حوار مع الشاعر الناقد د. فاروق مواسي
أجرى الحوار : أيمن اللبدي
 

 

س1 ـ تقدم في مقدمة موقعك الإليكتروني عن دافعك وعن تقنية تعاملك في أمر الكتابة دليلا نوعيًا ونقتطف للقارئ منها ما يلي :

(أكتب لأنني مضطر أن أقدم الثمرات وكأنني شجرة قد تكون عذبة شهية، وقد لا تكون ولكني أحس أن هناك من يسعد بها ، أعيد تركيب الأشياء والعناصر كطفل ،وأتجشم مسؤوليتها كرجل ، وأنقد طبيعتها كشيخ ...أكتب حتى لا أموت....)

في أي النصوص ترى نفسك أكثر ألفة مع ما قدمت ؟ في النقد ..في السرد ..في القصيدة ؟

- لا بد إلا أن أجد نفسي في النص ـ أي نص وفي أي نوع أدبي ، حيث يكون النص مسكونًا في ذاتي وذاتي مسكونة في النص أولا أو قبلا ، وذلك من خلال نسيج لحمته ( أو مضمونه ) الصدق وسَـداه ( أو مبناه ) اللغة . واللغة هي عشقي أعلّمها وأتعلمها ، وهي التي تشف عن كوامن حبي لمجتمعي ، فتنطلق أداء موظفًا آنًا ، وجماليًا يطوف في فضاءات شتى آنًا آخر . المهم ألا أنطق عن ثرثرة ، بل في هوًى أستحبه ، وأدعو لأن يحبه سواي ، ويسعدني أن أجد لي رفقة درب .

س2- فاروق مواسي ، اسم له دلالة ثقافية مميزة وإنجاز أكبر من أربع وعشرين حجّة حتى الآن ـ أطال الله عمرك ـ ما الذي تحقّق في أولويات الإنجاز عندك ؟ و ما الذي تبقى ؟ وكيف تراه متبرعمًا في بعد الزمن القادم ؟

- (عذرًا عزيزي أيمن ـ لم أفهم معنى أربع وعشرين حجة ، فقد بدأت الكتابة منذ عام واحد وسبعين ولي نحو أربعين إصدارًا ، أما الرقم أربع وعشرون فلا يعني إلا مجموع كتبي النقدية ( 12 ) والدواوين ( 12 ) ويمكنك تحوير السؤال ) - تحققت لديّ ـ في تصوري- قصيدة الصدق الرهيفة المنبجسة من معين عميق يشف عن ألم وأمل، يتعانقان في غمرة الشوق ـ وبريقه في عيني - ، يلوّحان في دلالات ثلاث: ذاتية ووطنية وشمولية. _ ما وسعتني الطاقة أو الحيلة _ ماذا تبقى من كتابتي أو ماذا يتبقى ؟

لأترك غيري يقول ما يراه فيّ إن كان قد قرأني .

ثمة الكثير الكثير من الموضوعات واللقطات مما يدعوني لأن أدلي بدلوي، أرأيت الآلاف المؤلفة من الكتب؟ فما أكثر ما تدعوك منها لأن تقرأها ، ولا تملك لمتعتها وقتاً؟ وعلى غرار الكتاب، كل شيء جميل يدعوك ، ولا ... لا يمكنك أن تستأثر به كله. فطاعة النص / كل طاعة مستحبة هي قدر الاستطاعة ، وتتمثل هذه الطاعة بالتماثل معها كتابة أو قراءة أو موقفًا نقديًا. آنـًا اقول- وخاصة بعد اطلاعي على القمم الشامخة في الأدب الغربي ، وعلى نماذج عظيمة من تراثنا :

وماذا أضفت يا فاروق في هذا الخضّم؟ هل أقول أشعر بالصفرية؟ والله يحدث الاعتراف كثيرًا وأنا أخاطب بعض العمالقة في مكتبتي .

وآنـًا أتصفح ما كتبت وما عملت وما استغللت فيه من وقتي جيّدا، أقول لم اكن فاروقـًا واحدًا!

وبين هذا وذاك تتبرعم الرؤى الإنسانية التي قد تجد لها من يرافقها أو من يضرب عنها صفحـًا !

