د . فاروق مواسي

 

    حديث ذو شجون

 

الطبعة الأولى : دائرة الثقافة العربيــة

                    مطبـعة النــهضة الناصرة - 1994

 

 في هذا الكتاب مقالات اجتماعية - أدبية  ، ويمكنك الوصول إلى ما تبغي عن طريق محرك البحث

crtl F

 

                                         الوطنية المعاملة

 

 

     يقول الحديث الشريف " الدين المعاملة " - وهو درس يعلمنا أن الدين ليس قصرًا على الصيام والقيام بالصلاة وإعفاء اللحى والتمتمة المتظاهرة ، بل إن الدين هو النصيحة ، هو المسلك بما يتضمنه من أمانة وشهامة وشرف وصدق ووفاء ...

وإذا كان " الدين هو المعاملة " فكم أحرى أن تكون الوطنية كذلك ، وهي أعني الوطنية - معتقد يدين به الكثيرون على الأقل في مستوى شكلي . ذلك لأن بعضنا حسِب الوطنية معنى مجردًا ، يتمثل في أن يتحمس لخط سياسي ما ، وهي تتحدث عن " عزتنا " و " مجدنا" و" إبائنا " ... الخ من هذه التعابير الماثلة فخامة وجزالة .

وقد يظن من يظن أن الوطنية تتمثل في تهور (أعني التهور فقط) يقوم به أحدهم ، فيودَع في السجن ، ثم ما يلبث أن يحصل على شهادة أنه خريج من مدرسة وطنية ....
وفي هذا السياق لا بد لي من ذكر فكاهة : تمرد أحد عملاء البريطانيين ذات مرة بعد أن خيب أسياده أمله ، فأخذ يصرخ ويهتف : (فليسقط الإنجليز ! ) ،

( فليسقط الانتداب البريطاني) ! ، ولكن الإنجليز لم يحركوا أمامه ساكنًا ، فتضايق هذا ، وأخذ يصرخ وهو يحملق عينيه L اسجنوني .... أتحدااااااكم! ،
لكن الضابط الإنجليزي قال له ، وهو يربت كتفه : " يا خبيبي ما نسجنك حتى لو سبيت الملكة ... بكرة بتروخ بطل .....".

ولرب مستفتٍ يتساءل : وما هي الوطنية إذن ؟ أليست تتلخص في مقارعة العدو ؟
وأنا لا أنكر أنها عماد في الوطنية ، ولكني أشك بسلوك بعض من يدعونها ......
فاسمحوا لي أن " أفش خلقي" كما قال يوسف فرح ذات كتابة :
كيف يكون معلم وطنيًا ، وهو يقدم الشهادات المرضية المزيفة واحدة تلو الأخرى ليبرر غيابه ؟

كيف يكون معلم اللغة العربية وطنيًا مثلاً - ما دام لا ينقــح إنشاء الطلاب البتة ؟
وكيف يكون وطنيًا من لا يزيد في معلوماته - من مصادر ومراجع مستجدة حتى يفيد نفسه ثم طلابه ، فيغنى ويغني .

والصانع هل يكون وطنيًا ما دام خلف الوعد دينه وديدنه ، وما دام يكذب ويغش ناسيًا الحديث : " من غشنا فليس منا" ؟

ولا أدري كيف يكون شخص مقاول وطنيًا ما دام همه ووكده أن يستغل محتكرًا عماله (أو عاملاته)  ، وما أكثر ذلك مع الأسف ، فيقدم لهم (لهن) أبخس الأجور من غير أن يؤدي حقوقا تأمينية مختلفة .

 

ولا أدري كيف يكون المسئول وطنيًا ما دام يحابي ويتحيز ، ويتحين الفرصة للانقضاض على خصمه السياسي وعلى جماعته ، من غير أن يجعل من قوته وسيلة للوصول إلى الناس بعفو عند المقدرة .

   
ولا أدري كيف يكون فلانًا وطنيًا ما دام يتاجر باستغلال ، فيلتهم أضعاف ما يستحق ، أو يكذب علان ويتناسى أنه يكذب إلى درجة أنه يصدق كذبته شأنه شأن جحا ، وذلك بعد أن كذب على الصغار .
    
الوطنيـــة - أيها المدعون بها هي العزوف عن الانتهازيـــة والاختلاسات السرية والعلنية ، والأنانية .
هي المعاملة والنصيحة ـ، وهي ليست معنى رومانسيًا خياليًا ، وادعاءً استعراضيًا ، و " بلـــعًــا تسجيليًا وغير تسجيلي .
وقبل " حب الوطن " أرضًا ونبتًا وطيرًا ونسيمًا ما أجدرنا أن نحب الإنسان في الوطن ، أن نخلص ونعطي ، أن نبحث عن حريتنا وكرامتنا ، فنعيش مع أصدقائنا وجيراننا وزملائنا بحرية وتكافل ، لا بتربص وبتضايق ......فتلك هي الوطنيـــة بالمعنى الأسمى .
وفي الختام اقرأوا معي أبيات أدونيس التي تتوافق مع بعض رؤيتي في هذا المقال :

"
غدًا عندما بلادي تغني
أنا الحب يُؤثر عني
بوجهــــي محوت السوادا
وصرت لكل بلاد بلادا
فلم يبق في أرضنا ظلام ولم يبق شر
فقل : " أنا حر ، وأنت حر " .....

 

 

ازدواجيـــة السلوك

 

لطفًا ! اقرأ الظواهر التالية واستقرئها !

 

*  والد يعلم أحد أبنائه في مدرسة ثانوية عبرية ، ويعلم ابنه الآخر في  مدرسة ثانوية في قريته .

  دُعي لحضور اجتماع أولياء أمور الطلاب في كل من المدرستين ، وفي   وقتين مختلفين .

يحضر الأب قبل نصف ساعة  إلى المدرسة العبرية ، ويجلس بوقار منتظرًا ، بينما لا يرى ضرورة أبدًا لأن ينظر إلى بطاقة الدعوة التي وجهتها المدرسة المجاورة لبيته .

 

   *  سائق قروي يسافر في شوارع كفار سابا أو في كفار آتا وفق قوانين السير : هادئ ، ما شاء الله !

يصل صاحبنا إلى قريته ، فلا يتقيد بقوانين السير ، ولا بالقيم : يلقي الأوساخ عبر النافذة ، يبصق من النافذة ، يقوم بـ " حركة " ، يقف وراء سيارة ، ويحــول بينها وبين مواصلة سيرها .

 

* عامل  مهني في القرية ( م ) يتنمرد ويغضب ، يهمل الأمور التي عُهدت إليه ، وعندما يعمل في المدينة اليهودية المجاورة تراه لطيف العشرة ، يشرح ، ويوضح ما قام به من عمل ، ويحافظ على متطلبات الناس وراحتهم .

 

*  موظف قروي يعمل يومين في تل أبيب ، ويومين في بلده . في المدينة تجده محافظًا على قوانين العمل ، ومنضبطًا ، وللوقت لديه معنى ، بينما هو في القرية يتغيب بعذر وبدون عذر ، يماطل ، ولا يحفل بأحد .

 

*  الصك الذي يُكتب في نتانيا غالبًا ما يكون له رصيد .

الصكوك هنا كثيرة في القرية ، وكثيرًا ما تكون كاذبة من ساعة توقيعها ، أو قبل ذلك بقليل ، والحق !

 

*  س  من العرب يقف أمام الشرطي دافيد متطامنًا ، بينما يقف أمام قاض  من أبناء جلدته ، وكأن القاضي في نظره لا شيء .

 

*  معلم قروي يحسب ألف حساب للمفتش الذي وفد من هرتسليا ، ويأخذ بتملقه ومداراته ، بينما تتغير نغمته إذا عرف أن هذا المفتش من بني العروبة ، فعندها تنهال الأسئلة : ومن هذا ؟ وما ثقافته ؟ ومن الذي عينه ؟ ولماذا لا يأتيني دون أن يعلمني ؟

 

*  مثقف قروي يتواضع جدًا وهو يخاطب الدكتور أبراهام ، بينما يستكثر أو يستكبر أو يستثقل أن يخاطب عربيًا ، ويقول له : دكتور إبراهيم !

 

* فلان الذي تعلم في أوروبا يستعمل ألفاظًا مهذبة هناك ، نحو : من فضلك ! هل تسمح ؟ آسف ! شكرًا ! لطفًا !......بينما لا تدخل هذه الألفاظ قاموسه في القرية  .

 

 *  شخص قروي  سياسي يحاور يوسف الأحمد  جاره، فترتفع وتيرة النقاش بينهما  وكأنهما في شجار حقيقي ، بينما في نقاشه حول القضية نفسها مع  يوسي  ينتظر بفارغ الصبر ليدلي دلوه بكلام هادئ متزن .

 

*  يزور بعضنا مكاتب ودوائر في حيفا والخضيرة ، فنقف بالدور منتظمين ،  وفي القرية عندما نضطر للوقوف نتعجل ، أو نستأذن لسبب أو لآخر ، أو نشير للموظف الذي لنا به علاقة -  بأن ييسر الأمر وبأقصر الأوقات ...أو على الأقل نهمهم بالشتائم لأننا ننتظر طويلاً .

 

*   ننضبط أمام المشغّل في المستوطنة ، ونلتزم له بالموعد وبتنفيذ العمل كما اتُفق ،  بينما  نحن في القرية نماطل ونكذب ، وتنتهي " الشغلة " على شبه عداء .

 

وحتى أفكارنا هنا تختلف عن أفكارنــــا هناك شكلاً ومضمونًا  !!!!

وقس على ذلك نماذج وعينات ، ثم اسأل معي :

ما سر هذه التغيرات في السلوك ؟ لماذا هذه الازدواجية ؟

 

  هل هو تقيد بالأنظمة ، وانقياد لها هناك بدافع الخوف ؟                               

  أو للمراءاة بأننا أبناء حضارة مثلهم ؟

     هل هو شعور بالنقص إزاءهم ، أو على الأقل اقتناع داخلي بصحة مسالكهم ، وإعجاب بهم ؟

    هل هو خلق نتزيّا به مؤقتًا على قول من قال في تجنيس :  "ودارهم ما دمت في دارهم " ؟

 

لقد أشار البحتري إلى أن تشاكل الأخلاق بين الأقوام المختلفة تقرب المسافات بينهم :

إذا  تشاكلت الأخلاق واقتربت

                                 دنت مسافة بين العرب والعجم

فهل يكون هذا ربما سببًا لمجاراتنا ما جرى عليه الآخرون وكأننا نريد بهذا أن نشاكل شكليًا -  الحضارة الأوروأمريكية ؟!

ولكن ذا الإصبع العَدواني  يذكّرنا بقوله :

كل امرئ راجع يومًا لشيمته

                            وإن تخلق أخلاقًا إلى حين

 

يعني ذلك أن شيمتنا الحقيقية وطباعنا كما هي تتجلى في القرية وبين ظهرانــَي أهليها ؟!  وفي مساحة أراضيها ؟ ؟ !

 

وأخيرًا : ما سبب مثل هذه الظواهر ؟

 

السبب الرئيسي - في تقديري أن الشخص من هذا القبيل هو عمليًا لا يحترم نفسه ، ومن ثم لا يحترم عروبته ، ولا إخاله يرعوي عن استعمال لفظة " عربي " في معرض الشتائم كما يفعل غلاة اليمين المتطرف - ، فهو بوعي أو بغير وعي يربط بين العربي واللا نظام  ، وبين العربي واللا صدق  ، وبين العربي واللا مسؤولية  ، ولذا فهو يتصرف بسلوكين مختلفين .

ومن جهة أخرى فإن العربي الذي يحترم ذاته ، ويحترم شعبه له سلوك واحد ، وموقف واحد ، وأخلاقه تجري على نسق واحد وفق مقاييس النظام واحترام الآخر ، والإخلاص للعمل ....

وما أحوجنـــا إلى ذلك !

نعم ، ما أحوجـــنـــا  !

 

                                  

 

 

                                   اللغة العِــرْبِـِـــية

 

 

جرس يقرع :

 

نحن أمام خطر لغوي داهم . اللغة العبرية تجتاحنا ، وفي كل فن وفي كل مجال ، وحتى لدى الأطفال في مثل هذا الحوار :

 

-         أعطني סבוב !

 

-         لا. أنت ما أطعمتني من الـ עוגה !

 

 وفي الرياضة شبابنا يرددون כדור סל ، ליגה ، תיקו ، שופט ، משקוף ، בוז

 

وفي الزراعة أصبحت דשא ، שורה ، תרמיל ... طاغية جدا ولا تسأل عن مجالات الطب والمحاماة . وحتى في التعليم العربي حيث المفروض أن نحافظ على لغتنا تجد معلمينا يتحدثون عن תלוש ، יומן ، תקן ويكررون בסדר عشرات المرات ، وقد أحصيت متعمدًا لأحد المعلمين في جلسة ما فوجدته استعمل سبعين  كلمة عبرية .

 

وتلتقي يوميًا بشبان يمزجون لغتهم بلغة عبرية ، بل يبتدعون لغة جديدة أصطَلح عليها (اللغة العِربِية) لغة جديدة تخضع لبعض اشتقاقات العربية وصيغها ، فالأطفال أخذوا (بيجديمات) ، والمسافر (سدّر) له (كرطيسين) ، والمزارع يسأل زميله (تخّخت الأرض ورسّستها أو طفطفتها؟) ، والأم تسأل أبناءها عن (الشلاط) ... الخ .

 

مأساة لغوية خاصة بنا ، وذلك لأننا لو سمعنا منهم العبرية فقط لقلنا : حسنًا ، ها هم أبناؤنا يتقنون لغة أخرى يخاطبون بها أبناء الشعب الآخر ، ولكنهم يتحدثون بلغة لا يفهمها يهودي ، ولا يستوعبها عربي من العالم العربي من محيطه إلى خليجه . إنهم يتحدثون العربية ، على غرار اللغات الممزوجة الأخرى (ييديش) و (لادينو) و (فرانكوأراب).

 

وتسألني ما الحل أمام هذا المد الكاسح ؟

 

في ظني أن المبادرة التي قام بها أساتذة ومحاضرون في اللغة العربية لها أهميتها في هذا السياق ، وهي قيام جمعية لغوية محلية تنشط وتبتكر ترجمات مقبولة ، وتوزعها على المدارس والصحف ، فكلمة (שלט) مثلا-  نستعمل بديلاً لها (موجِّه) وكلمة (עדכן) تلائمها كثيرًا في مستواها الدلالي (حتَّـن) (منحوتة من : حتى الآن). ويجب أن تكون هذه الكلمات المبتكرة مع بداية المصطلح العبري ، فمثلاً عندما أقيم مجمع تجاري في باقة الغربية ، اصطلحوا عليه منذ تأسيسه קניון ، فلو قبلوا اقتراحي (مَشْرَى) وسجلوا الكلمة على لافتة بارزة ، وسجلوها على دفاتر الوصولات ، لأصبحت الكلمة مألوفة معروفة .

 

إن اللغة اختصار وفكرة ، فجدير بنا ألا نشعر بالنقص في لغتنا بل نحملها هي كذلك طاقات وزخمًا . ونحن بحاجة إلى توزيع الكلمات المقترحة وأشاعتها وتبنيها ، وأن تكون لفظة واحدة مقترحة لا عدة ألفاظ ، ويجب أن ترافق نشاط الجمعية اللغوية رسالة توعية يقوم بها مثقفونا على صعيد وطني واجتماعي . فمن منا يريد الانصهار ؟ أو أن يصيبنا ما أصاب الجزائريين في مطلع هذا القرن ؟

 أيها المثقفون : اعملوا على احترام مكانتكم !

 حاولوا أن توقفوا المتحدث باللغة الممتزجة ، فإذا استعمل (בסדר) نقول له أنت تقصد (تمام) ،(طيب) ، وإذا لفظ (יפה) وهو مُعجب ، نشير إليه بلفظة (جميل) ، (رائع) ، ولمن يقول (צילום) نذكره بلفظة (صورة) ، إلخ ، نصححه بلطف ، ونشعره أنه لا يحسن العربية ، ونذكّره بقصة الغراب الذي أراد أن يمشي مشية الحجل .

 

وفي الختام ، قرأت مقالتي هذه قبل أن تصلكم على مسمع زوجتي ، فما كان منها إلا أن علقت وقد نسيت (כל הכבוד) هززت رأسي مستنكرًا ، ولكنها سرعان ما استدركت وفهمت سر استنكاري وقالت (كل الاحترام)!

 

 

                               روح رياضية أم أنها قبلية ؟!!

 

 

     لسببٍ ما كنت وما زلت بعيدًا عن المباريات الرياضية (إلا في المباريات العالمية المصيرية والمثيرة) ، ذلك لأنني كنت أشهد في نهاية الألعاب معارك حامية الوطيس . كنت حينها أتهم السلطة مرة بتأجيجها ، والشرط عادة يقفون حياديين على حدة (إلا إذا كان أحد الفريقين يهوديًا) . ومرة كنت أتهم أنفسنا نحن (عرب يا رسول الله ! ) ، من طبعنا أن (نتشاطر) على بعضنا ، وأن نبحث عن مصادر الشر نلاقيه بالتعصب والمرجلة .

 

وقد شجعت في إحدى حماساتي أشبالنا الرياضيين وذلك في أواخر الستينيات فقلت :

 أشبـــالنـا يا فخـرنا ......... ألعابكم تحيي المنى

أشبــالنــا يا عـزنا ..........   إذ تغلبون لنا الهنا

كرة تساق إلى هنا ........ .   هدف لنا هدف لنا

في كل لعب لعبكم ........   .  فن يجيش الألسنا

 

 ولكن مثل هذه القصيدة - الأغنية لم تحُـل دون وقوع عراك عنيف بين فريقي باقة وجت ، فالفن أصبح في العراك والتحدي .

 

واليوم وبعد أن قطعنا مراحل في الوعي الاجتماعي أسأل :

 

        لماذا هذه الأحقاد وهذا الغليان وهذا التعصب الجماعي القبلي ؟!

 بالمئات الكثيرة يساقون كلهم في اعتداءات : فيضربون ، ويهجمون ، ويجنّون ، ويعادون أشخاصًا لم يكونوا قد رأوهم أو عرفوهم ، لا لسبب إلا لأنهم من قرية الخصم .

