دلالات الصّمت في قصيدة اللا نصّ                                                             

 محمد السمّوري

 

حملت الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر  فاروق مواسي من فلسطين قصيدة

 "  صمت "التي  خصّها الشاعر بأربع صفحات بيضاء لا كتابة فيها!

وحيث لا يمكن قراءة هذه القصيدة كما يُقرأ الشعر عادة ، فإنّ قراءتها توجب النظر فيها مليا والتأمّل، كما هو حال الناظر إلى  لوحة الموناليزا، فإنه يرى نفسه من خلالها ،فإن كان حزينا ً:فهي الأخرى حزينة،وإن كان فرحا ًفهي أيضا كذلك ،وهكذا الحال لكل متأمل للوحة تشكيلية بالنسبة لمتأمل آخر، فإنّ كلا ًمنهما يحمل انطباعا يختلف عن الآخر،وما مجموع الانطباعات والتأمّلات المرتسمة في أذهان زوّار معرض للفن التشكيلي،إلا محصلة لثقافة مسكوت عنها،لأنها مغلفة بأطر بطريركية الصّمت، لكن هذه الأطر تتسع  إلى حيث لا نهائية الدلالة، فإذا كانت هذه اللوحة قصيدة كما هو   الحال بالنسبة لقصيدة  صمت البيضاء،للشاعر مواسي ، فإنّ الأمر هنا يتسع لمجالات دلالية قد تكون أوسع من أطر اللوحة التي تتخنّدق بألوان محدّدة تحصر الدلالة في كينونتها،وهذا ما  كتب عنه الدكتور محمد خليل :                           

    (وتبقى قصيدة صمت وسواها من  اللوحات الفنية الأخرى، مظهرًا ثقافيًا يعكس الواقع المأزوم لإنسان هذا العصر، وفي الوقت ذاته، ليؤكد على قدرة المتلقي على استنطاقها كما هي، دون زيادة أو نقصان)                               

 

وسواء اختلفنا مع هذه الرؤية القرائية لانعكاس الواقع المأزوم،التي تعني الفشل والإحباط واللاجدوى،أو اتفقنا مع الشطر الثاني من الرؤية التي هي قدرة المتلقي على استنطاق اللوحة البيضاء فإن الصّمت هو القضية الإشكالية التي تحتمل كثيرا من الزيادة والنقصان،ولا أخال أي حق في الاختلاف أو الاتفاق على دوغمائية التعبير ، لأن المفاهيم الدوغمائية تحمل نقائضها في ذاتها ، فكلمات صغيرة مثل :حياة ، فضاء ، دنيا ،تشكل بحدّ ذاتها معطيات دلالية لمفاهيم مفتوحة بمساحات لا نهائية يكون الصّمت هو البنية الأساسية لمشتركها ، وحتى العدميّة تحتل حيزا دلاليا في إشكالية الصّمت ، لأن القصيدة ليست نشرة إخبارية، وهكذا اللوحة الفنية ،فكيف الحال ونحن أمام نصّ اللانصّ؟

 يقول فيه الشاعر: هذا هو كل الصّمت ،بوضوحه وغموضه ،بوقاره وجلاله ،بكبريائه، بسورياليته وكل أشيائه اللا نهائية .

