صفحاتي السياسية:

                                            د . فاروق مواسي

 

 

صفحاتي السياسية  !!! 

لماذا أكتبها؟ ألكي أدُل على علاقاتي ونشاطاتي في السياسة ومع السياسيين؟ أو حتى أدِل بها؟

أم أكتبها لأنها جزء من مسيرتي وسيرتي؟

فلتكن هذه أولاً وقبلاً ؛ لأننا انطلقنا بدءًا من أن ترجمة حياة الكاتب هي سيرة مرحلة، وهي حكاية الفرد التي تعكس بصورة وأخرى مجموعًا، وهي نص له علاقة بكتابة من يكتب، وهي  أضواء عليَّ وظلال، وهي مثار التساؤل في كل توجّه ، وهي وجهة نظر؛ وثمة من قال: الإنسان موقف.

لن أزعم أنه كان لي موقف منهجي ، أو أنني التزمت بنمط سياسي مُبَرْمَج واحد وموحد .  ولعلي أعترف أنني لست سياسيًا ناجحًا، ولذا لم أنجح بإقناع أحد أن أُرَشََّح لمنصب سياسي، ولم أحاول أصلاً أن أقوم بذلك، فكم من فكرة سياسية أو طرح أثبتت الأيام صدق ما أقوله لم أكن أفلح في إقناع أحد به، ويبدو أن القيادة تحتاج إلى مهارات لم أحظ بها، فإذا ناقشت أحدًا في أية مسألة سياسية فغالبًا ما يتفوق علي من يحاورني - إما بصوته ، أو بدعم جماعة حوله يهزون رؤوسهم بالموافقة ، أو بالقوة الاستهزائية ، أو بالاستعلاء المعرفي الذي ينتهي غالبًا بالغضب وكيل الاتهام لي ولمعرفتي ، وكثيرًا ما كنت ألوذ إلى الصمت طلبًا للسلامة وحفاظًا على العلاقة ، وراحة لحنجرتي.

حدثتكم في محور طفولتي عن نشاطاتي الأولية في خلية الحزب الشيوعي في قريتي ، وفي مشاركاتي الفعالة ضد الحكم العسكري ،كما حدثتكم عن هذه النشاطات  في  محور علاقتي المتواضعة مع إميل حبيبي وتوفيق زياد.

بالإضافة إلى ذلك كنت أحضر ندوات كان يقيمها حزب العمال الموحد (مبام)، الذي كان يقدم لنا ندوات في معنى الاشتراكية ونظام الكيبوتس والقومية  والوجودية. ويبدو أن ذلك كان بقصد إبعادنا عن الفكر الشيوعي الذي كان يتبنى  في أوائل الخمسينيات بعض  طروحات  من الفكر الناصري، وبالتالي فقد كان هذا الحزب يمتص الطاقة القومية لدى شبابنا.

 

عبد الناصر:

 

كنت في الخمسينيات متحمسًا  كأبناء جيلي لأفكار جمال  عبد الناصر الثورية الحماسية. أنتظر خطبته وأتلهف لمضامينها، لكنني فيما بعد -  ولأسباب لغوية محضة أخذت أرفض هذه اللغة العامية على لسانه، وهذا اللحن الكثير الذي كان يشيع في خطبه ؛  إذ كنت أقول في نفسي -   إن ترتيب اللغة هو ترتيب أفكار، وترتيب الأفكار يترتب عليه تنظيم الواقع  والإطار ،  وبالتالي هو تنظيم  للواقع الحقيقي كما يراه صاحبه.

وكنت أتضايق لأنني لا أستطيع أن أقنع أحدًا بضرورة الاهتمام باللغة حتى في الأمور السياسية  المصيرية . كان عبد الناصر مقدسًا لدى مجتمعنا  - عامة - ،  ولذا يحظر عليّ الدخول إلى حرمه أو حرم كلماته.

ثم أخذت  أشك في المبالغات ، و كنت لا اقتنع بها وبما تصنع "الثورة" ، وكذلك  في هذين " القاهر " و" الظافر" -  اللذين نراهما في التلفزيون ،  وهما صاروخان  أثبتت الأيام أنهما وهميان.

كما كنت غاضبًا لما قام به عبد الناصر من إغلاق مضايق تيران ، لأنني اعتقدت جازمًا أنه لا يستطيع أن يتحدى إسرائيل وأمريكا، فأجد الجميع ممن يتحلقون حول التلفزيون يرمقونني شزرًا ،  بل يكيلون لي كل اتهام .

كنت على يقين أن شر الهزيمة سيلحق بنا ،  وهكذا كان.

ولكن الصدمــة العنيفة لم أتحملها، فقد كان هذا الزلزال لا مجرد صدمة -  فوق ما يمكن أن يُتوقع. كنت أرقًا قلقًا في الأيام الستة  إلى حد بعيد، استمع إلى نشرة الأخبار كل نصف ساعة .

وكنت أتابع الأخبار باللغة العبرية،  ذلك لأنني أيقنت مدى الكذب والدجل في إعلامنا وفي إذاعاتنا العربية . وكنت - من بين القلائل جدًا - من يصدق الأخبار في الإذاعة الإسرائيلية، فالكل من حولي يقولون:  لا  تفتح على إذاعتهم  ، فما يروجونه  دعاية  ، والحقيقة ستبين  بعد أيام ، وهي أن  الجيش الإسرائيلي انهزم شر هزيمة ، وسترى.

 

عندما دخل الإسرائيليون القدس بلغ قهري الزبى، وفي رحاب الأقصى أخذ الراب غورن قائد الاحتياط ينفخ البوق  ، ثم  شرع  يقرأ  آيات من المزامير.. فلم أتمالك نفسي من البكاء ، فإذا بي أرمي بالمذياع بقوة صوب بوابة الدار لألقيه متناثرًا على مبعدة مني. (ومن العجيب أنه ظل يواصل إذاعته القاهرة والظافرة ).

لا يمكن أن أنسى هنا أنني فقدت صوتي طيلة أسبوع كامل ، فكنت أخاطب الناس بالإشارات وبالإيماءات ، ومما زادني قهرًا وموتًا أنني استمعت من الإذاعة الإسرائيلية إلى تسجيل  للرئيس عبد الناصر  وهو يخاطب  الملك حسين:

" أنت حتطلع بيات وحنا حنطلع بيان" !!!

 ولم يكن البيان إلا تمويهًا وقلبًا للهزيمة بحيث تكون انتصارًا حققته الأمة العربية الماجدة.

ومع ذلك رحبت مع الجماهير الحاشدة بعودة عبد الناصر، ولم يكن  يهمني فيه إلا الرمز .

حاولت الامتناع عن القدس وزيارة أقصاها  ، فلن أدخلها إلا محررة ، ولا بد من رد هذه الإهانة  ، وأية إهانة ؟ إذ " ظلت النكسة  تذروني هزائم وتمائم  : - كما قلت في قصيدة لي - .

 وآليت على نفسي قسمًا لم أستطع الإيفاء به ، فوجدت نفسي في رحاب الأقصى  أصلي  ، وأخذت أطوّف في مكتباتها ، وخاصة مكتبة المحتسب ، وقد حدثتكم عن ذلك في الجزء الأول من أقواسي .

عندما افتقدنا  عبد الناصر ، وأعلن نعيه كنت أستمع إلى النعي وأنا حزين ( وهل كلمة حزين تكفي ؟ )  ، بل أزعم لنفسي أنني أول من كتب له قصيدة في الرثاء، أنجزتها بعد ربع ساعة من سماع الخبر ، وكتبتها على نفَس واحد، وجعلتها تحت عنوان "القصيدة الأولى في الرثاء"

 قلت فيها:

 

طافَ في كُلِّ البُيوتْ

دَيْدَبانًا لا يَموتْ

 طاف في كُلِّ القُلوبْ

                        ***

أيُّ حُزْنٍ سَوفَ يَجتاحُ الفِراخْ ؟

أيُّ رَوْعْ ؟

جَفَّ دَمْعْ

                   ***

 

أحْمَدُ اللَّهَ لأنِّي

عِشْتُ في وَقْتٍ أَثيرِ

عَصْرِ عِمْلاقٍ كَبيرِ

ونبيُّ العَصْرِ إنسانْ

يَصْنَعُ الْخَيْراتِ لليوْمِ الأَخيرِ

أيُّ قَولٍ لا يَفيهْ !

 

كُلُّ قَوْلٍ لا يَفيهْ

هُوَ دَرْسٌ قَدْ ثَقِفْناهْ

هُوَ حُبٌّ وَشَرِبْناهْ

أطْفأَ الْمَوْلى الْمَنارهْ

واصْطَفى الْمَوْتُ الكِرامْ

 

وأقمنا في كل القرى العربية مواكب جنازات شيعنا فيها أمل الجماهير العربية عامة ، والفلسطينية خاصة - الرئيس  العظيم  جمال عبد الناصر.

وعندما كحلت عيني برؤية القاهرة في أوائل الثمانينيات  كانت زيارتي لضريح عبد الناصر في سلم الأولويات، وما إن دخلنا الحجرة التي يرقد فيها ، وألقينا نظرة على صورته الضخمة  التي على الجدار  حتى تخيلته بأبهته وقامته وعنفوانه حبيبًا قريبًا إلى القلب، وأذكر أنني حزنت  ووجمت أمام  هذا الرجل العظيم. تقدم إلي الحارس ، وسألني : حضرتك فلسطيني ؟!