 أهكذا إذن هو التشجيع ؟ تشجيع الغوغائية غير المبررة ؟!

 

فهل شبابنا يعيشون في فراغ إلى هذا الحد ، حتى إذا جاء يوم السبت صبوه نقمة مشتدة الأوار ؟

 

سألت صديقا لي يتابع المباريات :

 هل تجري هذه المعارك في الوسط اليهودي ؟

 

فأجابني : هي بنسبة أقل ، وأنصحك ألا تقف أمام المد الحماسي الجارف لفريق من فرقنا، فقد لا يحترمونك.

 

وسألت نفسي متحسرًا : لماذا لا نرى هذا الجمهور أو الجم الغفير في لقاء ثقافي فكري ؟

 

وتذكرت أنني كنت مدعوًا ونخبة من الأدباء إلى لقاء ثقافي في كفر ياسيف ، واتفق أن كان مقر النادي مجاورًا للملعب ، وكانت الآلاف تحدق بالميدان ، وتراقب حركات أقدام اللاعبين وسط ضجيج وهتافات ومسبات ونخوات . أما النادي فكان خِلوا باستثناء الأدباء المشاركين ، والحمد لله .

تمنى أحدنا : ليس لي أمنية بعد هذا العمر إلا أن يكون لي ذات مرة جمهور مستمع  بهذا الحشد ، لو اشترى هؤلاء كتبنا فنحن بألف خير . وبينما نحن في أوهامه سمعنا هتافا بالعبرية (بوز) ولم نعرف إن كانوا قد وجهوا لنا هذه السخرية كذلك.

 

قلت لصاحبي : تعال نوصل الأدب إلى أحد العراك ، فربما ينقسم الجمهور إلى قسمين ، ولا غرو في ذلك ، فقد كان جيش المهلب بني أبي صفرة ينقسم إلى فئتين بسبب جرير والفرزدق . وسمعنا صراخ (بوز) ثانية .

 

وإذا كنا تنازلنا عن لقائنا الأدبي ، وذهبنا لنشاهد معركة قدَمية لا فكرية فإننا لا نزال نتساءل :

 

ولماذا لا تكون الرياضة تنمية جسمانية وذهنية حتى يصبح العقل سليمًا ؟

ولماذا هذه الغرائز البدائية والأحقاد القبلية حتى أصبحنا نحاسب المجموع بجريرة الفرد ، وحتى نحاسب هذه السنة عما جرى في العام الماضي ؟

 أهكذا ننسى الضيافة العربية والقيم النبيلة بهذه السهولة ؟

 

وأخيرا لي رجاء : أن تكون الرياضة بين شبابنا وسيلة محبة وتعارف وألفة وأواصر ، ولتسمحوا لي أن أدخل هدفا في شبكتكم من غير أن تسبوني .

 

 

                                                    القمع وقتل الأفكار

 

قال فولتير : " أنا أخلفك الرأي ، ولكني مستعد أن أموت في الدفاع عن حقك في التعبير".

 

مثل هذا القول ينطلق من الثقة بالنفس، ويؤدي إلى الانفتاح وإلى القابلية لإعادة النظر في كل المسَلّمات ...

 

وقبل أن أتطرق إلى فكرة أحدهم  ، أؤكد معارضتي لها مبدئيًا ، بيد أن  اجتهاده يجب ألا يصل بنا إلى الكتابة عنه أنه "ساقط سياسيًا" ، "نُفخ كالبالون في غفلة من الزمن" ، "يسير في درب الخيانة" ، فمثل هذا التجريح والتحريض ساقَ من ساق إلى حرق سيارته ، ولا نستغرب غدًا إن كلفوا عزرائيل بمهمته .

إن أنصار القمع والردع وكمّ الأفواه بين ظهرانَينا ليسوا قلة ، وأنا لا أدري متى كان إجماع ما على أي نهج ، وفي أي عصر،  وفي أي ظرف ، بل أية عائلة ؟!

 

بالأمس البعيد  قتل سامي طه ، ثم تهاوت شخصيات أخرى السباعي ، السرطاوي ، ظافر المصري ...

 

لماذا؟ لأن فئة ما قررت ذلك ، وحاكمتهم محاكمة ميدانية ،

 ونتساءل وبحق : لماذا لا تكون لأية مؤسسة  محكمتها التي تبت وتنذر قبل أن يستبد المستبدون ويأكل القوي الضعيف ؟

 

أكلما خرج فرد منا عن أي إجماع نقتله ؟ ألا توحي لنا لبنان بعبرة ؟ فالكل فيها يقتل الكل ، ونحن لا نعرف الأساس من الرأس .

 

وثمة مزالق إبداء الرأي في كل (تابو) مَحْرَم سواء كان سياسة أو دينًا أو جنسًا ، ولكن-  أصلا - لماذا يتجه فكرنا اتجاهًا سلطويًا ؟

 

فهذا د. سليمان بشير كان يرى رأيًا هو بحد ذاته غريب مريب يتعلق بالرسالة المحمدية ، فلماذا لم يتصد له دارس باحث يقارعه الأمر ، بل اكتفينا باتهامه أنه " عميل صهيوني " ، " موتور ..."  و .... ، فالإسلام أيها السادة ليس هشًّا إلى درجة أنه لا يحتمل فكرًا مغايرًا ومعارضًا ، والإسلام الذي لم يُطح به الراوندي وسائر الفلاسفة الملحدين لن يضيره إلا التهرب من كل مناقشة .

وتصوروا معي لو يطالب معلم أن نبدأ بالتربية الجنسية وتعميمها على طلابنا وطالباتنا ، فإن القيامة ستقوم عليه ، وسيسألونه : وهل ترضى بذلك لابنتك أو لأختك ؟

باختصار : نحن بحاجة إلى مناقشة الرأي لا قمعه ، إلى استيعاب ما يُقال قبل الحكم عليه بالإعدام ( حقيقة أو مجازًا ) ...فبالجدل تتضح الصورة ، ونصبح شعبًا حضاريًا ...

وبالقمع يقتل الكل فينا الكل .....

                                                        الكلام على عواهنـــه

 

في أحاديثنا وشجونها ، وفي نقاشاتنا وحدتها ، يكثر الكلام المجّاني ، وتزداد سوقه ، فإذا كانت الشخصية المتحدثة ذات قوة معنوية أو عبارة أدائية ،(ورحم  الله عبد الله القصيمي الذي اعتبرنا ظاهرة صوتية ) فإنه يستجلب أنصارًا لدعم رأيه رغم ما فيه من ضآلة وضحالة .

 

عرفت أديبًا يملك هذه القوة السحرية ، فهو اللغوي ، وهو الاجتماعي ، وهو الفيلسوف ، وهو المؤرخ ، وهو المنظّر ، وهو .....

إن خضت موضوعًا كنت درسته جيدًا ألفيته يسابقك القول ، ويقزّم مصادرك ومراجعك .

فإن عدت إليه بالحجة الساطعة أقحم في أقواله أمورًا تتعلق بشخصك أنت تصل أحيانًا إلى التعريض بك ، بل نفيك .ولا يلبث أن يقحمك في نقاش جديد ، وفي متاهة أخرى ، بمماحكة واستعداء ، وحوار ساخن وصداع ، ولا وداع ، وقد يؤدي إلى قطيعة .

 

اقترحت على بعض من ابتليت بهم أن يكتب ما يقوله جزافًا ويخطه ، إيمانًا مني وتيمنًا بأنه في  الكتابة  سيكتشف جزافيته وشططه . كما اقترحت على البعض الآخر ألا يثق إلا بالمراجع المختصة لا الثانوية  ، وألا يغلق باب الاجتهاد ، وخاصة في مسائل لغوية وأدبية مفتوحة أمام جوازات محتملة .

ولكن ،

لو كان الأمر مقتصرًا على القول لهانت الأمور  ، فالمماحكات والمناكفات ستستمر  لأسباب شخصية وغير شخصية  ، وقد أشار الشاعر نزار قباني إلى مثل هذه :

السر في مأساتنا

صراخنا أضخم من أصواتــــنا .

 

                                            المنتفخون والمتسلقون

 

    ثمة نفر في مجتمعنا يطعمون أنفسهم جوزًا فارغًا ، ويحمّلون أنفسهم ما لا طاقة لهم به . الكبرياء الجوفاء سَــداهم ولحمتهم ، والادعاء مبتدأهم وخبرهم . فمن مدع بالعلم وهو ما زال يحبو في فهم المقروء ، ومن متطاول في ميدان ما وهو لم يعلم الهمزباء فيه ، وقس على ذلك في الصناعة والسياسة والدين والفنون .....

ومجتمعنا يترك لهم المِقود من غير أن يتجرأ أن يقول للأعوج " أعوج " ، وكله عند العرب " مسح لحى " ، حتى بلغ بنا الأمر ألا نجرؤ على الذهاب إلى محكمة لندين ظالمًا ظلم  ، وسكتنا في وقت وجب فيه أن نتكلم ،  واختلط علينا الأمر، أو الشحم بالورم  - على رأي المتنبي .

وهؤلاء الذين في شحمهم ورم يتسلقون ويتسنمون مناصب ليسوا أهلاً لها ، وذلك بتفويض من هذه السلطة العادلة جدًا التي تدَع الرجل المناسب لاصقًا في المكان المناسب ، وهذه السلطة لا تتلاعب أبدًا بمقدراتنا ، ولا تستهزئ بمؤهلاتنا !!

 

ونحن إزاء ذلك غايتنا تبرر كل وسيلة ، فمن وصل بـفَهلوية على حد تعبير صادق جلال العظم لا يخلد إلى السكينة ، بل  يشرع في التطاول على من هو أقدر منه ......

 وهذا المغبون حقه أن يكرر :

" ضعيف يقاويني قصير يطاول " ،

 ولكن من يسمع ؟!

وأنى توجهت تجد منتفخًا هنا ، ومتسلقًا هناك ، حتى اختلط الحابل بالنابل ، والقارئ بالجــارئ .

 

والأدهى والأمرّ أن تجد بعض هؤلاء الفارغين ، وهم بمظهر الادعاء والأستاذية والتعالم ، مع أن الإنسان المملوء حكمة وخبرة يكون متواضعًا بطبعه ، أنيسًا إلى القلوب والعقول .

وما زلت أذكر درسًا تعلمته في قراءة السكاكيني  " الجديد " يروي أن رجلاً صحب ابنه إلى حقل فيه سنابل . لاحظ الصغير أن بعض السنابل قد خفضت رأسها ، وأن البعض الآخر شامخ إلى الأعلى .

سأل الصغير أباه عن سر ذلك ، فشرح له بأن من يمتلئ رأسه بالعلم يخفض رأسه تواضعًا ، تمامًا كالسنبلة الممتلئة حبًا ، ومن هو فارغ يشمخ إلى الأعلى .

وبعد ذلك بسنين وجدت المعنى في بيت شعر :

ملأى السنابل تنحنـــي بتواضـــع

                            والفارغات رؤوسهن شوامـــخ

كذلك يقول البحتري في أحد ممدوحيه بهذا المعنى :

تواضع من مجد له وتكرّم

                              وكل عظيم لا يحب التعظــما

                  

*                 *                 *

 

ومن جهة أخرى فإن الترفع عن هؤلاء المتعجرفين وعن مجالستهم ضرورة هامة للحؤول دون استمرارهم في غلوائهم ، وفي ممارساتهم السيئة ، وقد روي عن علي  عليه السلام في نهج البلاغة :

" إن التكبر على ذوي التكبر خضوع  عند الله " .

إن هؤلاء المنتفخين / المتسلقين عندما يصابون بالــعُجب يصبحون آفة ، وذلك لأنهم يتطاولون على من وصل وسبقهم في ميدان المعرفة ، وهذا التطاول لا يتيح لهم حسن الاستماع حتى يُقبلوا على مائدة العلم ، بل يولّدون بغضاء وعداوة من غير أدنى ضرورة ، ولا يعلم إلا الله مــآلها .

وعن هؤلاء المصابين بداء " الـعـُـجْب "  يقول ابن دُريد في مقصورته :

 

من ناط بالعُجب عُـرا أخلاقــه

                            نـيطت عُرا المقــت إلى تلك العُــرا

من طال فوق منتهى بسطـــته

                                 أعجزه نيل الدُّنا  بــلْــهَ القُــصا

ويشرح الشارح هذين البيتين  ، فيقول :

" إن من امتلأ عُجْــبًا بنفسه أو عمله أو ماله وما إلى ذلك ...فقد غرس في قلوب  الخلق مقته ، وألّبهم عليه من حيث يشعر ولا يشعر .  والعُجب من أمراض القلوب ونقص العقول ، إذ يجر إلى التهاون والاستخفاف بغيره ، فيترك واجبهم ، فيقابل بالمثل أو أنكى وأشد .

كذلك من رفع نفسه فوق قدرها ، وتمدد أطول من قامته وغاية بسطته لينال ما لا لا يناله مثله ، ويطلب ما لا يرتفع له قدره ، فقد كلف نفسه أمرًا إدّا ، وكان كجُعَل يريد أن يسابق في تسلق الأشجار قردًا ، أو  كعصفورة أرادت أن تبيض بيض النعامة  " .

 

وبعد ،

ولرب سائل يسأل : وما العمل إزاء هؤلاء ؟!

والجواب بعبارة فذة : أن نعمل ، وأن نعمل !

 رحم الله من عرف نفسه

 

 يروق لي المتعلم الذي لا يقنع بما يعرف ، الطامح إلى الاستزادة غير المغترّ بنفسه ، المدرك من سبقه في الميدان الذي يجري فيه ، المنافس من غير حقد ، المختزل تجربته لخدمة شعبه وقضيته أولاً وقبلاً .

 

يروق لي من يناقش ويصغي للآخرين ، ولا يكون وكده الأساس أن يفحم خصمه بحق أو بدون حق ، رائده قول الإمام الشافعي :

" ما نظرت أحد قط فأحببت أن يخطئ ، وما كلمت أحدًا وأنا أبالي أن يبين الله الحق على لساني أو على لسانه".

 

ولا يروق لي ... ذلك الذي يركب مركبًا ليس له ، فيدّعي الشعر وهو بعيد عنه ، أو يدعي النحو وهو يلحن ،أو يدعي الخطابة وهو يتفيهق ، أو يدعي الكمال وهو آفة  ،أو يساير البهتان ويمالئه .

 

لا يروق لي ذلك الذي يعطي الناس قيمتهم الحقيقية ، فيجعل الزائف صحيحًا والصحيح زائفًا . وأحيانًا لا يكون ذلك ذنبه ، لأن هذا مبلغه من العلم ، وما أوتي منه إلا قليلاً .

يقول شكسبير في مسرحية (الملك لير) ما ترجمته :

"وإنها لمصيبة كبرى في هذا الزمان إذ نرى المجانين وقد تولوا قيادة العميان".

 

أما أنا فأقول :

"... إذ نرى العميان وقد تولوا قيادة المجانين".

 

 

                                            العــِصامي    والعـــــظامي

 

تروق لي هذه العصامية التي يتحلى بها بعضنا ، وتتمثل ببناء الإنسان ذاته وتحمل المسؤولية من خلال معاناة وإدراك لأبعادها .

 

والعصامية مصدر صناعي من الاسم (عصام) .

 

وتقول الحكاية انه كان في خدمة النعمان بن المنذر حاجب يدعى (عصام بن شهير) ، وقد نبُه هذا من غير قديم ، يعني انه لم يعتمد في رياسته على حسب أو نسب ، وتسمي العرب من مثله (الخارجي) - يعني أنه خرج بنفسه من غير أولية كانت له .

                        نفس عصام سودت عصاما

                              وعلمته الكر والإقداما

                                وصيرته ملكا هماما

 

وعصام نفسه هو الذي ذكر في مثل آخر أورده النابغة الذبياني ، فقال : " ولكن ما وراءك يا عصام".

ولرب سائل يسأل : ومن هو العصامي الذي راق لك ؟ فأجيب :

إنه ذلك الذي درس العلوم فأفاد منها ، وذلك الذي جمع المال حلالاً بعرقه وكد يمينه ، فكان ملكه طاهرًا طارفًا ، وذلك الذي بنى لنفسه شخصية جذابة سيجها بالعمل الصالح والأمانة الطيبة . فلينظر الواحد منا حوله فسيجد بعض هؤلاء ، وسيلفي المشترَك بينهم جميعًا أنهم يحسنون قضاء الوقت ، إذ يزجونه بالمنفعة ، لأن وقتهم من ذهب ، ودقائقهم لن تضيع هدرًا ولا هذرًا .

   ومن جهة أرى لا يروق لي ذلك العظامي الذي بنى شخصيته متكئا على حسبه ونسبه ، أو متكئا على تليد المال الذي ورثه .

والعظامية  - مصدر صناعي من الاسم (عظام) والمقصود عظام الأجداد وتراثهم .

 

ولرب سائل يسأل : من هو العظامي الذي لا يروق لك ؟

 

فأجيب : إنه-  مثلاً - ذلك الطالب الذي ينقل بحث غيره ، وذلك الذي جمع المال حرامًا وبأي طريقة ، وذلك الذي يقول لنا دائمًا "كان أبي" و"كانت عائلتي" ناسيا قول الشاعر :

كن ابن من شئت واكتسب أدبًا

                                 يغنيك محموده عن النسب

إن الفتى من يقول (هأنذا)

                          ليس الفتى من يقول (كان أبي)

 

 فالاتكالي على غيره هو العظامي ، والذي يقعد - ليلعن الناس والقدر والحظ هو عظامي أيضًا ، فابدأ من جديد ، وتذكر المثل:

" كن عصاميا ولا تكن عظاميا"!

 

وتذكر المثل الآخر :

"نفس عصام سودت عصاما".

 

 

                                                     امرأة طامحة

 

   أثبتت حنان عشراوي الدكتور المحاضرة في جامعة بير زيت في فترة من تسنمها المناصب -  أن المرأة الفلسطينية قادرة على قيادة الدفة ، وأن المرأة إذا أعطيت الإمكانية والظروف كانت أهلاٌ لكل مسؤولية تناط بها،  وليست رهينة المحابس . فالمرأة التي قصرنا اهتمامنا عليها ضمن دائرة جنسية ضيقة (نابعة من عقدنا نحن الرجال) كانت بيانًا وسحرًا هذه المرأة على لسان هذا"الحنان"  الرائع، والجلد الأخاذ ، والموقف النبيل،  والجمال الطيب .

