أقواس أخرى من سيرتي الذاتية

 

 رحلتي في مذهبي

 

إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد

حُمل على الإيمان ، ولا يجوز حمله على الكفر.

                                                                                                محمد عبده

 

في الدين - كل دين -  بحث عن اليقين . ولكنك -  مع ذلك -  كنت تستصعب التسليم بأي يقين ، ولسان حالك-  فيما بعد-  ما قاله أبو العلاء المعري :-

أما اليقين فلا يقين  وإنما     أقصى اجتهادي أن أظن وأحدسا

 

وبسبب هذه الازدواجية: يقين- لا يقين، سأدعك تتذكر حكاية ما جرى لك في هذا الباب أو المشرع  ، وما فكرت به ، وما اتُّهمت فيه ، إلى أن غدوت معتمرًا وتكتب قصيدة  "الحج الأصغر" ، وحتى وصلت إلى قناعة ما، رغم ما ينتابها من موجات القلق الفكري والوجودي بين الفينة والفينة.

تذكر في طفولتك أنك  حفظت جزء عمّ ،  وكنت تتردد على الزاوية الصوفيّة القريبة من منزلك تصحب والدك المتدين  آنًا، وتدركه آنًا آخر في عتمة الليل عند صلاة الصبح -  دون أن تخشى أحدًا- رغم منع التجول . كنت تقرأ الأوراد مع الدراويش، وتقيم معهم حلقات الذكر ،  بل تترنم وأنت تردد:   

   نحن بالله عزنا                    والحبيب     المقرّب

  بهما عز نصرنا                    لا بجاه  ولا منصب

    كل من رام ذلنا                  من قريب   وأجنبي

    سيفنا في قولنا                    "  حسبنا الله النبي "

 

صليت تسع سنوات ،  وصمت حتى النوافل،  بل أذّنت لصلاة العصر مرتين ،  وخلا الميدان لك بعد غياب المؤذن ،  وكيف تنسى أنك  صليت في الناس إمامًا ذات مرة.

وحفظك الدين من بضعة أخطاء أو موبقات  وقع فيها بعض أبناء جيلك، وذلك لأنك كنت تؤمن أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، ولذكر الله أكبر .

وبسبب الاتصال بالكيبوتسات أو المستوطنات مرة وبسبب اشتراكك في الخلية الشيوعية أحيانًا  ، اصطدمت بآراء أخرى مباينة، وأفكار دُهشت لها أولاً، ولكنك سرعان ما أخذت تسائل  نفسك: وأنًى لي أن أثبت لهؤلاء إن هناك إلهًا بكل أسمائه أو صفاته التسع والتسعين؟!

مضت سنوات عشت فيها في شكٍ مريب، لا تجد في يفاعتك من يوجهك أو يشرح لك أو يجيبك عن تساؤلك عن حقيقة الله والملائكة والشياطين والجن والبعث والنشور  والعقاب والحساب ويوم القيامة، وعن دور الأنبياء، ومن هم؟ ومن هم الأولياء؟ وما هي حقيقة الإسراء والمعراج، وما هو القضاء والقدر؟ وهل الشر هو من صنع الخالق أيضًا ؟  وهل أنت مسير أم مخيًر؟

وكانت الأسئلة تزداد كلما طالعت القرآن وكتب الحديث، فتخضع ما تقرأه للمساءلة، وتسأل:

لماذا سمح الإسلام بالرق؟ وما هذه الأحكام التي يعاقب فيها السارق أو الزاني أو القاتل أو الذي يريد طلاق زوجته ثم العودة إليها؟

وتظل الأسئلة حول المرأة أكثر ما يضايقك، فأنت لا تعرف كيف تجيب، ولا تجد مرجعًا جادًا يوجهك، فلماذا للمرأة النصف في الميراث ؟  ولماذا الرجال قوامون على النساء؟ أليست هناك نساء أقدر على تصريف أسباب الرزق -  خاصة إذا كن بمستوى تميّزٍ عن بعض الرجال؟ ولماذا شهادتها لا تعادل شهادة الرجل؟ ولماذا يمكن أن تُضرب إذا لم تطع زوجها؟ ولماذا أصلاً يمكن للرجل أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع ، ويحق له الطلاق متى شاء بينما لا يحق لها قرار الطلاق متى شاءت  - وبنفس التساوي ؟ وهل طلب منها أن تضع على رأسها النقاب؟ في أية آية حصرًا؟ وهل يعني قوله "يدنين عليهن من جلابيبهن" أو قوله "يضربن بخمرهن على جيوبهن " يعني  أن يغطين شعورهن، و.... ؟!

