د . فاروق مواسي

 

 

 

 

مــــرايـــــــــا

وحكــــايــــــا

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

د. فاروق مواسي

 

مـــــرايـــــــــا

وحـــكـــايـــــا

 

قصص قصيرة جدًا

 

إصدار:

دار آسيا للصحافة والنشر

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

 

2006

 

استهلال

 

يا قارئي !

إن سمحت لي أن أقدم نفسي  !

 

أريد من قصتي  أن تشي ، أن تهمس ، أن  تنقل ...أن تحرك.... أن تجتاز  إلى مناطق مختلفة .

أن أقص قصة فهذا  اضطرار  ، تمامًا كما قلت عن كتابتي - عامة  :

أكتب لأنني مضطر أن أكتب ، وليس ترفًا أو طواعية ..... فالقاص فيَّ  أسوة بالشاعر والناقد مشوق للقص ، يبغيه ،

" يموت " حتى يحكيه ...

عندما تكون لدي قصة أسأل نفسي : لماذا أقص ، ولماذا الآن ، ولماذا لهؤلاء ....

فإذا لم أجد جوابًا شافيًا فهذا يعني أن القصة ليست بمستوى ...

أسأل  نفسي ما جدوى القصة لدى المتلقين ، فإن لم تكن ثمة  جدوى فلن يقبل علي أحد فيما بعد ....

بالطبع سأجعل من النهاية المفتوحة مثار نقاش ، وسيلة تفكير ومتعة ....

أختار أنا الراوي وأكون حميمًا له ، فليس بالضرورة أن يكون هذا إياي ، ولكنه من الضروري أن يكون قريبًا مني جدًا   ، فقصتي تنطلق من ساحتي الذاتية  ، وهي صلاتي  ونسكي بطريقتي ....

هناك محاور تتصل -  كما  أراها -  بكتّاب القصة :

أنت – قدرتك وشخصيتك راويًا ، وعليك تبعًا لذلك تطوير هذه القدرة وتثقيف النفس بالخبرة  المتعددة المصادر  ...

الجمهور ، حيث لا ننس أن القصة هي حوار اجتماعي ، ومن هذا الحوار يتولد التغيير ، ولو بطيئًا  ...

القص ، وهو مسرحيد درامي بصورة أو بأخرى ، وتتسع أبواب القصة  في تكثيفها  وطاقتها الكامنة فيها  ...

 

أما ق . ق. ج  فمن المفروض أن تعبر عن أحاسيس عفوية واعية  مقاربة للحياة  بألفتها وتواصلها ....

أعدكم أنني سأقتصد بكلماتي ، وأحاسب كل حرف قبل أن يدخل حرم قصصي ....

سأكثف ما وسعتني الحيلة حتى أجانب السطح ،ولن أستطرد وصفًا .....و قد أستبدل عنصرًا قصصيًا بآخر، فأستغني عن الزمان أو المكان أو السرد الوصفي  ، لكني سأرافق المفارقة وأهتز معها .. أو أعمد إلى  الدفــقة الختامية .....

وإذا كانت نتالي ساروت قد أصدرت أول مجموعة قصصية قصيرة جدًا سنة 1938 وسمتها ( انفعالات ) فها أنا أترسم الصيغة وأقدم انفعالات أخرى أو مرايا  ، فإن صحبتموني أدع لكم :

قراءة ممتعة !

 

فاروق مواسي



 

سمــك

 

سألته وهي تهاتفه : أي الطعام أحب إليك ؟

أجابها بلا تردد : سمك  !

ولم تكن تحب السمك ......

وألفت نفسها بعد أيام تكثر من شراء السمك  للعائلة  ، تقدمه مقليًا ومشويًا و تأكله  بشهية ....

وتساءلت العائلة : ما سر شراء السمك بهذا القدر ....ترى  هل رخص السمك ؟

 

 


 

الفيل وعزرائيل

 

انتفخ كثيرًا كثيرًا حتى أصبح فيلاً  ....

داس على بيوض الطيور .

ولما ضعف رقد لأول مرة على التراب ......وتضاءل كثيرًا كثيرًا حتى غدا مثقال  ذرة .

وكان هناك من يجلس على شجرة   ،

وينتظر ....وفي يده عود .

 

 


 

وردة الفرحان

 

ظلت وردة  الفرحان  تبيع الزهور  ، وتقدمه  وهي تبتسم لكل العشاق الذين يرتادون معرض  البيع   في البلدة  .

يشتري الناس ، ويمضون دون أن تسمع دعوة  لها .....

