التأثير القرآني في شعر فاروق مواسي البعد الدلالي 

د.خالد سنداوي

 

بداية .. علينا أن نؤكد حقيقة ... هي أن العمود الفقري في مثل هذه الدراسة عادة - يرتكز إلى أن آيات القرآن الكريم تأخذ اتجاهين دلاليين، أو بعدين - إذا صح التعبير :

أ‌-     البعد التشريعي :- وفيه حدود الشرع الإسلامي، وحدود أوامره ونواهيه سبحانه .

ب‌- البعد البياني :- وفيه يبث الحق سبحانه بياناته الإلهية العلوية .. وما تضمنته من أخبار السابقين ومواعظ اللاحقين .

ونحن إذ نتناول التأثير القرآني في شعر فاروق مواسي . إنما نتركز في البعد الدلالي المرتبط أصلاً بالعمق البياني ...

 

وما دمنا نبحث في العمق البياني.. فإننا سنبحث تحديداً بالعمق الدلالي الترميزي للتنصيص. وما أراد الشاعر أن يوحي به لذهن القارئ (المتلقي) وعليه.. فإن وجه الاختلاف الطبيعي والمنطقي بين كل قارئ ومتلق وآخر.. فذلك هو حيوي وضروري.. ويحقق المنشود من الترميز.. ألا وهو: تحريك ذهن المتلقي باتجاه روح النص .. وتحديد مدى ملامسة النص لروح المتلقي .

وهنا تكمن قدرة الشاعر ... فبقدر ما يكون توظيفه لخاصية التناص عميقاً وموفقاً .. بقدر ما يكون أبعد أثرًا في ملامسته للأرواح والعقليات المتلقية ؛ متشعباً... متلوناً... قوياً ومؤثراً .

ويرتبط ذلك أيضاً بقدرة الشاعر على توظيف خاصية الانزياح الدلالي للتناص.. بمعنى: قدرة الشاعر على الابتعاد بالنص (القرآني هنا) عن دلالته الأصلية.. وخلق دلالات جديدة منبثقة منه .. ومرتبطة أو مستوحاة من روح الأصل . منطلقاً بذلك لخلق أجواء دلالية جديدة. وكذلك يرتبط الأمر بقدرة المتلقي على الكشف عن هذه الدلالات.. استيعابها وفهمها والتفاعل معها .

وهنا... تجدر الاشارة إلى أن الشاعر مواسي من الذين يستخدمون توظيف خاصية التناص في شعره . وأنه استطاع أن يوظف الانزياح الدلالي بمهارة فائقة؛ بحيث جعل التناص واضحاً... عميقاً ومؤثراً في ذات الوقت . مع أنه حمّله عمقاً دلالياً باستخدامه خاصية الانزياح بدرجات تتفاوت وتتنامى بتنامي الصورة الدلالية المترتبة على هذه التناص (التأثر بالقرآن) وما يحمل من الإيحاءات والرموز . والمعنى المقصود .

 

وما أكثر الأمثلة في شعر مواسي .. إذ لا تكاد تخلو قصيدة من قصائده من التناص والتأثر القرآني . ولكننا في هذه الدراسة القصيرة سنحاول التركيز على بعض تلك التي تحمل انزياحاً دلالياً واضحاً وقوياً .

 

المثال الاول :

من قصيدة "أنا ومحنة الغافقي" حيث يقول :

 

وثاني اثنين إلى غار الحياة

يقول عند الكبرياء ..

ما زفت الحسناء

إلا على مهد الظنون .

وأول الاثنين في غار الحياة .

يفلسف الأشياء 

                                                            (المجموعة الكاملة  ، إصدار كل شيء ، حيفا 2005 جزء1 ص7)

 

فالقارئ (المتلقي) .. يستوعب ومنذ القراءة الأولى هذا التناص الشفاف ظاهرياً، حيث ينقل القارئ مباشرة إلى نص الآية الكريمة "ثاني اثنين إذ هما في الغار ...." (التوبة- 40)

ولكن سرعان ما يتنبه إلى أن البيان القرآني إنما أراد أن يثبت دليلاً على قدرة الله و رحمته بنبيه وصاحبه .

