د . فاروق مواسي

 

    حديث ذو شجون

 

الطبعة الأولى : دائرة الثقافة العربيــة

                    مطبـعة النــهضة – الناصرة - 1994

 

 في هذا الكتاب مقالات اجتماعية - أدبية  ، ويمكنك الوصول إلى ما تبغي عن طريق محرك البحث

crtl F

 

                                         الوطنية المعاملة

 

 

     يقول الحديث الشريف " الدين المعاملة " - وهو درس يعلمنا أن الدين ليس قصرًا على الصيام والقيام بالصلاة وإعفاء اللحى والتمتمة المتظاهرة ، بل إن الدين هو النصيحة ، هو المسلك بما يتضمنه من أمانة وشهامة وشرف وصدق ووفاء ...

وإذا كان " الدين هو المعاملة " فكم أحرى أن تكون الوطنية كذلك ، وهي – أعني الوطنية - معتقد يدين به الكثيرون – على الأقل – في مستوى شكلي . ذلك لأن بعضنا حسِب الوطنية معنى مجردًا ، يتمثل في أن يتحمس لخط سياسي ما ، وهي تتحدث عن " عزتنا " و " مجدنا" و" إبائنا " ... الخ من هذه التعابير الماثلة فخامة وجزالة .

وقد يظن من يظن أن الوطنية تتمثل في تهور (أعني التهور فقط) يقوم به أحدهم ، فيودَع في السجن ، ثم ما يلبث أن يحصل على شهادة أنه خريج من مدرسة وطنية ....
وفي هذا السياق لا بد لي من ذكر فكاهة : تمرد أحد عملاء البريطانيين ذات مرة بعد أن خيب أسياده أمله ، فأخذ يصرخ ويهتف : (فليسقط الإنجليز ! ) ،

( فليسقط الانتداب البريطاني) ! ، ولكن الإنجليز لم يحركوا أمامه ساكنًا ، فتضايق هذا ، وأخذ يصرخ وهو يحملق عينيه L اسجنوني .... أتحدااااااكم! ،
لكن الضابط الإنجليزي قال له ، وهو يربت كتفه : " يا خبيبي ما نسجنك حتى لو سبيت الملكة ... بكرة بتروخ بطل .....".

ولرب مستفتٍ يتساءل : وما هي الوطنية إذن ؟ أليست تتلخص في مقارعة العدو ؟
وأنا لا أنكر أنها عماد في الوطنية ، ولكني أشك بسلوك بعض من يدعونها ......
فاسمحوا لي أن " أفش خلقي" – كما قال يوسف فرح ذات كتابة :
كيف يكون معلم وطنيًا ، وهو يقدم الشهادات المرضية المزيفة واحدة تلو الأخرى ليبرر غيابه ؟

كيف يكون معلم اللغة العربية وطنيًا – مثلاً - ما دام لا ينقــح إنشاء الطلاب البتة ؟
وكيف يكون وطنيًا من لا يزيد في معلوماته - من مصادر ومراجع مستجدة حتى يفيد نفسه ثم طلابه ، فيغنى ويغني .

والصانع هل يكون وطنيًا ما دام خلف الوعد دينه وديدنه ، وما دام يكذب ويغش ناسيًا الحديث : " من غشنا فليس منا" ؟

ولا أدري كيف يكون شخص مقاول وطنيًا ما دام همه ووكده أن يستغل محتكرًا عماله (أو عاملاته)  ، وما أكثر ذلك – مع الأسف – ، فيقدم لهم (لهن) أبخس الأجور من غير أن يؤدي حقوقا تأمينية مختلفة .

 

ولا أدري كيف يكون المسئول وطنيًا ما دام يحابي ويتحيز ، ويتحين الفرصة للانقضاض على خصمه السياسي وعلى جماعته ، من غير أن يجعل من قوته وسيلة للوصول إلى الناس بعفو عند المقدرة .

   
ولا أدري كيف يكون فلانًا وطنيًا ما دام يتاجر باستغلال ، فيلتهم أضعاف ما يستحق ، أو يكذب علان ويتناسى أنه يكذب إلى درجة أنه يصدق كذبته – شأنه شأن جحا ، وذلك بعد أن كذب على الصغار .
    