أسئلة وأسئلة لم تجد من يفهمك أو يوضح لك، وكان أبوك قاصرًا عن الإجابة رغم محاولته المخلصة في الذود عن حرمات الدين وعن المسّلمات.

فإذا ما قرأت بعض الردود من الكتب المتيسرة  على هذه المسائل وجدت الظلع في الإجابات ، فتؤثر أن تسكت خوفًا من الهجوم الكاسح أو الاتهام من هذا وذاك بأنك كافر مارق ...فرحم الله امرءًا قال خيرًا فغنم أو سكت فسلم  .

اعترف الشيخ (ع) لأبيك أنه أوقف تعليم ابنه في المدرسة الثانوية خوفًا من فساده كما " فسدت" أنت، فالتفكير يؤدي به إلى التهلكة ،  ولا يزيد ه ذلك إلا خسارًا أو تبارًا ،  بل إن والدك طلب منك الابتعاد عن كتابات خالد محمد خالد التي كانت " شركة الكتاب العربي " تسوقها فهو الذي "أتلفك"، وكان أبوك يلعنه دون أن يقرأه . وألح عليك أن تجالس الشيخ سعيد الجتّي الشيخ الأزهري لتسأله ما يعن على بالك.

 ولم تجد لدى الشيخ الذي أحببته لدماثته ما يشفي غليلك ،  وكان في بعض إجاباته   تكرار لجمل أو نمطية في الفكر ، ولكنك أحببته .... فرثيت الشيخ يوم أن توفي ،  وقرأت على ضريحه قصيدة طويلة ،فخلعت عليه  شعرًا قلت فيه  ما يراه الناس فيه ، و منها :

يا مرجعًا للعلم من سيؤول فينا مرجعا

نأتي إليه فنهتدي ونعود نكسب  منفعا

خلفت أرض العلم هذا اليوم تبكي مدمعا

وجعلتنا أيتام هذا الدين والدنيا معا

فتواك يا شيخي لتنطق " كان فذًّا أروعا 

والهيبة العظمى على نور تألق بالطيوب

بقيت تحلق فوقنا وتضيء في كل الدروب

 

ثم أخذت تتهرب من مجابهة المسائل الدينية، حتى ظننت أنّك تستطيع أن تعيش مستقلا  دون اللجوء إليه ، ولتترك للناس معتقداتهم  وعاداتهم . وقلت :- لماذا من الضروري أن تحمل نفسك ما لا طاقة لك به ؟ ومن قال إنك مسؤول عن إجابة كل معضلة  .

                                           *        *           *

مسابقة القرآن :

 

في آذار سنة سبع وستين أعلنت الإذاعة عن مسابقه  في حفظ القرآن الكريم تحمست لها لأسباب لغوية محضة ،  وقررت المشاركة فيها .  ويبدو أن غرض القائمين على المسابقة لم يكن نزيهًا تمامًا  ، فقد تزامنت  مع حزيران  سبع وستين  ، فأقبل الناس على البرنامج  ، واستمع إليه كذلك أهلنا في  الضفة والقطاع - ممن ستحتل  إسرائيل أراضيهم  بعد أقل من ثلاثة أشهر   ، فأخذت الإذاعة تعيد بثّ  المسابقة مرة تلو المرة ، ولسان حالها يزدهي بالحرية الدينية المتاحة للعرب الذين بقوا في  ديارهم عام ثمانية وأربعين ، فلا تخشوا يا عرب السبع والستين !!!

وزار بيتك بعد الاحتلال بعض الأقرباء وغير الأقرباء  ممن جمع بينكم الاحتلال  ، وسألوا عن هذا الفتى " رجل القرآن الكريم " ، وكنت كأنك في عرس آخر  فيه جلالة ومهابة ،  لم تكن قد نعمت بهما يوم عرسك  . ( قيل لك إن المسابقة كانت أصلا لاختيار قاض للمحكمة الشرعية  ،  ولكن طابعها تغير عندما وصلت إليك ، ولم تهتم ولم تغتم ) .