       حنان عشراوي ليست مجرد لغة إنجليزية مناسبة على لسانها ، وإنما هي فكر ، واللغة هي معادل الفكرة ، وترتيب اللغة هو عمليًا تنسيق للأفكار ، ولذا فهي مصدر فخرنا بحجتها الدامغة وإنسانيتها العذبة .

وجدير بكل فتاة من بنات شعبنا المصابر المرابط أن تسير على صراط العلم وجادة المعرفة ، كما سارت حنان . فوثقت بشخصيتها ، وعرفت ميزان كلماتها ، واهتدت بهدي الشاعر الذي قال :

 

ليس الجمال بمئزر          فاعلم وإن رديت بردا

 

إن الجمال معادن             ومناقب أورثن مجدًا

 

 فقد انتهى أوان (أبي حمزة) وأمثاله الإعرابي الذي هجر زوجته، لأنها ولدت له بنتًا ، وكأن البنت معرّة . فأخذ يأوي إلى بيت مجاور لها ، فسمعها ذات مرة وهي ترقص ابنتها وتنشد :

 

 ما لأبي حمـزة لا  يأتينا          يظل في البيت الذي يلينا

 غضبان إن لم نلد البنينا          تا الله ما ذلك في أيديــــنا

 وإنما نأخذ ما   أعطــينا         ونحن كالزرع لزراعيـــنا

                        ننبت ما قد زرعوه فينا

 

 لقد سمع (أبو حمزة) أبيات زوجته ، فقام لتوه واعتذر لها قائلا : "ظلمتكما ورب الكعبة" !

 

   فماذا يقول هؤلاء الذين يتخذون من المرأة موقفًا سلبيًا ، وهم يرون حنان عشراوي وأخواتها ممن يملكن الثقة بالنفس والطموح وحب المعرفة ؟

 

ألا نكف عن ازدراء طاقاتهن وقدراتهن ؟

هل نظل في اعتبار المرأة دمية نتلهى بها لا فكرًا نناقشه ؟

 

 

                                                                  كيف نحاور ؟

 

 

"ما دخل اليهود من حدودنا ولكن تسربوا كالنمل من عيوبنا"

 

قالها نزار قباني يوم أن أصيب العرب بدوار ما زال يدور فيهم (فينا) ، ولا أدري متى نصحو منه .

وعلى أثر هذه (النكسة) أو (النكبة) أو (النكدة) كانت الحوارات والندوات تترى بين مثقفين عرب ويهود . ومن العجب العجاب أنك تجد الطالب اليهودي يشرح ويعلل ويفصل ، كأنه صاحب الحق الأوفى ، وكأن العرب هم المعتدون الآثمون . وقد يتحدث ندًّا  له معلمٌ منا  أو ناطق بلساننا ، ولا يحسن ، فيكون شأنه شأن الذي أراد أن يذب الذبابة عن ثوره ، فيتخبط هذا بكلام لا تسلسل فيه ولا منطق ، ويضر من حيث أراد أن ينفع .

           وحتى لا أكون مغاليًا أرجو أن تراقب اثنين متكافئين من بني قومنا في نقاش أمام جمهور . وستجد أنه قلما يمر النقاش بسلام ، إن لم يصل إلى أكثر من ذلك ، والله يستر .

وهذا الكلام أو الاتهام لا ينفي وجود فئة من بيننا يحسنون الاستماع ، ويحسنون طرح القضايا ، ويحسنون وعي الأمور ، وما أقلهم !

وما أحوجنا حقًا إلى توضيح نقاط أمام الطرف الآخر ، وبحجة عقلية ، وبهدوء ، نتسلح بها كلها لمثل هذه الأسئلة :

*   لماذا لا يخدم العرب في الجيش الإسرائيلي  ؟ أو لماذا لا تقومون بالخدمة الوطنية ؟

*     هل المنظمات الفلسطينية  إرهابية ؟

*      هل العرب هنا ينعمون بديمقراطية ؟ هل هم في مستوى اقتصادي أعلى من مستوى إخوانهم في الدول العربية ؟

*  لماذا لا يرحل الفلسطينيون في الدولة  إلى الدول العربية ؟ فهناك مساحات شاسعة واسعة، ولهم اثنتان وعشرون دولة، فلماذا يستكثرون علينا دولة صغيرة واحدة ؟

*   هل أنت عربي ؟ فلسطيني ؟ إسرائيلي ؟ ما هي هويتك ؟

*   إذا قامت الدولة الفلسطينية فماذا سيكون مصيرك ؟

*   ما مدى انتمائك للدولة ؟ وهل تطالب بالمساواة ؟ أية مساواة ؟

* هل تقبل أن تشغل فيما إذا حدثت معجزة وظيفة هامة جدا في خدمة الدولة وزير مثلاً  ؟

           مثل هذه الأسئلة يتكرر كثيرًا كاللازمة ، ونحن بحاجة إلى نخبة منا يوضحون الأمور ويوجهون بعقلانية تستطيع التعامل مع التفكير تستطيع التعامل مع التفكير الآخر مهما كان عنصرياٌ ، أو على الأقل تستطيع أن تتوجه إلى الآخرين بتروَ وأسلوب ينساب إليهم رغمًا عنهم . ونحن بحاجة إلى بينات ووقائع تدعم ما نقول .

 وتقدم النخبة العارفة هذه المادة لقطاعات واسعة منا في دورات خاصة . ولا بد أن يكون طلابها الأوائل هم مربونا في المدراس ، حتى يكون درس التربية في صفوفهم  مجديًا لا لهوًا وقتل فراغ ، فلا عيب أن نتعلم كيف نناقش وكيف ندير الأمور بلا جبن ولا عصبية،  بل بموضوعية ونزاهة .

 

أما سياسة التخلي عن طرح المواضيع ومجابهتها بحجة استمالة الخصم وإقناعه فهي سياسة جنت علينا ، وأدت إلى يأس من كل حل ، كما أدت إلى هوة بين الواقع والمثال .

 

نريد أن نناقش بعد أن نأخذ للأمر عدته وأهبته ، لا أن نذهب إليه بارتجال من غير وزن كل كلمة ،ومكان لكل عبارة.

 قبل كل شيء يجب أن نحسن الاستماع . وصدق كاتب فرعون (بتاح حب) في قوله: "من لا يحسن الاستماع لا يمكن أن يحسن الحديث".

      فعندما نحسن الاستماع لا نفكر فقط بما سنقوله فسيكون نقاشنا أهدأ وأنجع . والأهم من المهم أن نتحدث بالأمور الجوهرية وبعد دراسة جدية ، فلا نطلق الكلام على عواهنه و (شوقوني يا ناس) ، وبثرثرة لا تحمد عقباها.

 

    وفي ظني أن أسلوب الحوار عندنا وطرح قضايانا أمام الطرف الآخر ، وطريقة ذلك ، بحاجة إلى إعادة نظر والى اهتمام ذوي الشأن إن كان فينا ذوو شأن .

 

فهل نبدأ بخطوة ؟

                                                           التطفل وحشر الأنف

  

 يتدخل البعض فيما لا يعنيه ، ويلقى أحيانًا ما لا يرضيه ، ورغم ذلك يعود ... يعود سيرته الأولى ليتدخل (ويحشر أنفه)، فيسأل عن البيضة ومن باضها ، أو يسلك سلوكًا مزعجًا للآخرين ، وهو يظن أنه معقول ومقبول .

       وقد تعلمت وأنا صغير حكاية القرد والنجار ، حيث أن النجار ترك أدواته لقضاء حاجة له ، فألفى القرد وقد عبث بالأدوات ، فلزم الشق ذنبه ،  وأخذ يصيح مستغيثًا وقد أصابه الضر .

فلماذا نقبل أن نمثل دور القرد وما مسخنا ؟

وإليكم بعض اللقطات :

  * تقف سيارة وراء سيارتك وتغلق عليك المنافذ ، تنتظر الفرج وهيهات ، والأنكى من ذلك أن تقف السيارة في مكان معد لك أمام مدخل بيتك ، أو يقف السائق في وسط الشارع ليحادث سائقًا آخر.... وما عليك إزاء ذلك إلا أن تضبط أعصابك وتحتمل .

 

* تحادث شخصًا فيأتي شخص آخر من غير (دستور ولا حضور)، فيرهف السمع ، أو تستقبل ضيفًا فيأتي ضيفن . فإذا تحليت بحلية الأدب، ولم ترفض وقفة هذا أو حضور ذاك ، فإنك ستجده وقد تدخل في الحديث مع أنه ليس من شأنه ، فتحاول أن تنظر إليه نظرة لها معنى ، ولكنه يسترسل ، وأنت إزاء ذلك ما عليك إلا أن تضبط أعصابك وتحتمل .

 

  *  يسألك الكثيرون عن الحادثة التي وقعت لك أو ما يتعلق بك ، يسألونك بإلحاح غريب ، وأنت تختصر وهم يطلبون التفصيل .. ورغم أن في هذه الأسئلة اهتمامًا وتكافلاً اجتماعيًا وإيجابية ، إلا أن فيها الكثير من الاشتفاء للأسف ، وفيها الكثير من التسلية ، وأنت إزاء ذلك مضطر أن تضبط أعصابك وتحتمل ، وفي هذا السياق سأحدثكم ما جرى لأحد معارفي:

       قال لي بعد أن حدثني متطوعًا عن سرقة دكانه ، وأنه ينتظر الشرطة للتحقيق:

   " لم أعد أحتمل كثرة الأسئلة والتحقيقات من القريب والغريب ، أصبت بالصداع" .

اقترحت عليه أن يكتب على ورقة (بريستول) ما يلي :

 

-         سرقت الدكان هذه الليلة الساعة الثانية .

-         كان في الطاولة مائة شاقل فقط .

-         انتبهنا للسرقة الساعة الخامسة ، وأخبرنا الشرطة ، وستحضر .

-         لا أشك بأحد .

وحدثني الشخص المنكود ، فيما بعد  أنه وفر على نفسه مشقة الاستفسارات  بلا طائل ، وشكرني على اقتراحي، ولكنه شكا أن هناك أسئلة أخرى  يهتمون بها .

 

   *  يدلي شخص مثقف بدلوه في ما يعرف وما لا يعرف ، ويفرض علينا شخصيته الطوعية أو القسرية بحديث لا طعم له ولا لذة ، ولا أساس له ولا مراس ، وأنت مضطر إزاء ذلك أن تضبط أعصابك وتحتمل .

* يتدخل شخص متدين لا يعرف جوهر الدين في تطبيق حديث "من رأى منكم منكًرًا.... " ليصلح أمور الكون (الفاسد) ، وليشرح لنا كيفية أكلنا وشربنا ونومنا ولباسنا وزواجنا وذهابنا للمرحاض ، فيزن المنكر بمقاييسه ، أو على الأصح بطريقة فهمه للشريعة .

  

      ولا مندوحة من التأكيد على أنني لا أرى في إصلاح ذات البــين وإصلاح المجتمع تطفلاً ، وذلك إذا قام على أسس قويمة من المعرفة والقانون ، حتى لا   يأخذ كل منا زمام الأمور بيديه ، ويظن بأنه هادي الأمة وعليه تقع"المسؤولية".

   إنني أرمي من وراء هذه السطور أن يعرف الإنسان حده، ويقف عنده،حتى يرحمه الله ، وان (الشهر) الذي ليس لنا فيه فائدة وعائدة لا ضرورة لعد أيامه .

 وحكاية (الصحن المغطى) وهي حكاية طفولية فيها عبرة :

حملت صبية صحنا مغطى ، فالتقاها رجل وسألها :

-         ماذا تحملين يا صبية ؟

-         فأجابت :

 -  لو أرادت أمي أن يعرف الناس ما في الصحن لما غطته !

 وحتى تعرفوا جدية الموضوع وتكلفته -  سأسوق لكم حكاية أخرى حدثني إياها أحد المتطفلين ، قال :

" رأيت فلانًا وقد ركب سيارته مسرعًا ، وكانت إلى جانبه فتاة أبهى وأزهى من الورد ، فلحقت بهما حتى المدينة ،  وكأنني مباحث ، وخصصت وقتي  كله .... ثم وجدتهما قد دخلا دكانًا ، وسرعان ما اكتشفت أنها ابنة أخته".

 

ألسنا بحاجة إلى التكرير : " حلوا عن سمانا" !!


 

مياه النقل لا تدير الطواحين

 

  

 النقل في الامتحانات ظاهرة مألوفة في كثير من مدارسنا، منا من ينكرها،  ومنا من يعترف بحضورها، ولا يرعوي بعض المعلمين عن الممالأة لهذه الظاهرة،  إن لم يكن عن الإملاء على طلاب (المساعدة) أجوبة الامتحان .

  وبعضهم يفعل ذلك من منطلق " وطني " يحللون فعلتهم في ظروفنا العصيبة، ناسين أن الوطنية تحتم عليهم أن يحولوا دون المقصرين الضعفاء من النجاح لأن إنجاحهم معناه:

أ- التآمر على ذويهم، فينفقون أموالهم هباء.

ب- التآمر على المجتمع، فيتسلم زمام أمورنا ومستقبل أكبادنا من ليسوا للوظائف أهلا .

ج- التآمر على الطلاب الجادين بالذات الذين انقلبت عليهم الموازين، فتفوق عليهم زملاؤهم المهملون ظلمًا واعتسافًا.

 

 أكتب هذا وها هم اليوم المعلمون وقد شرعوا بتصليح دفاتر ممتحَـــنين،  ومع ملاحظة الكثرة من النقل الغبي والنقل بأساليب شتى، وعجيبة-  فنية وتقنية أيضًا.

ورغم أننا لا نلجأ كثيرا إلى تقديم تقرير الشك أو الريبة في أمانة امتحان ما وهذا عيب فينا - إلا أننا نحزن .

 

 نحزن ، لأن معلما يدخل قاعة الامتحان ويغش، وهو لا يدري بأنه يطمئن الأجيال القادمة أن مساعدته واجبة، وبالتالي فلن يجدوا ولن يكدوا .

 

ونحزن، لأن مدير تلك المدرسة يفاخر بنسبة نجاح طلابه وبعلاماتهم العالية، وهو موقن حق اليقين أن نجاحهم لن يجديهم نفعًا  إذا ما واصلوا تحصيلهم العلمي في الجامعة، وكثيرا ما يعود نفر منهم  يجرون أذيال الخيبة .

 

      وفي الجامعة أو الكلية  يبدأ مشوار النقل وبصورة  جديدة:
فهذا ينقل بحثًا لطالب آخر، وذاك يترجم للعبرية مقالاً نشر في العربية، ولم يطلع عليه المحاضر،
   هذا يترجى شخصا آخر أن يكتب له البحث  أو يدفع له،
وذاك يستشفع  محاضرًا أن يدبر الأمر بامتحان أو بدون امتحان.
وقد يحصل على شهادة .

باختصار نحن نربي أولادنا أن يكونوا فهلويين. والفهلوية تعبير أورده د. حامد عمار في كتابه الجاد " في بناء البشر"،  وفيه يتحدث عن أمثال هؤلاء الطلاب ممن يفاخرون بأنهم الأوائل في الامتحانات، ولكنهم لا يستذكرون ولا يتعبون، ولا يعرفون ولا يعلمون، فهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.

 

     في اعتقادي أن النجاح المثالي يتأتى بعد الصعوبة، ومن الصفر حتى الصفرين نبني علامة المائة.

 

واسمحوا لي أن أنقل في هذا السياق أبياتا من قصيدة لي أهديتها لصف كان يتفنن في أساليب النقل:

 

   لن ينجح النقل يا من بـتَّ تتكل             مياه (نقل) إلى الطاحون لا تصل

  الدين علّم أن الغـش مثلبــــــــة             "من غشنا ليس منا" ردد الرســـل

   ونحن في حاجة للصدق يلزمنا             ونحن في  حاجــة للجِد نمــتــثــل

   فكيف ندخل للدنيا وصولتـــها              إن ارتقينا بفهلــــويــــــة نـــكِــل

 

 هل أحلم ذات مرة أن نتقدم امتحانات بدون رقباء، كما هو الحال في بعض المدارس التربوية الحديثة، حيث تكون رقابة الضمير..وحسب،
                  أم أنني أدعي المثالية، وما علي إلا أن أنتظر ابني عندما يقدم امتحاناته،  وعندها  فربما أرى الأمور بمنظار آخر ؟!

 

 

 

                                          معلمون .....ووظائف بيــتية

 

  عجبي من المعلم الذي يعطي الوظائف البيتية للطلاب تعجيزًا وإمعانًا في الإعياء ، بل إن الوظيفة أصبحت مؤخرًا تعجيزًا وإتعابًا للوالد نفسه ، وعلى الأب أن يكتب الإنشاء إن ظلت فيه بقية لغة وخلاصة فكر بعد التي واللتيا ، فثمة معلم يطلب من طلابه أن يرجعوا إلى "الموسوعة الإسلامية"  لاستخراج مادة (البينونة) بعد أن علم الطلاب إعراب كلمة (بين) الظرفية ، وشتان بين المعنيين.

 

ومعلم آخر علم قصيدة لشاعر مغمور ، فطلب ترجمة حياته ، وكأنها ضرورة حتمية في فهم القصيدة ، غافلاً عن نقاط هامة تتعلق بالنص.

 

ومعلم آخر يسأل أسئلة لا أدري إن كان حقا يستطيع أن يجيب عنها بدقة متناهية ، وسأوافيكم ببعض هذه (الدرر) التي نقلتها بالأمانة والذمة :

 

*   هل في استقبال الشرقيين للقمر - في قصيدة "خبز وحشيش وقمر" لنزار قباني -  ما يشير إلى واقعهم علمًا بأن القصيدة نظمت في أعقاب حرب الأيام الستة علل !

 أولا : القصيدة يا أستاذ ! نشرت في مجلة الآداب البيروتية (عدد آذار 1955) .

 ثانيا : كيف قيد المعلم طالبه بإجابة افتراضها أصلا خطأ؟!