-       نعم ، وكيف عرفت ؟

-       هذا الحب وهذا الخشوع أمام الضريح .

ومن العجيب أنني في زيارة لاحقة لمعرض الكتاب ،  وقد تسنى لي أن أقرأ من قصائدي ،  لاحظت  أن حب عبد الناصر ليس عميقًا في قلوب المثقفين المصريين. فما إن قدمت بعض التمجيد لشخصه، وكيف أننا في الجليل والمثلث والنقب نحبه و نرى فيه موئل العرب وعنوان كرامتهم ، فإذا بالجمهور في القاعة  يعرض عن كلماتي بصورة أو بأخرى - ،  ولم أسمع أي تصفيق كما كنت أتوقع .

لكن أحد محرري صحيفة (العرب) وهي صحيفة ناصرية أحب أن يجري معي حوارًا لمناقشة مقال كتبه عصمت سيف الدولة عن الناصرية، وقد ظنني ذلك المثقف السياسي المتابع  ، فاعتذرت لسببين: أولاً أنني لا أعتبر نفسي مفكرًا سياسيًا، وثانيًا لأنني لم أقرأ المقال .

 

حركة الأرض:

نشطت حركة الأرض بقيادة صالح برانسي ومنصور كردوش، وكنت ممن يرى في صحافتها "الأرض" بأسمائها المختلفة  ( حتى لا تُصادر ووفقًا للقانون  )  بذرة طيبة وصالحة، ولكني كنت أخشى عليها مغبة التطرف.

 ومع ذلك فحين عقد مهرجان جماهيري حاشد يوم  20/4/1964 في قريتي باقة الغربية  أحببت أن ألقي كلمة ،  فطلبت من عريف الاحتفال الناشط السياسي الوطني  إبراهيم فريد غنايم أن يفسح لي مجالاً بأن أكون على المنصة. وأنا اليوم  لا أذكر إن كنت قد أعددت الكلمة  أم لا، وماذا يمكن أنني قلت أو سأقول فيها.

لكني أذكر أن إبراهيم أبى أن أشارك، وقال لي بالحرف الواحد: أنت معلم بيننا، وقد تم  مؤخرًا فصل معلمين، فلا تشاركنا  بإلقاء كلمة ،  لأن مصيرك الفصل ، خاصة وأنت معلم جديد  غير مثبّـت، ونحن بحاجة إليك كي تخدم الأجيال  ، فهذا هو دورك التثقيفي والسياسي .

 كنت ألح عليه بالطلب، وهو يلح علي بالرفض.

وصدق حدس إبراهيم. فما إن انتهى المهرجان حتى اعتقل المتحدثون ومنهم خيري الشاعر صديقي وجاري وقريبي، كما اعتقل  محمد مصاروة (الذي أصبح فيما بعد محاميًا فرئيس مجلس فسفيرًا) وأحمد كيوان (الشاعر الذي ظل يؤمن بخطه الناصري بشكل  متواصل) وغيرهم.

ومن الطريف أن أذكر أن المحكمة  التي عقدت لهم كانت القضية فيها هي  تهمة  " التجمع غيرالقانوني " .

 ومن حيثياتها أن القاضي سأل إبراهيم غنايم   عريف المهرجان عن تصريحه في أثناء إلقاء كلمته   : " بالأمس كان لنا قائد هو خالد ، واليوم لنا قائد هو أبو خالد " ( كنية عبد الناصر )    ، فهل قلت ذلك ؟

أجاب إبراهيم : نعم

فوقف رئيس المجلس - يومها - السيد فارس حمدان وقال للقاضي :

هل يأذن سيدي بملاحظة ؟

-       تفضل !

-       إن إبراهيم يعني أنني أنا قائده ، وأنا كنيتي أبو خالد .

-       فأسقط في يد القاضي  .

نحن فلسطينيون:

 

ومن الطريف أن هذه الحركة لم تضع في برامجها الطرح الفلسطيني مباشرة ، بل كانت القومية العربية  هي مبتدأها ومنتهاها. تذود عن الأرض حتى لا تُصادر ، وتدعو إلى  التثبت بالجذور . ولم نكن  نقرأ في صحافتها أو في صحافة الحزب الشيوعي أننا  "فلسطينيون "  أو ما هو بتعريف " الشعب الفلسطيني في الجليل" مثلاً .

حتى إذا كان مؤتمر فتح ،  وكان تأسيسه في الفاتح من أيلول 1969 ، عندها  أخذ النفَس الفلسطيني يتردد هنا وهناك، فكانت كتابات محمد أبو شلباية من القدس تدعو إلى دولتين لشعبين، وإلى كيان فلسطيني مستقل، وإلى التصريح علنًا بأننا أبناء الشعب الفلسطيني ، ويجب أن يكون للفلسطينيين كيان كسائر الشعوب .

بعد ذلك صدر ديوان محمود درويش "عاشق من فلسطين" سنة 1970، وليس ثمة من سبقه في الإشارة إلى الهوية تصريحًا  قبل ذلك.

 ومع ذلك فقد اتهم أبو شلباية بأنه يخدم السلطة والاحتلال، فالأولى اليوم حسب رأي الشيوعيين وغيرهم  -  هو إعادة الأراضي المحتلة إلى حيث كانت ،  فالضفة للأردن ، والقطاع لمصر ،  والجولان لسورية، حتى يُطبق قرار الأمم المتحدة  بإعادة الأراضي المحتلة إلى الحدود التي كانت يوم 4 / 6 / 1967  ، ومن ثم يكون النضال لتحقيق الاستقلال الفلسطيني. وكنت شخصيًا أحاور كثيرًا سكرتير الحزب الشيوعي في باقة حول هذه القضية، وكيف يجب أن ندافع عن حق قيام  الدولة الفلسطينية ،  وكنت أرى أن  كتابات أبو شلباية هي قمة في الوعي السياسي ،  وهي جريئة، فيجن جنون أبو عمر وهذه هي كنيته ويكيل له كل اتهام.

تعرفت إلى أبي شلباية فيما بعد ، وحييته وشكرته على مقالاته المهمة التي تأثرت بها ، بل أذكر إثر ذلك أنني في مقابلة تلفزيونية قلت:

" نحن أبناء الشعب الفلسطيني في إسرائيل........ "

   ومن العجيب حينها أنها لم تُحذف من التقرير ، ومر الأمر بسلام  ، فقد خشيت من الاعتقال  لأننا لم نكن نصرح علنًا بمثل هذا التصريح .

وشجعني ذلك أنني حضرت محاضرة لموشيه ديان في جامعة بارإيلان (1970) وكان هو في حوار مع كامل الطيبي، وكان ديان يتحدث بغرور وصلف عن انتظاره  لمهاتفة من عبد الناصر حتى يستعيد سيناء.

وقفت لأسأل المحاضر عن حق الشعب الفلسطيني في كيان خاص به إلى جانب دولة إسرائيل، وأنه لا بد من ذلك حتى يعم السلام وتكون مساواة في الحقوق لأبناء الشعب الفلسطيني في إسرائيل.

 ولم أكن أعرف معنى الكراهية كما أبداها بأنيابها  متدين  يهودي يميني ، فأخذ حق الكلام وانطلق يهاجمني بحقد يتنزى من عيونه التي تشف كراهية وعمى، وأحسست انه على وشك أن يضربني. وضاعت الكلمات ، وضاع الحوار في مثل هذا المشهد .

 

أكتوبر 1973:

لست أدري لماذا دخل في رُوعي منذ البدء -  أن معارك أكتوبر هذه إنما هي  تمثيلية محبوكة ،  وذلك  حتى يتم نصر -  ولو وهميًا -  فيكون بذلك مبرر لعقد راية السلام. ولم أصدق إسرائيل في بكائها وعويلها  يوم الغفران، كما لم أصدق مبالغاتنا العربية المتواصلة حافرًا على حافر . وظل هذا الشك يرافقني سنين طويلة، ولم أستطع التخلص منه حتى وأنا أشاهد بانوراما 6 أكتوبر  في القاهرة  فيما بعد .

  ولن أستفيض في ذلك ما دام هذا الرأي شخصيًا لا يهمه أن يحصل على موافقة هذا أو ذاك .

 

شارون:

 

استضاف نادي الهستدروت بإدارة غالب مجادلة ( عضو الكنيست فيما بعد) أريئيل شارون وذلك في آب 1974، وكان شارون جنرال احتياط، عاد من حرب سيناء مزهوًا منتـفخًا ،  فقد  تباهى بأنه عبر الدفرسوار،  وصد تقدم الجيش المصري .

 وأصبح الشارع الإسرائيلي يغني بالعبرية ( أريك ميلخ يسرائيل) بمعنى أن أريك ( اسم دلع لاسمه الحقيقي ) ملك إسرائيل ،  وهي أغنية استحدثوها على غرار الأغنية العبرية المعروفة التي تقول إن  داود هو  ملك إسرائيل.

بدأ شارون يطرح أمامنا رؤيته السياسية، ومن المهم أن أذكرها هنا، لأنها قناعته

- كما يبدو -  وكثيرًا  ما تصرف بعد ذلك بوحي منها، ومن يدري كم وكيف  ومتى يعمل من أجل تحقيقها؟!