وفي المساء كانت تتساءل وما زال فوح الأزهار يعبق  :

ترى....... من أين سيشتري  ذلك الرجل البعيد  لي باقة زهر ؟

 

 

 

 


 

هناك أيضًا

 

قلت للشيخ وأنا أحاوره :

عندما تدخل الجنة  - بإذن الله – وينعم عليك بالحور العين ....

قال مقاطعًا : الله يطعمنا ! ......فهل  يُسمح لي إذا أسعدني حظي -  وكنت هناك - أن أرمق بنظرة بانورامية هؤلاء الحور  ؟

ولنفرض أن نظرة حورية منهن متميزة سحرتني حقًا ، وأنستني سائر الحسان  التي أنعم الله بها علي وعليك  .... فما الحكم .........؟

-         أعوذ بالله ! ألا تعرف أنهن " حور مقصورات في الخيام "  ؟ !

-         وهناك أيضًا ؟؟!!!

 


 

لحظة التجّلــــي

 

قال لي صاحبي طه إنه يصلي لله ولا يقطع فرضًا  ، وهو في سجوده وبعد سبحان ربي الأعلى ثلاثًا يدعو الله أن يختار  له ميتته ، بحيث تحين  وهو  جالس ليحتسي كوب الشاي المفضل ، و يكون الشاي خفيقًا  والسكر ثقيلا .... وإذا شاء الله أن تكون ساعته  في ساعة نومه في القيلولة .... فلا بأس ......

أما  في بين السجدتين فهو يدعو الله أن يكون جزاؤه ساعة الحساب  :  أن يلمح  تلك التي حرم من رؤيتها في صدر عمره  مرة كل شهر أو حتى كل شهرين .......

قلت  لصاحبي طه : أما أنا فأتمنى أن تكون ساعتي -  التي كتب الله علي -   في لحظة تجلّ  ، وأما جزائي فأن يبقي لي لحظة التجلـــــي .

 


 

حدث بسرعة !

 

كان يمسك براحة يدها الحريرية فيحس بحرارتها وحنانها ...هي فراشة أم حرير أم قصيدة  من الشعر الصافي ؟

سألها  ، فأجابت وهي تغمض عينيها : أين القصيدة ؟  سأنتظرها .

وعندما أقدم ليطوق عنقها ويدنيها إلى صدره نفرت ، وخرجت غاضبة  ، ولتتهمه بسلوكه ........................

 

 


 

حكاية قديمة ....

 

كان يتوضأ ، فشكا لأولاده أن بغلة تنطلق من فم إبريق الوضوء . تعوّذ الأبناء  وحوقلوا  ، ونظر بعضهم إلى بعض .....

حاولوا إقناعه أن البغلة حجمها  كبير وفوهة الإبريق صغيرة  ، ولكنه أصر على  قوله  ، فهذا ما يراه .....وها هي البغلة أمامه يراها وهم لا يرونها .

وأقسم لهم أنه سليم العقل ، وهو ما زال يحفظ ما يحفظ ، ويعي أصول العادات ومنطق العبارات  ، وووو

لما رأى إنكار أبنائه الحاد  ركب البغلة ، و هام على وجهه  ......

 

 

 

 


 

إضراب ....

 

علاقتي  بالحمّام  حميمة  ،  أرى فيه هوايتي التي أستمتع بها . إلا أن هذا المكان الممتع لم يكن مرغوبًا أمس ، بل قاطعته  !  فقد عدت إلى البيت ورائحة العبق عالقة بملابسي ويديّ.... ولم تكن لديّ إمكانية للاتصال بك والاطمئنان عليك..... فوجدتني كلما قلقت قرّبت يديّ إلى وجهي ، فأشتمّ رائحة عطرك الساحر ثم أعيش احتضانك..

كانت ملابسي متّسخة ، ولكني لم أشأ تغيير بلوزتي التي علقت بها رائحتك ،    حتى الآن لم أغسلها ،  ولم أغسل  شالي الذي التقط تلك الرائحة المميزة . عزفت  حتى عن غسل يديّ لئلا تغادرها  تلك الرائحة المثيرة لحبي !وكم حزنت لأنها بعد فترة أخذت تتلاشى بين  يديّ .

ولكن هل تصدّق أنها المرة الأولى التي أنام فيها دون  أن أستحم ؟؟ وبسعادة ورضى أيضًا؟

لم أشعر برغبتي بالاغتسال أبدًا رغم حاجة جسدي لذلك .

في الصباح أحببت أن أرتدي تلك الرائحة ........

قال لي : ألم ترتدي هذه بالأمس ؟ أظنها تحتاج للغسيل والتنظيف ....

-        أظنها  !!


