لغتنا عنوان وجودنا، ومرآة وجداننا

 

 

لغة الفرد هي هويته القومية، وهي مسرح تفكيره، ومجال وجدانه. هي عالمه، وحدودها تشير إلى حدود عالمه وثقافته وشخصيته. إنها تصوغ كيان المجتمع، وهو بالمقابل- يصوغ ويطور لغته التي يسوقها ويسوّقها في ألفاظ ومعان ودلالات، تعبر كلها عن مستحدثات ومضامين ورؤى.

اللغة بوتقة للتفكير، ونظام للاتصال ضمن منطلقات التعبير، ولا يمكننا وصف ثقافة أمة بدون اعتماد لغتها، وذلك في معجمها، وفي قواعدها، وصياغة مبانيها أسلوبًا وصيغًا.

وبالرغم من أننا نتظاهر بعشق هذه اللغة إلا أننا نعترف أن هناك أزمات حتمتها الحياة المادية والاقتصادية بكل ما يستجد فيها، ويظل صوت العربية داعيًا إيانا أن نتشبث بها،  وأن نعض عليها بالنواجذ، فيجدر بالفرد منا أن ينطقها في المستويات الرسمية سليمة الأداء صحيحة العبارة... ننطقها في لغة تأنف من لهجة السوق - هذه اللهجة التي لا تتجاوز مفرداتها ألف مفردة، وهي لا تفي بمتطلبات الثقافة الجادة، كما أن الحروف في هذه اللهجات تُلفظ بمخارج صوتية متباينة تبعًا للمنطقة الجغرافيـــة.

أقول ذلك، وأنا أعي سلاسة العامية على أسَلات الألسنة في مخاطباتنا البيتية، وفي فكاهاتنا وفي أغانينا، وفي سرعة توصيلها واتصالها، بل في ضرورتها وحيويتها.

أعود لأؤكد أن لغة الثقافة لدى أي شعب ترتقي صعدًا ما ارتقت أفكاره، ومبنى الجملة يتطور تبعًا لغنى هذا الشعب ثقافيًا...

ما معنى أن تعرف العربية:

أن يعرف  الدارس العربية - أعني به ما يلي:

* أن يتدبر آي الذكر الحكيم، في معانيه وفي ألفاظه، في أساليبه، وفي تفسيره، فلا سبيل للدارس إلا أن ينهل من حوض العربية الذي حفظها، ولا يغفل عن قوله تعالى { إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون} وفي آية أخرى ( جعلناه )، فهو { كتاب فصلت آياته قرآنًا عربيًا لقوم يعلمون}. فحفظ القرآن يؤدي بصاحبه إلى استيعاب اللغة وتشرب جزالتها وفصاحتها.

* أن يعرف الدارس قواعد اللغة نحوًا وصرفًا، وإملاء، وصوتياتٍ، وبلاغةً- من بيان وبديع وعلم المعاني، ويعرف مواطن اللحن، وليس اللحن قاصرًا على نهاية الكلمة، بل هو في شكل اللفظة بدءًا من حرفها الأول.

 

* أن يكون مصاحبًا للشعر العربي، وخاصة التليد منه، فيكون ملتقطًا لدرره، عاشقًا لغرره، مدركًا شواهده وشوارده، ونوادره وموارده، فهو عقّار طب المهج، وهو ديوان العرب، وهو موضع اعتزاز يعتز به من يحفظه، ويستشهد به في الحدث والحديث.

* أن يعمد الدارس إلى فقه العربية، ويتابع تطور اللغة في دلالاتها، وأن يكون على بينة بطواعيتها وبمدى قابلية اشتقاقاتها، ويعرف أن هذه اللغة فيها الكنوز والرموز، وأنها عروس تمتثل لصاحب الصولة فيها.

كما عليه أن يعرف المناهج الحديثة في النظر إلى اللغة، وإلى الطاقة الكامنة فيها، وموازنة ذلك مع ما يجري في اللغات العالمية الأخرى.

إن لغة القرآن تدعونا إلى أن ندرس طرق التجديد في اللغة في القياس والنحت والتوليد والاختصار والاقتراض......

* أن يتابع المعاجم على اختلاف مناهجها، فلا يصح ألا يعرف الدارس كيف يجد مادة في العين للخليل، أو أن يعرف ما ميزة مقاييس اللغة، أو يتصفح تاج العروس ولسان العرب وغيرها، وهذه المصادر موسوعة شاملة، وليست لغوية فقط.