صرح وكان ذلك التصريح لأول مرة من سياسي إسرائيلي   أنه يؤمن أن الفلسطينيين هم شعب عريق، وتحق لهم دولة، ولكن، أين؟

 إنها في شرقي الأردن، حيث الأغلبية هناك فلسطينيون، فيجب أن يتسنم الفلسطينيون هناك حكم الأردن .  أما الضفة فتبقى كما كانت تحت الحكم الإسرائيلي، ولكن إسرائيل لا تمانع السكان فيها من أن يحملوا جوازًا فلسطينيًا وهوية وانتماء لدولة فلسطين في شرقي  الأردن.

وقف محمد مصاروة (من كفر قرع) وعرّف بنفسه، ثم سأل شارون:

كيف للمهاجرين من بولونيا وغيرها - وأنت منهم -  أن يقرروا مصير من ارتبط بأرضه وهو فلسطيني الجذور، ما هو الحق الأخلاقي لكم؟

أجاب شارون مباشرة وكأنه كان على موعد مع السؤال:

لقد سمعت اسمك. إنك تقول في نهايته مصاروة. قل لي، ما هو الحق الذي لك هنا ما دمت جئت من مصر؟

 وكان النقاش بينهما سجالا .

وأذكر أنني قلت له:

أنا مواطن في إسرائيل رغم أنفي، فلم يستشرني أحد إن كنت أوافق على أن تحكمني إسرائيل، بل إن منطقة المثلث سُلمت لكم بعد سنة من قيام الدولة، ولو كان الأمر بأيدينا لما وافقنا  أصلا على حكم أجنبي ،  فلماذا... إذن أعامل في موطني بتمييز؟ لماذا تصادرون أراضينا، لماذا لا تحررون الوقف الإسلامي. ألا تدِلك هذه المعاملة على أن وثيقة الاستقلال التي تنص على ضمان حقوق الأقلية وبأنها واجب أساس لا تُحترم، وبأن المواطن العربي هو من الدرجة العاشرة؟

 ومن العجيب أن شارون رد علي بهدوء شديد خلاف عصبيتي -  ودلّ عليّ وعلى السامعين أن حزبه (حيروت) هو الوحيد الذي يخدم الأقلية العربية في البلاد ، ويعمل على مساواتها ، بدليل أن هذا الحزب هو الذي ألغى الحكم العسكري ، وأنه هو الذي سيعـقد السلام مع الدول العربية. (تثبت فيما بعد أن بيغن زعيم الحزب هو الذي بادر إلى  عقد السلام  مع السادات سنة 1978).

 

يوم الأرض الثاني:

 

كنت نشيطًا سياسيًا أكتب في صحف الحزب الشيوعي ،  وأخطب أحيانًا على منابره من غير أن ألتزم بخطه الحزبي  أو بسواه.

 ففي ذكرى يوم الأرض الأولى (1977 ) كنت شاهد عيان على كذب السلطة وادعائهم أن الطلاب هاجموا الشرطة بالحجارة.  فقد شاهدت الهمجية تلاحق الأطفال ، وتدخل المنازل ، وتضرب المسنين وووو

 تنادينا إلى مهرجان حاشد شاركت فيه السلطة المحلية وعضو الكنيست توفيق زياد . وقد ألقيت قصيدتين كتبتهما هما: يوم الأرض، أسماك القرش( كنت  قبل سنة كتبت قصيدة " الستة في حوار "  على إثر مقتل الستة في سخنين ودير حنا ).

 وفي " أسماك القرش "  سجلت فيها حكاية ما جرى في عدوان فقلت:

 

............

وَبَعْدَها بِبُرْهَةٍ كانَ النِّداءْ

بِأَنَّ قِرْشًا فاغِرًا فَمَهْ

وَيَحْمِلُ العِداءْ

يَطوفُ في باقَةَ في الشِّوارِعْ

وَيَقْذِفُ القَنابِلَ الَّتي تُهَيِّجُ الْمَدامِعْ

تُهاجِمُ الأَطْفالَ في الْمَدارِسْ

شَراسَةُ الأوغادِ ، تَقْحَمُ الْجَوامعْ

عِصيِّهُم سِلاحُهُمْ وَنَقْمَةُ الغَضَبْ

تُلاحِقُ الكِبارَ والصِّغارْ

( فَتَحْتُ عَيْنِي مَرَّتَيْنْ

لأَنَّني ظَنَنْتُ أَنْ قَدْ مَسَّني دُوار )

وَهُم يُجَرْجرِونَ خَمْسَةً وراءَ مَرْكَبَهْ

يُمَثِّلونَ لُعْبَةَ الْقِطارْ

وَتُصْفَعُ الْعَجوزُ صَفْعَتَيْنْ

وَتُكْسَرُ الأَبوابُ ، يَبْكي طِفْلُنا الْحَبيبْ

وَتُقْذَفُ الْحِجارْ

أيْقَنْتُ أَنْ لا بُدَّ مِنْ قِرْشٍ أغارْ

ها هُمْ يُكَسِّرونَ ، يَصْرُخونَ يَهْجُمونْ

وَيَشْتُمونَ يَرْكُضونْ

حَتَّى يُضيفَ القِرْشُ نَصْرًا في سِجِلاَّتِ انْتِصارْ

يُمَزِّقون رايَةً مِنْ فَوْقِ دارْ

يَعْتَقِلونَ خَمْسَةً وَيَنْظُرونْ

بِنَظْرَةِ احْتِقارْ

وَيَزْحَفُ الْحِقْدُ

على عُيونِنا الغِضابْ

وَيَضْرِبونَ يُلْحِقونَ الضَّرْبَ في الأَشْجارْ

ومَا دَرَوا

بِأَنَّها تَموتُ في انَتِصابْ

                   *

ـ عَلَّمْتُمُونا يَوْمها دَرْسَيْنِ في الحِسابْ

1 ـ في أَننا مَعًا وَعِنْدَكُمْ عَلى صَعيدْ

2 ـ وَصاحِبُ الأَموالِ مَنْ يُوهِمُ نَفْسَهْ

بِأَنَّهُ السَّعيدْ

تكَشَّفَتْ لَهُ حَقيقَةُ الثَّراءْ

فالعارُ والشَّنارْ

سَيُخْذَلُ التَّتارْ

فَسَجِّلوا وَجَلْجِلوا

فَلْيُخْذَلِ التَّتارْ !!!

    31\3\77

 (ألقيت في الاجتماع الاحتجاجي بباقة الغربية)

 

 

ثم عقدت الندوات الكثيرة في الوسط العربي لاستنكار مصادرة الأراضي ،  والعدوان على الجماهير العربية، وكنت أشارك بقصائدي التي كنت أحس أن لها صدى واسع وحماسي  في الجمهور، بل عرفت يومها أن الشاعر له دور ووظيفة في معارك شعبه.

وبعدها ثابرت على مشاركتي  في مهرجانات يوم الأرض سنة تلو سنة ، حتى  ولو لم  يفسح لي مجال لإلقاء كلمة هنا أو قصيدة هناك ،  وذلك بسبب تنافس الأحزاب وممثليهم على اعتلاء المنصة وما أحبها لدى الكثيرين  !!!!! -، ولم يكن لي مشاركة إلا في راهط يوم أن شاركت في مهرجان يوم الأرض ممثلاً عن الحركة التقدمية للسلام والمساواة. يومها كانت الدبابات الإسرائيلية تطوق المكان، وعيون الجنود كانت تقدح شررًا وغضبًا علينا، ومن جهة أخرى كان الشيوعيون وأنصارهم ينظرون إلي بغضب كاد يفترسني، وذلك لأن الحركة التقدمية كانت المرأة الضرة التي لا يقبلونها بأي حال.

حركة شيلي :

 

قبل أن أشارك في تأسيس الحركة التقدمية شاركت في تأسيس حركة (شيلي) وربما هي نواتها  ،  وكانت شيلي  حركة اليسار الإسرائيلي برئاسة أوري أفنيري الذي  أكن له الود بسبب جراءته وتحديه .

 وقد ألقيت كلمة في غابة ( بن شيمن )  مثلت فيها أنصار الحركة من  الجمهور العــربي ، وكنت مشجعًا تأسيس هذه الحركة، ويبدو أنني كنت طامحًا لأن يقع اختيارهم علي لأكون مرشحًا ا للكنيست. لكنهم انتخبوا الأستاذ وليد صادق، فقلت لنفسي: خلفًا در !! فهؤلاء أيضًا أخذوا يعلنون فيما بعد -  أنهم حزب صهيوني، وحسبك من شر سماعه !

وكنت أدرك صعوبة الانسحاب ،  لأن ماتي بيلد هو  الأستاذ المشرف على الدكتوارة التي أعكف عليها ،  و هو من نشيطي هذا الحزب الجديد. ومع ذلك  - والحق يُقال -  لم يؤثر هذا الانسحاب على علاقتنا بشيء.