سأعود بك إلى مسابقة القرآن الكريم وكيف بدأت :

رشحت نفسك للمسابقة الإذاعية التي أشرف علها الإذاعي أبو جرير  ، فقد تم تسجيلك متأخرًا بناء على رغبة مشتركة لك ولوالدك  . أما أنت فكانت رغبتك أن تخوض بحر  اللغة العربية ، فلا فهم لغوي حقيقي دون تدبر آيات القرآن وبلاغته ، وأما والدك فكانت بغيته تشجيعك على العودة لله - على طريقته هو ، فقد أغراك بأنه سيضاعف الجائزة المالية  وتكون الجائزة من حظك  جائزتين  .

تقدم للمنافسة نحو خمسين  متسابقًا  ، منهم الإمام في المسجد ، ومنهم الفقيه المتعبد ، ومنهم من لا ينثني عن ترديد الآيات التي يصعب حفظها -  ليل نهار -  ، و عجبت لبعض الأسماء المشاركة ، مما لا يحسن بك الإفصاح عنها .

في الامتحان الشفهي للتصفية الأولى ورد لك السؤال :

اذكر ثلاث آيات تبدأ بقوله تعالى " الله لا إله إلا هو ..."  ؟

كنت تحفظ آيتين هما آية الكرسي ، والآية الثانية من آل عمران  ، فارتأيت أن تحسن التخلص أولا ، فتبدأ بما هو ليس متوقعًا ، فأخذت تجمع بين أجزاء آيات ، ولم تتلجلج ، فإذا  الأمر يمر بسلام ، ولم يعترض أي من أعضاء اللجنة خشية من اتهامه هو بأنه لا يحفظ  ، وإذا بك تفوز في التصفية .

في مسجد الجزار كانت المسابقة النهائية ، وقد دعي إليها مئات الضيوف من علية القَوْمين ، وانطلقت الأسئلة تترى ، والإجابات على إثرها ، وبدأ المشاركون يقصّرون في السباق  الواحد تلو الآخر حتى بقي اثنان  : أنت وأبو فاروق من قرية مجاورة لبلدتك .

أغراك أبو فاروق بأن تحظى بالجائزتين معًا - وأقسم - على أن تفسح له مجالا بالفوز ، فهو يخشى ألسنة أهل بلده ولذع سخريتهم فهو مدير المدرسة  ، وهو في عمر متقدم  ، و لن ينسى لك صنيعك .

قلت له وأنت تنظر إلى والدك ونخبة من أصحابه ، وقد حضروا لسماعك :

" وماذا نقول لأبي فاروق الآخر الذي يبتسم من بعيد مزهوًّا  ؟  "

وأعلن عنك أنك " نجم الشهر " و " حافظ القرآن "  و " رجل القرآن الكريم "  .

هنأك الناس من كل حدب وصوب ، وسرت على بركة الله رغم قصيدة كفرية غاضبة أطلقتها في أعقاب النكسة ، ولم تنشرها ،  وكأن الله هو الذي ساق إلينا الهزيمة ؟ وكأن الشاعر فيك قد نسي " ...لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "  .

                                       *                 *                     *

 

سمحت السلطات  - ولا يهم من هي – للعرب  في الداخل أن يؤدوا فريضة الحج  ، ومع الفوج الأول  سنة 1978 كان وداع أشبه بمهرجان متواصل طيلة ثلاثة أيام ، وكان لك القدح المعلى – أنت ونخبة من زملائك -  في إدارة دفة المهرجانات ، بل ألقيت قصيدة عبرت فيها عن مشاعرك الدينية  قلت فيها :

ودع حجيج الله واسأل ركبهم                       أن يقرئوا أرض الحجاز سلامنا

إنا لفي لهف نحن ونرتــجي                        أن يرفع  الإسلام   صوتًـا بيّنـــا

....   ، ولم تنشر هذه القصيدة  كما لم تنشر عشرات غيرها ، لأنك اعتبرتها خطوات أولى في مسيرتك الشعرية .

ثم ألقيت قصيدة في الترحيب بالحجاج بعد عودتهم  ، قلت فيها :

رحب بحجاج بيت الله    والحرم      أهلا  وسهلا بكم من معدن الكرم

كيف الرسول وأهل البيت عترته      إني أحبهم في خاطري     ودمي

.........