 

*  عرف الصورة الفنية !
سألت هذا المعلم الذي أعطى السؤال عن الصورة الفنية :

أ) هل وجهت الطلاب لمصدر ما ؟

أجاب : لا.

ب) هل شرحت للطلاب هذه المادة في الدرس وطلبت تلخيصها في الوظيفة ؟ أجاب: لا .

ج) هل كان السؤال ضمن خطة منهجية في تعليمك ؟

 أجاب: لا .

د) هل كنت تنوي تصحيح ما يجيبه الطلاب ؟

لم يحر صاحبنا جوابا .

 

هـ) إذن، لماذا تسأل السؤال ؟

أجاب : لكي أدربهم على معالجة المادة وشرحها وحدهم (أكرر: وحدهم).

 قلت له: أتظن المسألة مجرد طرح أسئلة ؟!

   الفن يا عزيزي هو : كيف نسأل؟ ونقرن ذلك بـ (لماذا نسأل؟) و (متى نسأل؟).

 وليس الفن يا عزيزي بأن نثقل على الطالب المصادر ، بل أن نجعله يتعرف إلى مادته الدراسية أولا ، ويفهم المقروء جيدًا ثانيًا، ثم نوجهه إلى كتب يجدها في المكتبة ، لا أن تستعرض أنت (العالم العلامة) أسماء كتب نادرة أمام  ذاكرة الطالب الصغيرة الصغيرة.

 

                                           

عن أصحاب المهن 

  

كان شعراء النقائض يعيبون بعضهم بعضًا بأنهم يحترفون المهن، وأن "القَـيْـن " أو الصانع سبَّة في عُرفهم.

ونحن اليوم لا نقرّهم على مفاهيمهم، إيمانًا منا بقوى الإنتاج والبناء.

مع ذلك يبدو أن بعض أصحاب المهن يبدون وكأنهم يدفعوننا إلى تصديق ما نحاول أن نجافيهم عنه، فإذا جربت واحتجت بعضهم لخدمة ما أيقنت بالعناء والعنت نتيجة خلف الوعد والمماطلة المتواصلة والكذب الأشر، وسترى كيف يتنكر الصانع لما كان قد وعد، وكيف سينسى ما أوصيته به مرارًا وتكرارًا، وكيف سيتباكى بعد أن قبض أجره مسبقًا بدعوى أنه مدين وفقير، ولايملك شروى نقير.
وأنت تارة تتوجه إليه شخصيًا، وطورًا تتصل هاتفيًا، بينما هو يكلح وجهه لا يحفل بمن يقرع بيته من وسائط. فيعلم أهله الكذب حين يخبرون أنه ليس في الدار أصلاً، وبعضهم تبلغ به القِحة، فيقابلك متحديًا بوجه كالصفيح، وبالطبع فهذا التصرف لا يكون إطلاقًا إذا كنت من أصحاب (القوة البدنية) أو ( الهيبة العائلية). عندها سيقسم لك الإيمان المغلظة أنه سيكمل غدًا، وأن سبب التأخير هو كذا وكذا، و (حِلمك علي).

نحن لا يروق لنا هؤلاء الذين لا ينظمون أعمالهم، يقبضون ويقبضون ولا يؤدون لقاء ما حصلوا عليه. تختلط عليهم الأعمال كما تختلط أوراق الضرائب، وهم في دوامة لا يخطون خطوة عملية. وبدلا من أن تكون "الحرفة أمان من الفقر" كما قالت العرب فقد أصبحت الحرفة لديهم سببًا للفقر وللدجل والاحتيال، والهم عليهم وعلى زبائنهم.

إني لأتساءل كثيرًا: إذا كان أصحاب المهن يؤلفون نسبة عالية في مجتمعنا، وإذا كان أكثرهم ليسوا مستقيمين ولا أمناء، فنحن- إذن - لسنا بالضرورة- مجتمعًا صالحًا خيرًا، ويجب أن نعيد النظر في أنفسنا.

ذلك لأني مؤمن أن الوطنية لا تتجزأ، تبدأ من إخلاصك وتفانيك في عملك، حتى تنتهي بالتضحية الحقة.

من جهة أخرى يروق لي صاحب المهنة الذي لا يبدأ العمل إلا بعد أن يعدك بتاريخ محدد، ويصف لك خطة العمل، ويحدد ما هو مطلوب منك، وما سيفعله هو.

يروق لي ذلك الذي يفضل أن يدون اتفاق العمل حتى يتقيد به، تمامًا كما يفعل الحضاريون، حتى يحول دون أي خلاف في المستقبل.

يروق لي ذلك الماهر الدقيق في صنعته، ذلك الذي يضيف إلى خبرته خبرة غيره، فيتعلم بذوق، مخلص في كل حركة، وفي حركته بركة. فإذا أنهى واجبه أخذ يقلب ناظريه ليبحث عن ثغره يلم شعثها، وكأني به يحس ويتمثل أن العمل له، وهو خاصّته تمامًا.
إنه ذلك الصانع الذي عرف معنى الحديث الشريف:
"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه".
وهو ذلك الصانع الذي عرف معنى قول علي كرم الله وجهه: 
"قيمة كل امرىء ما يحسنه".
وهو ذلك الصانع الذي يستحق إعجاب الخليفة عمر عندما قال:
" أرى الرجل فيعجبني، فإذا قيل لا صنعة له سقط من عيني".
وما أصدق المثل الشعبي:
" الصنعة إن ما أغنت سترت".
فهل يعتمد أصحاب المهن الذكر الحسن والصيت والستر قبل كل محسوب؟
وهل نتخلص من دوار الرأس بسبب انعدام الثقة ببعض الصانعين؟
وهل ينهي المهنيّ مهنته نهاية الرضا مع من كلفه، وينظّف تمامًا البقايا وما خلّـفه، والإنجليز يسمون ذلك finish? فهل يعرف صاحبنا معنى هذه الكلمة لفظًا ومعنى؟
أم قبضنا وخلاص!

 

 

                                                   عن السائقين خفيفي الظل

 

 

       قيادة السيارة شعارها الأخلاق أولاً هكذا ألخص بدءًا .

 وإذا كان السائق قد حصل على الخبرة النظرية ثم العملية في مدرسة السياقة ، فإن الأخلاق لا يُحصل عليها من هذه المدرسة ، وإنما هي نتاج تربية وتحصيل ذوق ، فهل يستوي الذين هم بقيم ، والذين لا يتحلون بها ؟

 

ومن الأخلاق السيئة التي لا تروقنا أن يوقف أحدهم سيارته خلف سيارتنا ، فيمنع عنا بذلك إمكانية المرور ،(ويحشرنا) كما حشر السيارة ، أما وقتنا فيجب أن يكون مرهونًا بإرادته " وكلها خمس دقائق ، وصبرك علينا ...." !

ولا يروقنا كذلك أن يوقف أحدهم مركبته في منتصف الطريق ليقضي حاجة ما تعنيه ، كأن يحادث سائقًا مقابلاً له ، فنبدي غضبًا آنًا ، وآنًا نكظمه... ونحن نلعن تبعًا للشخصية التي أمامنا ونسأل إذا جرؤنا: لماذا لم يعط حضرته إشارة ، وبعد ذلك يقف على الجانب الأيمن؟

 فتكون الإجابة حاسمة ، وبصوت عال يتحداك :

" كلها دقيقة يا أخي ! شو صار؟".

 

ولا يروقنا كذلك أصوات أبواق السيارات في مظاهرات الأعراس ، ومع ذلك نقبل الإزعاج إذا كان أهل العروس من ذوينا ، وإلا فكيف يعرف الناس النبأ  التاريخي الهام ،  فلا مندوحة إذن من سمفونية الزوامير يسمعها الصغير والكبير .

 

ولا يروقنا أن يقود الصغار السيارات إذا كانوا لا يملكون ترخيصًا ، ويصل آذاننا صوت (الحركة) . و (الحركة) كلمة عربية نقلتها العبرية أسوة بالشتائم ، وكل ما هو سلبي عن لغتنا . ومع ذلك فبعضنا يعطي سيارته لابنه الناشئ وهو يبتسم حتى يتعلم المحروس ، والله ساتر .

 

وإذا ما سرت ليلاً وأضواؤك عالية ، وغفلت عنها عند مواجهة سيارة قادمة ، فإن هذا السائق أمامك سيتكرم عليك بضوء أسطع ، فهذه هي المعادلة :

*  شتمني ، سألعن سنسفيل أجدادك .

*  رفعت الضوء عاليا ..سأعميك .

ورحم الله أبا العتاهية ورحم بيت الشعر :

إن أنت كافيت من أساء فقد              صرت إلى مثل سوء ما فعلا

      ومثل هذه المماحكة غير المبررة تقع عندما تجتاز أنت سيارة خطأ، فالسائق الذي أمامك قد يضايقك بدلاً من أن يفسح لك، أو يعينك في لحظة الخطر وقد يداعبك من تجتازه في خفة ظل غريبة ، فيسابقك ، حتى تقع في حيرة ، لا يعلم إلا الله مآلها .

وإذا احتججت أو نظرت شزْرًا إلى بعض السائقين فقد يرجع هذا للحاق بك  ،حتى يعلمك كيف تنظر إليه ، وبالطبع ففي بعض السيارات : عصا فأس أو جنزير أو زجاجة مكسورة ، وهي للاستعمال حين الحاجة .

      كم أحسّ هذه الأيام بأن السياقة لا نأمن فيها عادية .

إنه  صراع في ميدان .

وكم نحن بحاجة إلى الأخلاق في سيرنا للتهدئة من حدة ، بكل ما تحمله الكلمة من معنى .

يروق لي عزيزي السائق ، أن تتسامح للآخر حتى ولو أخطأ.

أن تساعد من هو في حاجة لمساعدتك .

ألا تضيق الطريق على أحد .

ألا تمنع المرور.

ألا تغلق الدخول والخروج إلى مكان مفتوح .

ألا تسرع كالبرق في شوارع قرانا الضيقة.

 

 وبالطبع فقوانين السير لها صرامتها وأهميتها ، ولكن الأخلاق هي التي تبقى دائمًا معك ، وهي التي تعطي معنى لإنسانيتك ، وإذا كانت السيارة وسيلة حضارة فيجب أن نسير بها ومعها في أساليب حضرية ، لا همجية استفزازية .

 

اعرف أن حريتك تنتهي عند حرية الآخرين ، وإذا كنا أولاد أصول فعلينا بالأصول .

 

                                                         شهادات مجانًا

 

 عجبي من الذين يدعون بأنهم يحملون الشهادات الجامعية ، وهم لا يحملونها ، يكذبون على أنفسهم ويخادعونها . فهذا الذي تنزه في الجامعة ، وجلس طويلاً في مطاعمها ، وانبطح على معشبها الأخضر عاد ليقول لنا :معي شهادةB.A  .

       وذلك يحمل الشهادة الأولى حقًا لا يكتفي بها ، فيدعي ليل نهار أنه يحمل شهادة الماجستيرفي موضوع كذا ... ، ومن لا يعجبه فليضرب رأسه بالحائط ، والأدهى والأمر أن يكون بعضهم قد حصل على الماجستير حقًا ، ولكنه يتوج اسمه بدون حياء  ولا ذمة بأنه دكتور ، والقاصي يعرف والداني أنه لم يواصل تعليمه ، والدكتوراة منه براء .

وهل أحدثكم عن الدكتوراة التي تشترى وتباع ؟ 

لن أحدثكم ، فأنتم تعرفون  ، وفهمكم كفاية !

    وما أسهل أن نتعرف على الزيف ، فأطروحة الدكتوراة يجب أن تكون في مكتبة الجامعة ، وشهادة الدكتوراة توزع في حفل عام . والصحف المحلية تخطىء في تقديم بعض هذه النماذج على أنهم (دكاترة) ، فهم لا يتحرون الحقيقة ، وكأن لسان حالهم يقول : " ما لنا ومالهم؟!"  ناسين أن هذا واجب أدنى حتى لا نقع في تضليل ، وتضيع (الطاسة).

   كنت أضحك في سري إذا علمت أن أحدهم يقول إنه أنهى في جامعة تل أبيب ، ثم إذا التقى خريجين من تلك الجامعة انتقل بسرعة البرق إلى القدس ، إنه لا يحدد تمامًا موضوع أطروحته ، ولا المشرف عليها ، ولا في أي سنة أنجزها .

        مثقفون يكذبون ، بعضهم يفعل ذلك (خبط لزق ، وعلى عينك يا تاجر) ، وبعضهم يدعي أنه سافر إلى الخارج ، وعاد بعد بضعة أشهر ، فإذا هو دكتور بقدرة قادر . وأنت وإن جرؤت وتساءلت فـ (علقتك سخنة)، والعواقب وخيمة .

       قد لا يهمنا الموضوع كثيرًا من حيث الادعاء ، فكل الشهادات لا تعطي شيئًا لمن لا يعرف الموضوع المدروس ولا يتناوله بجدَية ، ولكن الذي يضايق أنهم كثروا  في هذه الأيام ،  حتى أصبحوا ظاهرة . أفلا يخاف هؤلاء من قصة (آرنس) الوزير الإسرائيلي -  الذي خلعوا عليه لقب (بروفيسور) طيلة سنوات وزارته ، فإذا كل هذا هباء . ولكن (آرنس) على الأقل احتج وقال : "أنا لم أطلب منهم أن يشيروا إلي باللقب ، ولكني سكتَ حين وصفوني ".

 

ولكن ، ما قولكم لمن يكتب فلان بكل قحة " الدكتور فلان"حتى صدق نفسه ؟؟!

أتذكرون قصة جحا ؟

 

                                          أعط الخبز للخباز  !

 

 وهذا المثل بالعامية "  أعط الخبز للخباز ولو أكل نصه " يحضنا أن نعترف بذوي الفضل والكفاية ،  ويقابله في أمثله في أمثلة العرب : (أعط القوس باريها)، لأن بري القوس فن لا يحذقه إلا من أوتي المران فيه ، قال الشاعر القديم:

يا باري القوس بريًا لست تحسنها

                                  لا تفسدنها وأعط القوس باريها

 

 فانظروا حولكم وتفحصوا واقعنا العربي ، ولنأخذ شريحة الوظائف:

 فهذا مدير قسم نزلت عليه الوظيفة كالوحي. وذلك قاض لا يحسن قراءة آية . هذا مفتش كبير بقدرة قادر ، وذلك مستشار وزير اسم الله عليه . هذا رئيس مجلس ،  أو مرشح للرئاسة ، وذلك أستاذ خطير وفلتة زمانه ..

 

مناصب ومسؤوليات أصحابها كحجارة الشطرنج ليست في خاناتها،  ولا تقوم بأدوارها.

 بعضكم يهز رأسه عجبًا ، وبعضكم سيلعن الزمن/ الحظ / الدَ.. أسفًا ..

 

ومكر أرباب السلطة الذين يخطون وفق رؤاهم ومقتضياتهم لا يخفى على من يحمل دماغًا ، يخلقون التشكيك والتردد في  مجمل الأحكام ، يقتلون الثقة والاعتماد على النفس حتى تضيع (الطاسة) ،  أو تختلط الحدود ،  فلا يُعرف ذوو الفضل والمعرفة . فإن كنت مختصًا زجّوا لك بمن يتطاول عليك ، فإذا أنت مجرد نكرة .. وإن كنت أديبًا خلقوا لك أكثر من شويعر تحت ضِبنك ضعيف يقاويك، قصير يطاولك.    وإن كنت حجة في موضوعك ستشبع قهرًا وأنت ترى الجهلاء يتربعون على السدة والدست يحكمون ويحكّمون ، ويأمرون وينهَون ، وأنت لا تهش ولا تنش ، ولا تصل كلمتك إلى أذن ولا يرددها لسان .

 

والمسؤولية تقع في تصوري أولاً وقبلاً على الذي يقبل وظيفة ليست في طاقته ، على الذي يلبس ثوبًا فضفاضًا ليس مفصلاً على حجمه ، ورحم الله امرءًا عرف حدَه ووقف عنده، فبعد عنه التغابي والتجاهل والادعاء.

ورد كذلك في الحديث الشريف: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) .. فهل يتقن المدعي عمله ؟ وهل يغريه الراتب والسيارة ورضا الحاكم حتى يقبل وجهه مشوهًا؟

 

كتب د.حامد عمار في كتابه (بناء البشر) وهو يستعرض صفات الشخصية (الفهلوية):

 

"ويتصل بالنزعة إلى الطمأنينة في الفردية رغبة في الوصول إلى الهدف بأقصر الطرق وأسرعها ، وعدم الاعتراف بالمذاكرة كوسيلة طبيعية للنجاح في الامتحانات ، بل أن الفهلوي هو الذي ينجح دون الالتزام للعناء الذي يتطلبه التحصيل".

 

ومن الغريب العجيب أن بعض هؤلاء (الوصوليين) يعرفون أنفسهم حق المعرفة ، ومع ذلك يتمادّون في الانتهازية والادعاء ، ولم يقابلوا الأمر بالسخرية كشأن (بكري) بطل هذه القصة التي سأسوقها :

 

وأصبح بكري قاضيًا!

يحكى أن شخصًا كان يعتدي على الحرمات ، ويكثر من السرقات ، وكان اسمه بكري .

رأى الوالي أن أفضل وسيلة للتخلص من شرور بكري هي أن يعينه قاضيًا .

وبينما كان القاضي بكري على رأس جنازة ضخمة لعالم من علماء المسلمين ، وإذا به يأمر الجنازة أن تقف في عرض الطريق ، ويأمر أن ينزلوا  النعش على الأرض ،  ويكشفوا عن وجه الميت .. استاء الناس كثيرًا لهذا التصرف الغريب لما فيه من إساءة لحرمة الميت .. لكن بكري تقدم إلى الميت، وأخذ يهمس في أذنه، ثم أمر بمواصلة موكب الجنازة .. ...

شكا الناس هذا التصرف إلى الوالي ، فلما حضر القاضي إليه  أخذ الوالي يعاتبه على فعلته المنكورة، وبكري يطرق رأسه لا يحير جوابًا.

-         ولكن ماذا همست للميت؟.. سأل الوالي ، ووعده إذا أجاب صادقًا أن يعفو عنه .