 

تأسس الحركة التقدمية

 

تحمست لهذه الحركة منذ بدايتها، فمحمد ميعاري رئيسها هو  المحامي ذو الشخصية الوطنية المتحمسة، ويشارك معه أستاذي ماتي بيلد من جامعة تل ابييب وأوري أفنيري. وقد بدأت الحركة معتدلة في التوجه السياسي، وقد زرت في مراحلها الأولى  بيوتًا يهودية ،  ونوادي يسارية إسرائيلية  لشرح فكرتنا التي ستكون من اجل السلام بين الشعبين. غير أن الحركة أخذت تتبنى وبصورة حادة -  خطًا فلسطينيًا واضحًا وتعلن أنها فلسطينية الجذور، وتصدر صحافتها بألوان العلم الأربعة. وكانت خطب القس رياح أبو العسل تؤجج المشاعر الوطنية.

 وفي المقابل كانت حملات الحزب الشيوعي شرسة ضد القائمة الجديدة، واتهمت صحافتهم الحركة الجديدة  بالعمالة ( قاد هذه الحملة إميل حبيبي )  ،رغم أن القائمة ألغيت أو رفضت أولاً، فعقدت محاكم كثيرة ،  وكانت التماسات كثيرة، حتى تسنى لها  أن تمارس حقها وتنافس في المعركة الانتخابية.

كنت نشيطًا جدًا في هذه الحركة، أكتب في صحافتها ، ومنها التضامن ثم الوطن،

وكنت أنشر أشعارًا وطنية ، وأطوف في الجليل والمثلث والمدن المختلطة ، وزرت مضارب النقب، وأماكن مختلفة لم يكن لي بها عهد ، فنُقابل أنـّى توجهنا بالحماسة والتصفيق والمد الوطني، وكأننا نمثل حركة فتح حقيقية، وإن كنا لا نعلن عن ذلك رسميًا.

وفي باقة بلدي أعددت مع زملاء آخرين مهرجانًا خطابيًا كبيرًا قرأت فيه قصائد، ودعوت إلى التصويت لهذه القائمة الفلسطينية التي هي منا وإلينا، فكانت نتيجة الانتخابات مفاجئة جدًا، إذ صوت نحو 80% من سكان بلدي لهذه القائمة الجديدة.

ولم يجد توفيق زياد قبيل هذا النجاح الباهر من يهاجمه في خطابه الذي ألقاه بالقرب من بيتي في  باقة إلا الشاعر، دون أن يذكر اسمي، وأخذ يشدد على حرف الراء بسخرية جعلت بعضهم يضحك على هذه المسرحية الطريفة.

وكان معنا في الحركة التقدمة بعض المثقفين الممتازين مثل المرحوم سامي مرعي والشاعر المرحوم فوزي عبد الله والكاتب أحمد درويش ورئيس مجلس عرابة السابق أحمد جربوني  والقاضي ( لاحقًا ) صبري محسن والمحامي عزيز شحادة وأبناء الناصرة رشيد سليم وكامل الظاهر  وغيرهم، وكنت أحس أن لي مكانة رفيعة  خاصة بينهم.

وآل بي الأمر إلى أن أصبحت عضو اللجنة المركزية بعد فروغ مكان سامي مرعي. فكان عدد الأصوات الذي حظيت به يؤهلني إلى أن أحضر جلسات هذه اللجنة التي كانت كثيرة، ولكنها أخذت مع جلساتي   تتسم بالبرود والخفوت، فأين حرارة البداية وحماسة الانطلاقة؟!

 وكنت أرى أن اقتراحاتي ما هي إلا جهد بذلته ، وسفر أضعته .

ثم كان تأسيس اتحاد الكتاب العرب الذي بادرت إليه شخصيًا (بسبب أنني كنت رئيس رابطة الكتاب العرب ضمن اتحاد كتاب إسرائيل وسأفرد عن هذه الاتحادات  والرابطات  فصلاً)، فتبنى الكاتب محمد علي طه الفكرة ،  وعرضها على الحزب الشيوعي وخاصة على إميل حبيبي، فإذا بالاتحاد يُؤسس  ، ويخرج إلى حيز التنفيذ ،  فينتخب سميح القاسم رئيسًا وفاروق مواسي نائبًا للرئيس ومحمد علي طه سكرتيرًا للاتحاد. وضمت اللجنة المركزية نخبة من كتابنا وشعرائنا المتميّزين.

 ولم يفلح الاتحاد بإقناع شعراء وأدباء آخرين من الحركة التقدمية بالانضمام إليهم، فاعتبر هؤلاء أن ما قمت به أنا  خيانة للحركة التقدمية. واتخذوا قرارًا بتأسيس رابطة الكتاب الفلسطينيين.

ولم أستطع أن أقنع زملائي في الحركة بصواب ما فَعلت، فبدأ الجفاء يسود بيننا، وقد تَوّج ذلك المرحوم فوزي عبد الله في مؤتمر الحركة ، إذ استشاط غضبًا، ووجه هجمات شرسة صوبي غمزًا ولمزًا ، وهو يذكر أن الحزب الشيوعي يرسل هنا بعض أعوانه للطعن بنا وبوحدتنا ،  ولم أفلح في الدفاع عن نفسي أمامهم، فهو قد اكتسب تأييدهم وكسب الجولة.

ثم كان أن دعاني وزير الدفاع ( في حينه ) أرنس  أنا  وبعض الأدباء للتداول حول الشؤون الأدبية والثقافية في الوسط العربي  ، فلبيت الدعوة ، ولم أهادن كعادتي في مثل هذه اللقاءات  ، وطالبت بحقوقنا الأساسية ...  ووو

ولكن هذا اللقاء أغضب قيادة الحركة فقررت لجنة الإعلام فصلي من اللجنة المركزية .

 ( ثم نشرت صحيفتهم فيما بعد -  أنني ما زلت عضوًا في الحركة التقدمية . )

وفي الانتخابات التي جرت في 14 / 2 / 1992 لم تفز الحركة بأي تمثيل ، وطويت صفحات سياسية كثيرة .

 في الختام ، لا بد هنا من ذكر ملاحظتين :

الأولى : كانت محاولات لإعادة بعث الحركة بدون ميعاري  ، فاتصل بي أحمد جربوني وأحمد درويش ، ولكني اعتذرت  ، لأنني مقتنع أن الشرارة أوالانطلاقة التي  بدأت لا تعود بنفس حرارتها  ، وكيف لنا أن نقنع أحدًا  بصحة الخط السياسي في ظروف الخلافات والنقاشات بيننا  ؟؟

الثانية : على ذكر أرنس  ولقائه ، فقد  التقيت أرنس ثانية في 6 / 4 / 1992 في قاعة المجلس المحلي  وبدعوة من رئيسه سمير درويش  ، وهناك طرحت قضايا آنية كنا نعاني منها كصرخات " الموت للعرب !! " تطلقها  الغوغاء  في كل مناسبة رياضية أو سياسية ،  وأنتم  - يا حضرة الوزير - تبثون ذلك في إعلامكم  ، فكيف يمكن أن يكون الحال لو صرخ نفر من المواطنين العرب :" الموت لليهود " !

  وبالطبع ، فإن أجوبة السياسيين تكون مقتضبة ، وتوافقك أنت السائل أو المعلق -  في كثير من طلباتك أو آرائك ، وتعترف لك بقصور السياسة الإسرائيلية نحو المواطنين العرب  ... وووو

1

شخصيات إسرائيلية قابلتها:

 

ما من شخصية سياسية بارزة إلا وكان لي حديث  معها أو استفسار منها ، فأنا لا أستطيع أن أسكت أو أصبر إذا ألح عليّ رأي أو فكرة.

فأما إسحق  رابين رئيس الحكومة الذي اغتاله اليمين الإسرائيلي ،  فقد كتبت إليه في 21/3/1993 مطالبًا إياه  بإطلاق سراح المبعدين إلى مرج الزهور في لبنان  ، فأجابني برسالة يزعم فيها  مدى  "خطر هؤلاء المبعدين" على مسيرة السلام.

 ثم حدث أن التـقيته بعد أن استقال من رئاسة الحكومة ، وذلك في كيبوتس جان شموئيل  القريب من مكان سكناي (في 23/10/1993)  حيث كانت تُعرض هناك  مسرحية.

 وقد تسنى لي أن استمع إلى حوار له مع لفيف من الحضور، وكنت واقفًا معهم ،  فلم أستلطفه وهو يدفع بألفاظه دفعًا. وربما كان هذا النفور متأتيـًا بسبب أنني كنت قد  استمعت إليه سابقًا  - وبصوته الثقيل  في الإذاعة - يصف كيف طرد عرب اللد ،  وكيف أشرف على ذلك.

وبسبب هذه النغمة الثقيلة الوطء ،  وبهذا الصوت الذي يدب لم اطمئن إلى أن مبادرة أوسلو كانت حقيقية تمامًا ، مع أنني صفقت لها في مراحلها الأولى، ذلك لأن "الفأر لعب في عبّي" في مرحلة مبكرة ، وقدّرت أن الهدف الماكر  هو تجميع الفلسطينيين الفعالين سياسيًا  في الضفة والقطاع ، وحصرهم والتضييق عليهم بشتى صنوف الممارسات القمعية  ،  ومن ثم فإن الخروج من مدنهم لا يعني إلا  الإيقاع بهم كلما همّوا بالتحرك أو بـممارسة  " الإرهاب " حسب  قاموسهم ..