ليست ديانتنا قشرً ا  يزيننا            بل جوهر صوغه من ثورة الهمم

ما الشكل إن لم يكن مضمونه دركًا

                                              للبر والأمر بالمعروف والحكم

 

           *                        *                                    *

 

محنة  :

 

برغم ذلك فعنك لم يكن مرضيًّا لدى  بعض أفراد  المجموعة الإسلامية التي ضبطت في أواخر  السبعينيات ،  ولا تدري كيف بلغك أن اسمك كان معدًّا للتصفية الجسدية  - بسبب آرائك في الدين  - ، وذلك أسوة ببعض الشيوعيين وبعض العملاء  .

ثم وصلت إليك بعد بضع سنين  رسالة  بتوقيع ( المسلمين ) مؤرخة في 1 / 11 / 1982  ، وهي مهيأة لأن تكون منشورًا سيوزع في المساجد ، ومما جاء في الرسالة  :

" لقد تعودنا أن نلتقي لمعالجة قضية معينة أو للرد على مغرض أو مضلل ، أو للتحذير من مؤسسة هدامة تبث سمومها خفية وتحت شعارات براقة خادعة .

وهذه المرة نكشف لكم القناع عن وجه بشع وصورة قذرة لمعلم انحط إلى أسفل سافلين ، ولطخ شرف المهنة التي استغلها لمآرب دينية . هذا المعلم هو فاروق مواسي . فقد توجه إليه أحد الآباء مستشيرًا إياه بخصوص تعليم بناته ، فقال له :  - أنصحك بعدم تعليمهن لأنه لا أمان على البنت في هذه الأيام ، فمثلا أنا عندما ألتقي طالبة لا أغض عنها بصري ، وأتملى جميع أجزاء  جسدها -   ، وعلل ذلك بأنه يحب الجمال ويتذوقه ، وهو يركز أسئلته على الطالبات المثيرات من الناحية الجنسية  ، وكانت دهشة الأب لا تقدر ، فقرر  بعد ذلك أن يمنع بناته من الاستمرار في التعليم الثانوي .... لهذه الأسباب وغيرها طالب المسلمون وما زالو ( ؟ ) يطالبون بفصل البنين عن البنات ، واختيار المعلمين الأشراف .

إننا نهيب بالمجلس المحلي أن يطرد مثل هؤلاء الساقطين وإبعادهم رحمة بأبنائنا وبناتنا ... "

ويبدو أن الكاتب أدرك مدى تجنيه ، فكتب رسالة أخرى بدون توقيع :

" إلى فاروق مواسي 

السلام على من اتبع الهدى  !       ( لاحظ نوع السلام وخلفيته  )

عندما استعرضت ( ؟ بدل استعرضنا ) المنشور قبل الطبع وجدت فيه أشياء خطيرة جدًّا ، تحتاج إلى التحقق والاستبانة  امتثالاً لأمر الله عز وجل " إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبيـنـو "  ( ؟ ) ، لذلك فإننا نمنحك فرصة الدفاع إذا كان ما ورد في المنشور غير صحيح ، أو الاعتراف والاعتذار إن صح  ، وذلك بأن تحضر إلى المسجد بعد صلاة العصر  من يوم السبت 6 / 11 / 1982  ، وتعلن موقفك على الملأ   ( ؟ ) الحاضرين .

إذا لم تحضر وتبرر موقفك فإن المنشور سيصدر وسيوزع . نود أن نزيدك علمًا أن الأب الذي استشارك هو ( ي . غ  ). "

توجهت إلى هذا الأب ، فأنكر كل الإنكار أن يكون قد جرى بينك وبينه  أي  حديث ، واستشاط غضبًا ، وقال لك : دعهم  لي  !  فأنت أشرف من الذين يحاولون المس ببناتي ، وأنت آمن منهم  . إنهم يعرفون مدى حرصك ودفاعك عن حق الفتاة بالتعلم ، فجاءوا يهاجمونك في  نقطة قوتك  . 

ولم يكن في نيتك أصلا أن تذهب لمحاكمتهم  ، ثم بلغك بعد ذلك أن الأمر لم يمر بسلام  .