-         قلت له إن سألوك في العالم الآخر عن أحوال الدنيا فقل لهم:

" لا تسألوا ، أصبح بكري قاضيًا  ".

 وهم بالطبع سيستنتجون  حقيقة الأحوال يا سيدي  .

 

 

                                       التلفون والمتطفلون

 

 عندما اخترع (غراهام بل) جهاز التلفون (سنة 1876) لم يكن يعرف أن هناك من سيسيء استخدامه بتطفل وعبث ، ومن هذا التطفل ما قرأناه من تهديدات تلفونية وشتائم بذيئة وصلت إلى أسماع أحد الفنانين ، حتى لقد صرح : "بتَ أخاف من تهور أحد المهووسين والاعتداء عليَ".

    نكرات تتصل وتوجهك بالشتائم آنًا ، أو بالسكوت الواجم آنًا آخر . تكرر اتصالها فتسمع صلصلة تلو صلصلة . وبعضهم تمادوا واعتدوا على الحرمات ، وهم لا يرعوون عن خلق ، فيجد الواحد منا نفسه مضطرًا للجوء إلى الشرطة ، أو لقطع التلفون ، أو لتغيير رقمه ،  حتى يقطع دابر المتطفلين السادرين في فراغهم وقتًا ،  وفساد ذهنية.

 

ومن المكالمات الثقيلة الظل ما أدى ويؤدي إلى عواقب وخيمة ، كأن يتصل مجهول بزوجة ما ، ويخبرها عن علاقة زوجها بفلانة ، أو أن يتصل هذا ليشكك بفتاة أو بامرأة ما. وهنا تبدأ المشاحنات ، وقد يؤول الأمر إلى تعكير صفو حياة عائلية ، كانت بالأمس في هناءتها .

 

ومن العابثين من يتصل متطوعًا ليخبر شخصًا بعيدًا عن مقر سكناه، بأن أحد ذويه قد توفي،  أو أنه أصيب بحادثة أو ... (تبعًا لتنازله في تقريره عن صنع الحوادث)، فينسى هذا ما يمكن أن يؤدي بالمتلقي إذا انفعل من صدمة،  أو انفعال ، ولا أنسى كيف أن عابثًا أخبر المناوب المسائي في صحيفة الاتحاد قبل بضع سنوات عن رغبته في نشر  إعلان ،  فيه نعي لأحد الشخصيات المحلية ، فطلعت الاتحاد بالنعي صباح اليوم التالي ، ولا إخالكم تجهلون كيف كان وقع الخبر على الكثيرين ممن يعرفونه . (وما ذنب هذا الرجل  حتى يستعجل العابث وفاته؟). ولا إخالكم كذلك تجهلون رد فعل الشخص نفسه وهو يقرأ نعيه هو .

 

    عجيب أن يكون إزاء كل نعمة نقمة ، فهذا الجهاز الذي وفَر على الإنسان طاقة ووقتًا ، وأوصله سريعًا إلى تنظيم عمله وتطوير حياته هو الذي يأتي إليه من بعيد (والهاتف-  لغة-  يعني الصوت أيضًا)، وها هو  يأتي بالمعتدين مجانًا ، والمتطفلين عدوانًا ...

 

    والآن وبعد هذه "المعاكسات"و "المشاكسات" أعود إلى حلول : كأن يهدَّد المرسل بالشرطة،أو أن تحتال الفتاة على من يتصل بها لتتعرف عليه ، وعندها يجب ألا يكون في عقابه هوادة، ردعًا له ولسواه ...

وبعضنا يقابلون هذه "المشاكسات " بسعة صدر يغبطون عليها . ومن هؤلاء صديق تلقى مكالمة فيها شتيمة من العيار الثقيل، فما كان منه إلا أن قال بهدوء: "لا تشتمه، فقد يؤدي ذلك إلى الشر ، وعلى كل فهذا ليس منزله فالنمرة غلط، مع السلامة!".

 وحكاية هذا الصديق ذكرتني بقصة تبين حلم معاوية. وتروي أن معاوية كان في خيمته، فسمع رجلاً يسبه، ولم يكن هذا الرجل الشاتم يعلم أنه الخليفة، فخرج معاوية إليه وقال:

  " يا هذا، اذهب بعيدًا،  لئلا يسمعك معاوية فهو قريب من هنا" .

فلهذا الصديق الحليم كل التقدير .

 ولكن، هل يبقى هذا حلاً؟!

 

أعود إلى الموضوع وأقول:

 

لنعالج هذه الآفة بكل وسيلة متاحة ، ولنتذكر كيف وردت جملة : "وسمعت هاتفًا يهتف"  في سياق يؤنس ولطف يعين.

    وهنا سمعت صلصلة الهاتف ، فرفعت السماعة،  وأنا أتوجس خشية من الكلمات النابية المتوقعة،  ولكني نعمت هذه المرة بصوت عذب وكلمات رقراقة، وما أكثرها كذلك!

                               ميكروفونات ... وناس تبحث عن الراحة

 

         ثمة ظاهرة في كثير من قرانا نشهدها ونسمعها ولا نجرؤ أن ننقدها تلك ظاهرة الميكروفونات الصارخة في الأعراس والحفلات من جهة، وفي الأذان من جهة أخرى.

 

وسأبدأ بالثانية لحساسية الموضوع، وحتى لا أتَهم بالكفر والخروج عن آداب الدين.

 

فما وجه الحكمة في استعمال الميكروفونات العديدة في القرية الواحدة ، ولكل مسجد على حدة؟

 ألا يكفي أذان واحد ،  ومن مسجد واحد - كما هو متبع في قلقيلية وغزة وحتى في مكة المكرمة؟

وهنا لا بد من ذكر ضرورة إطلاق الصوت الحسن، فما أجمل الأذان عندما ينطلق من حنجرة ذات صوت مأنوس يهدهد عذبًا، ولا شك أن مثل هذا الصوت (الحنون) يشجع ويحفز للصلاة، لأن الصوت الجميل المناسب مع الندى وتواشيح الصباح يلج إلى القلب.

      تصوروا أيها المنكرون عليَ كلامي! أن يقرأ كل ميكروفون من سورة معينة قبيل الآذان مع أن هذا ليس من مستلزمات الأذان الواجبة فتختلط القراءات،  ولا يعدو الأمر عن الضجيج والإزعاج.

قال تعالى: {  وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم تُرحمون}.

فمن ينصت؟

ولأي قارئ نستمع؟

وهل يُرحم أحد؟

 والأدهى أن بعض الأجهزة أو بعض( الكاسيتات ) تكون مشوشة ، وعندها عليك أيها المريض! أيها الطفل! أيها العامل الذي ينام مرهقًا!   أيها الأرِق بسبب همومك! عليكم جميعًا أن تسمعوا لكلٍ  وتنصتوا، وعندها لن تفهموا ، فما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.

 

ما أحرانا بالرفق كله كما أوصانا رسولنا الكريم ، وسأسوق سلوكًا للرسول رواه البخاري ومسلم ، وهو أن الرسول كان يسمع بكاء الصبي،  وهو يصلي فكان يخفف الصلاة. وعلى ضوء هذا السلوك نستذكر قوله تعالى:

{ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} .

 

وإذا كنا ننكر إزعاج بعض الأصوات وهو في مجال مقدس، فكم بالحري أن نرفض الذين يقدمون لنا أصوات عبد الحليم حافظ وعصام رجي ووديع الصافي وجبات غير شهية ونحن مقبلون على النوم.

 فمن قال أنه يجب أن نسهر مع أصحاب العرس حتى ختام السهرة وحتى (عريس الزين يتهنَا)؟!

 

أما إطلاق النار فحدث عنه ولا حرج ، فبالإضافة إلى الأخطار المحدقة بنا جميعًا ، والتي لا تزال آثارها الإجرامية بادية، فإن لعلعة الرصاص وزغاريده الجهنمية يقض المضاجع، إذ  يجفل الصغار، ويستبد الألم بالمرضى، ولا يقدر الطالب على استيعاب المواد، وهو يؤذي الشيخ، وكل ذلك لا يهم الجلود التمساحية ،  لأنهم يقيمون الدنيا ويقعدونها، ففلان ابن فلان يتزوج، فميدي أيتها الأرض،  وارقصي أيتها السماء، وتحملوا أيها العباد!

هدئوا الميكروفونات أيها السادة وثقوا أن هناك من هم في حاجة قصوى للراحة، وارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء.

 

 

                                                                        أعراس

 

 من سجيَة شعبنا وأصالته أنه يتقبل الضربة تلو الضربة وهو مرفوع القامة والهامة يمضي. وظلت أفراحه وهمومه اليومية في مسيرتها الطبيعية، وكان نداء الحياة يدعوه إلى الاستمرارية والعطاء.

    كل هذا حق، وفي هذا إيجاب . ولكن حقًا أكبر يتأتَى في وجوب الحفاظ على آداب مرعيَة وأخلاق أوَليَة.

   فكيف نفسَر الغناء ومرة أخرى الإسراف فيه عند فئة من شعب يشتكي عضو منه فلا يتداعى الآخر له  بالسهر والحمَى ؟

ألا يكفي أننا وصلنا إلى درجة النسيان / التناسي الأقصى؟

 اعتدنا على مذابح صبرا وشاتيلا.

اعتدنا على قصف الطائرات الإسرائيلية ، وعلى التصفيات اليومية .

اعتدنا على انشقاقاتنا وقلنا لأنفسنا: (هكذا نحن).

اعتدنا على مصرعنا يوميًا في وقت يسود فيه الشر.

اعتدنا على الاعتقالات / الإهانات /هدم البيوت / الدفن ...

هززنا رؤوسنا

بلعنا القهر

ومشينا

بعضنا تبرع للجان الإغاثة وأدار ظهره.

ولكنَ لجان الإغاثة تكل أحيانًا وتمل .

    وعلينا إزاء ذلك كله أن نتساءل: هل نحن حقًًا نوع آخر من هذا الشعب المنكوب؟

    وسواء حصلنا على الإجابة أم لا، فيبدو أن إحساساتنا تؤكد ذلك، ونفلسف إجاباتنا باجتهادات متباينة:

-  إننا جزء لا يتجزأ من هذه الدولة.

-  إننا لمصلحة الشعب الفلسطيني، ولذلك يجب ألا نخلط أوراق اللعبة السياسية، فنحن شيء وهم شيء آخر.

-  إننا نصارع من أجل لقمة عيشنا، ونحن مرتبطون اقتصاديًا بالدولة -  شئنا أم أبينا. 

كل ذلك قد يكون مبررًا بشكل أو بآخر.

ولكن!

 

كيف نبرَر الإسراف في الأعراس آلاف الشواقل ، بذخ، ترف، غناء، حداء، موسيقى، ويا أرض اهتزي .. والأرض تهتز في الضفة والقطاع .. وعندنا تهتز في أصوات الميكروفونات الضاجَة ..

 ويا شمس غيبي من السما                 في الأرض في عندنا عريس

 هل هذه أمور طبيعية في عصرنا هذا، في وطننا هذا، في وضعنا هذا؟

 اللهم قد سألت ،

فاشهد اللهم!

 

                                                                       الأغنية الجماعية

 

 

        من أجمل اللقطات التي شاهدتها في مدرسة ألمانية أن معلمي إحدى المدارس التي استضافتني أخذوا ينشدون أمامي نشيدًا جماعيًا، وكانوا يؤدون حركات متساوقة              في اللحن وما زلت أذكر معلمة مسنة وهي نشطة بحركاتها الإيقاعية، فقلت وأنا أهز رأسي: أين أنت يا جدتي؟

              وقبل ذلك بكثير كتبت في افتتاحية لمجلة مشاوير كانون أول 1978 عن ضرورة الأغنية المشتركة في توحيد مجتمعنا، وتساءلت:
        "أين الأغنية الجماعية التي يحفظها طلاب المدارس الثانوية في لقاءاتهم؟ 
        إن طلابنا يبدأون في الغناء مقطعًا هنا ثم ما يلبثون أن ينتقلوا إلى مقطع هناك، وما يلبث اتصال الأغنية أن ينقطع، والفوضى والنشاز يعمّان.
فليس هناك طرب يا عرب!"
بل أين الرقصة الموحدة في أعراسنا؟
 وشكرًا للدبكة الشمالية وحدها التي وحدت!

                                   *                               *                                          *
 

في الحق أن الأغنية الجماعية وجدناها أحيانًا في ما يُنشده بعض من الشباب المسلم أو المسيحي من جهة، ومن جهة أخرى في ما تنشده الشبيبة الشيوعية في لقاءاتها الحزبية (وأثرها لم يعد قويًا بعد التطورات في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي)، وأنت لا تملك إلا أن تدهش للحماسة وهي تؤدى بانفعال.
وقد سرني مرة أن رأيت في مسرح (الحكواتي) في القدس إحياء لأمسية غنائية تحت عنوان (غنوا معنا) توزع على الجمهور أغنية ما، والكل يرددها ويغنيها مع فناني المسرح، جذبت النظر والسمع- من بينها أغنية من كلمات (معين السيد) يقول فيها:

بلادي فوق الأرض لوحة سماوية قدسي فوق الأرض لوحة سماوية
مــــن شـــــان الله يـــا اخــويــــا ترجــــــع لأمـــــــي وأبويــــــــا 

ثم إن الكورالات التي نراها أحيانًا (وخاصة المسيحية الدينية) ليست كافية، فهي لمجموعة الأعضاء أو (الكورس)، وليست شائعة وذائعة للجميع. 

ولكن هذه التي أشرنا إليها ملامح لا تغْـني عن حاجتنا الملحَة بوجوب التعميم، ولا تبدأ هذه إلا في المدرسة، فلا تكتفي المدرسة بنشيدها الخاص بها (مع قلة الجوقات في مدارسنا) بل يجب أن نبحث عن أغان شمولية عامة، كما هو الحال في مجتمعات حضارية.

 

وتساءلت مرة يوم أن عقد في الناصرة مؤتمر موسيقي هو بحد ذاته ظاهرة حميدة وسديدة، 
كيف لم يبدأوه بأغنية أو نشيد يشارك فيها أو فيه الجمهور؟

من الضرورة بمكان طرح موضوع الأغنية الجماعية للنقاش:
فهل الذنب في هذا النقص أننا أمم، ولسنا أمة واحدة؟ 
هل تنقصنا الكلمات والشعر؟ 
هل الذنب يقع على الملحن الذي لم يفرض لحنًا تنساب إليه الكلمات؟ 
هل مديرو المدارس مقصرون لإهمال الأغنية الصباحية المشتركة المتفق عليها لجميع طلابنا العرب- عند الاصطفاف؟

إن طلابنا في رحلاتهم ولقاءاتهم بحاجة إلى كلمات وألحان تُغنيهم عن مثل:
"هل رأى الحب سكارى مثلنا" ، و" يا بلح زغلولي"، "ليالي الأنس في فيينا"، ولا تسألوا عن الأغاني الجديدة للمطربات المغريات.

حبذا أن يأخذ الملحنون هذا الأمر على محمل المسؤولية والجدية، ونتركز على الأقل بأناشيد ثلاثة نُشيعها ونوزعها على المدارس والنوادي، حتى إذا التقى طلاب من الجليل مع طلاب من النقب أو المثلث أو المدن المختلطة غنوا معًا، والتقوا معًا في أجواء فنية مشتركة، وترددت أصداء الكلمات، وانسابت في وجدان جمعي.

وما أجمل أن يفتتح مؤتمر الموسيقى القادم إذا عُـقد؟؟!!- بنشيد جماعي رائع!
هل ستعقد المهرجانات القادمة في أي حقل وفي أي مجال بأغنية جماعية مشتركة؟

ومن نافلة القول إن الغناء المشترك أيًا كان: قصيدة، نشيدًا، أغنية، دبكة، رقصة، يساهم بشكل كبير في بنية الطابع الثقافي، ووحدة الاتجاه الفني والاجتماعي. 

 

 

                                                                     بيوت المسنين

 

بيوت المسنين نادرة في قرانا، ونحن أحوج ما نكون إليها، وذلك بعد أن تغيرت (أيام زمان) أيام كان المسنون يبتون ولهم الحول والطول والهيبة وصدارة (الدواوين)، وربما في حالات أخرى القعود في زاوية من الحارة لتداول الأوضاع مع شيوخ آخرين يستعيدون الذكريات، ويثيرون الأمنيات، يمازحون بعضهم بعضًا في الدعابات ويأنسون.

 

دارت عجلات الزمن والحضارة، وتشتت أكثر من شمل، ووهت الأواصر، فبات الشيوخ في وحدة وفراغ قاتلين يبحثون عن الطمأنينة والرعاية واثبات الذات في طاحونة تبلع القوي قبل الضعيف.

 

وأدركت جمعية (الجيل الذهبي) أنها مقصرة في الوسط العربي، فأقامت بعض البيوت للمسنين هنا وهناك مستعينة بذلك بمكتب العمل والرفاه الاجتماعي وجمعية (ايشل).

 

ويبدو أن كل شيء عند العرب يجب أن يكون أقل وأدنى حتى لمن هم على عتبة توديع الحياة، فلا ميزانيات كافية، ولا متابعة لما يجري في هذه البيوت النادرة - وللحقيقة أستثني الدعم الخاص لبيت الرازي في الطيبة حيث نجد وبحق الفعاليات مكثفة- .

وقد يتساءل البعض: وماذا عسى يفيد الشيوخ من هذه البيوت؟

    والإجابة تقتضي النظر إلى بيوت المسنين في الوسط اليهودي للموازنة، حيث نجد المحاضرات في شتى الميادين، وعرض الأفلام الملائمة، وتنظيم الرحلات الترفيهية،  وزيارات تعارف مع بيوت المسنين الأخرى،  وذلك بصورة منظمة ومستمرة.

        ومن ناحية أخرى ثمة الإعلانات المالية، وحل مشكلات المسنين مع الدوائر المختلفة، وهناك الإشراف الطبي عليهم، وتقديم الوجبات الخفيفة لهم،  والاعتناء بالمقعدين منهم في بيوتهم. بل أن بيوت الآباء في الوسط اليهودي تؤويهم ليلاً، وتهيئ لهم ظروفًا معيشية كاملة.