الوطنيـــة - أيها المدعون بها – هي العزوف عن الانتهازيـــة والاختلاسات السرية والعلنية ، والأنانية .
هي المعاملة والنصيحة ـ، وهي ليست معنى رومانسيًا خياليًا ، وادعاءً استعراضيًا ، و " بلـــعًــا تسجيليًا وغير تسجيلي .
وقبل " حب الوطن " – أرضًا ونبتًا وطيرًا ونسيمًا ما أجدرنا أن نحب الإنسان في الوطن ، أن نخلص ونعطي ، أن نبحث عن حريتنا وكرامتنا ، فنعيش مع أصدقائنا وجيراننا وزملائنا بحرية وتكافل ، لا بتربص وبتضايق ......فتلك هي الوطنيـــة بالمعنى الأسمى .
وفي الختام اقرأوا معي أبيات أدونيس التي تتوافق مع بعض رؤيتي في هذا المقال :

"
غدًا عندما بلادي تغني
أنا الحب يُؤثر عني
بوجهــــي محوت السوادا
وصرت لكل بلاد بلادا
فلم يبق في أرضنا ظلام ولم يبق شر
فقل : " أنا حر ، وأنت حر " .....

 

 

ازدواجيـــة السلوك

 

لطفًا ! اقرأ الظواهر التالية واستقرئها !

 

*  والد يعلم أحد أبنائه في مدرسة ثانوية عبرية ، ويعلم ابنه الآخر في  مدرسة ثانوية في قريته .

  دُعي لحضور اجتماع أولياء أمور الطلاب في كل من المدرستين ، وفي   وقتين مختلفين .

يحضر الأب قبل نصف ساعة  إلى المدرسة العبرية ، ويجلس بوقار منتظرًا ، بينما لا يرى ضرورة أبدًا لأن ينظر إلى بطاقة الدعوة التي وجهتها المدرسة المجاورة لبيته .

 

   *  سائق قروي يسافر في شوارع كفار سابا أو في كفار آتا وفق قوانين السير : هادئ ، ما شاء الله !

يصل صاحبنا إلى قريته ، فلا يتقيد بقوانين السير ، ولا بالقيم : يلقي الأوساخ عبر النافذة ، يبصق من النافذة ، يقوم بـ " حركة " ، يقف وراء سيارة ، ويحــول بينها وبين مواصلة سيرها .

 

* عامل  مهني في القرية ( م ) يتنمرد ويغضب ، يهمل الأمور التي عُهدت إليه ، وعندما يعمل في المدينة اليهودية المجاورة تراه لطيف العشرة ، يشرح ، ويوضح ما قام به من عمل ، ويحافظ على متطلبات الناس وراحتهم .

 

*  موظف قروي يعمل يومين في تل أبيب ، ويومين في بلده . في المدينة تجده محافظًا على قوانين العمل ، ومنضبطًا ، وللوقت لديه معنى ، بينما هو في القرية يتغيب بعذر وبدون عذر ، يماطل ، ولا يحفل بأحد .

 

*  الصك الذي يُكتب في نتانيا غالبًا ما يكون له رصيد .

الصكوك هنا كثيرة في القرية ، وكثيرًا ما تكون كاذبة من ساعة توقيعها ، أو قبل ذلك بقليل ، والحق !

 

*  س  من العرب يقف أمام الشرطي دافيد متطامنًا ، بينما يقف أمام قاض  من أبناء جلدته ، وكأن القاضي في نظره لا شيء .

 

*  معلم قروي يحسب ألف حساب للمفتش الذي وفد من هرتسليا ، ويأخذ بتملقه ومداراته ، بينما تتغير نغمته إذا عرف أن هذا المفتش من بني العروبة ، فعندها تنهال الأسئلة : ومن هذا ؟ وما ثقافته ؟ ومن الذي عينه ؟ ولماذا لا يأتيني دون أن يعلمني ؟

 

*  مثقف قروي يتواضع جدًا وهو يخاطب الدكتور أبراهام ، بينما يستكثر أو يستكبر أو يستثقل أن يخاطب عربيًا ، ويقول له : دكتور إبراهيم !

 

* فلان الذي تعلم في أوروبا يستعمل ألفاظًا مهذبة هناك ، نحو : من فضلك ! هل تسمح ؟ آسف ! شكرًا ! لطفًا !......بينما لا تدخل هذه الألفاظ قاموسه في القرية  .

 

 *  شخص قروي  سياسي يحاور يوسف الأحمد  جاره، فترتفع وتيرة النقاش بينهما  وكأنهما في شجار حقيقي ، بينما في نقاشه حول القضية نفسها مع  يوسي  ينتظر بفارغ الصبر ليدلي دلوه بكلام هادئ متزن .