ورددت في إيمانك : " قل جاء الحق وزهق الباطل   "

 

وفي خارج باقة  أيضًا :

 

أصدرت لجنة الآباء في المدرسة الثانوية في أم الفحم  ( يسمونها أم النور في كتاباتهم )  في 1 / 12 / 1982   كراسًا اتهموا فيه مدير المدرسة الثانوية بإدخال نصوص للمطالعة  تدعو إلى سوء الأخلاق ، ومنها نصوص فاروق مواسي ، فسألوا في الكراس  :

" إذن ماذا تقول عن كتاب (  اعتناق الحياة والممات )  لفاروق مواسي حيث يقول في الصفحة الثامنة تحت عنوان -  قصيدة غزلية:

مطر ما بين نهد وشفــه

وبياض وبياض

لدروب المعرفـــه

أستريح الآن من أتعاب ماضيَّ بحضــنك

....

أوليس هذا فساد أخلاق ؟؟

وفي صفحة ( 18 ) يقول فاروق في قصيدة ( الرحلة ) :

والعلم يدل على غيبـــة رب

أو أن الله بكل الذرات

فتعالى الله !!!

 

ثم كان أن  كتبت للمشرفين على إصدار الكراس  لتبين لهم تجنيهم ،  وذكرت لهم أن الغزل مشروع ، وقد سمعه  الرسول من كعب ، فخلع عليه بردته .

أما القول الثاني فينتهي بـ" تعالى الله "  ، وقد ارتأى كاتب المقال أن يحذفها على طريقة " ولا تقربوا الصلاة .... "  مما يدل على سوء طويّـة .

ثم رد عليك من وقع باسم يوسف محمود محاميد برسالة ذات ديباجة دينية طويلة ، فأخذ يناقشك في المجاز والبلاغة أنت  بالذات  ، ويتعسف بالتأويل ، ولا بأس إن أثبتّ بعض ما كتب في رسالته  :

 

" والعلم يدل على غيبة رب  "......هذا يدل على عقيدة واقتناع القائل نتيجة رحلته العلمية واحتوائه علم الأولين والمعاصرين  .

" أو أن الله بكل الذرات " ....هو في علم البلاغة تساؤل إنكاري  .

" فتعالى الله " .....هو في اعتقاد القائل أنه بعد أن ثبت له (  علمه  ) ودله دلالة قاطعة على غيبة رب . يكون المقطع الأخير في اعتقاده وما يعنيه هو قول الجاهلين والأغبياء الذين لم يتعلموا كما

( تعلم وعلم ) القائل علم الأولين والمعاصرين  ، ومع سياق المعنى مع المقطعين السابقين له . هو أيضًا في علم البلاغة أيضًا جواب إنكاري .

أفبعد هذا ما هو أشد كفرًا وإلحادًا وزندقة من هذا القول ؟؟؟؟!!! "

ويمضي صاحب الرسالة  كاتبًا :

" اعلم أننا لسنا في مجال النقد للشعر والأدب إن وُجد ، ولكننا في معركة الرد والإيضاح على الهجمة الحاقدة الخبيثة الماكرة والمركزة على الفكر الإسلامي ككل . والرد هو من أجل قتل الفتنة الي أريد لها أن تحتدم  ويشتعل أوارها .

وقولك إن الرسول سمع الغزل من كعب في ( بانت سعاد ) فالجواب : أين وجه المقارنة مع الغزل العاري والأدب المكشوف والشعر الإلحادي  .........فعودة يا فاروق  كعودة كعب بن زهير ، ودخلة كدخلته في الإسلام مجالدًا ومنافحًا عنه ، كيف لا وأنت الحصيف الكيِّــس ، إن شاء الله  "

                                                                                                                                يوسف محمود محاميد

                                                                                                                                    23 / 3 / 1983

وبقيت تردد في إٌيمانك   " وقل رب زدني علمًا "  

 

علقة أخرى :

 

في 6 / 12 / 1991 كتبت مقالة في  " القنديل "  التي كانت تصدر في بلدك ، خاطبت فيها هؤلاء الواعظين في المآتم  أن يكفوا عن ذكر البدهيات ، ، والإلحاح على أن الموت سيكون مآلنا ،  فقلت

 " نحن بحاجة إلى من يثقفنا ، لا إلى من يذكرنا بالموت " وقلت  " إن عظمة الإنسان بالذات وروعته تتأتى بسبب تناسيه الموت واستمراره بالعمل  " وناشدت الوعاظ أن يفسروا لنا الآيات ويعرفوننا بقيم دينية وثقافية مختلفة بدلا من التركيز على ذلك  .... ( أعيد نشر المقال في كتابك " حديث ذو شجون " ، النهضة ، الناصرة – 1994  ، ص 155 )

أثار المقال أولا أحد زملائك ممن كانوا يعظون ، وظن أنك تقصده  ، فأخذ يرغي ويزبد ويتحرش بك ، وكدت تتشابك بالأيدي معه ، ويعلم الله أنك لم تقصده ولم يكن في خاطرك ، وقد نسي هذا أن هناك من أثنى على المقال من بين رجال الدين بسبب القصد النافع من وراء المقال ، وخاصة صديقك أبو زامل الذي لا تأخذه في قولة الحق لومة لائم ، فأخذ يثني على المقال في كل حديث عنه  .