أن يتبحر الدارس  في مأثور العرب من الأمثال، والحكم، في الخطب والوصايا، في الرسائل والمقامات، وهذه من شأنها أن تصقل الألسنة، وتغذي الفكر، وتشيع جوًا من الأصالة والتراث، حتى ولو وُظفّت بأداء مستجد، له فعاليتة المستحدثة.

* أن يقرأ الدارس صفحات تاريخ الأدب العربي، ويواكب التطور في الشكل والمضمون، ويعرف الشعراء على اختلاف عصورهم، وتياراتهم الأدبية، وموضوعاتهم، وألوانهم الأدبية.

* أن يتقن الدارس عروض الشعر، فيعرف مواطن الخلل في القصيدة، وكم بالحري أن يتابع التطور الحديث الذي جرى على الشعر  مثلاً في الموشح، وفي شعر التفعيلة، وسائر الأنماط الشعرية، فكما أن لكل طرح أو مسألة قواعدَ يُعمل بها،  فإن للشعر قواعده التي لا يجوز أن يجهلها الدارس.

* أن يعرف الدارس علوم العرب من نقد وفلسفة، وسيرة وحديث شريف،وأن يعرف الأدب ومصطلحاته الأدبية  ما قدم منها وما حدث، وبذلك تقوى الملكة الأدبية لديه، ويتعزز بما قد ينحو إليه.

* وأخيرًا أن تكون لديه ملكة التعبير، فهي جُماع ما سبق، ولا تتأتى إلا لمن سبر غورها، ودفع مهرها وقتًا وجهدا.

فإذا صال الدارس فيما ذكرت وجال، فإنه سيكون ابن بجدتها، وفارسها في غمرتها. أما الشائع فهو أن نجد متخصصًا في هذا الميدان أو ذاك، يقتصر على المشوار الواحد ليجري فيه جواده. وقد يكون هذا التخصص ضروريًا مجديًا ومجزيًا، إلا أن المرور المتأني لا بد منه في كل باب.

أسباب الضعف في اللغة العربية :

* إن أي مادة لا نتابعها ولا نواصل البحث فيها سرعان ما تتلاشى في الخاطر، ولغتنا منيت بظروف اقتصادية ومادية جعلتها ثانوية، ولم تعد في سلم الأولويات، ويتمثل ذلك في افتخار العائلة العربية بابنها الطبيب أو المحامي أو المهندس، بينما لا نجد والدًا يفاخر بابنه الذي يتخصص في العربية هذا إذا عثرنا على هذا الابن بشق الأنفس. وهذا العزوف عن دراسة العربية من قبل الطلاب الممتازين ربما يكون بسبب قسريات الحياة الاجتماعية وظروفها.

من هنا أصل إلى نقطة هامة، وفي تقديري هي جوهر المسألة: وهي أننا عامةً لا نوقّـر لغتنا، ولا نجلّ أربابها بما يليقون به، فقد نسمع اللفظ الهزيل الكليل، وقد نسمع اللاحن تلو اللاحن (وانتبه في حفلات التأبين- مثلاً)، ونمر على ذلك مر الكرام.... بل قد نجد بيننا من يسخر منك إن حاولت أن تنقد لغة هذا الزعيم أو ذاك، فتصبح أنت الهُـزْأة، فالسياسيون وشخصيات المجتمع أهم من اللغة وإعرابها..

ولا غرابة إذا رأينا - من جهة أخرى - من يحسن عربيته ويبدع فيها، فلا يحظى بأية مزيــة أو ميزة، وبراعته لا تجديه ولن تغنيه شيئًا....ثم إن بعض المسرحيات تستخدم ألفاظًا عن سابق قصد لإثارة السخرية اللاذعة من هذه اللغة الفصيحة، فيظهرونها وكأنها التشدق والتفيهق، وما مثـَّله عادل إمام وقوله " ألححت إصرارًا... وأصررت إلحاحًا " إلا نموذج على ذلك.

 

*ومن أهم أسباب الضعف أن معظم معلمي العربية كانوا متوسطين في تحصيلهم، إن لم يكونوا ضعفاء  وهؤلاء هم الذين يعلمون اللغة، وهم قناة التوصيل لها، وأحيانًا بدون تذوق لها ولجماليتها، والذنب كما أرى - ليس ذنبهم فقط، فمن الضروري إلزامهم بدورات سنوية فيها إثراء، ومتابعة  وتعمق.