شاهدت بأم عيني الشريط الذي بثه الإعلام الإسرائيلي مرة واحدة فقط ، وفيه تفصيل باغتيال رابين  خطوة خطوة . أما لماذا لم يذع الشريط  ثانية؟ ولماذا تجاهلوه وهو بينّة ساطعة، فالعلم عندهم وعند ربهم .

 

*     زرت إسحق  نافون رئيس الدولة - في أواسط الثمانينيات- ضمن  وفد اتحاد روابط الكتاب، وقد طرحت أمامه مسألة أحقيّـة الأديب العربي في الحصول على جائزة التفرغ (ولم يكن قد حصلنا عليها بسبب سياسة التمييز المتبعة  ) ثم ، وبعد انتهاء دورته رئيسًا للدولة التقيـته في استوديوهات التلفزيون في هرتسليا حيث حضر هو لتسجيل دعاية انتخابية لحزبه ( المعراخ ) ،  وحضرت أنا لتسجيل برنامج ثقافي ؛ فتيسر لي أن أجالسه أكثر من ساعة تناولنا فيها الأوضاع السياسية. وبالطبع، فإن قوالب الإجابة لديه هي كالمألوف والمنتظر منه ومن غيره ممن ليسوا من اليسار .

وعندما عين وزيرًا للمعارف حضر إلى كلية الشريعة في باقة الغربية حيث أعمل -  لزيارتها ،  وللاعتراف بها وكانت حديثة العهد ، وقد قمت بترجمة أقواله في لقائه مع مجلس الأمناء.

 لكنه ، وفي لقاء آخر في اليوم نفسه  لم يتحمل كلمتي وتعليقي عندما سألته: "أنت في المجلس الوزاري المصغر، وأنت "ابن عرب" كما تقول  ، كيف توافق على هذه الجرائم اليومية التي تحدث للشعب الفلسطيني؟" وإلى متى ؟

وقد أخبرني   سمير درويش رئيس المجلس -  أنه تضايق جدًا مني.

 

*وكان لي أن أجالس إسحاق شمير رئيس الحكومة إذاك، وكنت مع الأدباء مصطفى مرار و د.محمود عباسي وميشيل حداد الذين فازوا بجائزة رئيس الحكومة  ، وكنت أنا محكّمـًا، فأخذ يلقي بكلماته الثقيلة أيضًا ، ويتناول الوضع السياسي بما يشف عن  كراهية للفلسطينيين، مع حرصه أن يمايز بينهم، فنحن  - العرب في إسرائيل - نختلف عن سائر العرب ،  لأننا مواطنون مخلصون ، ويجب أن نحظى بالمساواة التامة  ....( حكـــي !!! ).

 

* وعلى ذكر الاسم ( شمير ) فقد تعرفت إلى  شمعون شمير الكاتب اليميـني المتطرف  ، إذ كنت وإياه في جامعة بئر السبع  على منصة واحدة ضمن محاضرة عن الأدب والسياسة، وكان النقاش السياسي حادًا، وتبيّن لي كم يكره هذا الكاتب الوجود العربي في البلاد.

 

وأما شمعون بيرس فما أكثر ما التقيت هذا السياسي الماكر، وذلك في أثناء زياراته الانتخابية لباقة الغربية ، أو في حضوره للتعزية لبعض الأقرباء كرئيس المجلس  عبد اللطيف مواسي  ، أو في اجتماع له مع الأدباء .

 وكنت ألاحظ أنه مثقف متميّز حاد الذهن ،  وهو كذلك يكتب الشعر، بل أهديته مجموعتي الشعرية بالعبرية "الأحزان التي لم تفهم" فرد عليّ برسالة ممتدحًا وشاكرًا.

ومع ذلك ، فقد "  نزلت عليه "  بعد جريمة (  قانا )  وأخواتها، فقلت ما قلت، وهو يصغي. ثم أخذ يجيب على طريقة الرد بأن ما جرى هو  دفاع عن النفس  ، وأن لتحقيق السلام لا بد من ضحايا الخ... ولم يأت لي بأي  جديد، وما قلته كان بعض إشفاء للغليل .

 

   أما إيهود باراك رئيس الحكومة -  فقد زار كلية الشريعة في  24/3/1999 ضمن حملة انتخابية، فلما طلبت حق الكلام رفض مرافقه من أبناء بلدي ذلك ، لأنه خشي أن أضايق رئيسه ، لكن مرافقًا آخر هو السيد وجيه كيوف أحد وجهاء بلدة عسفيا  أنكر عليه منعي من حق الكلام ، فدعاني إلى ذلك .

 بدأت الحديث موازنًا بين الحزبين المتنافسين الليكود والمعراخ، وان المواطن العربي لم يعد يميّز بين الشر والشر، فليس هناك أهون بينهما....

وأجاب باراك ما أجاب، لكنه ختم كلامه بالحرف الواحد "يا دكتور فاروق الحكي ما عليه جمرك".

وأنا لا اعرف لماذا قال ذلك؟ هل قصد كلامي؟ أم أي كلام في السياسية؟ أم أنه يقصد أن السياسة الإسرائيلية هي بالفعل لا بالقول؟

 

* في 9/3/1996 دعاني رئيس المجلس المحلي جلال أبو طعمة للقاء مع وزير المالية بايجا شوحيط، فعرضت أمامه قضية الحصار على شعبنا، وإغلاق المؤسسات التعليمية وفرض منع التجوال بصور مستمرة، وسألته عن موقف حزبه المعراخ الذي يدعي انتهاجه نهج السلام من بقاء المستوطنات في الضفة الغربية والقطاع؟

أجاب شوحيط متهمًا عرفات بأنه السبب في جمود المسيرة السلمية (وهذه شنشنة يعودون إليها دائمًا ، وقد نسوا أنه شريكهم  في " سلام الشجعان " ).

وأذكر أن بعض أقربائي هم  وحدهم الذين تضايقوا من كلماتي، فكان أحدهم يرغي ويزبد، وسبب دعواه أنني قلت: " ليس ثمة فرق جوهري بين الأحزاب الصهيونية " فأخذ أحدهم يصرخ  ضد هذه الموازنة الظالمة للمعراخ .

 

* أما أمنون  رونبشتين فقد قابلته مرة وهو  وزير للمعارف ومرة أخرى وهو وزير للعدل ، وعرضت أماه في فترة تسنمه وزارة المعارف تأسيس أول جامعة عربية، وكنت قد عرضت هذا المطلب أكثر من مرة ولأكثر من مسؤول ، وما زلت أطالب به  ،وكانت أجوبتهم جميعًا تتلاقى أن هذه الجامعة ستكون بؤرة معادية للدولة.

 

* وفي 23/3/1993 تسنى لي اللقاء بوزير القضاء ليبائي فعرضت أمامه شكوى  من الإعلام الذي يبث صراخ الموتورين "الموت للعرب"  ، فهل كانوا يذيعون  صرخات "الموت لليهود" في الإعلام الإسرائيلي لو سُـمع ذلك  ؟ ( مع أن ذلك منعدم بيننا بسبب المستوى الحضاري المختلف. )

أجابني ليبائي : " أنا أرفض ذلك قطعًا، وكم بالحري ونحن ضحايا العنصرية "  وقال لنا إنه دعا إلى تأسيس دستور لضمان المساواة الحقيقية. "

 

*  ومن الطريف أن أذكر أنني ألقيت في القدس الشرقية (  23/10/1996 ) وعلى مسمع من إيهود أولمرت قصائد وطنية. وقد حاول أحمد كبها الذي كان يترجم القصيدة أن يتهرب من بعض الألفاظ: عين غزال, الأقصى ، ولكن أولمرت  كان يعي ما يقال من كلام يؤذي مسامعه  ، وينتبه إلى تصفيق القاعة ، ولم يعترض ....

 يومها قال وكانت موجة الحرائق المتصلة في غابات البلاد " إن المخربين هم الذين يفعلون ذلك، لأنهم بعيدون عن الحضارة" .

فأجبته وكنا معًا على المنصة: " إن الوطني الحقيقي يشعر أن هذه الأرض أرضه والأشجار له ،  فلا يمكن أن يحرق ماله، لأنه في ذلك يحرق قلبه. فعلينا إذن أن نفكر في أسباب أخرى  معقولة ".

وكنت قد التقيت أولمرت أولاً في 14/10/1995 في منزل رئيس المجلس عبد اللطيف مواسي وهو من أعمامي. يومها كان يتحدث بلهجة واثقة ،  وبقدرة وبدفاع عن الباطل بصورة عجيبة وقوية ،  وبطلاقة لم أجد نفسي قادرًا على مجابهتها.

***

 

ومن جهة أخرى فقد كنت فعالاً في الحركات اليسارية الإسرائيلية ضمن حركات السلام المختلفة بأسمائها وتوجهاتها. وشاركت بصورة فعّالة مع مبادرة الأدباء الإسرائيليين والفلسطينيين برئاسة إميل حبيبي ويورام كانيوك، وقد توجنا هذه اللقاءات السياسية في نابلس 30/7/1994 -  وقد حضرت اللقاء آنذاك الشاعرة فدوى طوقان، وقمت بترجمة النصوص من العربية إلى العبرية وبالعكس.