ثم رد عليك  الشيخ توفيق محمد عبد الجواد في ( صوت الحق والحرية 13 / 12 / 1991 )  بمقالة تحت عنوان " عظة لواعظ الوعاظ " ، ومما ورد في مقالته :

" إن الثقافة والعلم والتفسير والإلمام بكل العلوم التي سبق ذكرها كله يبقى فارغًا دون معنى كالزبد يذهب جفاء  إذا لم يكن مقرونًا ومدعومًا بالقلب السليم الخاشع والعقيدة الصافية التي يصلها الإنسان عن طريق معرفته لكُـنْـه الدنيا والآخرة والتذكير  بالموت والاستعداد لدار الخلود ....فنحن جميعًا  وأمتنا  كذلك  بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى من يذكرها بالموت ....."

ثم أخذت الرسالة تذكّر بأحاديث تناولت " هادم اللذات " و بأنه الواعظ  وكفى به .

تلا ذلك نوع من الحصار ، فأنى توجهت كنت تجد منتسبًا للحركة الإسلامية في هذه القرية أو تلك قد  عرفك واتخذ منك موقفًا ، فأنت قلت في قصيدة كذا  - كذا وكذا والعياذ بالله ، وأنت  .. وأنت ... ، وكنت تناقش أحيانًا أشخاصًا لا تعرفهم  وتذود عن نفسك  وتنكر طريقة فهمهم .

وصل الحال  بفئة باغية  أنهم أشاعوا أنك دست على الكتاب  الكريم في الصف ، وأن الطلاب  ضربوك  ؛ والإشاعات لمن لم يمر بتجربتها  تخرج الإنسان  عن طوره  ، فيحتاج آنًا إلى الهرب ، وآنًا إلى البكاء ، وأخرى إلى المجابهة الحادة  والغضب .

ووصل الأمر بأحد الأئمة الشباب أن يحرض عليك في خطبة صلاة الجمعة ، ومن العجيب أنه من خاصة أقربائك  ، فقد ادعى أنك قلت في الصف  أن القرآن ليس كلام الله ، وأنه ليس معجزًا ، وأنه ...ولم يذكر اسمك ، بل ذكر صفاتك ، فالمعلم هذا – أيها المؤمنون -  شاعر يعلم العربية منذ كذا سنة ، و قد أصدر كتبًا ،  وووو

يومها سألتك أمك وهي تبكي وتخشى على حياتك : أصحيح يا ولدي ما يقوله عنك الشيخ ؟!!

أغضبك ذلك جدًا  ، فقررت التوجه هذه المرة  للشرطة ، دون أن تقتنع أنها ستفعل شيئًا ، وبالفعل لم تجد الشرطة -  كما ادعت -  بينة أنك أنت المقصود .

 وبقيت في إيمانك  تردد " ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله  " .

ومضت الأيام .

 محنة جديدة :

 

وإذا بمعلم الدين إياه  يتربص بك وأنت لا تدري .

قلت في صف  من الصفوف أن المسيح عليه السلام مات كسائر البشر ، واقتبست ما ورد في القرآن  " فسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيّا " وقوله " فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ..." . فإذا بالمعلم  قد هاج وماج ، وحرض الطلاب  ، فمن المحظور عليك أن تقول شيئًا دينيًا ما دام هو في الحضرة  . ويكتب المعلم بخطه رسالة إلى مدير المدرسة ونسخة منها للسلطة المحلية  وقعها الطلاب  ، و  ورد فيها  :

" إن هذا الأستاذ الفاضل طالما عمل على التشويش على الإسلام وعلى إيصال فكرة معينة إلى الطلاب تسيء إلى الإسلام بكلماته المغلفة ، فمثلا في 21 / 11 / 95 في الحصة الأولى طرح في الدرس آية " إني متوفيك ورافعك إلي ..." فأكد أن المسيح توفي  ، ثم أخذ يسأل :

محمد سيد الأنبياء مدفون تحت التراب ، وعيسى يسرح ويمرح ، كيف هذا ؟؟؟!