ولننظر الآن إلى درجة الانزياح الدلالي في هذا التناص؛ ففي قول الشاعر :-

ثاني اثنين إلى غار الحياة = يقصد به المرأة (المخلوق البشري الثاني على الأرض)

أول اثنين إلى غار الحياة = يقصد به الرجل (المخلوق البشري الأول على الأرض) .

وأما ثالثهما .. في غار الحياة .. فمتغير .. فهو الكبرياء أحياناً .. وهو الظنون أحياناً .. وفلسفة الأشياء أحياناً أخرى .

وهكذا خلق الشاعر أرضية صلبة لاستيعاب القادم من الدلالات يحملها التناص الموظف بدقة .. وبانزياح دلالي متباين ومتراوح في حديثه وإحداثياته .. ليقدم لنا دلالات مترابطة متسلسلة تدعم إحداها الأخرى .

-         وما زلنا في نفس القصيدة .. لنجد الشاعر يصرح عن إنسان غار الحياة :

" يخب في مأساته

يدب في نكباته

يلوب في صوت النجيع

طعامه ضريع

نساؤه مثل السقر"

                                                       ن . م   (ص8)

 

ولننظر كيف أكمل البيان الثاني معنى البيان الأول... فالإنسان كما رأينا "ذكر وأنثى" ثالثهما الظنون ، و الكبرياء ، وفلسفة الأشياء .. سيكون الناتج والحاصل حتماً .. صراع نفسي، واهتزاز اجتماعي وحياتي عام يحيل الحياة إلى جحيم .

ثم يستمر البيان .. متخذاً من التناص قاعدة .. ومن التحكم بالانزياح الدلالي وسيلة .. حتى يصل إلى قمة الوضوح البياني متمثلاً بالنتيجة والمحصلة المترتبة على ذلك . بقوله :

-          

"أحس شوقا سارياً في مهجتي

أذيب أمسي ذكريات

وأدت ساعاتي وأيامي العجاف

في غمرة فلا تطال"

                                                              ن . م   (ص9)

 

النص (اللفظ) القرآني واضح . أما البعد البياني فقد أخذ اتجاهاً آخر، انزاح عن دلالته الاولى انزياحاً حاداً جداً ..

وأد البنات =وأد الأيام.

 

وإذا بحثنا في أسباب وأد البنات . سنجد أنه الفقر . والخوف من الجوع والشدة، والخوف من المجهول .. والخوف من السبي والعار ..

ووأد الايام عند الشاعر يأتي بذات البعد البياني .. ولكن بانزياح دلالي .. وأد الأيام لأنها عجاف .. فارغة .. بلا قيمة ولا وزن ولا أمل ولا حياة .

 

ولنوضح فكرة الانزياح الدلالي في التنصيص أكثر. دعونا نأخذ أمثلة أخرى اتخذ منها الشاعر منطلقاً لأبعاد دلالية جديدة؛ تولدت من استخدام التنصيص لتوليد معان جديدة .

ققي قصيدة روعة الأسى (ص55 ج1) حيث بدأها بقوله :

"أيها الانسان في وجه حزين"

ثم يمضي باحثاً عما يفسر علامات الحزن في هذا الوجه ، فلجأ إلى النص القرآني . مستخدماً إياه ليولد دلالات جديدة بعد أن يحدث فيها انزياحاً حاداً عن الدلالة الأصلية لها .

وهنا تكمن روعة التنصيص .. فيقول :-

 

-" انت يا إنسان في وجه قسيم

تطلب الغفران لكن بحّ صوتك

عندما غنت على وجه السنين

أغنيات من لهب

آت رحماً من لدنك

بعد أن عزّ الطلب ...

                                                     ( ن.م   ،ص55    )

 

وعند قراءتنا للجملة الأخيرة .. مباشرة يقفز إلى الأذهان قوله تعالى .. " ربنا آتنا من لدنك رحمة "

أما الانزياح عن هذا المعنى الأصلي المباشر . فيبدأ بالتحديد عند قول الشاعر "بعد أن عزّ الطلب" .