كان يجمعنا إطار واحد  خلاصته :  دولتان لشعبين، و أن حدود 67 هي الحدود الرسمية، وأنه تجب إزالة المستوطنات، وأن القدس العربية  هي عاصمة للدولة الفلسطينية.

وزرت مدارس يهودية كثيرة مع شعراء يهود يساريين .

لكني أذكر أنني في مدرسة دينية قرب مستشفى هليل يافه جوبهت بعداء شديد وتهجمات عليّ وعلى العرب حمدت الله بعدها على سلامة الوصول إلى بيتي .

وعلى ذكر هذه الخوف من هذه العدوانية الشرسة فقد حدث أن كنت في معلوت (قرب ترشيحا)، فقرأت قصائد سياسية.  وفي أثناء خروجي أرشدني موظف هناك إلى طريقة الخروج من القاعة ، وكانت في الدور الأسفل، وكانت الساعة بعد منتصف الليل  ، فخرجت من دهليز  لأدخل في دهليز آخر برفقة هذا الشخص  المتجهم .  كنت أراقب حركاته بنوع من الارتياب  ، فلم أأتـمنه، وقلت في نفسي بعد أن  لاحظت كيف كان  صدود الجمهور في القاعة  عني: هنا النهاية!.

وكنت قبل ذلك بسنين في جفعات حبيبه -  مقر الحلقات الدراسية الإسرائيلية - وقد اجتمعت مع مجموعة سياسية كبيرة أسمعتهم ما لم تستسـغه  آذانهم .

ولما عدت إلى قريتي في سيارتي بعد الواحدة صباحًا كنت حذرًا جدًا وخائفًا جدًا  ، أنظر ورائي من خلال زجاج السيارة  ، وذلك بسبب الحدة التي جوبهت فيها، فمن أدراني إلى أين تنتهي الحدود؟!.

ومع ذلك رأيت في أن  استمرار العلاقة مع اليسار الإسرائيلي ضرورة كبيرة ،  وقد شاركنا مع بعض الأدباء منهم  في زيارة معتقل أنصار (كستيعوت) للتنديد بهذه الاعتقالات وبظروفها الهمجية. وكان الأدباء اليهود يجابهون بصدورهم الجنود الذين تجمعوا لمنعنا من التقدم.

وكنت قد شاركت في لقاء ثقافي واسع في  نادي تسافتا في تل أبيب - وذلك في أيلول 1985   -  ، وأذكر أن وقع كلماتي كان قاسيًا جدًا ، ومن العجيب أن أحد الأدباء العرب كان يهزأ من أقوالي  استرضاء للأصوات المعارضة لي ، وكان يهاجم حركة  فتح والحركات الفلسطينية الأخرى التي لا يُطمأن إليها ،  ففي رأيه أنهم أوصلوا الشعب الفلسطيني إلى ما وصلوا إليه .. .

فأغضبني جدًا هذا الادعاء  -  إلى درجة أنني أبيت أن يعود معي في سيارتي من تل أبيب إلى حيث قريته.

وتسنى لي أن أتعرف جيدًا إلى أعضاء كنيست من اليسار الإسرائيلي  :  ران كوهن  الذي كان  يقطن جوار بلدتي ( جان شموئيل ) ، وكان لي معه قبل انتخابه في البرلمان أكثر من نشاط ثقافي .

 و شولميت ألوني المرأة الحديدية التي لا أعرفها إلا مناضلة ضد الاحتلال والغطرسة العدوانية ، وحتى عند تسنمها وزارة المعارف كانت لها لغة أخرى في القاموس السياسي الإسرائيلي .

و يوسي سريد  الذي اجتمعت إليه أكثر من مرة ، وهو ذكي ، حاد المزاج ، يتهم الأعضاء العرب في البرلمان الإسرائيلي  بأنهم يركزون معالجاتهم في القضية السياسية بدلا من اهتمامهم بقضايا الوسط العربي اليومية ، وله " نهفات "  تبعده في رأيي  عن اليسار ، مع أن له كثيرًا من المواقف  التي تسجل له إنسانيًا ومنطقيًا .  وقد راقت لي بعض قصائد يوسي الذي يكتب الشعر أيضًا ، فترجمتها ونشرتها له في الصحف الورقية والألكترونية  ، وحدث أن اتصلت به لاستشارته في هذا المعنى أو ذاك .

وفي كتابي الأول " أقواس ... ص 165 ) حدثتكم عن علاقتي بماتي بيلد   عضو الكنيست والمحاضر  ( الذي أشرف على أطروحة الدكتوراة التي أعددتها في جامعة تل أبيب )  كما حدثتكم  عنه ضمن  نشاطي في " الحركة التقدمية "  ،  وكذلك عن أوري أفنيري   الذي أرى أن آراءه في الساحة الإسرائيلية هي التي يجب أن تعتمد ، لأنه حريص جدًا على وطنه  ، ويعرف بدهائه أن مصلحة الشعبين تقضي بالعيش المشترك والحفاظ على كل حق . وقد نشط أوري في اللقاءات الثلاثية بين الأدباء والكتاب الفلسطينيين والإسرائيليين والألمان  ، وإلك فكرة عنها  .

 

اللقاءات الثلاثية بمبادرة ألمانية :

 

بادر مركز التربية السياسية في ولاية راين لاند بفالتس في ألمانيا ورئيسه جورج ماير إلى عقد مؤتمرات  ثلاثية يشارك فيها أدباء وكتاب فلسطينيون وإسرائيليون وألمان  ، وتعقد هذه تباعًا في موقع من المواقع الثلاثة : في إسرائيل ، فلسطين وألمانيا  .

عقد المؤتمر الأول في ألمانيا ولم أكن مشاركًا فيه ، ثم كان الثاني سنة 1996  في جبعات حبيبا ، وشارك فيه من أدبائنا : محمد علي طه ، أدمون شحادة ، محمود دسوقي ، فاروق مواسي ، جمال قعوار وغيرهم ، ومن الجانب الإسرائيلي كان عدد  لا بأس به  من الأدباء والكتاب ، وقد تناولت الصحافة الإسرائيلية الحدث بنوع من الاهتمام .

ثم دعيت بعد سنة إلى مدينة شباير في ألمانيا ، كنت مع الأدباء  شكيب جهشان وسالم جبران وسامي الكيلاني وغانم مزعل ، ومن الجانب الإسرائيلي برز أوري أفنيري ، آشر رايخ وروت ألموغ وليئه فلايشمان وأهرون ميجد ...وكان هناك أدباء ألمان معروفون ، ومنهم هيلدا دومين وزيغفريد جاوخ  ومارتن لودكه وغيرهم ...

كان كل أديب يقرأ نصًـا له ،  ويلي ذلك نقاش  ؛ وكثيرًا ما كنا نستطرد لندخل في حوار سياسي ،  ومنه ما هو حاد ، الأمر الذي كان يعكر الصفو ، ويقلل من متعة الرحلة إلى ألمانيا الباهرة .

ومع أن أغلبية اليهود المشاركين هم أصلا من المعتدلين ، إلا أنهم كانوا يجدون الحرج إزاء الممارسات الإسرائيلية الرسمية ، ويجِمون أمام الألم الفلسطيني الذي يعبر عنه سامي الكيلاني من يعبد  مثلا -  ، وهو يصف كيف استشهد أخوه في الانتفاضة الأولى . وأنى لهم أن يكابروا وهم في بلد أذاقهم الوبال والويل والموت ؟؟!!

لكن قِسمًا منهم  مع ذلك كانوا   يترصدون  ما يقوله الألماني هذا أو ذاك  ، فإذا ما جرؤ أحدهم على قولة فيها ميل للفلسطينيين   فسرعان ما يُتهم بأنه لا سامي  .

أما إذا كان النقد من إسرائيلي كما ينقد أوري أفنيري أو سيزيبيل قليل ( الأديبة الشابة )  فإنهم يواجهون  هذا النقد على استحياء  ، وبنوع من التفهم  ، وفي حالة ( قليل ) بأنها عديمة التجربة والخبرة  .

وكنت أشارك في اللقاءات ، وأدلي دلوي في كل بئر . ففي شباير في قاعة البلدية جرى حوار سياسي ، فما كان مني إلا أن أبديت تعليقًا  لم أكن أدري مدى إزعاجه لبعضهم :

 أنا ضد أن يقتل أي إنسان نفسه  ، وهو أمر غير طبيعي أيضًا ، ولكن أليس من المنطق أن نضرب الكابح مرة ، ونسأل  : لماذا يفعلون ذلك ؟  فهل هم " مقطوعون " بلا أهل وأبناء وأمهات ؟  لماذا وجد الموت هوى في نفوسهم ونجح البعض _ كما يُقال _ بغسل أدمغتهم ؟   لنسأل ، ولنفكر ، فلعل هناك إجابة أخرى لا نكررها  !

وهنا قامت قيامة بعض الأدباء اليهود ، فقد أصبحت في نظرهم مبرِّرًا لما يفعله هؤلاء الذين يفجرون أنفسهم ، وأنني أؤيدهم  وووو ، بل صرح "  صديق "  لي منهم  أن أعداء الدولة الحقيقيين هم العرب في إسرائيل ، وهو يكرههم أكثر من غيرهم ، بسبب أنهم  يطعنون في الظهر .....