 

*  يزور بعضنا مكاتب ودوائر في حيفا والخضيرة ، فنقف بالدور منتظمين ،  وفي القرية عندما نضطر للوقوف نتعجل ، أو نستأذن لسبب أو لآخر ، أو نشير للموظف – الذي لنا به علاقة -  بأن ييسر الأمر وبأقصر الأوقات ...أو على الأقل نهمهم بالشتائم لأننا ننتظر طويلاً .

 

*   ننضبط أمام المشغّل في المستوطنة ، ونلتزم له بالموعد وبتنفيذ العمل كما اتُفق ،  بينما  نحن في القرية نماطل ونكذب ، وتنتهي " الشغلة " على شبه عداء .

 

وحتى أفكارنا هنا تختلف عن أفكارنــــا هناك شكلاً ومضمونًا  !!!!

وقس على ذلك نماذج وعينات ، ثم اسأل معي :

ما سر هذه التغيرات في السلوك ؟ لماذا هذه الازدواجية ؟

 

ý  هل هو تقيد بالأنظمة ، وانقياد لها هناك – بدافع الخوف ؟                               

  أو للمراءاة بأننا أبناء حضارة مثلهم ؟

ý     هل هو شعور بالنقص إزاءهم ، أو على الأقل اقتناع داخلي بصحة مسالكهم ، وإعجاب بهم ؟

ý    هل هو خلق نتزيّا به مؤقتًا على قول من قال في تجنيس :  "ودارهم ما دمت في دارهم " ؟

 

لقد أشار البحتري إلى أن تشاكل الأخلاق بين الأقوام المختلفة تقرب المسافات بينهم :

إذا  تشاكلت الأخلاق واقتربت

                                 دنت مسافة بين العرب والعجم

فهل يكون هذا – ربما – سببًا لمجاراتنا ما جرى عليه الآخرون – وكأننا نريد بهذا أن نشاكل – شكليًا -  الحضارة الأوروأمريكية ؟!

ولكن ذا الإصبع العَدواني  يذكّرنا بقوله :

كل امرئ راجع يومًا لشيمته

                            وإن تخلق أخلاقًا إلى حين

 

يعني ذلك أن شيمتنا الحقيقية وطباعنا – كما هي – تتجلى في القرية وبين ظهرانــَي أهليها ؟!  وفي مساحة أراضيها ؟ ؟ !

 

وأخيرًا : ما سبب مثل هذه الظواهر ؟

 

السبب الرئيسي - في تقديري – أن الشخص من هذا القبيل هو – عمليًا – لا يحترم نفسه ، ومن ثم لا يحترم عروبته ، ولا إخاله يرعوي عن استعمال لفظة " عربي " في معرض الشتائم – كما يفعل غلاة اليمين المتطرف - ، فهو بوعي أو بغير وعي يربط بين العربي واللا نظام  ، وبين العربي واللا صدق  ، وبين العربي واللا مسؤولية  ، ولذا فهو يتصرف بسلوكين مختلفين .

ومن جهة أخرى فإن العربي الذي يحترم ذاته ، ويحترم شعبه له سلوك واحد ، وموقف واحد ، وأخلاقه تجري على نسق واحد – وفق مقاييس النظام واحترام الآخر ، والإخلاص للعمل ....

وما أحوجنـــا إلى ذلك !

نعم ، ما أحوجـــنـــا  !

 

                                  

 

 

                                   اللغة العِــرْبِـِـــية

 

 

جرس يقرع :

 

نحن أمام خطر لغوي داهم . اللغة العبرية تجتاحنا ، وفي كل فن وفي كل مجال ، وحتى لدى الأطفال في مثل هذا الحوار :

 

-         أعطني סבוב !

 

-         لا. أنت ما أطعمتني من الـ עוגה !

 

 وفي الرياضة شبابنا يرددون כדור סל ، ליגה ، תיקו ، שופט ، משקוף ، בוז

 

وفي الزراعة أصبحت דשא ، שורה ، תרמיל ... طاغية جدا ولا تسأل عن مجالات الطب والمحاماة . وحتى في التعليم العربي – حيث المفروض أن نحافظ على لغتنا – تجد معلمينا يتحدثون عن תלוש ، יומן ، תקן ويكررون בסדר عشرات المرات ، وقد أحصيت متعمدًا لأحد المعلمين في جلسة ما فوجدته استعمل سبعين  كلمة عبرية .