والسبب :- أن النص القرآني جاء على لسان أهل الكهف .. المؤمنين الفارين إلى الله .

أما في التنصيص .. فقد جاء على لسان إنسان العصر .. ذي الوجه القسيم .. والمردد أغنيات من لهب . ولهذا .. عزّ الطلب هنا . بمعنى ... لا رحمة .. ولا معجزات أو كرامات تتنزل على إنسان هذا العصر كما تنزلت على أهل الكهف والرقيم .

 

ومروراً بقصيدة "نشيد أو نشيج" (ج1 ،  ص21  ) نجد تناصاً أكثر شفافية... والانزياح الدلالي فيه أقل حدة؛ والبيان أكثر وضوحاً بقوله :

 

- "والمكر عند الإله

حتى يكون به البلاء "

                                                        (ص21)

 

ويكمل ليتضح المعنى . وتنكشف الدلالة ،

- "هذي المدينة والوبأ .

أنقاضها تنعى

وتصلى في الحمأ

فتكت بهم رسل الظمأ "

                                                          ((ص21)

 

ويختمها بقوله :-

- "يا للنبأ ...

إنا أضعنا المتكأ ...

 

= "ويمكرون ويمكر الله .. والله خير الماكرين" .(الأنفال-30)

هذا هو البيان الإلهي الواضح الدلالة والمعنى، ولكننا إذا تأملنا بما صاغه الشاعر؛ نجده قد انزاح عن هذا المعنى تدريجياً .. ليصبح مكر الله بلاء .. اختبارًا .. ونتائجه هي البيان المترتب عليه... والوباء.. الخراب .. الأنقاض التي تنعى كل شيء... كل أنواع الحياة .. وتصلى في الحمأ .. (الحمأ المسنون) وهل من رسالة تصدر عن كل ذلك ؟ نعم .. إنه الظمأ .. ظمأ روحي وجسدي .. ويبقى بعد ذلك "النبأ " -  (عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون) (النبأ- 1-3) والجواب : (إنا أضعنا المتكأ) أضعنا الراحة .. أضعنا الاستقرار = ( متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسًا ولا زمهريرا) . (الإنسان- 13)

 

أما في قصيدة "مرثية حظ عاثر" (ج1 ،  ص31 ) فتتعانق جمل التناص وبياناته لتشكل انزياحاً دلالياً كبيراً .. إذ يبدأ الشاعر قصيدته بقوله :

 

- "يخفي السر له سراً

في كهف الأسر الطاعن

أرسم قوساً

يبقى درساً

ذكر إن نفعت ذكرى"

                                      ن . م     (ص31) .

 

فإذا تأملنا النص هنا يتضح لنا أن التنصيص جاء من قوله تعالى (فذكر إن نفعت الذكرى ) ودلالتها في القرآن معروفة .

ولكن ما الدلالة التي ارتآها الشاعر وما البيان المرتبط بها بعد انزياحها عن معناها الأصلي .

لبيان ذلك ... نعود إلى البداية :-

 

يخفى السر له سراً = (فإنه يعلم السر وأخفى)(طه-7)

في كهف الأسر الطاعن = الأسر مكان لا أسرار فيه لمن هو في داخله لذلك فهو طاعن .. قاتل .. آسر الأرواح والنفوس في كهف الخلافات .

أرسم قوساً .. ترمز إلى ألوان قوس قزح .. إلى التلون

 

"فذكر إن نفعت الذكرى" (الأعلى -9)

ثم يستمر البيان حتى يصل إلى تعانق التناص ليفسر بعضه بعضاً في بيان واضح الدلالة .

 

- "في حضن الموت ..

كلفتم كلاً سعته

وأنا ما كلفتم سعتي ..

نؤت بحمل ثم بحمل

آد حياتي حفظهما ..

لم تأخذني سنتي

ساءلت شفاهي عن مِقَــتــي ..