وشاركنا في مؤتمرات أخرى (  في أريحا و في ماينز وفي أيدار أوبرشتاين )  ، وأضحت ذات نمطية وتكرار  . ومما يدفع الملل فيها أولاً أنها في ألمانيا ذات الجمال في الطبيعة والطقس  والناس ، وثانيًا أننا نقابل بعض العقلاء من الألمان والإسرائيليين ممن يؤمنون أن لا بد من تغيير  ما في ظرف ما في قضية ما ، فالابتعاد لا يجدي ، والحوار ضرورة .

ومن الغريب أنني وأنا المواطن الإسرائيلي أُحاسَب هناك ، وكأني أمثل الفلسطينيين ، بل كنت أفعل ذلك  دون أن أقصد ذلك  ، فقد دبج المؤتمرون بيانًا في أحد اللقاءات ، وطلبوا توقيع جميع المشاركين .

وقع جميع الفلسطينيين ، لكني تحفظت من بند يحاول  - بصورة غير مباشرة أن يتهم الطرفين بنفس التساوي  ، فقلت لجورج : كيف نساوي بين الفرس والفارس ، بين المضطهد والمضطهَد ؟

احتد جورج ماير ، ورفع صوته  - ولم أكن عرفته بهذه الصورة  بسبب هدوئه -  وقال :

 أنت لم تفهم النص كما يجب ، إنه لا يساوي ، أأنت أحرص من فلان وفلان من الضفة الغربية من قلب فلسطين  ؟

  ووجدت نفسي أوقع بعد أن اقتنعت أن هذا القرار ليس من مواثيق الأمم المتحدة ، وبعد أن رأيت من أثق في وطنيته وقد وقّع  .

من الجدير ذكره أن هذا المركز يصدر في كل مؤتمر كتبًا وبمحاور مختلفة ، وتكون للمشاركين وسواهم مشاركات أدبية  . وقد صدر في الألمانية والإنجليزية  كتاب

 " معنى الوطن "  سنة 1997  ، كما صدرت أضاميم شعرية ونثرية وبلغات المشاركين  الثلاث .

 وفي تشرين الثاني  2004  يكون من المقرر عقد مؤتمر آخر في  ألمانيا بمناسبة مرور عشر سنوات على تأسيس الفكرة ، وسيكون محور اللقاءات " الأدب بين الجمالية ومعايشة الواقع  ".

 

  مع الرئيس ياسر عرفات:

 

في فندق فلسطين وفي 3/7/1994 بعد عودة عرفات مباشرة التقى وفد اتحاد الكتاب العرب القائدَ الفلسطيني. وكانت الوفود تأتي لمصافحته، وكانت الكلمات تتساوق  والأمل الذي هو  في تحفز مستمر.

لاحظت أن أبا عمار  كان دقيق الملاحظة ،  يوزع نظرات عينيه هنا وهناك، وكانت شفتاه ترتجفان. وبعد أن  قبلناه بالأحضان ألقيت الكلمات ، ومنها  كلمة الصديق محمد علي طه الحماسية ، و كان أبو عمار خلال ذلك  يرفع إصبعيه علامة النصر.

بعد اللقاء الرسمي تطرقنا إلى ذكر  الشاعر محمود درويش الذي افتقدناه في مثل هذا اللقاء، فقلت لأبي عمار وكأنني أبرر غيابه:

"ولكن السلطات الإسرائيلية تحول دون حضوره"

 أجاب أبو عمار: "محمود  عضو باللجنة التنفيذية، وبإمكانه الحضور رغمًا عنهم ، وحسب الاتفاق المنصوص عليه " .

ثم توجه إلى سميح القاسم وقال له:"لماذا رفض أن يكون صاحبكم  وزيرًا للثقافة؟ هنا دوركم أنتم؟"

ثم التقطنا صوراُ كثيرة.

وهيهات ، لأن  "الفيلم" كان فاسدًا!!!

وهبت نسائم كثيرة في البلاد ....

وفي 11/5/2002 اقترحت على الصديق محمد علي طه وهو رئيس اتحاد الأدباء العرب -  أن ينظم وفدًا للتضامن مع أهلنا، فاتصل بالكاتب يحيى يخلف الذي أعد للأمر أهبته .

توجهت مع  الأدباء  سميح القاسم وحنا إبراهيم ومحمد علي طه ويعقوب حجازي وحسين مهنا ومفلح طبعوني ووليد الفاهوم إلى رام الله...

زرنا أولاً وزارة الثقافة ،  فوجدنا الهمجية التي لا توصف ،  وقد عبثت يد الظلم والظلام  فخلفت في مبنى الوزارة التكسير والتمزيق والفوضى والتخريب والحقد ، ومن الطريف أننا رأينا في مكتب يحيى  يخلف ،  أو على الأصح في الركام ، كتاب "في ذكرى صبرا وشاتيلا" وهو ملقى بين الكتب .

انتقلنا إلى مركز السكاكيني ،  فرأينا أيضًا آثار القدم الهمجية . ففي غرفة محمود درويش كانت الكتب مبعثرة، ولا أزال أذكر أن كتابي "هدي النجمة" كان بينها ،  وقد أُلقيَ علي صفحتين مفتوحتين... وهنا كانت فكاهات سميح ومحمد بأن ما جرى هنا عقاب له على قراءة كتابي.

في دخولنا "المقاطعة" كان الحرس كثيفًا، وفي كل بقعة كنت تجد مسلحًا.

دخلنا مكتب الرئيس عبر أكياس من الرمل في المدخل ،  فلما وصلنا إليه غمرنا  بقبلاته المعهودة، وكان يحيى يعرّف بنا واحدًا تلو الأخر.

تحدث سميح مشبهًا همجية ما حدث بهمجية يشوع بن نون.

وأكد محمد علي طه على الثوابت الفلسطينية  ، وبأن عرفات لا بد سينتصر على هذا الحصار وهذا الدمار .

تحدثت أنا مستذكرًا أبياتًا كنت قد قلتها عشية انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في عمان ، وهي :

                       وقـبـلـة عـلى جـبـيـن

                                        مــتـعــب أمــيــن

                        يـســيـر فـي ثـقــة

                                        الــقـدس مـن أسـراره

                        إن لـم تـكــن حـــبه

أعجب بها أبو عمار، فسلخ ورقة من جملة أوراق أمامه، وطلب من مساعده أن أكتب له الأبيات بخطي ، ففعلت .

 كما تحدث كل من حسين وحنا ومفلح ووليد.

أطال عرفات في الحديث عن الماضي، فوجدت نفسي أقاطعه ،  وسألته أن يحدثنا عن المستقبل.

فأخذ يعرض تفاؤلاته برغم كل هذه المعاناة التي يعانيها الفلسطينيون.

والتقطنا صورًا كثيرة، وهذه المرة كانت صالحة.

                  *    *       *                          *    *    *               

 

مشاركات لي  فعالة

 

ثمة مشاركات لي كثيرة شاركت فيها خارج بلدتي باقة ، وأكثر هذه النشاطات مع أعضاء الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، فكم أعتز بعلاقاتي مع أعضاء البرلمان منهم ،  مع أن لي صداقات أيضًا مع سواهم من الحركات الأخرى، وأعتز بعلاقاتي الطيبة أيضًا مع قادة الحركة الإسلامية، وقد شاركت في أكثر من لقاء أدبي نظموه  هم أيضًا سواء في سخنين أو كفر قاسم أو ...

ولعل المرة الأولى التي شاركت فيها في مهرجان سياسي في بلدتي  كان مهرجان الحركة التقدمية الذي حدثتكم عنه أعلاه .

وبعد بضع سنين شاركت في  مظاهرة  في بلدتي ( 12/10/1992 ) ، حيث وقفت على طرف الشارع مع آخرين ، ورفعنا الشعارات متضامنين مع المعتقلين الفلسطينيين، كنت أنصت لتعليقات المارة الذين كانوا يرمقوننا بنظراتهم المتعجبة ،  فهذا يقول: انتظروا دقائق، ستقبض عليهم الشرطة.

وآخر يقول: إنهم جواسيس يدعون الوطنية  للتغرير بنا...

وفي ختام المظاهرة ألقيتُ كلمة وقصيدة.

ثم كان أن شاركت في اللقاء الجماهيري في أرض الروحة للدفاع عن هذه الأرض المهددة بالمصادرة، كما توجهت في اليوم نفسه يوم الأرض- لزيارة قرية غير معترف بها هي عين حوض، فكنت أنا والسيد صبحي بيادسة في ضيافة محمد أبو الهيجا رئيس رابطة القرى غير المعترف بها. فاطلعنا  هناك على أسطورة البقاء والتـشـبـث بالأرض، وأذكر أنني كتبت في دفتر الاستقبال هناك أبياتًا لم أثبتها في  أي ديوان لي ، ومنها:

يا قـصة الأرض التي ضاعت

                    وما ضاعت

ضـاءت عـلى جـباهنا صلاه

ظـلـت عـلى مـمـاتنا حياه

لأنـهـا أومــت لــنــا

بـأنـنـــا هـــنـــا

بــاقــون   كـالـجـبـال

وحقنا

الصوت والقرار

 

وزرت كذلك أطلال القرى عين غزال والسنديانة  وأم الزينات ( أخبرت الكاتب محمد الأسعد  ، وهو منها عن هذه الزيارة ، وقرئت كلمته في المهرجان  الذي أقيم هناك ) ، وشاركت في عشرات النشاطات السياسية والثقافية  مع أدباء آخرين من الجليل والمثلث .