 

أين البسة ؟

 

كان مسؤولاً كبيرًا في دائرة  ،  وقد عُرفت عنه الرزانة والجدية ......

وكانت الموظفات أشكالاً وألوانًا  ....

غير أن إحداهن جذبت نظره  بلباسها المثير ...وشفتيها النافرتين ....وعينيها الملونتين ...

وما إن سألها مداعبًا ومقتربًا  وبهدوء  العاشق  :  أين البوسة  ؟   حتى جن جنونها ، وأخذت تحدث  المسؤولين عنه وعن مضايقته  ، فهي بنت شريفة ،  ولها أصل وفصل ،  فهل جاءت هي  هنا لتعمل ؟  أم أنها جاءت  لهذا المستوى من الرذيلة ؟  وكيف يجرؤ  هذا  الحقير ...؟

ولما عقد مجلس الضبط لفحص المسألة ولاتخاذ القرار بشأن المدير  ، سألوه  :

-    هل صحيح أنك قلت لها  : أين البوسة  ؟

-        أنا ؟؟؟؟    أعوذ بالله ! فأنا سألتها : أين البسة ؟

-        وما زالوا حتى اليوم يبحثون عن  تلك البسة ؟

 

 

المقام محفوظ

 

كان شيخ قبيلة قد وقع بين يدي  بعض  القبائل الأخرى  ، فارتأوا أن يهينوه  .

ثم إنهم قرروا أن  يسد الشيخ  مسد ثور الحراثة  ، فيشفي ذلك غليلهم ...وهكذا كان ....

...........

عندما عاد الشيخ إلى قبيلته  ألفاهم غاضبين يكادون يتميزون غيظًا على هذه الإهانة التي ألحقت بهم  .

هدأ الشيخ من ثورتهم ، وقال :

كلمة الحق يا إخوان ....صحيح أنهم فعلوا ما فعلوا وأساءوا إلي   ، ولكنهم مع ذلك حافظوا على الأصول وخاطبوني بالحسنى  ؟

-        حافظوا !!!! كيف ؟ حسنى !!!!؟؟؟ كيف ؟

-        عندما كانوا يوجهونني يمينًا ويسارًا كانوا يتوجهون إلي باحترام :

يمين يا  شيخ !

شمال يا شيخ ! قدام يا شيخ  !

 

من التراث

 

قيل لعالم من علماء المسلمين : - أما تستحي وأنت تأكل أمام الملأ في السوق  ؟

فقال :  أرأيتم  لو كنتم في دار فيها بقر وكنتم جائعين  ، فهل تحجمون عن الأكل ؟

-        لا

ثم إن العالم اعتلى نشزًا وجعل يعظ  ، فاجتمع خلق كثير  .....ثم إنه قال :

" روي  عن فلان بن فلان عن فلان وفلان و ق ط ظ ع ف ق م ك ...أنه من بلغ لسانه أرنبة أنفه أدخله الله الجنة  " .

فلم يبق أحد إلا حاول أن يخرج لسانه  وهو يحاول جادًا أن يصل إلى أرنبة أنفه ......


 

ابن أبوه  !

 

كان يصلي  عندما بلغه  أن ابنه قد سجن  ،  والخبر يقول إنه   يشارك في  نشاطات  سياسية  ......

فوجه الرجل  غضبه نحو زوجته  التي جلست تستغفر  وتمرر حبات السبحة بين أصبعيها  :

هذي تربيتك يا  خيرية  ، مالنا وللحكومة  ؟  هل قتلت أمنا  أو أبونا ؟  ....والله ما أنا سائل عنه  !

.........

وبعد   برهة تبين أن سبب الاعتقال  أنه كان في منطقة الميناء في حيفا  ، وكان  هناك يصول ويجول في مكان محظور  ، ومعه آلة حاسبة يحسب سعر  الدولارات  ، ويحاسب هذي وتلك  ....

-      ابني كل عمره ديك  !

قال ذلك بنوع من الزهو : "  هالمنحوس ابن أبوه  ! "

وتابع صلاته  ، وهو يقول  : " الحمد لله  ! "

 

 

 

وطـــن

 

أحب بلاده بتفاصيلها الكبيرة والصغيرة.

قرأ الأحرف ف  لـ  سـ  ـط  ـيـ    ـن          على تضاريس شكلت هذه الحروف.

ابتسم وهو يتنسم عطرها.

حين ابتعد عنها تاه في وحدته، فألف سورة جديدة هي "سورة الوطن".

وقد أطلق عليها اسم حبيبته.