 

وبالطبع فإن ذلك لا يلائم بيئة المجتمع العربي المحافظ- الذي تعوَد الاندماجية والتكاملية في العائلة، وما زال يعتبر التخلي عن الأب عارًا لا يدانيه عار.

 

إلا أن وسائل العمل المهيأة لتشغيل المسن وإشراكه في الحياة اليومية وفق ميوله وقدراته هي من أهم ما يعطي معنى لاستمرارية المسن في حياته وكيانه.

 

وإذا كنا نتهم المسئولين لعدم توفير الميزانيات الكافية ولعدم فتح بيت للمسنين في  كل قرية وقرية ولإغفال المسنات في أغلبية البيوت القائمة، فإننا نتهم أنفسنا   بأننا حساسون للغاية ونستنكف عن كل ما له وشيجة بمكتب الشؤون الاجتماعية .

 

ونحن إزاء ذلك بحاجة إلى توعية جماهيرية تلح على المسن المتعالي، وتذكره أن هذا حقه،  ولا يمنَ عليه أحد، وأن وجوده في بيت المسنين فيه نفع له وقتل لسوس فراغه، ولا ينفي العبادة التي يعتكف بها.

 

وهذا العمل الجماهيري يسوقنا إلى ظاهرة التطوع التي أخذت تؤتي أكلها في مجتمعنا، وبالرغم من إيجابيتها، إلا أن بذرة السلب فيها تتأتى من كون العمل التطوعي تابعًا للوقت المتاح، وما أجدرنا بمراقبة عمل العاملين حتى نتحلى بالمسؤولية والنشاط، فلا بد من وظائف تفرغ إذن-  وبالدرجة الأولى. واسمحوا لي أن أحيي آباءنا وأجدادنا وأن أحني هامتي لهم بأبيات قلتها فيهم:

 

 أجـــدادنا كــانوا لنـا رمز التشـــبَث      والتفـاؤل من متاهـــات العصـــور

  أتــرى اطـــمأنوا في حــــياة حــرَة     وسُقوا مع الأيام كاسات السرور؟!

  هذا تراثي أو جذوري في أصـالتها      روى صوتَ النهى صوتُ الدهور

   هـــا نحــن أحــفادُ لهم من هـديهم    كــم شــعَ مـن آثارهم إشــعاع نور !

 

 

                                                   عن الكتاب ونقابة الكتَاب

 

     دعيت مؤخرًا لإلقاء محاضرة عن مكانة الكتاب المحلي، وعن سبب هذا الجمود في توزيع الكتاب، وندرة الإقبال لجمهورنا عامة، فالكثيرون منا يقبلون على الشكلية و المظاهر والقشور وتوافه الأمور، ويدفعون النفيس والرخيص على كماليات هشة، وكأنهم بذلك ما أنفقوا أو أسرفوا، بينما يتقاعسون عن شراء كتاب كل شهر على الأقل ذلك لأن هذا في عرفهم ضرب من العبث.

 هم ينهمكون في اللهو والترفيه بترف، بينما يتعالون على نتاجنا العلمي والأدبي والفني.

    وقد تسأل بعضهم : لماذا هذا الإعراض عن كتابنا المحلي؟

    فيجيب: إن مستوانا المحلي أقل من المستوى العالمي ، أو المستوى في العالم العربي، وما نحن إلا أقلية لا يطلع منها شيء.

    وينسى صاحبنا أن ما صدر منا نحن عرب هذه البلاد المرابطين، وبرغم كل ظروفنا يدعو إلى الثناء والشدَ على الأيدي.

    ويجيبك آخر وقد يكون (مثقفًا) من الأطباء أو المحامين أو المهندسين ... وحتى المعلمين:

 " إننا لسنا بحاجة إلى قراءة أو إلى أدب "
 ، ويتذرع بما آل إليه أمرنا الحضاري والوجودي من سوء ووبال، وينسى صاحبنا أنه بعزوفه عن القراءة المتواصلة يزيد الطين بلة، وأنه إذا كان معلمًا يعطي مثلاً سيئًا لطلابنا على مقاعد الدراسة، وينسى كذلك أن عقم الذوق ناتج عن قلة المطالعة أو المعرفة.

ويجيبك ثالث محتجًا: بأن سعر الكتاب لا يتجاوز سعره ثمن بضع وجبات فلافل، ثم ليست القضية في الحقيقة مادية صرفة، فهناك مكتبات عمومية مفتوحة، وهي مجانية، فكم يرتادونها؟؟!

   سألني أحدهم: لعل هذا عيب في الكتاب المحلي؟ فهل لك أن تتقصَى سبب إقبال الناس على نزار قباني و نجيب محفوظ و توفيق الحكيم وغيرهم من العالم العربي ، ونفورهم من الكتاب المحلي؟

   أجبت: ربما أوافق أن في أدبنا آفة، تتمثل في سكوته في كثير من الأحيان على سلبيات وتمزقات وتصدعات رائجة في مجتمعنا المحلي، ولكني أعتز مقابل ذلك بأنه التزم بقضيتنا ، ودافع عن وجودنا وهذه مأثرته الأولى الأوْلى.

 

قاطعني آخر: وماذا تقترح أنت يا نائب رئيس الاتحاد للكتاب ؟

أجبت: إننا بحاجة إلى تنشيط الجو الثقافي والأدبي، وإلى رعاية كتابنا المحلي، حتى لا يخسر الكاتب أو (يستجدي)، ولا يتم ذلك إلا بتأسيس (نقابة أدباء)-  نقابة وليست اتحادًا أو رابطة على غرار ما كان أو ما هو كائن. نقابة ذات عدد محدود جدًا، همها الأول الاتصال والتنسيق مع اللجنة القطرية للسلطات المحلية العربية لاتخاذ قرار أساس بتعهد كل مجلس محلي أو بلدية بشراء بضع نسخ من كل نتاج جديد. وكذلك للإعلان عن جوائز أدبية سنوية وعن حفلات تكريمية ، وكذلك لإقناع سلطات محلية أخرى أن تفتح المكتبات العامة في قراها.

   * نقابة تنظَم لقاءات أدبية لأدبائنا مع طلاب المدارس الثانوية العربية واليهودية.

* نقابة تعمل  على أن يحصل الكاتب المحلي على أجر من الصحف ولو رمزيًا لقاء جهده من الكتابة، ذلك لأن كتابتنا حتى الآن هي تبرع وتطوع، وبعض كتابنا إن لم يكن كلهم بحاجة حقيقية لمثل هذا الدعم.

* نقابة تعقد الندوات المتعددة لمتابعة جهود المؤلفين وما صدر عنهم.

* نقابة تتبنى إقامة معرض الكتاب المحلي ، فالكثيرون من الأكاديميين يبحثون عن مراجع ومصادر، ولا نستطيع أن نزوَدهم بها، وحتى المؤلفون لا يملكون نسخًا عن إنتاجهم.

* نقابة تجمع التبرعات من مؤسسات خيرية وممولين لدعم المؤلف الذي لا يستطيع نشر كتابه بسبب ضيق ذات اليد، وهذا ليس بدعًا في تاريخنا الأدبي، فكم من كتاب قديم طبع على نفقة فلان أو تكفل بإخراجه ونشره علان.

       وأما أعضاء النقابة المقترحة فيجب أن يكونوا من الذين عرفهم  الجمهور أومن المثقفين الذين شُهد لهم بإخلاصهم وأمانتهم وتفانيهم للأدب ،وبمتابعتهم لهمومنا الاجتماعية والسياسية ،  وبالصدق في عرضها.

هي:

* نقابة عمل لا نقابة زعامة ولا أغمز هنا أحدًا.

* نقابة تضحية في أول الحساب.... وآخره.

 * نقابة للكتَاب لدعم الكتاب.

فهل من صدى؟!

 

                                     يا صاحبة الجلالة !

 

... وما دامت الصحافة واجهتنا الحضارية، فاسمحوا لي أن أطرق هذه المرة بابها في بلاط ط صاحبة الجلالة"  أو " السلطة الرابعة"  أو "لسان الحال"- كما اصطلحوا عليها منذ مطالع القرن.

     وسألج الباب ناقدًا مسائلاً، وفي مساءلاتي حرصٌ على أن نسير معًا في رحابها وفي جادَة مثلى.

والصحافة كما تعلمون قرائي الأعزاء منها ما تغدق عليه في بلادي النَعم بحق أو بلا حق، ومنها ما هو تجاري يخضع لسوق العرض والطلب، ومنها ما يعيش على الكفاف، ويقيم أوده بشق الأنفس.

       ونحن إزاء هذه الكثرة الكاثرة من المحليات والحزبيات والإعلانيات والدوريات وخاصة يوم الجمعة -  نشهد حركة قراءة تحتم بالضرورة حركة كتابة، وفي هذا إيجاب. ولكنا نشهد كذلك سيلانًا طاغيًا من الخوائية والهرائية ما يبعدنا عن قراءات عميقة، فنتلهى بقشور هناك وهنا، ونعرض عما هو جادَ بان أصيل... وفي هذا سلب.

 

وتظل المسؤولية الجسيمة منوطة بأعناق القائمين على الصحف، فهم الذين يوجهون دفتها، وهم الذين يضيئون القضايا السياسية والاجتماعية وفقًا للمنظور أو المنظار الذي يرون الأمور من خلاله.

 

وقد أجزت لنفسي أن أسجل بعض آفات الصحافة، ولا يهم أية صحيفة قدر ما تهم هذه الظاهرة بعينها، وإليكم نموذجًا:

 

* نشر فرية أخلاقية حول "ظاهرة الدعارة المنظمة" المزعومة، دون أن تكلف هيئة التحرير خاطرها لتقصي جليَة الخبر من مروَجيه.

      لقد نشرت الصحيفة المادة عملاً (بحرَيَة النشر)، ونحن إزاء ذلك نتساءل: أية حرية نشر هذه تتناول أعراضنا؟

 ألا يعلم المحرر أن هذه الشائعة قد تؤدي إلى فصل تعليم البنين عن البنات؟ أو قد تؤدي إلى وقوع جريمة توهمًا بأن فتاة جنحت؟ أو على اتجاه معاكس قد تغوي فتاة محافظة أو محايدة للوقوع في شراك فنادق نتانيا الراقية؟

 

وأنا أحمد الله على أن هذه الفرية لم تنطلِ، وصدق ما ورد في الذكر الحكيم:

{ إن الذين يحبَون أن تشيع الفاحشة  في الذين آمنوا لهم عذابٌ أليم...}

 وعذابهم في تصوري سيكون في ضمائرهم وفي سرائرهم - إن آجلاً أم عاجلاً.

   ومن هنا أصل إلى مبتغاي وتوجهي إلى القائمين على صحافتنا :

لا حرج عليكم أن تُعملوا أقلامكم، فتحذفوا كل ما يقع ضمن إطلاق الأحكام  على عواهنها، أو اجتزاز لأفكار لا غناء فيها، أو التهجم على فلان أو الاستعداء عليه.

أما الكتَاب المعروفون فلا بد من استشارتهم في حذف هذه الكلمات أو تغيير تلك الجملة، أو توضيح فقرة ما وشد أزرها بفقرة أخرى، فهذا ما يحدث في كبريات الصحف المحترمة ولا غضاضة فيه.

ومن هنا لا بد من الإشارة والإشادة بما كان يفعله محرران عرفتهما في أثناء إعدادهما مجلة (الجديد) فقد كانا يتصلان بالكاتب  لمناقشة تعبير ما، أو لاستيضاح ما غمض من المعاني أو الخط، فتركا أثرًا حميدًا لا يجارى.

وأما أنت يا صاحبة الجلالة فلك هذه الكلمات، وأنت بعدها معفاة عن الصَلات:

 " أنت للعالم مملكة الإنسان العقل والربَان.. اليقظ الحذر المولع بالكشف والتنوير.   احميني من سلطانك، وأبقيني فيه".

 

 

                                                                  لنحفظ آثارنا !

 

 قال لي باحث آثار وهو محاضر في موضوعه:

 

" إن الاهتمام بالأثر يكاد يكون معدومًا لدى العرب في هذه البلاد، وأنا أعجب لماذا لا يتفرغ بعضكم للتخصص في هذا الميدان".

 

وآدم زرطال إذا أحببت التعرف إليه تلفيه سعيدًا، وهو يقلب قطعة آثار أو عملة قديمة أو وثيقة ما.

دعاني ذات مرة إلى كيبوتس (عين شيمر) حيث يقيم، فوجدت له متحفًا مصغرًا، فهنا قطع نحاسية، وهناك نقود حسب الفترات التاريخية ومن بينها النقود الإسلامية التي استخرجها من هذه الأرض، وثمة أدوات العمل المختلفة، وفي زاوية أخرى خارطات (أطالس) من فترة إلى فترة. وباختصار لديه مشغل ومعرض يزجي فيه فراغه وينمي هواياته.

 

قلت في نفسي وأقول لكم: لماذا نحن لا نحفل ببلادنا إلا من خلال المشاعر الرومانسية من غير أن نترجم ذلك عمليًا؟

لماذا يحس رزطال بانتمائه إلى هذه الأرض تطبيقًا أعمق منَا؟؟

 

 لقد تقدمنا في كل ميدان، فما بالنا لا نخوض في هذا الخضم التاريخي؟ لماذا لا نهتم بكل أثر وكل حجر؟

 هل نبقى نتحدث عن المأثور، وكأنه مقصور على ما ينقل شفاها؟

 

   أعرف في قريتي شخصًا يهتم ويجمع ويحفظ، وهو يتذمر من سوء تقدير المجتمع له. فإذا عاد إلى بيته يحمل جرة قديمة مروا به يتغامزون، وكأنه قد مس في عقله. يعجب صاحبنا ويتساءل: لماذا لا يدرك طلابنا أهمية التنقيب عن الآثار في رحلاتهم واهتماماتهم؟

 

ولو اقتربنا من مسار الزمن لرأينا ضرورة ترميم بيت قديم مما كان مألوفاَ قبل مائة سنة، يكون مركزًا سياحيًَا يرتاده المهتمون بنا وبتاريخنا، ويكون في هذا البيت معروضات  من الألبسة والأواني وأدوات العمل... الخ.

 

     وقد زرت مثل هذا المعرض الرائع في بيت المؤرخ إحسان النمر في نابلس قبيل وفاته، ولا أدري مآله اليوم.. ولا بد من إضافة (البدَ) و (المقر) و (الطابون) وغيرها في ساحة البيت، وعندها سيعترف الدارس على المعروضات وأسمائها (القراميل) وما (بشت البوز) وأقسام عود الحراثة.. الخ.

 

وقد كتب الصديق صبحي بيادسة من باقة الغربية زجلية طويلة حشدها بالتعابير الفلسطينية-  التي لا بد من وجود معجم خاص لها ولسواها ينهض له دارس جاد ومثابر. ذلك لأن أبناء هذا الجيل لا يكادون يعرفون مثل هذه التعابير، يقول صبحي:

والسدَة من تحت السقف متعربشة

وجنب القطع في عليقة للثياب

أو في متبنة تخمين كاينة معششة

قرقه بقلبه... وفي طواله للدواب

والسراج قاعد على الرف مكنفشه

يا ما بنوره تعللوا شيب وشباب

والفتيلة منه مكركره ومقحمشه

لا زيت يرميها بكت تشكي العذاب

 

 والقصيدة تروي وصفًا دقيقًا لبيت فلسطيني في قرية (قاقون) المهدومة.

 

وبعد!

 

فهل يقوم مركز لإحياء التراث ، وذلك لإقامة متحف في أكثر من قرية، حتى يكون ثمة مبرر لمعنى اسمه (إحياء التراث)؟ وما أحوجنا أن نتذكر الماضي قليلاً، حتى نعي الحاضر كثيرًا، ونستشرف المستقبل أزهى، ولا ينقطع الخيط.

 

                                   هل الوقت من ذهب ؟

 

      لا  ... لأنه أغلى من الذهب، إنه مادة الحياة ، وما الحياة بكليتها إلا الوقت الذي نعيشه أو نقطعه (أو يقطعنا) وقد فطن أحمد شوقي إلى هذا المعنى فقال:

 

     دقات قلب المرء قائلة له                          إن الحياة دقائق وثوان

 

 إذن فأنفسنا وخفقات قلوبنا محسوبة علينا ، وحياتنا هي جماع وحدات الزمن التي تتناقص ، كما تتناقص كمية محدودة من معِين ماء قطرة قطرة ، أو هي كالرصيد الذي ينفد منه المال ساعة بعد ساعة.

ومع هذا فنحن نقتل الوقت بالحديث الفارغ ، والتبطل الممل، وبعضنا يروح ويغدو من البيت إلى الشارع ....ومن الشارع إلى البيت. وحتى تدرك ذلك ، راقب أحد هؤلاء الذين لا يعملون ولا ينتجون ، وكيف يهدر وقته ، يسلخه بل يسفحه هدرًا، أو استمع بصبر مقصود إلى بعض المكالمات التليفونية الطويلة التي لا طائل وراءها (طق حنك.... الله وكيلك).

    ومنَا من لم يعرف معنى لتنظيم الوقت حسب سلم أفضليات، فحياته خلط في خلط ، حيث لا يكتسب علمًا ولا يتخذ يدًا، وتضيع الساعات كل يوم في القال والقيل ، أو في  النوم الخفيف والثقيل.

 

وقتل الوقت عندنا نحسه كثيرًا في رمضان، حيث المفروض أن نزجي الوقت بالقراءة والعمل الصالح والعبادة، فإذا بساعات بعد الظهر تغدو انتظارًا لنهاية النهار ثانية ثانية..... ، وذلك حتى تمتلئ المعدة الخاوية من جديد.

 

إن الوقت هو المادة الخام لاستغلال المال واستثماره، أو لزيادة العلم والمعرفة ولتنمية المواهب والمهارات،  أو لكسب الصحة الجسدية أو النفسية.

        وليست حياتنا غفلة أو هروبًا- كما يخيل للمدمنين على المخدرات أو المشروبات ، من الذين يريدون تجميل أوقاتهم بالطرب والنشوة واللامسؤولية والانفلات والأحلام والأوهام، هؤلاء الذين يظنون أنهم سادة للوقت، إنهم في الواقع عبيد له. فالوقت الحقيقي هو الوقت الذي نستعمله بالكفاح والمثابرة واللذة في العمل والإنتاج وخدمة أنفسنا وخدمة الآخرين.