                             .......

ومن نشاطاتي أنني رأست لجنة الجائزة الخاصة التي أعلن عنها مجلس كفر قاسم عشية ذكرى المجزرة سنة 1999، فقرأت عشرات النصوص ، وكنت في هذه اللجنة مع   المرحوم شكيب حهشان والمدعو له بطول العمر  علا عيسى.

ثم أقيم المهرجان الكبير ، وقد  شارك فيه سميح القاسم وآخرون، ورغم أنني كنت فعالاً جدًا في هذا المهرجان ، إلا أن الصحف في نهاية الأسبوع لم تتكرم بإيراد أي ذكر لي أو لاسمي ...

***

ولا بد في هذا المحور من سيرتي الذاتية  أن أذكر بعض رفضياتي:

في 14/11/1996 رفضت اللقاء مع  زبولون هامر وزير المعارف حيث دعيت مع بعض الأدباء للقاء معه ضمن "سنة الصهيونية"  ، رفضت لقاءه  مع أنني كنت أعرفه سابقًا  في أثناء دراستنا في جامعة بار إيلان .

وكنت قد رفضت جائزة إسرائيل  ( إذا كان ذلك التوجه الهاتفي لي جادًا ، وذلك  قبيل حصول إميل حبيبي عليها )

كما رفضت لقاء بيرس في لقاء انتخابي لحزب العمل .

 وهذه الرفضيات أخذت تزداد  ، وهي كثيرة لا مجال لسردها كلها  ، وذلك بعد أن أخذت ألاحظ عدم جدوى مثل هذه  اللقاءات، فنحن في واد وهم في واد، وإن ملاحظاتي أو نقداتي تلاقي  لديهم  أذنًا  من طين وأذنًا  من عجين...

 ومن أنا؟ حتى أغير سياستهم؟!!

 

-       وسؤالي الهام هنا:

هل أثرت أفكاري السياسية ونشاطاتي على عملي ووظيفتي؟

- بالطبع، وقد تناولت ذلك بشيء من التفصيل في حديثي عن صفحات التربية والتعليم

( انظر كتابي أقواس من سيرتي الذاتية  ، دار الهدى ، كفر قرع -  - 2002 ، ص 21 41 ).

وأراني أعترف أن هذا التأثير أخذ طابعًا آخر ولباسًا جادًا ومراقَبًا في عملي في السنين الأخيرة في كليات دور المعلمين، بحيث أن قصيدتي عن الشيخ رائد صلاح مثلاً أخذت تفعل الأفاعيل، وتحرك تساؤلاتهم ،  ولن أستطرد اليوم  في شرح مدى التأثير علي في ذلك.

 

قال لي صاحبي وهو يحاورني: أنت تؤكد على ديمقراطية إسرائيل في كتابتك هذه، وكأن النظام في إسرائيل ديمقراطي حقًا؟!!

قلت له: لا يهمني ماذا يقال في ذلك. يهمني أن أسرد لك ما حدث معي.

قال لي: لقد قرأت لك في "أقواس من سيرتي الذاتية" فصل "الهوية الفلسطينية  في كتابتي" (ص 63 74 ) وقد تناولت القضايا والمسائل الوطنية في كتابتك الشعرية والنثرية،  وما قصرت في تناول آلام جمهورنا وآماله  ، فكيف سكتوا عنك ،  وغضبوا لقصيدة كتبتها مؤخرًا؟

فقلت له: لم يسكتوا عني سابقًا كما ظننت، إلا إذا فكرت في إيداعي السجن أو أكثر، لكنهم حالوا دون وصولي إلى وظائف تقدمت إليها وكان شعارهم: "أنت حر ماذا تقول، ونحن أحرار ماذا نفعل".

***

أعرف نفسي بأنني بعيد عن العمل السياسي رغم كل ما ذكرت - . إلا أنني أجد نفسي مسوقًا للتعبير عن قضايا ملحة ، فالأديب الحق ليس ثورًا حتى يدير قفاه لآلام الناس وخاصة شعبه ؛ لذا كان لا بد لي وأنا مسكون بالهم الجماعي أن أدرس وأعلل وأحلل بطريقتي ما يدور على الساحة المحلية .

 من هنا فثمة ضرورة لطرح آرائي التي تدور في دماغي لعلها تجد من ينصفها  ( بعد أن شرحت لكم في بداية هذه الصفحات مدى خيبتي في الإقناع ) .

في مقالة نشرتها في  صحيفة  الندوة  ( 16 / 3 /  1990) تحت عنوان " العرب في إسرائيل إلى أين ؟ " دعوت إلى أن تعكف نخبة من أكاديميينا ويدرسوا  الوضعية الخاصة التي نحن فيها ، فيبحثوا بعمق :

هل يجب أن  نطالب بالمساواة التامة في الدولة؟ وكيف  ، ومتى ؟

هل نطالب بالاتونوميا؟ باستقلال كياني منفصل؟ بالانضمام إلى الدولة الفلسطينية العنيدة؟ بالعمل على بقائنا ضمن دولة إسرائيل ؟

وما هو اسمنا ؟ عرب إسرائيل ؟ عرب 48 ؟ فلسطينيو إسرائيل ؟ عرب الداخل ؟

وهذه الأسئلة وعلى غرارها متأتية بسبب  عدم الاستقرار لدى أبناء شعبنا، وخاصة فيما يتعلق بمستقبل أبنائنا ، وخاصة الخاصة  في أجواء العداء والعنصرية وفرض الشعور علينا  بالاغتراب والاستلاب.

ورب سائل يسألني :  ما هي الخطوط العريضة التي تؤمن بها اليوم  في واقعك السياسي ؟

أجيب :

   أنا أومن بأننا جزء من  الشعب الفلسطيني خاصة ،  والأمة العربية -  عامة -  ، وهذا لا يتنافى وكوننا مواطنين في  إسرائيل .

   أنا أومن بضرورة التعاون  مع القوى اليهودية التقدمية التي تشاركنا في مطالبنا العادلة  ، وأنه يجب أن نتفاعل لا أن نتقوقع  ، ونفرض واقعنا عليهم  ، لا أن نيأس .

   أنا مواطن في إسرائيل ، وأحمل هويتها وجوازها  ، ومرتبط بحياتي الاقتصادية واليومية بها ؛ وعليّ أن أناضل كي  تكون الدولة لجميع مواطنيها العرب واليهود، وأن أعمل على إلغاء مظاهر العنصرية وكافة القوانين التي تستأثر بجعل هذه الدولة صهيونية محضة .

مطلبنا هو أن يكون المواطنون في مساواة تامة واحترام متبادل في دولة ديمقراطية مشتركة .

        أنا أرفض أشكال التمييز وصوره على المستوى العرقي والجنسي والقومي والديني.

        أنا أطالب بالاندماج في حياة الدولة مع أخذ حقوقنا الكاملة في الحصول على أراضي الدولة كما يسمونها- .

   أطالب بوقف مصادرة أراضي العرب، والاعتراف بالتجمعات العربية غير المعترف بها، وإعطاء كل ذي حق حقه خاصة فيما يتعلق بالمهّجرين.

   إن الانطلاق السليم لحل القضية الفلسطينية في رأيي- هو تنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بها، وتقضي بإقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس.

 

وأعترف أن مثل هذه الآراء يتبناها كل من أحزاب  الجبهة والتجمع والحركة العربية للتغيير والحزب العربي الديمقراطي وغيرهم.

وأحب أن أضيف أمرًا هامًا يشغل بالي :

  من الواجب مقاومة  هذا الشعور الذي أخذ يغزو الأذهان في الوسط العربي، وهو  الخوف من تهديد اليمين لنا   بالترحيل أو (الترانسفير) ، وأصوات هذا التهديد نسمعها يوميًا وعلى جميع الأصعدة وحتى من وزراء في الحكومة .

إن مظاهر التشاؤم أخذت ترين على الساحة السياسية والاجتماعية ، فمن واجبنا أدباء ومثقفين أن نتصدى لها وأن نتحدى  ما يحول دون مواصلة دربنا .

 ولا بد من  أبيات هنا  تعبر عن إيماني في هذا السياق  ، وكنت كتبتها  قبل سنوات عديدة ، وما زال صوتها يتصادى :

 

الأَمَلُ المُخْضَرُّ عَلى صَفْحَةِ قَلْبي

يَسْأَلُني يَوْمًا يَوْمًا عَنْ دَرْبي

يَسْأَلُني هَل أَمْلِكُ أَنْ أَحْفَظَ عِرْضي ؟

أَنْ أَعْشَقَ أَرْضي ؟

هَلْ تُثْمِرُ كَيْ يَطْلُعَ حُبِّي ؟

والأَمَلُ المُخْضَرُّ يَقولُ : ( نَعَم )

والبَسْمَةُ تُزْهِرُ في عَيْنِ الأَطْفالْ

وَتُغَطِّي كُلَّ أَلَمْ

والهِمُّةُ تُشْرِقُ في عَزْمِ رِجالْ

وَيكونُ نغم