقلبه وقراءاته:

فتجولُ دمعة صاحبكْ

كبرتْ وغامت ثم عامتْ في ارتياعْ

وأنا أظلُّ بقربِ بيتك أنتظرْ

متوقفًا لهنيــهة

أضحتْ بها آثار طلّتِكَ الطَّلَلْ

قد جئتُ وحدي.... يا طللْ

وإذا انتظاري... لا أحدْ......

                                      (ص 318- 319)

ومن القصائد المميزة  في المجموعة: "كان الأنس " و "أنا والدمعة" و "حادي الحروف" و"لم يحدث شيء" و "لا يكفي" و "الرّائد لا يكذبُ أهله" ،  وتلتقي هذه القصائد جميعها مع باقي قصائد المجموعة في عشق عارم مستفيض لوطنه ولأحبائه ولما يؤمن به ، وقد جمعتها اللغة التي تنحو أحيانًا إلى  الرومانسية الحالمة ، حيث انعكست فيها مشاعر الشاعر الحقيقية.... فهي بصدق نبضات من قلبه وومضات من معاناته ،  فعبرت هذه القصائد عن قلق حقيقي ينتاب الشاعر في  بحثه الدؤوب عن الزمن الضائع الذي قد يستعيده بصورةٍ جديدة.

الشاعر مواسي تكتمل في قصائده عناصر الإبداع بعد أن تسلحت بالحلم والتفاؤل وهذه الرؤية التفاؤلية نجدها في معظم القصائد.

واكب الشاعر التطور في بنية القصيدة شكلاً ومضمونًا، وقد نوع في كتابة النص الشعري بتقنية عالية، فقدم اشراقات متتالية من روحه، وكانت هتافات روحه متوهجة ، وقد تجلى لنا برغباته الجانحة وأحلامه الوردية معًا  .

وإذا كان  (رينيه شار) يرى أن  القصيدة هي  الحّب المحقق لتلك الرغبة ، فإنني أرى في أشعار مواسي ورغم عوامل التخيير وانسداد الأفق أمام المشروع الثقافي وأمام  الشعر مواصلة  لمشروعه الأدبي الإنساني ، فقد ظل أمينًا على الكلمة ،  وحارسًا لنار القصيدة  ، ومؤمنًا برسالتها الإنسانية.

فاروق مواسي (المجتهد دائمًا) يحتاج إلى المزيد من الإضاءات عن شاعريته المتوهجة، فهو إلى جانب كونه ناقدًا مرهفـــًًا وقاصًا رائقًا ،   ولغويًا أستاذًًا ،  وباحثًا أكاديميًا ، يظل إزاء هذه الأدوار  أولاً وقبلاً شاعرًا مبدعًا ، وفيها جميعًا خيط الصدق والأصالة .

تحية للشاعر مع التقدير والاعزاز.

وقدس الله سر الكلام.

 

                                                              محمد علّوش

* شاعر وكاتب فلسطيني

 

عودة للسابق