 

إن الرجل الرجل - هو الذي لا يؤجل عمل اليوم للغد، يغتنم الفرصة ويبادر إليها،  ويحاذر فواتها من غير جدوى. فانظروا إلى كل ناجح تعتبرونه ناجحًا في أي ميدان، ستجدونه أولاً وقبلاً منظِِّمًا لوقته، مستغلاً إياه بالطريقة المثلى، ولنسق بعض الأمثلة من تاريخ أدبنا العربي:

  فهذا أبو تمام اضطرته الثلوج أن يلجأ إلى دار أبي الوفاء بن أبي سلمة في همذان، فيجد لدى المضيف مكتبة، فيستغل أبو تمام شهر الإقامة ليؤلف كتابه المشهور " الحماسة" .

وهذا ياقوت الحموي وكان عبدًا رقيقًا يرسله مولاه للتجارة يدوَن في الوقت المتاح له كل ما يشهده من بلاد وممالك ، ليضع بالتالي -  في متناول أيدينا سفرًا خالدًا هو " معجم البلدان".

وإزاء ذلك فالكثيرون منَا لا يعرفون معنى الوقت. ولا بد من حكاية لها دلالتها:

قال أحدهم:

-         سأزورك اليوم.

-         أهلاً وسهلاً!   متى؟

-         في بحر النهار.

   هكذا في" بحر النهار " ، بدون تحديد، ففي عرفه لا يهم أن كنت مشغولاً عندما يهل هلاله أم لا، إن كنت سأستريح في ساعات القيلولة أم لا، فالوقت عنده بحر، ولا يهم في أية جزيرة يرسو..... ومتى.

ومرة أخرى:

إن الكثيرين منَا لا يقدرون الوقت حق قدره، فلا تبدأ حفلة بميعادها، ولا اجتماع بميعاده. نسافر بعيدًا ، ولا نجد أحدًا بانتظارنا، أو بالعكس ينتظروننا ولا نكلف أنفسنا مشقة الوصول، ومن وصل بدقَة كأنه فعل عجيبة وسمَيناه (ييكي).

 

نحن بحاجة إلى تنظيم أوقات العمل وأوقات الراحة، أوقات التفكير وأوقات التدبير.

 

ولنتذكر ما قاله بعض الحكماء: الفراغ مفسدة.

 

                                                                لكل صوت صدى

 

ينكر البعض أن تكون للمعالجات الاجتماعيات فائدة تذكر، بدعوى أن ليس هناك من يعمل. وإذا كان هناك من يعمل فليس هناك من يقدَر حتى بكلمة ثناء. إذن ، فما نفعله هباء في هباء.

ومثل هذا التوجه (أو النمطية) مثبط للعزيمة، ويجعلنا في قفز موضعي متواصل. ولو استجاب له من يحملون الرسالة لكان في الأمر إحباط وتيئيس. لكن الله قيض أن تنفر من بيننا طائفة تحمل الرسالة للإصلاح، وهم يجشمون أنفسهم المشقة وأعصابهم الرَهق.... لا من منطلق المنفعية كما يزعم البعض الآخر،وإنما لأنهم مضطرون إلى العمل / الكتابة مسوقون إليه أو إليها. ويحضرني في هذا السياق مثل عبري يقول: " بقدر ما يحتاج إلى الرضاعة فان أمَه مضطرة  أكثر إلى الإرضاع"  . ومثل هذه المقالات الاجتماعية الإصلاحية قد تكون أصداء لصوت سبق ، ولا بد أن أصداء أخرى ستتوالد أقوى، كحركة الأمواج المتدافعة. فهذه هي سنَة الحياة، نأخذ ونعطي وغرسوا فأكلنا ونغرس فيأكلون.

 أقول ذلك وأنا أعقب على ما كتبه إليّ الصديق د. إبراهيم عودة ذاكرًا أو مذكّرًا أنه قد عالج موضوع الخلط بين العربية والعبرية في صحيفة "الأنباء" في مقالة: "ظاهرة جديرة بالتنويه لغة جرغونية جديدة على ألسنة عرب إسرائيل" (الأنباء 26/2/1978). ويعلّق الصديق عودة على مقالتي التي نشرتها في (الاتحاد) (25/12/1991) بعنوان (اللغة العرْبية): "لا جديد تحت الشمس".

 

وقد تسنى لي أن أعود إلى مقالته في  الأنباء ، فلم أجد فيها حلاً مقترحاّ، بل تيئيسًا. وأنا لا ألوم الأخ عودة على ذلك، لأن المرحلة مختلفة، ونحن اليوم لسنا كما كنّا قبل أربع عشرة سنة.

إذن ، فكل صوت ينبعث من أحدنا لا بد أن يكون له صدى، حتى لو لم نتبين مصدر الصوت، فإن طبيعة التغيير في المجتمع تحتم علينا النظر مجددًا في كل مسألة تجابهنا. ولا تثريب علينا أن نبدئ ونعيد، وحتى أن نكرر فكرة مقالة بضع مرات ، لأننا في كل حالة نضيف ولو اليسير ، وكلما أدركنا عمق الشيء صغناه بكلمات أوضح وأيسر.

    فكم من فكرة وُئدت، لكن العزاء أن بذرتها ستسبق في الظروف المهِّيئة والمهيأة: فلا يقعدن أحد عن فكرة يرى فيها الخير لمجتمعه.

 

وأصحاب النوايا الحقيقية سيجدون أصداء وأصداء تتجلى بصورة أو أخرى.

قال لي أحد المعلمين القدامى وهو يحاورني:

- هاأنذا أعلّم منذ ثلاثين سنة، أعصابي احترقت، ولم يقل لي أحد حتى اليوم: الله يعطيك العافية...

قلت له: ولكنك قانع بعملك ومجدّ ، فحسبك هذا من أجر.

قال: أخشى ما أخشاه أن يكون جهدي هباء في هباء.

 قلت: جهدك يسري في دماء طلابك كما يسري العلاج في دم المريض. وصوتك كان له صدى بل أصداء، فلا تبحث عنها ما دام صوتك قانعًا برسالته.

يقول تزار قباني:

كم أعـاني مما كتبـت عـذابـًا           ويعاني في شرقنا الشرفاء

 وجع الحرف رائع، أو تشكو         لـلبســاتين وردة حـمـراء؟

 أما أنا فأقول:

 

 اكتب اليوم ما تعاني بصدق

                         فغدًا قد يشـع فيــنا الـضيــاء

كل صوت صداه لا بد يأتي

                         والــتعــابيــر كلــهــا أحيــاء

 

                         

                                        ظاهرة (التدّين) في الشباب العربي

 

في الخمسينيات والستينيات من هذا القرن كان الوسط العربي في إسرائيل في حالة صراع يتمثل في الأجيال الجديدة التي تحاول أن تنزع عنها الكثير من أردية الماضي والتي يمثلها الآباء.

وإذا كان الآباء والأجداد قد حافظوا على الإسلام نصًّا وروحًا فإن الشباب كانوا - بصورة عامة-  بعيدين عن الأجواء الدينية. ويعود ذلك إلى قلة الثقافة وخاصة الدينية منها، فليس هناك معلمون أو أزهريون يلقنون أصول الدين، وليست هناك وسائل إعلام تدعو إلى التشبث بالإسلام، كما أن الكثير من الشباب قد التحقوا بالعمل في الكيبوتسات اليهودية، وسمعوا المحاضرات الكثيرة التي تدعو إلى المادية-  الأمر الذي جعل الشباب يعتقدون أن الدين هو من صميم الماضي المرفوض ، فلا تكاد تجد شابًّا يقوم بالفرائض، إما إلحادًا نابعًا عن ثقافة معينة، أو جهلاً بأصول الدين.

ومنذ ثورة الخميني في إيران لاحظنا بصورة جلية ظاهرة التدين عند الشباب المسلم، وهذه الظاهرة تقوى وتقوى، بحيث تجعلنا نتساءل وبصورة موضوعية عن سر ذلك.

وقلت إن  ظهور الإمام الشيعي آية الله الخميني وقيامه بالثورة الإسلامية اقنع الكثيرين بأن الإسلام صالح للحكم، بل هو البديل لكل الأنظمة الرأسمالية والاشتراكية، ويعتقد هؤلاء الشباب أن الإسلام قادر على حل المشكلات الاقتصادية والإنسانية، وأن القرآن هو الدستور الوحيد الذي يستطيع أن يقود العالم من ضلاله إلى الهدى، ويستشهدون بآيات كثيرة تدعم حجتهم وتقوي إيمانهم.

ومما يجدر ذكره أن الكثيرين من هؤلاء الشباب كانوا في بداية مسيرتهم شبابًا جانحًا أو " ضالاً" -  كما يحبون هم أن يسمّوا أنفسهم، وهم عن طريق الدين يستطيعون الحصول على تأشيرة دخول للمجتمع الذي يرفض الجانح سلوكًا ويصعب عليه أن يستسيغه، أما إذا تاب الخاطئ ،  وعاد إلى هدي الدين فلا جناح عليه، وعندها ستكون كلمته مسموعة، فإيمانه وصلاحه يشفعان له بالقول والعمل...

وبعض هؤلاء الشباب كانوا مبذرين ومسرفين، فوجدوا الدين عصمة لهم من حياة البذخ والترف واستقراض القروض من المصارف، وبعضهم كان ضعيفًا في المدرسة أو جاهلاً، وإذا بالدين يعلمه، ويقوي برهانه، ويدخله جو النقاش وطبيعة البحث عن المعرفة، فتعود لهم الثقة بالنفس والاطمئنان.

 

ولا ننس أن فتح أبواب الديار المقدسة أمام مسلمي هذه الديار من العوامل الهامة في ارتباط الشباب بدينهم وتمسكهم بالإسلام، فهم يلتقون إخوتهم من الشباب المسلم، وتتوثق عُرا الإخاء بينهم.

 ولعل أهم هذه الأسباب التي ألمعنا إليها هو كثرة الخطباء والمثقفين ثقافة دينية من الذين توافدوا على القرى والمدن في البلاد من الضفة الغربية وقطاع غزة، ولا إنكار أن هؤلاء الدعاة يملكون قوة الخطابة والحجة والبيان، بحيث خلبوا ألباب مستمعيهم وجذبوهم إليهم وإلى أفكارهم، فقد وجهوهم أيضًا إلى كتب دينية لمؤلفين مصريين غالبًا- ،  وخاصة كتابات سيد قطب ومحمد قطب ومصطفى محمود ، وشعراوي وسواهم. فالثقافة الدينية تزداد بحكم الاتصال الثقافي مع العالم العربي، حتى لتجد أن ثلاثة أرباع كتب كل مكتبة هي ضمن الإطار الإسلامي ومضامينه.

ومما يلاحظ أن هؤلاء الشباب يقتنون الكتب بصورة ملموسة، وكثير منهم يأخذون في الإرشاد الديني لسواهم من الشباب، فتزداد دائرة اتساعهم ويزداد تنظيمهم غير الرسمي، ففي قرية ما نجد "أتباع الكتاب والسنّة" ،  وفي قرية أخرى "دعاة السلام" . وتختلف الأسماء لتدل على مضمون واحد وعلى آراء قريبة إن لم تكن ملاصقة لآراء الإخوان المسلمين ، أو حزب التحرير أو ....

 

وقرانا أصبحت اليوم مليئة بالشباب الديني الذين يرتدون لباسًا خاصًّا هو اللباس العربي القديم الدشداشة أو الباكستاني - وهم يرسلون اللحى عملاً بسنّة الرسول. أما الفتيات فما أكثر من يلبسن "اللباس الشرعي" .

 وقد يتساءل القارئ: وهل لهذه الجماعة الدينية تأثير على مجريات الأمور في قرانا؟

   والإجابة : أنهم يتداخلون ، ويتواجدون بصورة ملموسة، ففي قرية ما دعت الجماعة إلى فصل الإناث عن الذكور في المدرسة الثانوية، بل ضغطت كثيرًا في سبيل ما تدعو إليه، وفي قرى كثيرة أقام الشباب مسجدًا خاصًّا بهم، بل أن هناك شبابًا دعوا الإمام أن يفسح لهم مجالاً للصلاة في المسجد في أوقات خاصة لهم...

وفي كثير من القرى يقيمون خلايا لدراسة الدين وأصوله وأحكام التجويد، ومن تأثير هذه أنها تقيم الاحتفالات الدينية والأعراس الخاصة، وتجند طاقاتها وتقاوم معارضيها بصورة حادة.

 

   ومنهم من تستبد به الحماسة ،  فيستغل المناسبات للتشهير بالحزب الشيوعي، فالشيوعية كانت العدو الأول لهذه الجماعة - كما يظهر من مناقشاتهم.

 

حاولت في هذه العجالة إلقاء الضوء بصورة موضوعية عن ظاهرة التدين التي تنتشر، ولا أرى أنها ستتوقف، فالإسلام هو البديل عند الكثيرين ممن لا يجدون العزاء والسلوى في السير  على غرار الغرب، ولا يجدون الجواب في الحضارة الرأسمالية أو الاشتراكية. ثم لا ننسى أن ظاهرة التدين هي رد فعل لظاهرتَي الإلحاد والتمغرب-  اللتين تؤثران على قطاعات كبيرة أخرى.

 أكتب هذا في أوائل الثمانينيات، ولا نستغرب إذا كانت الثورة الإسلامية بفضل الشباب ستتوسع إلى دوائر أكثر اتساعًا.

 

                                                  عن القضاء والقضاة الشرعيين

 

إذا أردتم أن تتعرفوا إلى مدى الاستهتار بمعالجة قضايانا ، فانظروا من يعيّنون عادة في الوظائف الراقية، وتفحّصوا كيف يعيّنون غالبيتهم الساحقة، وفي أي ظروف.

وكل تعيين يهون ، اللهم إلا تعيين القضاة المسلمين.. فهو الداهية الدهياء،  والفعلة الشوهاء. فدعونا لا نتحدث عن ماض سلف، فعفا الله عما كان مما لا يجدينا القول عنه وفيه، وتعالَوا إلى كلمة سواء-  أن تستيقظ ضمائرنا جميعًا، ونرفع أصواتنا مستنكرين العبث المرتقب، باحثين عن أذن صاغية وواعية.

    وموضوع القضاة أخذ يبرز مؤخرًا، بسبب النقص في عدد الوظائف، قياسًا لما هو مفروض أن يكون -خمسة عشر قاضيًا على الأقل- ،  وبسبب تقاعد بعض القضاة إن آجلاً أو عاجلاً.

    ونحن لا يروق لنا أن نرى من يعبث بشريعتنا الإسلامية حتى من منطلق القانون البرلماني، فإذا عولجت قضية ما تتعلق بالميراث في محكمة شرعية فإن أية امرأة مسلمة قد  ترفض أن يكون لها نصف ما للذكر، قادرة على  أن تنقض القرار في أي محكمة مدنية. وقد قرأنا مؤخرًا أن محكمة العدل العليا نقضت قرارًا بالنفقة لزوجة مسلمة أقرّته محكمة الطيبة الشرعية.

على هذا لم يبق إلا أن نلبس كل قاض في المحكمة العليا عمامة حتى ينفعنا الله ببركاتهم.

وإذا يحق للمسلم أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع، أو يحق له أن يطلق وهذا أبغض الحلال فإن القانون الإسرائيلي لا يجيز له إلا بشروط هي أدنى الاستحالة.

   ولا يفهمن أحد أنني أوازن بين الشريعة والقانون، ولكني أؤكّد أنه لم يبق للشريعة ولا لمحكمتها هيبة، ولم تعد تلك الأهمية التي كان يوليها الناس لها، فكيف بالله يمكن أن يجلّوا وظيفة القاضي؟

قالوا: هناك لجنة لاختيار القضاة. تشرفنا! ولكن من أعضاؤها؟

- إنها من أعضاء كنيست مسلمين ليس لهم الحَول ولا الطّول، وكذلك من أعضاء يهود ليس لهم أية علاقة بالأمن يا سبحان الله ! وهم موضوعيون جدًّا جدًّا.

 إنني لأتساءل، وراق لي أن يسبقني كذلك من تساءل: لماذا لا يكون القضاة الشرعيون من خرجي كلية الشريعة؟

 

وأضيف أنا:

 لماذا لا يكون الوعاظ - الذين يزيدونها علينا هذه الأيام بفلسفاتهم وأخطائهم اللغوية والنحوية-  من خرجي كلية الشريعة؟ هذه الكلية التي اعترفت بها وزارة المعارف رسميًّا.

إن طلاب هذه الكلية ولا شك يتقدمون لامتحانات جدية في الشريعة، كما أن المفروض فيهم أن يتحلّوا بخلق قويم ونزاهة اجتماعية.

رحم الله أيام العرب الأولى، حيث كانوا يرفضون وظيفة القضاء، ربما بسبب الحديث الشريف  - " قاض في الجنة، وقاضيان في النار" ،  وربما لأن القاضي " يذبح بغير سكين" -  كما روى أبو هريرة.

 ولن نعيد عليكم هنا قصص أبي حنيفة النعمان وسفيان الثوري وعدي بن أرطاة وسواهم ممن رفضوا تولية القضاء. وبالطبع فهذا لا يعني أن يتهرب خِيارنا من هذه المسؤولية الجسيمة، ولكني أدعو أن يكون الاختيار من المسلمين المؤهّلين، تمامًا كما يختار الأب المسيحي رجال الكهنوت المسيحيين، وكما يختار رجال (الربنوت) وظائفهم وأحبارهم. ونحن في تاريخنا نجد نماذج من اختيار الفضلاء للفضلاء، فإذا امتحن قاض مرشحًا ووجده قد عجز تخلى عنه.

 ومما روي في هذا السياق أن يحيى بن أكثم قاضي المأمون كان يمتحن القضاة الذين يراد توليتهم، فيسألهم في مسائل مشكلة من الشريعة...

