نـص مدهـش
 

 

نشيج السبحات" نص أخاذ ، لا أذكر أني قرأت في أدبنا المحلي نصًا إبداعيًا بمستوى

إثارته وتحفيزه للمتلقي ، إثارة تدعونا لأن نشارك في سبر واقع معاناة المرأة العربية ونتلمسها .

نص يتحدث عن أربع ضحايا قتلن بظروف متباينة ، لكن سببًا واحدًا يجمعهن وهو الحلم ، فباسمه قتلن ، ومن أجله كن ضحايا . من هنا ، فقد حضرن إلى المسرح / المسرحية ليــنــتــقــمــن .

عائدة نصر الله كاتبة هذا النص المدهش تقدم لنا حوارات شعرية مكثفة ، وتصاحبنا في إرشاداتها للمسرحة أو في توصيفاتها البصرية ، فهي تقرر طبيعة الضوء واللون والصوت والحركة وإيقاعات الناس ، وهي تؤدي ذلك ببراعة الإحساس الصادق والفنانة المتماثلة مع روح نصها . وقد يتسم ، بل يتسم الإيقاع بجرأة جنسية أحيانًا هي موظفة فنيًا وماتعة معًا ؛ وليس أدل على ذلك من مشهد العجن الذي يوحي بحركية فعّالة .

تملك الكاتبة جرأة في أن تضع إصبعها على جروح المرأة المضطهدة ،فتجعل فاطمة والساذجة والشاعرة والمكتئبة في أجواء نفسية كأنها من صميم المبدعة ، فتشارك النساء - الواحدة منهن الأخرى في مصيبتها ، ولا تنسى هذه أن تروي لنا عبر الحوار حكاية ما جرى معها هي . وتتوتر اللغة تبعًا للموقف ، فمع الشاعرة - خاصة - نطل على قصائد ولغة مميزة استعارية ، ومع ذلك فإن درجة حرارة الكلمات لا تتضاءل في سائر الحواريات .

قليلة هي الأعمال الأدبية التي إن أطريتها لم أقل بعد ذلك " ولكن ...."

لكني هنا - على سبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم - أقول : هذا النص رائع ، مسرحته في ذهني ، وتابعت توصيفاته التصويرية ، وظلت النساء الأربع يلحقنني بدمائهن وغضبهن وضعفهن وحركات المسرح التي اختارتها الكاتبة لهن .

هؤلاء النساء الأربع هن امرأة واحدة قتلها الحلم - كما تقتل الكلمة أحيانًا كاتبها - ،

وما الجاروشة إلا تلك الدائرة والتكرار النمطي الذي تعاني منه المرأة الشرقية ، بدليل السبحة بشكلها ودلالتها المعنوية ، وهي مرجعية تراثية ، لا تقصد الكاتبة فيها إلا توظيف الدين (الشكلي منه) قسرًا لحصر المرأة وحصارها . والسبحة هي حبات في عقد ، فإذا انفرطت حبة سرعان ما تتبعثر الحبات ، ولن تلتئم ...

عائدة عزيزتي :

لست ساذجًا حتى أقول لك إن مسرحيتك ستلغي ما هو قائم في

أعرافنا وتقاليدنا ، ولست مكتئبًا حتى أتشاءم وأذهب إلى أن تغيير الحال من المحال ،

وإنما أنا شاعر بأن كلماتك ستصل إلى قلوب العتاة ،لأن فاطمة تعلمهم أنها بريئة وأن كل تعجل في الحكم سيؤدي إلى التهلكة . وفي الشعر نبوءة ، وهي هنا : أن سيظل أثر هذا النص فعالاً !!!

وختامًا ، أسأل :

من أين لك هذه الجرأة التي تقرع باب الخزان ؟

من أين لك هذا النفاذ الإرشادي والسطوة الفاعلة في النص ؟

من أين لك هذه اللغة التصويرية ؟؟!!

وثقي أن النشيج سيغدو نشيدًا .