س3- باعتبارك أحد القامات الأدبية العريقة التي رفدت الحركة الثقافية الفلسطينية ما وراء خطهم الأخضر وخطنا الفلسطيني الأحمر ، ماذا يوجد هناك من جديد ؟ هل ترى تبلورًا لتميّز من نوع ما ؟ وفي أي مجال ؟

لا أؤكد أن هناك ما يميّز أدبنا في الداخل في هذه الآونة ، فالحالة أشبه بخواء أدبي، اللهم إلا بعض الكتابات هنا وهناك هي وَمضات لا تدل على اتجاه. ولكن ، من جهة أخرى - فثمة مشاركات لكتابنا في المدارس والمؤسسات التعليمية ، يقرءون عليهم ، ويناقشون الطلاب ، وهذه ظاهرة إيجابية للغاية ـ فيها التواصل مع الأدباء واحترام عطائهم ، وفيها مثار اهتمام وطني ضروري وملح ، خاصة وأن كتابتنا عادة تعبر عن قضايانا وإنسانيتنا ، رغم أن هناك من يدعو إلى سلخ أدبنا عن قضيته ، وألا يعانق همومنا حتى يظل في دوائر التهويم ، أو ـ في أحسن التصور - يبحث عن العمق الذي لا يسبره إلا نفر قليل .

في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات نشأ لدينا مسرح شعري جديد لم يواكبه سميح القاسم مثلاً بعد أن أبدعه. ونشأ تيار الكنعانية ( ولي بعض التحفظ من مسألة أولية الحق التاريخي فيها وكأن هناك أحدًا سيقضي بين خصمين ) ، وهذا التيار أبدع فيه أحمد حسين ، وأظن أنه نسيج وحده في منطلقاته ومؤدياته .

وكانت مجلة (الجديد) حتى أوائل التسعينيات - تبعت روحـًا أدبية متميّزة. ولها كتابها الذين رسخوا ثقافة إنسانية وإبداعية ، وكانت الوسائل الفنية المستجدة في النصوص على أنواعها وتبايناتها دليل التواصل مع الثقافة العربية والغربية، بل كانت هناك مراوحات مع الثقافة العبرية التقدمية ... فتوقفت هذه المجلة، وأصبحت ذكرى ، وموئلا للباحثين _ إن وُجدت _ .

كما لم تحافظ مجلة أخرى هي (الشرق) التي يحررها د . محمود عباسي على المستوى الرفيع الذي انطلقت منه.

وبعد، فالانحسار اليوم هو بادٍ شعرًا ونثرًا ، وتقدير النقاد الجادين أو العارفين بيننا وذوي الأهلية يكاد يكون منعدماً في أجواء الصحافة الاستهلاكية والمادية والأثرة والحسد وعدم القراءة والبحث عن القشور.وما دمنا لا نعطي كل ذي حق حقه على المستوى الإبداعي فثمة مشكلة !

إذا أصررت على سؤالك عن تميّز في نوع ما لدينا، فبإمكاني أن أشير إلى الاتجاهات النقدية الأكاديمية التي هي جدّية أكثر من سواها- قياساً بما أقرأه في الجامعات الفلسطينية المختلفة-. ولعل السبب يعود إلى استخدام أكثر من لغة في متابعات الأبحاث الجادّة.

ولكن هذه الدراسات والأبحاث ـ مع ذلك- لا ترقى إلى مستويات مجلات الدراسات اللغوية والأدبية التي تصدر في جامعات المغرب العربي.

ويبقى التميز لدينا في كتابة النص الملتزم ـ بكل دلالات ذلك ، أقول ذلك بعد اطلاعي على ما يصدر في العالم العربي بكل تيارات الأدب الواعية واللا واعية .