 

وتلتقي يوميًا بشبان يمزجون لغتهم بلغة عبرية ، بل يبتدعون لغة جديدة أصطَلح عليها (اللغة العِربِية) – لغة جديدة تخضع لبعض اشتقاقات العربية وصيغها ، فالأطفال أخذوا (بيجديمات) ، والمسافر (سدّر) له (كرطيسين) ، والمزارع يسأل زميله (تخّخت الأرض ورسّستها أو طفطفتها؟) ، والأم تسأل أبناءها عن (الشلاط) ... الخ .

 

مأساة لغوية خاصة بنا ، وذلك لأننا لو سمعنا منهم العبرية فقط لقلنا : حسنًا ، ها هم أبناؤنا يتقنون لغة أخرى يخاطبون بها أبناء الشعب الآخر ، ولكنهم يتحدثون بلغة لا يفهمها يهودي ، ولا يستوعبها عربي من العالم العربي من محيطه إلى خليجه . إنهم يتحدثون العربية ، على غرار اللغات الممزوجة الأخرى (ييديش) و (لادينو) و (فرانكوأراب).

 

وتسألني ما الحل أمام هذا المد الكاسح ؟

 

في ظني أن المبادرة التي قام بها أساتذة ومحاضرون في اللغة العربية لها أهميتها في هذا السياق ، وهي قيام جمعية لغوية محلية تنشط وتبتكر ترجمات مقبولة ، وتوزعها على المدارس والصحف ، فكلمة (שלט) مثلا-  نستعمل بديلاً لها (موجِّه) وكلمة (עדכן) تلائمها كثيرًا في مستواها الدلالي (حتَّـن) (منحوتة من : حتى الآن). ويجب أن تكون هذه الكلمات المبتكرة مع بداية المصطلح العبري ، فمثلاً عندما أقيم مجمع تجاري في باقة الغربية ، اصطلحوا عليه منذ تأسيسه קניון ، فلو قبلوا اقتراحي (مَشْرَى) وسجلوا الكلمة على لافتة بارزة ، وسجلوها على دفاتر الوصولات ، لأصبحت الكلمة مألوفة معروفة .

 

إن اللغة اختصار وفكرة ، فجدير بنا ألا نشعر بالنقص في لغتنا بل نحملها هي كذلك طاقات وزخمًا . ونحن بحاجة إلى توزيع الكلمات المقترحة وأشاعتها وتبنيها ، وأن تكون لفظة واحدة مقترحة لا عدة ألفاظ ، ويجب أن ترافق نشاط الجمعية اللغوية رسالة توعية يقوم بها مثقفونا على صعيد وطني واجتماعي . فمن منا يريد الانصهار ؟ أو أن يصيبنا ما أصاب الجزائريين في مطلع هذا القرن ؟

 أيها المثقفون : اعملوا على احترام مكانتكم !

 حاولوا أن توقفوا المتحدث باللغة الممتزجة ، فإذا استعمل (בסדר) نقول له أنت تقصد (تمام) ،(طيب) ، وإذا لفظ (יפה) وهو مُعجب ، نشير إليه بلفظة (جميل) ، (رائع) ، ولمن يقول (צילום) نذكره بلفظة (صورة) ، إلخ ، نصححه بلطف ، ونشعره أنه لا يحسن العربية ، ونذكّره بقصة الغراب الذي أراد أن يمشي مشية الحجل .

 

وفي الختام ، قرأت مقالتي هذه – قبل أن تصلكم – على مسمع زوجتي ، فما كان منها إلا أن علقت – وقد نسيت – (כל הכבוד) هززت رأسي مستنكرًا ، ولكنها سرعان ما استدركت وفهمت سر استنكاري وقالت (كل الاحترام)!

 

 

                               روح رياضية أم أنها قبلية ؟!!

 

 

     لسببٍ ما كنت وما زلت بعيدًا عن المباريات الرياضية (إلا في المباريات العالمية المصيرية والمثيرة) ، ذلك لأنني كنت أشهد في نهاية الألعاب معارك حامية الوطيس . كنت حينها أتهم السلطة مرة بتأجيجها ، والشرط عادة يقفون حياديين على حدة (إلا إذا كان أحد الفريقين يهوديًا) . ومرة كنت أتهم أنفسنا نحن (عرب يا رسول الله ! ) ، من طبعنا أن (نتشاطر) على بعضنا ، وأن نبحث عن مصادر الشر نلاقيه بالتعصب والمرجلة .