* لعل الضعف الأساس هو بسبب النحو والصرف، وقواعد أية لغة فيها عسر تعلم، وعسر تعليم. ولا نستطيع مغالبة ذلك إلا بخلق المحفزات لدراسته، وبزيادة ساعات التدريس المخصصة له، فلا يجوز أن تخصص ثلاث ساعات أسبوعية فقط لدراسة اللغة قواعدها وأدبها والتعبير فيها.

ويجدر بمعلمينا أن يقوموا بتدريس موادهم بعربية سليمة، ولا غضاضة أن تجنح إلى التسكين (على طريقة بني ربيعة) على طريقة "سكِّن تسلم!"، ولكن بجِد هذه المرة ،..... يستثنى من ذلك ما كان ضرورة بسبب الوصل والتبعية للكلمة اللاحقة، نحو غرفـــة الصف، فشكل آخر (غرفة) ضروري، لأنه لا يمكن تسكين آخرها...

ولرب سائل يسأل : لقد ذكرت صعوبة النحو، فأنى للمعلم أن يقوم بما طالبت به؟! وهل تدعو إلى طريقة ما لتغيير الصورة السلبية؟

أجيب : حبذا أن نجرب في دورات مكثفة تدريس المرفوعات والمجرورات فقط، فيعرف الطالب المنصوبات بعد ذلك، دون جهد حتى ولو لم يمايز بين التمييز والحال، بين المفعول لأجله والمفعول المطلق...إلخ.

على كل هذه التجربة لم تُمرَّر، ولا نستطيع الحكم على خيبتها مقدمًا...

وأما التراكيب المستجدة فلا أرى غضاضة في أخذ الكثير منها (مع أن بعضهم يرميها بالركاكة أو يصِمها بالعُجمة)، فكل تركيب نستضيفه هو إثراء للغتنا في بِِنيتها، وخاصة ما كان ضمن المجاز والكناية المعاصرة....

أسأل نفسي أحيانًا:

لماذا نفتقد المراجع الأكاديمية في المواضيع العلمية باللغة العربية؟

لماذا نفتقد المسؤولية الجماعية أو الرسمية إزاء اللغة العربية؟

إذن ما العمل؟

أدعو المعلمين (كلاً في مجاله) كما أدعو المشتغلين باللغة إلى أن يقترحوا ترجمات لهذه الكلمات الأجنبية التي تغزو بحدة وبتواتر، وأن يستشيروا من يثقون بلغتهم العربية، وأن يتعاونوا مع سواهم ممن يأنسون فيهم حب المعرفة، والاستعداد للبحث والاستقصاء، ولا نعدِم أساتذة في اللغة يُشهد لهم بالغَـيْرة عليها، والحرص على رقيها. وكم يحسن أن تكون الألفاظ المقترحة من غير المشترك، إذ كفانا ما لدينا من مشترك وتضاد وترادف ومثنيات لها أكثر من تفسير - كل ذلك في عصر يتطلب الدقة والتحديد والفهم الجامع المانع.

إن لغتنا بحاجة إلى أن  نخرجها من دائرة اهتمام المتخصصين فقط إلى الدائرة الأرحب ، وخاصة بعد أن صار علم اللغة الحديث يستند أيضًا إلى الرياضيات، والهندسة، والإحصاء، والمنطق،   والبيولوجيا،   والفسيولوجيا،   والسوسيولوجيا ....إلخ

 ( بالطبع سأجد من يعترض هنا على الألفاظ الأجنبية  ، ولكني أرى إبقاءها إلى يتيسر لنا توحيد المصطلح  ) .

وأخيرًا  فإن علم الحاسوب ونظام المعلومات يحتمان علينا وبصورة عاجلة  أن  نهتم بالمعالجة الآلية للغة العربية، ونعرّب نظم التشغيل، وننتج لغات برمجة عربية، ونستعد للدخول إلى عصر الترجمة الآلية عن طريق لغتنا التي هي الوطن الحقيقي لنا .

 

إن لغتنا هي نحن، وكل تغيير فيها يستوجب أولاً تغييرًا منا في الاتجاه وفي الرؤية، وصدق قوله تعالى: "إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".