س4- ما الفارق بين أن تكون أديبًا أكاديميًا أو أ ن تكون أديبًا صحفيًا ؟ وأنت جمعت من التجربتين معًا ؟

سميت منهجي النقدي (الوسطي) ، إذ آخذ من الأكاديمية الدقة في الاستشهاد، والتصدي للانتحال، وأتحمل المسؤولية في توصيل الرسالة التي أكتب من أجلها، فالكتابة لا تنطلق من عدم، بل من منظور يبررها أو يبرر لها؟

ويأخذ النقد لدي الناحية الشخصية الذوقية وعنصر المشاركة ، وهذان - ولا شك - يتواصلان مع الاتجاه الصّحافي اليومي. فمن قال إن النقد الصّحافي هو سلبي عمومــًا ؟ ألم يكن نقد العقاد والمازني وشكري والرافعي وطه حسين ومارون عبود صحافيـًا؟

بل أرى اليوم ضرورة أن تكثر هذه الكتابات في الصحافة لترقية الذوق لدى بعض القراء الذين لا يعرفون المطبوعة إلا الصحافة. ( لاحظ أن التعبير " نقد صحفي " يكاد يكون شتيمة ، ولكن يمكن أن نهذب العبارة بقولنا " النقد في الصحافة " أو " النقد الصحافي " ، ويبدو أن المسكوكات اللغوية تفعل فعلها .

س5- في الداخل الفلسطيني نهضت مطبوعات ثقافية جديدة وأفل بعض منها واستمر البعض الآخر ، ترى كيف تقوّم التجارب الورقية الثقافية عبر الدوريات والصحف ؟ ماذا أنجزت وفيم قصّرت ؟

منها الصالح ومنها الطالح ، ومنها ما هو دون ذلك! المؤسف أن مجلة ( الجديد) توقفت .

هذه المجلة التي خرّجت أدباء " المقاومة" ـ حسب تعبير غسان كنفاني ، أو " المعارضة"-حسب تعبير غالي شكري- أو الاحتجاج- حسب تعبير أدونيس-.والمصطلحات الثلاثة قيها تحريك للراكد واختلاف عن السائد .

وقد كنت - في أعداد الجديد الأخيرة - من هيئة تحريرها، ومن أمتع ما قمت به أنني دوّنت المناظرات النقدية التي كانت تجريها المجلة للتداول حول قصة واحدة أو قصيدة - على غرار ما فعلناه مع قصيدة

" الهدهد" لمحمود درويش أو " قريتي" لعبد الحكيم قاسم. وأذكر في هذا السياق أن الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي كان قد قرأ مادة "الهدهد" لينشرها في مجلة إبداع، فامتدحها لي كثيرًا، وأكد على أنه سينشرها، وهيهات.

أما السؤال عن بدايات مجلات وانتهائها فهذا أمر مألوف ومعروف. لكني أضيف أنني رأست تحرير مجلة " مشاوير " التي أصدرتها رابطة الكتاب العرب في أواخر السبعينيات ، وقد توقفت بعد سنتين ، وكان ذلك مجرد نشاط عابر لا أظن أنه ترك أثرًا جديًا .

أما السؤال - بماذا قصّرت المطبوعات عامة ؟

إن أيًا منها لم تؤلف جماعة كجماعة (شعر) أو جماعة (إضاءات) أو (أصوات)،..... استثني من ذلك

عندنا " مشارف " التي أسسها إميل حبيبي ، فحصلت على دعم مزدوج من السلطة الفلسطينية ومن وزارة الثقافة الإسرائيلية ، وما لبثت مساعدته سهام داود أن واصلت إصدار المجلة ، وأنا أحس أن للمجلة مريدين هم في حلقة تحرص المحررة على أن يكونوا معًا ، ويذودون عن كتابة بعضهم البعض ، مع أنهم يكتبون أشتاتًا ، وبلا رؤية أو منظور مشترك ، أو على الأقل من قواعد ثقافية متباينة ، فمنهم من لا يحسن قراءة جملتين ويفهم مقروءهما ، ومنهم من أنهى الدراسة الأكاديمية الجادة .

س6- أنتم من الذين استجابوا مبكّرًا لتحدي المعلوماتية ونشط عبر موقعه الخاص وعدد من المواقع الأخرى ، كيف تنظرون إلى هذه التجربة في تحقيق منجز مميز عدا تحقق التواصل الإنساني الثقافي العابر للحدود العاجزة الآن أمامه ؟

أسعد جدًا بهذا التواصل من خلال موقعي الذي تجاوز رواده السبعة آلاف - حسب الإحصاء المثبت في الموقع - ، ومن خلال المواقع التي أكتب لها. حيث ً أتعرّف أولا ً إلى أدباء وكتابات أدبية لم تكن أحلم بالاتصال بهم أو بها .