 

وقد شجعت في إحدى حماساتي أشبالنا الرياضيين وذلك في أواخر الستينيات فقلت :

 أشبـــالنـا يا فخـرنا ......... ألعابكم تحيي المنى

أشبــالنــا يا عـزنا ..........   إذ تغلبون لنا الهنا

كرة تساق إلى هنا ........ .   هدف لنا هدف لنا

في كل لعب لعبكم ........   .  فن يجيش الألسنا

 

 ولكن مثل هذه القصيدة - الأغنية لم تحُـل دون وقوع عراك عنيف بين فريقي باقة وجت ، فالفن أصبح في العراك والتحدي .

 

واليوم وبعد أن قطعنا مراحل في الوعي الاجتماعي أسأل :

 

        لماذا هذه الأحقاد وهذا الغليان وهذا التعصب الجماعي القبلي ؟!

 بالمئات الكثيرة يساقون كلهم في اعتداءات : فيضربون ، ويهجمون ، ويجنّون ، ويعادون أشخاصًا لم يكونوا قد رأوهم أو عرفوهم ، لا لسبب إلا لأنهم من قرية الخصم .

 أهكذا إذن هو التشجيع ؟ تشجيع الغوغائية غير المبررة ؟!

 

فهل شبابنا يعيشون في فراغ إلى هذا الحد ، حتى إذا جاء يوم السبت صبوه نقمة مشتدة الأوار ؟

 

سألت صديقا لي يتابع المباريات :

 هل تجري هذه المعارك في الوسط اليهودي ؟

 

فأجابني : هي بنسبة أقل ، وأنصحك ألا تقف أمام المد الحماسي الجارف لفريق من فرقنا، فقد لا يحترمونك.

 

وسألت نفسي متحسرًا : لماذا لا نرى هذا الجمهور أو الجم الغفير في لقاء ثقافي فكري ؟

 

وتذكرت أنني كنت مدعوًا ونخبة من الأدباء إلى لقاء ثقافي في كفر ياسيف ، واتفق أن كان مقر النادي مجاورًا للملعب ، وكانت الآلاف تحدق بالميدان ، وتراقب حركات أقدام اللاعبين وسط ضجيج وهتافات ومسبات ونخوات . أما النادي فكان خِلوا باستثناء الأدباء المشاركين ، والحمد لله .

تمنى أحدنا : ليس لي أمنية بعد هذا العمر إلا أن يكون لي ذات مرة جمهور مستمع  بهذا الحشد ، لو اشترى هؤلاء كتبنا فنحن بألف خير . وبينما نحن في أوهامه سمعنا هتافا بالعبرية (بوز) ولم نعرف إن كانوا قد وجهوا لنا هذه السخرية كذلك.

 

قلت لصاحبي : تعال نوصل الأدب إلى أحد العراك ، فربما ينقسم الجمهور إلى قسمين ، ولا غرو في ذلك ، فقد كان جيش المهلب بني أبي صفرة ينقسم إلى فئتين بسبب جرير والفرزدق . وسمعنا صراخ (بوز) ثانية .

 

وإذا كنا تنازلنا عن لقائنا الأدبي ، وذهبنا لنشاهد معركة قدَمية لا فكرية فإننا لا نزال نتساءل :

 

ولماذا لا تكون الرياضة تنمية جسمانية وذهنية حتى يصبح العقل سليمًا ؟

ولماذا هذه الغرائز البدائية والأحقاد القبلية حتى أصبحنا نحاسب المجموع بجريرة الفرد ، وحتى نحاسب هذه السنة عما جرى في العام الماضي ؟

 أهكذا ننسى الضيافة العربية والقيم النبيلة بهذه السهولة ؟

 

وأخيرا لي رجاء : أن تكون الرياضة بين شبابنا وسيلة محبة وتعارف وألفة وأواصر ، ولتسمحوا لي أن أدخل هدفا في شبكتكم من غير أن تسبوني .

 

 

                                                    القمع وقتل الأفكار

 

قال فولتير : " أنا أخلفك الرأي ، ولكني مستعد أن أموت في الدفاع عن حقك في التعبير".

 

مثل هذا القول ينطلق من الثقة بالنفس، ويؤدي إلى الانفتاح وإلى القابلية لإعادة النظر في كل المسَلّمات ...

 

وقبل أن أتطرق إلى فكرة أحدهم  ، أؤكد معارضتي لها مبدئيًا ، بيد أن  اجتهاده يجب ألا يصل بنا إلى الكتابة عنه أنه "ساقط سياسيًا" ، "نُفخ كالبالون في غفلة من الزمن" ، "يسير في درب الخيانة" ، فمثل هذا التجريح والتحريض ساقَ من ساق إلى حرق سيارته ، ولا نستغرب غدًا إن كلفوا عزرائيل بمهمته .