عجبًا لك يا أستاذ ، أتريد أن تعلم الله كيف يتصرف ؟ اتق الله !

نسأل الله الهداية له ، وأن يكف عن تشكيكه وهجومه على الإسلام وأهله . كما نرجو النظر في هذه القضية التي تخص عقيدتنا ومبادئنا  ، وأن تبحثوها بمنتهى الجدية "

                                                 طلاب تخصص الدين الإسلامي  - باقة الغربية

وتطور الأمر أكثر ، فإذا بمعظم طلاب الصف يخرجون من حصتك  أو تعلن توبتك .

ثم حضر وفد ديني إلى الصف ،  وجرى حوار بينك وبينهم جميعًا ، وكدت تقنعهم  لولا أن قرروا مسبقًا إدانتك  ، وما هي إلا دقائق  فإذا بالأستاذ يصرخ : أنت علمتني ، وأنا أعرف كيف تغلف آراءك .

إذن هذا من تلاميذك يا فاروق ، وها هم تلاميذك اليوم يحتجون عليك ولا يريدونك ، فاشرب ماء  !

 

لا . لا ،  لا تنس كيف وقف معك بعض الطلاب كالأسود  ، وخاصة الطالبات – كاللبؤات - بشجاعة منقطعة النظير - ذهلت لها أنت كما ذهل  لها الحاضرون  . كانوا قلائل ، لكن أصواتهم طغت ، فدافعوا عنك وعن إخلاصك وحبك للطلاب وللمعرفة ، وطلبوا منهم أن يثبتوا كفر ما قلته ،  مما جعلهم يتراجعون عن ادعاءاتهم التي بدأت حادة ، فإذا بها " يجوز الوجهان " .

لم يكفوا عنك ، فتوجهوا إلى كلية الشريعة حيث تعمل ، وتوجهوا برسالة  إلى مديرها صديقك أبي زامل   - الذي ذكرته آنفًا -  فصدهم عن سبيلهم ، وقال لهم إن ما نسيته أنت من معرفة لن يصلوا إليه فحرام عليهم .

ولم يكتفوا بذلك ، فإذا ببعضهم يعقدون جلسة في قاعة المجلس المحلي للنظر في كفرك وخطرك على الطلاب المسلمين ، وإذا بأحدهم - وهو من أقربائك أيضًا - يصرخ في  الجلسة :

 " هذا سلمان رشدي   " .

ووقفت وحيدًا ، فأصدقاؤك الذين تسامرهم غابوا عنك ، وأصهارك وأخوتك  لم يصدقوا هول ما أنت فيه ، فلاموك على تورطك  معهم ، فماذا يدعوك لأن تقول كذا وكذا .... ؟

آل بهم المآل إلى تهديدك بصورة مباشرة وغير مباشرة  ، فأخذت تحسب لهم الحساب ، فمن يدريك أن أحد فتيانهم ممن غسلوا أدمغتهم يكمن لك تحت شجرة في دارك فيطعنك ؟

كنت تصل إلى المنزل فتطلق صافرة السيارة حتى يرافقك أبناؤك إلى الباب .......

ثم بدأت  الأحداث بالتلاشي  ، فإذا بنفر من الشيوخ في هذه الحركة يحضرون إلى منزلك  بدعوى استجلاء الحقيقة  ، ويكون بينكم  حوار ودي أظهرت فيه معرفتك بالدين أكثر منهم  ، ولكنهم خرجوا بتوصية فيها غمغمة أن عليك أن تعود إلى الهداية والصواب كما عادوا  هم  ، وأنك إن عدت ستكون قائدهم  ووووو

 

وسجلت محنتك في قصيدة " أغسل خوفي "  ونشرتها في الصحافة ثم في ديوان " لما فقدت معناها الأسماء " حيث كانت  حاسمة     ، ولا بد منها هنا :

 

أَغْسِلُ خَوْفي

 

قد يَكْمُنُ لي " وَجهٌ " أو آخرُ أَو آخَرُ

                          حتى الآخرةِ

                               وَبينَ حدودِ الخوف

ممنوعٌ أن تروِيَ

         أن تنويَ

قال : ( فأنا وحدي أعوي

                     من ثَمَّ الجوقهْ )