وثانيًا يعرفني العالم العربي بعد أن أدار لنا ظهره ، لأنه اكتفى بالثلاثي (درويش ،القاسم، زياد) ، ولم يعد يستوعب أن هناك أصواتًا أخرى . فهذه التجربة على الشبكة عرفتني أن هناك قراء لهم أذواقهم ومشاربهم ، وأن هناك من يفرح بنا،ونفرح به ، وليس أدل على ذلك من تعرفي إليك يا أيمن وإلى ناصر ثابت ، وأنتما من طولكرم ( بلدياتي ) التي لا يستغرق الوصول إليها بالسيارة أكثر من عشر دقائق . وهكذا أجد نفسي في المواقع السورية التي حرمنا من دخولها بغيًا واستكبارًا ، وأخذت مقالاتي وقصائدي تظهر في عشرات المواقع بعد أن كان الحرمان والحظر والتعالي على هويتنا الخاصة بعض ما يعكر علينا الصفو والاعتزاز بلغتنا ووجودنا .

تغمرني سعادة حقيقية وأنا أتصفح عشرات المواقع ، وإذ أبحث عن مادة فأجدها ، أو أقوم بجولة في عالم الحروف فتتراقص لي أبهى وأزهى، بل أذهب إلى أن قراءتي في الكتاب أو في الشبكة لا تختلفان وهما يتقاسمان الوقت ليتنازعا في سبل إمتاعي وإقناعي .

س7- انتقالا عبر عقد التسعينيات، كيف تقيمون التواصل الذي انفتح على جانبي الخط وفي الوطن العربي مع التجربة الفلسطينية والحركة الثقافية الفلسطينية ؟ ما الذي لم تروه بعد مما كنتم تتوقعونه ؟ وما الذي تطمئنون لإعلان ولادته ؟

الانفتاح المستجد هو على واقع الثقافة الفلسطينية في الضفة والقطاع بعد أوسلو، إذ في الفترة قبل ذلك كان الكتّاب الفلسطينيون ينشرون في صحافتنا "الجديد"، "الشرق"، "الإتحاد" كما كنا ننشر نحن ـ كتاب الجليل والمثلث - في "الفجر" و"البيادر". وكانت اللقاءات الثقافية متواصلة، وكنا كأننا الشجرة الواحدة لها غصون مختلفة.

أما بعد ذلك وبعد أن تسنّم بعض الأدباء، الذين وفدوا من الشتات، مواقع أدبية مقررة ، أخذنا نلاحظ نوعاً من الترفع عن النشر لنا، أو على الأقل لا نكاد نستمع إلى التوجه لنا من صحيفة معينة أن نزودها بمواد، وإذ طلبوا فهو من باب رفع العتب ، ومن بعض الأسماء التي " يتوسمون " فيها إحداث الثورة الأدبية .. هناك اليوم شبه انقطاع بيننا وبين أهلنا لم يكن لنا به عهد. كنت أتوقع علاقات وثيقة واتحاد كتاب فلسطيني لنا فيه مندوبون أو ممثلون على الأقل في اللجنة التنفيذية، وكنت أتوقع استمرار المهرجانات الثقافية في بير زيت ـ مثلا - وفي الندوات الشعرية ، ودعوتنا بشكل فعّال أكثر، وكنت أتوقع استمرار جائزة فلسطين ، وأن تكون أيضاً من حظ الأهل في الجليل والمثلث، وتوزيعها دون أن يقرر توزيعها مقرر واحد وأوحد ، هو صاحب الحول والطول ..