 

فيا من يدّعون الاهتمام بالإسلام والمسلمين من حركات بأسماء ومسميات لا يروق لي أنكم تمرّون على هذه المسألة مرّ الكرام أو غير الكرام، أليس الموضوع مهمًّا؟

 ألا تتذكرون ما كتبه عمر الفاروق لأبي موسى الأشعري: " إن القضاء فريضة محكمة وسنّة متّبعة" ، فما هو موقفكم من فريضتكم ومن سنّتكم؟!!.

 

 

                                                              زواج البدل  - عِلل

 

 " زواج البدل"  أصبح تقليدًا في مجتمعنا ، مع أنه آفة نتأفف منه، بعضنا يقبل عليه ، لأنه يرى وجوب تمتين الأواصر بين العائلتين المتصاهرتين، وبعضنا يلجأ إليه لأن في الابن / الابنة عيبًا وقد يفوت القطار...

 

ومع أن الإسلام نهى عن (الشّغار) إلا أننا أصبحنا نقبل عليه متحايلين، فيدفع كل زوج مهرًا (وهميًّا) وكأن عقدي الزواج منفصلان.

أذكر في طفولتي أن أحد أقاربي كان يعيش مشكلة مستعصية، فما (تحرن) هذه حتى (تحرن) تلك- حتى لو كانت في وفاق مع أهلها وزوجها، فكان يتم التبادل التجاري ، وتسليم البضائع مصحوبًا بالشتائم والغيظ..

   كنت أظن أن التقدم الاجتماعي الذي طرأ على الناس قد غيّر بعض أنماط سلوكهم، لكني فوجئت من زيارة قصيرة لإحدى المحاكم الشرعية أن أكثر من نصف قضايا الطلاق هم من ضمن الذين ابتلوا بهذا الزواج.

    فهذا طبيب يداوي علل الناس ولا يداوي علّته طرد زوجته لأن أخته أهينت وطردت.

    وهذا عامل له أربعة أولاد، شعاره: "العين بالعين والسن بالسن والولية بالولية".

ومهما تكن سعادة الواحد فإن أدنى ما يعكر صفو (بديلتها) لا بد أن يصيبها بالرّشاش، وعندما (تحرد) هذه ترسل تلك كوسيلة ضغط، وعندها سيعتبر (المعتدون)،  ويتعلمون كيف يحترمون بنات الناس ...

ويحاول المصلحونَ ذاتَ البين أن يحلّوا المشكل، ولكن ما تلبث الأمور أن يكون لها ضرام. وتجد الحماة هنا أو هناك على رأس سلّم العداء، فهي هي التي كانت توازن بين ما قدّموا لابنتهم ، وبين ما لم يقدمه هؤلاء الذين ساق النصيب إليهم (يلعن أبو النصيب! )، وهي هي التي تراقب الحركات والسكنات فابنتها تخدم دار عمها.... أما هذه (اللئيمة) فشغلها الشاغل أن تقف أمام المرآة، ولا بد من تنبيه الابنة في أول زيارة لها أن تكف عن مساعدة حماتها.

قلت لأحد هؤلاء الذين يعانون الأمرّين: أمْسك عليك زوجك!

قال: وماذا يقول الناس؟ أتهان أختي وأدير ظهري؟ ماذا تقول أخواتي؟ أمي؟ وهل لي أن أقدر على التعريض والغمز؟

قلت مفترضًا:

 

لو كنت تعيش في أوروبا ، فهل كانوا يطالبونك بالتخلي عنها هناك؟

لو كنت كبير السن وهي في خدمتك ، فهل كانوا يطالبونك بتركها؟

لو كانت زوجك تعمل وتكسب الكثير، فهل كانوا يطالبونك...؟

قال: إنني أدفع ضريبة لمجتمع قاس. إنها ضريبة القيمة الانقاصية.

قلت: ما أحرانا منذ الآن أن نكفّ عن خلق ضحايا جديدة ، وننتهي من هذه الخلافات العائلية التي لا مبرر لها.

قال: نعم. " واللي بدّو يصاهر ما بدّو يقاهر" .

ورد في الحديث الشريف: " لا شغار في الإسلام" *.

 

 

 

.........................................................................................

 

* قال الشافعي: " الشغار المنهي عنه أن يزوج الرجلُ الرجلَ حريمته على أن يتزوج المزوََّج حريمة له أخرى، ويكون مهر كل واحدة منهما بُضْع الأخرى، كأنهما رفعا المهر وأخليا البُضْع عنه".

 

                                                     فائض من الفتيات

 

من المسائل الاجتماعية التي يجب أن نوليها الاهتمام هذه الوفرة من الفتيات الآنسات اللواتي ينتظرن فارس الأحلام وعلب الأفراح وتصوير الفيديو ... وهيهات!

ولا تخلو قرية من قرانا من هذه الكثرة الكاثرة من الجيش الناعم الذي يتباهى في الأعراس والمحافل بأبهى الحلل، ويتراءى حتى يكون ملء المقل،  ومرة أخرى..... (وهيهات !).

 

وفي ظني أن المسؤولية الجسيمة تقع غالبًا على وليّ الأمر، وخاصة إذا كان صاحبنا مصرًّا على مستوى معين للخاطب يحدده في العلم أو المال أو النسب أو الشكل، وربما يكون عاقدًا العزم على أن تظل ابنته في القرية نفسها  تتزوج فيها ، أو في  العائلة عينها أو ... أو ... فالمهم أن يفوت الفرص ولا ينتهزها.

 

وقد لا يرعوي ولي الأمر عن إرهاق الخاطب بالأعباء، فمن دار فارهة إلى سيارة مطهمة، ومن ذهب وماس إلى وسائل ترفيه في الأعراس مفعمة بالبهرجة والمظاهر مسرة للخواطر والنواظر، فمثل هذه المطالب تجعل الطالب مترددًا،   بل محجمًا عن الخوض في هذا الترف، خاصة وحسابه مدين والله المعين.

وقد يكون قصور الأب أنه حيي محتشم أو أبي مكابر، فلا يبحث عن الشاب الملائم لكريمته، كما بحث بالأمس عن العروس الملائمة لنجله، -وبنفس القدر " فماذا يقول الناس؟ ولتبق ابنتي خادمة لأخوتها ولن أذل نفسي" .

    عرفت شابًّا توجّه إلى أحد معارفه بمنتهى الجرأة، وطلب منه أن يتعرف إلى شقيقته، بل قال له: "أنها جميلة ومثقفة .. وأنا أبحث عن شريك حياة لها.. وأحب أن تتعارفا أولاً، فإن اتفقتما فما أسعدني! وإلا فاجعل الأمر بيننا..." !

 

قد لا يعجب القارئ لهذه القصة، ولكنها حدثت،  ولا يهم أنهما تزوجا أم لا، فلم يكون هذا خسيسًا حتى يحدّث أقرانه بتطاول عن هذا العرض السخي " عرضوها علي ..." ، وإذا كان خسيسًا فهو واحد من عديد، ولن يغيّرفعله هذا من ضرورة ذلك ، فالمهم أن نطبق المثل " دوّر لبنتك قبل ما تدوّر لابنك"!

 

ومسؤولية وليّ الأمر كذلك أن يحافظ على الفضيلة،  لا بالشعارات والوعظ ، وإنما بإزالة الأسباب التي تحول دون قيام الفضيلة، فكم أحترم ذلك الأب الذي حفز على زواج ابنته إذا أعلن على الملأ إعطاءها حقّها من الأملاك التي يحق لها حسب الشريعة.

وأنا على يقين أن هذا لا يعتبر إغراء للخاطب بقدر ما هو إجراء للعدل.

ثم،

   لماذا لا يكون تعارف مشروع بين الشبان والفتيات؟

 إن الإسلام دين ألفة ومحبة، وقد أباح للخاطبين أن يتعرف كل منهما إلى صاحبة ، وذلك بالرؤية الكريمة والمحادثة المؤدبة والاجتماعية المهذبة في كنف الأهل.

وقد يتّسع معنى كلمة (الأهل) حسب تقديري كأن يكون ذلك في نواد ثقافية وفكرية ، وتحت إشراف أشخاص لا غبار على سمعتهم... وفي هذا سأسوق لكم هذه القصة:

دعتني جماعة " الطلائع" وهم شباب أقاموا حركة فكرية في باقة الغربية إلى إلقاء محاضرة، فلفت نظري غياب الفتيات، ولما توسمت في الشباب روح الطلائعية بحق ، سألت سؤالاً استفزازيًا: أنت يا أخي لماذا لم تحضر معك خطيبتك؟ وأنت لمَ لَم تحضر أختك؟

   وأثار دهشتي جواب أحدهم: "أنا مستعد في اللقاء القادم أن أحضر معي خطيبتي، ولكني لن أحضر أختي خوفًا من أن يسلقني الناس بألسنة حداد... بصراحة الأمر صعب".

قلت له: " يا صاحبي، من طبيعة الغيرة أن تكون أولاً على خطيبتك، ذلك لأن الغيرة هي في الأصل بحث عن الذات ومن منطلق شخصي.. ثم ماذا تخسر أنت إذا تعرفت أختك إلى أحد الشباب الطيبين هنا - ما دمتم أخوة ورائدكم العمل الصالح البنّاء؟

إنكم لن تكونوا طلائع بحق وحقيق إلا إذا واكبت الفتاة حركتكم يدًا بيد، ولا ضير إذا سكنت نفس إلى نفس،  وارتبط قلب بقلب،  بقصد تكوين أسرة عمادها المودة والرحمة.. فكونوا طلائع في هذه النواحي الشريفة، ولنبحث عن لقاءات الحلال في وضح النهار!

 

                                        وعاظ على حساب الموت

 

الوعظ الديني في المآتم هو استمرار للدروس التي كان يلقيها رجال العلم على الملأ وفي حلقات المساجد أو منتديات الخطابة، ولا يخفى أن لظاهرة الوعاظ حسناتها في تثقيف المتحلقين حول الشيخ المتتبعين لأصداء الرواية: حدثني أو حدثنا، خبّرني أو أخبرنا...

   وفي أيامنا هذه تكثر عند (الأجر) كلمات الخطباء ممن يحبون الظهور في المحافل، فيقدمون عبر مواعظهم الجهورية تهديدًا ووعيدًا، ولسان حالهم يقول: " يا ابن آدم ها هو الموت قد أقبل، وهو يهوي فاغرًا فاه، فليس من سبيل أمامك إلا العودة لله" ،  ويصفون لنا عالم الآخرة كأنهم حضروا منه ليشهدوا على التوّ، وها هم يحذروننا ويذكروننا إن نفعت الذكرى وكثير منهم يكررون ويقلدون أقولاً قد تكون قيلت في غير السياق الذي أوردوه، أو يحملون جملة ما معنى غير الذي ذكروه. وينهون كلماتهم بالطلب من السامعين أن يقرأوا الفاتحة، فيكافأ الشيخ بالدعاء: " أثابك الله" !

 

ومما يبعث الحسرة في النفس أنهم غالبًا لا يحسنون العربية مع أن محمدًا صلى الله عليه وسلم الذي يتباكون على رسالته كان أفصح العرب، وكان بيانه للناس سبلاً. أما هم فلم يتخذوا منه كتابًا ليجعل لسانهم عربيًَا بيّنًا.

 

وإني لأتساءل إزاء هذه الدروس المكرورة بببغاوية لا تسمن ولا تغني:

*       هل يتفضل شيخ واعظ ليشرح لنا سورة قصيرة وفق مناهج التفسير المختلفة ، فيزيدنا معرفة وثراء على الصعيد اللغوي والبياني والفكري؟؟

*     هل يتفضل شيخ واعظ ليحلل لنا ظاهرة خلقية كالتعاون أو الإيثار أو الصدق ، فيأخذ بالاستفاضة والتحليل في عرض ممتع جذاب ليجعل الدين القويم قيمًا ومثلاً عليا، لا مجرد جنة وجحيم وملائكة وشياطين؟؟

*   هل يتفضل شيخ واعظ ليعلّمنا درسًا في التجويد،  أو موقفًا من القراءات، مما يدل على ثقافة وإطلاع في هذه العلوم العقلية والنقلية؟؟

*  هل يتفضل شيخ واعظ فيعلّمنا أساليب السيرة النبوية، ويوازن بين الزهري -أول من كتب السيرة-  وبين ابن اسحق وابن هشام والكازروني والقاضي عياض وبين مجير الدين.. الخ؟؟

*   هل يتفضل واعظ ليبحر في عالم الحديث الشريف، ويعرّفنا بحقيقة الحديث القدسي، ويوازن لنا بين آراء مختلفة تتعلق بعلم الجرح والتعديل، أو يقدم بحثًا عن رجال الحديث وعن صحة الإسناد...؟؟

*   هل يتفضل واعظ شيخ فليمّ بالمدارس الفقهية في أية مسألة شرعية، وكيف يصل إلى الإنصاف بعد الخلاف، وكيف يجعل الدين يسرًا لا عسرًا؟؟

 

وإذا تطرق الشيخ إلى أمور الدنيا وهذا حق فهل يعالج قضايانا السياسية والاجتماعية والتربوية معالجة جادة فيها انتماء حقيقي وأمين لمجتمعنا.

   نحن أيها الوعاظ الأفاضل، بحاجة إلى من يثقفنا ، ولسنا بحاجة إلى من يذكّرنا بالموت، فالموت آت لا محالة، وهذه بديهية يعرفها حتى الجهلاء.

   ونحن نرى أن عظمة الإنسان بالذات وروعته تتأتى بسبب تناسيه الموت، فهو لا يجعله نصب عينيه، بل يحتال عليه بالعمل والجد والحب والطموح والمثابرة. أما الحساب والعقاب وما تحذروننا منه فمن أفواهكم ندينكم. ذلك لأنكم تكررون على مسامعنا أن الله هو أدرى بعباده، وهو الذي يحكم عليهم وحده، فدعوا - إذن - لله هذا الحكم، وخلوا بيننا وبينه، فهو لا شك أرحم منكم ، وقد كتب على نفسه الرحمة. ولا تنسوا أن هذا القرآن  يهدي للتي هي أقوم، ولا تجعلوا الموت دينكم  وديدنكم ، ومفتاحكم للوصول إلينا.

 

                                               ذكرى  الأندلس

 

 

خمسمائة سنة مرّت على خروجنا من الأندلس.

 

خمسة قرون فقط، هي في عمر الزمان حقبة قصيرة... عدة أجيال ... ومع ذلك ظلت هي في وجداننا مجدًا ووجدًا وأدبًا وحبًّا وموشّحًا وفنًّا وفلسفة وفكرًا... وظلّت أبيات الشاعر ابن خفاجة تردد صداها:

يا أهل أندلس لله درّكم

                      ماء وظلّ وأنهار وأشجــــار

ما جنّة الأرض إلا في بلادكم

                     ولو تخيّرت هذي كنت أختار

 

   نهضة جبّارة كانت: في الأدب والتاريخ والفلسفة والرحلات والصوفية والنحو...

أسماء وأسماء لمعت: ابن طفيل وابن رشد وابن عربي وابن الخطيب والقالي وابن هانىء وابن زيدون...

     واختلاسه نظر في كتاب نفح الطيب للمقّري و بغية الملتمس للضّبّي و المقتبس لابن حيّان و الإحاطة في أخبار غرناطة للسان الدين بن الخطيب كافية لأن يروعك هذا التاريخ، وتروعك هذه العظمة.

فلنتذكر الأندلس استيحاء وذكرى، حتى لو استجدت أية أحداث وأحداث، ونحن أحرى بهذا الإعلان من سوانا.

وإذا كانوا في بلادنا يحتفلون بذكرى ابن جبيرول وموسى بن ميمون وموسى بن نحمان وأبي الفضل بن حسداي وصموئيل بن نغريلة وابنه يوسف... فإنهم ينسون أين عاش هؤلاء؟ وفي أي بلاط؟

 وإذا كان الأسبان يحافظون على تراثنا برموش العين، فما أحرانا أن نعتبر، لا من منطلق التباكي على الأندلس لاسترجاعها، وإنما من منطلق الانتماء والاعتزاز بالعطاء العربي فيها.

     سعدت شخصيًّا قبل بضع سنين أن أتعرف إلى طليطلة وآثار قرطبة بجامعها الكبير، واشبيلية بقصرها ومئذنها وغرناطة بحمرائها والبيازين فيها... كنت أحسّ أن الأرض تنطق العربية، وأنني لست غريبًا عن هذه الأرض... كنت أطالع الأسماء فأجدها محرفة عن العربية، وأطالع الوجوه فلا أكاد أصدق أنها لا تمتّ لي بوشائج القربى، فكتبت قصيدة طويلة بعنوان: (أندلسيات) ، بدأتها معارضًا موشح لسان الدين:

 جادني الدمع إذا الدمع شجا                    يا زمان المجد بالأندلس

   لم يكن روضك إلا ارجــــا                   يعربيًّا عابـــقًا في النفس

 

 فيا أيها المهتمون بتاريخكم من معلمين ورؤساء سلطات محلية وأدباء ورجال صحافة:

      استضيفوا محاضرين مختصين في كل ميدان له علاقة ببلادنا السابقة! ولنتناقل تسجيلات حية من وعن هذه البلاد وتاريخها وفنّها!

 فإذا انتمى اليهود إلى رجالاتهم هناك، فما أحرانا أن نقف وقفات إكبار لتاريخنا واعتزاز، وأن نقرأ دائمًا ما تيسّر من عذب الشعر الأندلسي وسلاسل نثره، وأن نتعرف بعمق إلى ابن عربي وابن رشد وابن باجة...

واقرأوا معي في الختام مقاطع من مرثية أبي البقاء الرُّندي أو رائعته:

لكل شيء إذا ما تم نقصان

                                               فلا يغرّ بطيب العيش إنسان

...............................

                           .............................

إلى أن يقول:

      فاسأل بلنسية ما شأن مرسية

                             وأين شاطبة بل أيـــــن حيّان؟

وأين قرطبة دار العلوم فكم

                            من عالم قد سما فيها له شـان

وأين حمص وما تحويه من نُزَه

                             ونهرها العذب فيّاض وملآن ؟

قواعد كن أركان البلاد فما

                           عسى البقاء إذا لم تبــق أركان

 

 وقد صدق ابن الرندي في قوله:

"لمثل هذا يذوب القلب من كمد

 ولكني أقول اليوم:

لمثل هذا، فلنحفظ الذكرى!!

 

 

.........................................................