إن أنصار القمع والردع وكمّ الأفواه بين ظهرانَينا ليسوا قلة ، وأنا لا أدري متى كان إجماع ما على أي نهج ، وفي أي عصر،  وفي أي ظرف ، بل أية عائلة ؟!

 

بالأمس البعيد  قتل سامي طه ، ثم تهاوت شخصيات أخرى – السباعي ، السرطاوي ، ظافر المصري ...

 

لماذا؟ لأن فئة ما قررت ذلك ، وحاكمتهم محاكمة ميدانية ،

 ونتساءل وبحق : لماذا لا تكون لأية مؤسسة  محكمتها التي تبت وتنذر قبل أن يستبد المستبدون ويأكل القوي الضعيف ؟

 

أكلما خرج فرد منا عن أي إجماع نقتله ؟ ألا توحي لنا لبنان بعبرة ؟ فالكل فيها يقتل الكل ، ونحن لا نعرف الأساس من الرأس .

 

وثمة مزالق إبداء الرأي في كل (تابو) – مَحْرَم – سواء كان سياسة أو دينًا أو جنسًا ، ولكن-  أصلا - لماذا يتجه فكرنا اتجاهًا سلطويًا ؟

 

فهذا د. سليمان بشير كان يرى رأيًا هو بحد ذاته غريب مريب يتعلق بالرسالة المحمدية ، فلماذا لم يتصد له دارس باحث يقارعه الأمر ، بل اكتفينا باتهامه أنه " عميل صهيوني " ، " موتور ..."  و .... ، فالإسلام – أيها السادة – ليس هشًّا إلى درجة أنه لا يحتمل فكرًا مغايرًا ومعارضًا ، والإسلام الذي لم يُطح به الراوندي وسائر الفلاسفة الملحدين لن يضيره إلا التهرب من كل مناقشة .

وتصوروا معي لو يطالب معلم أن نبدأ بالتربية الجنسية وتعميمها على طلابنا وطالباتنا ، فإن القيامة ستقوم عليه ، وسيسألونه : وهل ترضى بذلك لابنتك أو لأختك ؟

باختصار : نحن بحاجة إلى مناقشة الرأي لا قمعه ، إلى استيعاب ما يُقال قبل الحكم عليه بالإعدام ( حقيقة أو مجازًا ) ...فبالجدل تتضح الصورة ، ونصبح شعبًا حضاريًا ...

وبالقمع يقتل الكل فينا الكل .....

                                                        الكلام على عواهنـــه

 

في أحاديثنا وشجونها ، وفي نقاشاتنا وحدتها ، يكثر الكلام المجّاني ، وتزداد سوقه ، فإذا كانت الشخصية المتحدثة ذات قوة معنوية أو عبارة أدائية ،(ورحم  الله عبد الله القصيمي الذي اعتبرنا ظاهرة صوتية ) فإنه يستجلب أنصارًا لدعم رأيه – رغم ما فيه من ضآلة وضحالة .

 

عرفت أديبًا يملك هذه القوة السحرية ، فهو اللغوي ، وهو الاجتماعي ، وهو الفيلسوف ، وهو المؤرخ ، وهو المنظّر ، وهو .....

إن خضت موضوعًا كنت درسته جيدًا ألفيته يسابقك القول ، ويقزّم مصادرك ومراجعك .

فإن عدت إليه بالحجة الساطعة أقحم في أقواله أمورًا تتعلق بشخصك أنت تصل أحيانًا إلى التعريض بك ، بل نفيك .ولا يلبث أن يقحمك في نقاش جديد ، وفي متاهة أخرى ، بمماحكة واستعداء ، وحوار ساخن وصداع ، ولا وداع ، وقد يؤدي إلى قطيعة .

 

اقترحت على بعض من ابتليت بهم أن يكتب ما يقوله – جزافًا – ويخطه ، إيمانًا مني وتيمنًا بأنه في  الكتابة  سيكتشف جزافيته وشططه . كما اقترحت على البعض الآخر ألا يثق إلا بالمراجع المختصة – لا الثانوية  ، وألا يغلق باب الاجتهاد ، وخاصة في مسائل لغوية وأدبية مفتوحة أمام جوازات محتملة .

ولكن ،

لو كان الأمر مقت