س8- ماذا رأيتم من أصداء للأدب الفلسطيني عند الآخر المحتل ؟ هل يقرأ الجلاد الضحية؟

يهتم الإسرائيليون بكل ما ينشر، ولهم معاهد أبحاث، ومتابعات وأرشيفات، ويراقبون كل كلمة ويستمعون إلى كل صوت. وأنا لا أغالي في ذلك، فهم جدّيون في دراسة القضايا أكثر منا. هم يقرءون صرخات الضحية وتحديها ، ويعرفون مدى تأثير الكلمة، ومتى؟ وأين؟ وإلا فما الذي دعاهم إلى أن يغتاظوا لقصيدة لي عن اعتقال الشيخ رائد صلاح....؟ وقد عبّروا عن ذلك في وسائل مختلفة أعرف تفاصيلها. ولماذا يصادرون كتباً لشفيق حبيب .. مثلاً - علماً بأنه أصدر كتباً أكثر ، وفيها موقف وطني لا يقل عما في هذا الكتاب المصادَر.

لا أنكر أن بين الإسرائيليين من هم في صفوف اليسار الذين يسمعون أصواتنا، بل منهم من يكتب معبّرًا عن رفضه لهذا الواقع. وحتى لو كان العدد من بينهم قليلاً، فنحن نشجع هذه الأصوات، ونترجم لها، ونعرّفها في مدارسنا وندعو إلى تضافر الجهود معها.

س9- بعض النقاد دفع عن تهمة أزمة النقد ، وأعاد الكرة إلى ملعب الشعراء أنفسهم في مقالات ظهرت مؤخرًا في الصحف ، بصراحة ووضوح ما رأيكم في مسألة أزمة النقد ؟ هل هي قائمة فعلا ؟

ليست هناك أزمة في نظري، فالكتابة النقدية انتقائية، ولما أن كان عدد النقاد أقل -وهذا هو الطبيعي- فلا يمكن أن يكتب الناقد عن كل أديب أو عن كل ظاهرة أدبية. فالأمر يتعلق برغبته في أن يطرح رؤية أو فكرة، أو أن يقدم نصاًّ راق له، أو يود أن يعالجه بكل تجلياته كما هو...

النقد يحتاج إلى وقت للدراسة ومراجعة المصادر، وهذا الوقت كان يجب أن يعوَّض عنه مالياً أو مكانة رفيعة في الصحيفة ـ على الأقل من حيث الإخراج والمونتاج - ، وذلك مما يحفز على العودة إلى الكتابة.

وإذا أردت أن أُجمل : هناك كتابات متواصلة لأكثر الذين يكتبون النقد. والسؤال الذي يجب أن يُسأل: لماذا توقف هذا الناقد أو ذاك عن عطائه ؟ وهذه مسألة فيها نظر !

س10- البعض يرى أن قصيدة النثر أصبحت علة وعالة على الأدب العربي ونقل عن محمود درويش استنجاده بالناقد السعودي عبد الله الغذامي من مليشيات قصيدة النثر ، ما رأيكم في هذا كله ؟

- محمود درويش أول متهم بتسويق هذه الكتابة النثرية الصرفة، فهو ينشرها في "كرمله" ويترفع عن نشر قصيدة فيها أبعاد وطنية شفافة ، لا لسبب إلا أنه يُعبِّر عنها في قصيدة التفعيلة (ولا تسل عن التقليدية من حيث الشكل). إنه يروّج لأسماء معينة، وكأنها هي الشعر والشاعرية.

أما موقفي أنا من قصيدة النثر فهو ليس موقف المعارض، فالماغوط في رأيي من أعظم الشعراء. وثمة قصائد جميلة لطه محمد علي ولأنطون شماس ( حين كان يكتب ) ولأديب كمال الدين ولحسن النواب ولفرج بيرقدار ولفرج العشة ولآخرين كثيرين ، لا أملك إلا أن أحبهم .

المهم : أعطني القصيدة الجميلة الشفافة الرائعة لا المستعلية علي هي وصاحبها . أقول ( استعلاء )، لأن أصحاب مجلاتهم يستنكفون عن النشر لي ـ مثلاً - باسم المستوى الرفيع الذي ينشدونه - ويا سبحان الله - ! ولن أذكر من هم حتى لا أترك لهم أو عليهم فسحة ومساءلة .