 

 

 

 

 


 

صورة سوداء

 

الوحش الضاري يعتدي علينا  بينما نحن منهمكون في أعمالنا.

نسمع الصراخ والاستغاثة...

ولا نجرؤ على الفعل.

رأيته يُجلس أعز أصدقائي على خازوق، وصديقي يصرخ وهو عار...

لم أجرؤ على الفعل.

وعندما أقبل عليّ لم يجرؤ أحد على مقاومته.....

ولم أصرخ...

بل تمكنت –قبل وصوله -  من أن أرسم صورة سوداء لي وهي قاعدة على خازوق .

 

 

 


 

حَيـــرة

 

أحس عميقاً بحضورها...وبلغة عينيها......

كان يحس بنشوة اللقاء، وكانت تغرد على شجرته الصبوات...

قالت له بجِــد:

-أنت عندي مثل أخي...

فاحتار ماذا يقول... وماذا يفعل!

 


 

حـــرام

 

بادرت وجاهرت بحبها.

ولما احتضنها حتى الثمالة قالت له بجد:

-  حرام  ....حرام  !!!

ولما رأى إصرارها على قولها خرج إلى المنطقة الحرام.......

 


 

شخص واحد

 

صلى الحفيد كما صلى أبوه...

صلى الأب كما صلى جده...

صلى الجد كما صلى التابعون وتابع التابعين بإحسان إلى يوم الدين ...

قطعوا طريقاً واحدة، ودعَوا نفس الدعوات:

أن ينصرنا ويهزمهم، أن يحفظنا ويلعنهم...

وعلى الرغم من  أن الجيل تلو الجيل كان يمضي في نفس الطريق إلا أن عالم الآثار لم يجد على الرمال إلا آثار قدمين اثنتـــين.


 

الخبز الوفير

 

كلما كتب قصيدة كانوا يقولون له:

- هذا الكلام لا يُطعم خبزًا !

فقرر يوما أن يشتري خبزًا وفيرًا.......

ليُطعم به الناس.

 

 


 

رُشاش

 

أراد سامي أن يلعب بدميته – بالمسدس المائي  الذي اشتراه يوم العيد  ، فأخذ يرش هذا الصديق وذاك  ، وهو يضحك  ، ويضحـــــك  .....

ولكن ، و بعد لحظات أُطلِِــق عليه رُشاش  ، وكان  أسرع  .....وكان أحمر !

احتضن مسدسه المائي ، وهو يهوي على الأرض .... ووضعه على صدره ، وأغمض عينيه وهو يسمع قهقهــــات غريبة .


 

صلاة .....وقصر

 

حاولت الزوجة أن تقنع  زوجها بأن يصلي  ، وهيهات  !

كبرت الزوجة وكبر الزوج  ، وهيهات  !

توافد الصغير والكبير على صلاة التراويح ، وعلى توديع الحجاج واستقبالهم .... وهيهات !

أدركت الزوجة رغبة زوجها - أن يكون له بيت ومأوى  فسيح ومريح ، فقالت له  وهي تعزف على هذا الوتر  :

أتعرف يا  سعيد أن الله  - سبحانه وتعالى -  إذا هداك سيبني لك قصرًا عنده  في الجنة  ....

فرح سعيد وأخذ يصلي ، فقد اقتنع بالفكرة  وآمن  ويا ما شاء الله !

وبعد  بضعة أيام  سأل زوجته  وهو يوشك أن ينوي الصلاة:

"  فكْرك   يا خديجة  ...... بدأوا بحفر الأساسات " ؟ !!!


 

ذكاء

 

نظر إليها نِظرة إعجاب مبتسمًا ثم قال:

هل تعرفين ما أكثر ما يشدني إليك  ؟

ذكائي  طبعًا ، فما أكثر ما رددت أنني ذكية  ....

نعم ، ولكن ألم يوحِ لك ذكاؤك بأمور أخرى تعجبني  ؟


 

نوم .....يقظة

 

كان أرقًا منذ ثلاثة أشهر ، لا   تأخذه سِـنـةٌ ولا نوم  ........

وأما صاحبه فقد جعل الله له الليل لباسًا ، والنهار كذلك .

وعندما أخذته سِنة يسيرة من النوم استيقظ صاحبه وتململ  ....

وأخذ يتثاءب .

 


 

ماذا قالت عن شيطان نوراني ؟

 

شيطان ملائكي غريب.. شيطان عُجٍن بنور ملائكة، ثم نُفخت فيه روح بشر لتتجلى إنسانيته وتتألق.

ما إن تتعرف عليه حتى تأخذك الدهشة!!

تكتشف بداخله ذاك الإنسان الرائع، يسعى