 وقصيدة اللانصّ - إن جاز التعبير-  هي قصيدة ما بعد حداثية بامتياز تجلت بمظاهر مختلفة لدى بعض شعراء الحداثة ومن هذه الأشكال والضروب اللانصيّة مثلا : تفكيك المفردة الشعرية إلى أحرف ، أو كتابة جزء من الكلمة وترك ما تبقى منها للقارئ فليكمل كما يشاء،  وهي أول محاولة لمشاركة القارئ في عمليّة النظم من خلال توظيف خياله في استنطاق المسكوت عنه،فهي معادلة يكون فيها الصفر رقما  ذا قيمة افتراضية،ولأن فلسفة الصّمت عندي لا تمثل العدميّة،لهذا أقرأ عدم ورود لون آخر في الصفحات الأربع،غير اللون الأبيض، الذي هو الآخر لا يمثل العدميّة،لأنه أساس الألوان ومجمعها ،فعلميّاً  لو أدرنا قرصا مقسما إلى الألوان الأساسية بمساحات متساوية لظهر لدينا اللون الأبيض، الذي يختزل الألوان وهكذا الصّمت الأبيض،يختزل الكلام المتعدد ،والمخالف ، كالثلج الذي يغطي الأشياء  فتبدو بلون واحد لكننا ندرك تعدد  واختلاف ألوانها بما نحمله في ذاكرتنا، فالثلج هنا يختزل التعدد لكنه لا يلغيه ،  وخلفية المسرح البيضاء،تختزل الجدل الذي يثيره النص بشخوصه المتنوعة على خشبة المسرح ،ولون الكفن الذي يختزل حياة المتوفى،بكل تفاصيلها ،ولون إحرام الحجيج يختزل أعمال الإنسان وسيرته وتاريخه ويمزجها ، فتغدو لا لون لها ،وحمامة السلام وراية السلام فيهما اختزال لأطراف الصراع ومقولاتها المتناقضة والمتضاربة ،فالقرطاس الأبيض يحتمل الكلام أيّ كان مقصده وتأويله وغايته، فالكاتب يمكن أن يصبّ عليه قصيدة ،أو رواية ،أو مقالة،والمهندس يضع عليه مخططا ،والفنان يحوّله إلى لوحة ،وتتسع الدلالات إلى حيث لا نهائية المعنى  ...فالتوقيع على ورقة بيضاء يرمز إلى الثقة الكبيرة ،وثوب العروس الأبيض يرمز إلى طهرها وعذريتها ، واللون الأبيض يرمز للصفاء والنقاء والعفة والنظافة والوضوح، واللون الأبيض أكثر الألوان راحة للنفس،يضفي البهجة والشعور بالراحة، وهو يوحي بنظافة المكان، وهكذا .... في سيمفونية الصّمت الأبيض للشاعر مواسي أقرأ شعرا بأبجدية مختلفة عن أبجدية (حطي كلمن) قد ترتقي عن نواميسنا نحن البشر إلى الناموس العلوي وملكوته ،وشيطانه الذي لا يسكن عبقر الشعراء الأرضيين، كأنه طيف من سراب أو حلم ، كأنه الحنين والحب ، وصوت عشتار يهاتف تموزنا من بعيد ،من  قلب التاريخ والذكرى ، وأول الزمان ، وصوت جلجامش الذي لا يريد الموت،يصرخ في صمتنا، يبحث عن ( خضرون ) بين ركام الأزمنة والموتى ، هو صوتنا الذي يبحث عن أشيائنا في المجهول ، لكنها لا تبحث عنا،لا تعرفنا .

 إن الصّمت هو ذلك المجهول الذي يعيش فينا ، ولا نعرفه فنسميه الذكرى والحلم والتأمّل ، وطيوف الأشياء والحبّ ، وعذابات العشاق والحنين ، ورائحة التراب وخبز التنور،وثدي أمنا البعيدة ، وضالة بوذا ( النيرفانا )،  وطعم قبلة ليلى قبيل الفجر،ورائحة يوسف في أذيال أخوته (والقمر الفضيّ المشنوق فوق الربوات) كما عبّر مواسي في غير قصيدة - ورائحة دم الشهيد ،وآهات الثكلى في فلسطين،والعراق، وأشياء أخرى.

في الصّمت الأبيض القصيدة اللوحة يتطابق العنوان مع المضمون تطابقا مدهشا ومعبّرا عن ثقافة الشاعر الفنان في اجتباء إستراتيجية العنونة، فيتماهى المعنى في دلالاته في حيرة التحديد بين اللانص واللا كلام ،  ومن ثم انعتاق العنوان من سطوة النص ، وهذا أمر شبه متكرر في المشهد الإبداعي العربي حيث تزخر مكتبتنا بنصوص اللاعنوان كتعبير عن التوق إلى هذا الانعتاق المتبادل بين النص والعنوان. فكم من قصيدة توسمت (بلا عنوان ) أفصحت عن هامش للمتلقي ليضع عنوانا للنص حسب إستراتيجيته فيشارك الكاتب رؤاه المفتوحة ، وها هو الشاعر فاروق مواسي يشارك قرّاءه النظم الصامت ليضع كل منهم انطباعه على الصفحات البيضاء،فمساحات من القصيدة قد تحتمل التأزم الذي أراده الدكتور محمد خليل،ولتكن عدميّة قد لا يريدها الشاعر لأنه لا شأن له بها، حيث هو لم يقل ما يحسب عليه ، وأخرى تحتمل أشياء قد تتسع لمساحات اللانهاية، أو على قدر هؤلاء المتأمّلين للقصيدة الموناليزا المفتوحة ،إلى حيث سرمدية دلالات اللانص  .