س11- الأسماء الشعرية الفلسطينية مؤخرًا شكّلت قائمة جديدة في داخل الخط الأخضر وخارجه ، بينما ليست هناك أسماء روائية جديدة وخاصة نسائية ، لماذا ؟

صحيح أن هناك أسماء شعرية جديدة في قائمة أدبائنا ، ولكن الأعمال النثرية عادة تحتاج إلى رويّة وتدبر ودراسة متواصلة وعمق أكثر، فالمسألة ليست مجرد خطرة أو ومضة .. كما في الشعر - بل هي بناء محكم ونسج مدروس. وأنا لم أقتنع أن لدينا رواية ذات مستوى رفيع، فحتى إميل حبيبي - الذي طبلوا له وزمروا - كتب نصوصًا ولم يكتب رواية.

من الأقلام النسائية التي أتوقع لها العطاء والإبداع دينا سليم، فقد لاحظت قوة السبك / الصياغة لديها ، وهي متواضعة تتقبل النقد بدون غروريات أو ادعاءات .وقد أصدرت لها دار العودة رواية " الحلم المزدوج " ، وأظن أنها بحاجة إلى وقفة متأنية .

س12- في الترجمة لك تجارب كثيرة ، وترجمة الأدب تحديدًا مهمة عسيرة فما هي معاييرك الخاصة التي تضعها أمام هذه المهمة في الاتجاهين من العربية ولها ؟

كم بودي أن يكون المترجم على اطلاع معقول على اللغتين ، وأن يستشير أهل اللغة الأخرى وسابري أغوارها - لدى مجابهته تعبيرًا بحاجة إلى تريث ، وهكذا أفعل ؛ بل سأصدر قريبًا مجموعة مترجمة عن العبرية وسأضع النص في اللغتين ، حتى يكون ذلك نوعًا من الاستغراء / التحدي للتنقيب عن أي مأخذ ، وهذا يدعوني إلى مداورة النص ومحاورته أكثر وأعمق .

ويبدو لي من سؤالك أنك تحس عدم رضاي عما تُرجم من العبرية وإليها ، ويا ليتني أفضي بسريرتي وسري حتى أبين مدى الزيف في ترجمات كثير من نصوصنا التي ترجِمت ، حتى بدا الأمر " كله عند العرب صابون " ، ولكني لن أفعل ذلك ما دام هناك عدم اهتمام بمدى صدقية النص وأمانته في النقل ، وما دام كل شيء بالمجان ، ووقتك وجهدك ورأيك وإخلاصك في موضع تساؤل ، وممن ؟ من أمثال من قال فيهم المتنبي " ضعيف يقاويني قصير يطاول ُ ".

س13- كيف ترى تجربة المواقع الالكترونية الثقافية ؟ وما هو مبعث قلقك حول تجارب من هذا النوع إن وجد ؟!

إن كثيرًا منها يستضيف أقلاما جادّة، ويحررها نخبة من المثقفين المتابعين للحركة الأدبية. وأنا إذ أُحيي القائمين عليها أدعو لأن تغربل المواد أكثر_ تلك المواد التي تصل إليها ، وتنشر المواقع المادة خِلوًا من الأخطاء اللغوية ، وذات صبغة أدبية تروع المتلقي حقًا .

مبعث قلقي أن تضيع هذه المواد، فأنا لا أضمن بقاءها بعد عَقد من السنين مثلاً، فأنّى لي ، أو من يضمن لي أن أجد مادة معينة قد يكون (فيروس) جديد منهجي اقتحم الحاسوب ، وشاء أن يقضي عليها ويُخرجها إلى دوائر ومربعات. لا لسبب إلا لكي يشفي هذا المعتدي آفة العدوان والإيذاء ، فينتشي بذلك أي انتشاء .

س14- كلمة تود أن ترسلها عبر الحقائق ، تفضّل ، ولك المساحة الفضائية بانتظارك ....

كلمتي للزعامة الأدبية التي ارتأت لنفسها أن تكون القمة المقررة لمستوى النصوص أن تطامن من كبريائها غير المبرر ، فقل لمن يدعي في العلم معرفةً حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء

_ وأن ينطلق النقد من منطلق حب للعطاء وتقدير لصاحب النص، وأن يظل الناقد نزيهًا موضوعيًا يقول كلمته، لا جارحًا ولا متحديًا، وما أجدره أن يبحث عن بعض ما يشفع لصاحب النص حتى تظل الثقة بالناقد الجدي والمسؤول أمرًا لا مشاحّـة فيه .