هل تقرأ كلمات الكرسي

فاقرأ شيئاً من ذكِْر

                                                     ن . م    (ص33) .

 

هنا ... يتضح السر في هذا البيان ...

أنا في حضن الموت .. أحمل ما لا أطيق .. حتى نؤت بحمله .. وآدّ حياتي حفظه .. لكني ما نمت عن حقي ... وعن حمل مسؤولياتي .... وما زلت أقرأ الكرسي .. وأتلو الذكر .. وما زلت مؤمناً .. رغم كل شيء .

هكذا اتضح البيان .. واتضح مدى الانزياح الدلالي للتناص . (ذَكّر العرب والمسلمين بحالي .. بواقعي .. وما أعانيه .. ذكرهم إن نفعت الذكرى) .

 

وفي قصيدة "الستة في حوار" يسوق لنا نموذجاً آخر من التنصيص التكاملي الدلالة ... والبيان  - ويبدأها بقوله :-

 

- "سألوني ماذا تكتب يوم الفصل  ....-يذكرنا بقوله تعالى :(إنه لقول فصل)

والبيان يأتي عبر الكلمات التالية .

فسلام يوم صرخنا ..

وسلام يوم قتلنا ...

وسلام يوم سنبقى أقوى ..

                                                           (ص37) .

 

التناص واضح من الآية  = (والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا) (مريم-33)

الدلالة :-

1-  يوم ولدت = يوم صرخنا .

2-  يوم أموت = يوم قتلنا .

3-  يوم أبعث حيا = يوم سنبقى أقوى

 

تناص  بين الدلالات والإيحاءات .. وثري بتجربته ومخزونه الثقافي  .. تتمازج في قالب من التساؤل ، وذلك أن صيغة التساؤل هي  من صيغ البيان القرآني.... لذلك يعود الشاعر ليستخدم هذا النوع من التنصيص المدعم بالتساؤل ليسوق لنا عمقاً دلالياً جديداً .. نابعاً عن تفاعل نفسي .. لا عن تناغم نصي بقوله :-

 

"ناديت لسان الدين" لسان الدين ..

أأحطت بأخبار الأعلام المذكورين ..

أقرأت " ولا غالب إلا الله"

في كل مكان تردد

لست على الغيب بضنين

فالنصر مبين   

                      المجموعة الكامللة ، ج 2  ، ص  37

 =  اقرأ:  (وما هو على الغيب بضنين) .(التكوير- 24)

 

فقد اختار لسان الدين بن الخطيب للدلالة على البعد الديني .. وكأني به يريد أن يقول :- أنا إنما اتحدث بلسان الدين فلا تعجبوا .

أحطت بأعلام المذكورين = ويقصد أسماء أهل الأندلس الذين ذكرهم = ( كتاب الإحاطة في أخبار غرناطة ، لاحظ الفعل : أاحطت  !

أقرأت لا غالب إلا الله = بمعنى :- أأدركت أن لا غالب إلا الله  ومعنى هذه الآية التي تتكرر على جدران قصر الحمراء . الله الذي مكننا من أهل الأندلس بقوته وتمكينه سبحانه وحكمته عندما كنا أقوياء بإيماننا ووحدتنا .. هو الذي مكن أهل الأندلس منا حين تفرقنا وتشرذمنا وهنا .

" وما هو على الغيب بضنين " (التكوير 24)

فهو  - سبحانه -  يكشف لنا اليوم ... ما كان في الأمس غيباً ..

 

هذه النماذج وغيرها كثير تدل على تأثير الانزياح الدلالي لخاصية التنصيص من التأثير القرآني في شعر د.فاروق مواسي .. وبالتالي فإن إثراء النص ورفده بالقرآن وبالتراث من أهم مميزات الأسلوب لدى مواسي ، فهو الذي حفظ القرآن في مطلع شبابه يجد الأصداء القرآنية ماثلة في نسيج شعره وفي لحمة المبنى .

                                                                                    و يبقى للحديث بقية .