سليمان نزال..... والحنين إلى البرتقال

                       قال أندريه موروا : " أن تكتب معناه أن تكشف نفسك " ، ويبدو لي أن سليمان نزال في مجموعته الأولى ( لينا والبرتقال ) قد كشف عواطفه  بصورة مركزة بعد أن كان يطل علينا في كثير من المواقع ،  فنعرف فيه أيضًا -  هذا الصدق والبوح وهذه الشفافية المتألقة .

والقصص  متميزة بلغتها مفعمة بالعبق الفلسطيني معاناةً ووجدًا وحلمًا وقضية. وقد كانت الثلاثون قصة/ نصًا تقدم بحس عميق مما يجيش  في صدر الكاتب من عاطفة وطنية ، فكان يشع ذاته أولاً من خلال البوح بتجاربه خاصة ، وعلائقِه عامة.

وتظل الموهبة كما تلمستها -  متمثلة  في هذا العمل الفني -  الذي صاغه لنا سواء بعرض مأساة ، أو بشحن فكاهة، أحيانًا بتنبؤ ملحوظ ،  أو بخيال معروض منسوج ببنيـة جمالية فيها شعور مكثف وتأمل عميق.

ذكرت الكاتبة إليزابيت بووين أن عين الكاتب الطوافة هي التي ترى كل شيء بحالة اندهاش وتساؤل دائم....:

 " إنه دائمًا في حالة من الحساسية سريعة التأثر بأي شيء، بل أكثر من ذلك ، فإن الموضوع هو الذي يجد الكاتب، فأي شيء تقريبًا قد يجذب انتباه الكاتب ،  ويمسك بخياله ، ويثير فيض سروره:عبارة سمعها صدفة، صدى حادثة وقعت في شارع، وجه أو شيء يلح عليه، أو رد فعل ذاتي ضئيل....." .

تذكرت ذلك ، وأنا أقرأ قصص سليمان المثيرة والمحفزة معًا، هذه القصص التي  كثيرًا ما نُقلت عن أحداث حقيقية، لكنها في سرده تخطت المعنى الظاهري للحدث ، وذلك  لتراوح معنى أعمق.

 إنه لا يقول لنا ما قاله فورستر في مثله المعروف في كتابه أركان القصة، " الملك مات ثم ماتت الملكة" محصلة بسيطة لحقيقتين، بل يجعل الحبكة في لغة مستطردة، وتوسيع يتعلق بنمو الموقف، وذلك في منطق نابع من الحالة نفسها، وقد يتأتى الموقف من الذاكرة التي تجتمع فيها الأحاسيس والمشاعر ،  فيعبر الكاتب عنها آنا بالسخرية وآنًا بالتخييل ... مرة بالكلام المباشر وطورًا بالترميز العالي.

من حيث المضامين لم يترك سليمان حدثًا فلسطينيًا أو مأساة إلا أحصاها، لا لمجرد الإحصاء، بل ليترك خطوطًا وخيوطًا منها: المقاومة المسلحة، إضراب السجناء، تجربة الاعتقال في الزنزانة، جرف الزيتون، العملاء، الغارات على لبنان، الإضرابات، هدم البيوت، وانتشال الجثث..... ( انظر نماذج منها ص 13 ،  15 ، 17 ،  30، 88 ، 129 ) ، لذا فلا بد للفلسطينيين أن يكتبوا قصتهم معًا "أن نشترك كجموع في كتابة هذه القصة... فلا بد أن تكون رائعة، وشرعوا في الكتابة، وما زالوا يكتبون "  (ص 136)

ومن الملاحظ أن النص كرر مرتين من قبيل الخطأ الطباعي ، إلا أن هذا الخطأ قد يُوظّف لصالح التكرار ، وذلك  حتى يكون هناك ضرورة لازمة لقراءة أخرى ولو على حساب الورق.

تتميز لغة النصوص بأن  فيها البحث المتواصل عن الجدة، والصياغة الطريفة ، وتكاد تكون افتتاحيات النصوص مثيرة للانتباه بسبب " طزاجتها " ، ولنقرأ نماذج:

* "مدت يدها الأحلام ، كادت أن تمسك تحت الشمس الصديقة كنوز فرحي ..لم يكن قد غادر الصهيل مرتفعاتي  " ( ص 54)

*  " فرك عينه بيد التجارب المريرة... وأخذ ينظر في تحولات المخالب والعوسج في ولد شب عن طوق الطاعة وتحطاه إلى علقم الجحود  " (69)

* " أقبل الربيع وابتهجت ملامح الأرض المباركة ، وهي تجهز أحضان الفرح لاستقبال وفود ورسل عن مختلف الزهور والنباتات ..جاءت تحمل إليها عطر العرفان والمودة والديمومة "(93)......وغيرها كثير سواء في مطالع القصص أو في تضاعيفها، بل إن اللغة لشعرية تلازم قصصًا بأكملها ، نحو : الوقت (ص 49)، المفاتيح(74) بريد العاشقين(93) سوق الأحلام(123) مغامرات شجرة(159) نهر التلاقي(165) وهذه" القصص القَصيدِيّة " تعمد إلى الترميزات المكثفة باستعاراتها وتأنيسها ،  وكذلك بحواريات أو مونولوجات داخلية ،  مرورًا  باستخدامات الأفعال المضارعة على نحو متواصل ، وكأنها (  حكايات بلا بداية ولا نهاية ) تتواتر : يقف... يتجه... يشاهد... تتقلص... يلاطم... يقرر... يصعد... ويتمتم بكلمات تشبه النداء الأخير (ص 77) ......إنها ديمومة الحدث في دولاب يقرع في صوته ويحرك في أشجانه.

أما  التشبيهات و الاستعارات والكنايات فمشتقة غالبًا من أجواء ملحة على الكاتب ، ومتواصلة معه ، نحو :

*  "فكرة طريفة ولعلها تكون شرارة فكرك تقودك إلى حناء ولوز قصيدة جديدة ..."

*  " لم يتركوك حتى لتواشيح وأزهار الفرح البسيط (ص 20)

* " مضى إلى حقل انتظاراته المجاورة للقلب الكبير، ألفى بعباءة حلمه الصقري وظلال صمته المفاجئ بين زيتونتين للمسيرة والجذور، ثم توغل في أرجوحة الندى (ص 24).

ومجمل اللغة لولا هذه الخصوصية الفلسطينية يشي بأنفاس زكريا تامر، بل إن الفكاهة هي مشتركة بينهما  ، فإليك من سليمان بعض هذه الأجواء المرحة التي صاغها في ثنايا الحزن:

*  عندما تذكر الجدة في كل مرة عددًا مغايرًا لرؤوس الأغنام التي كانت تملكها في فلسطين، ولدى اعتراض الحفيد تقول له:

" - روح عدها غصب عن اليهود  "        ص 9

أو تقول له :

-       "ولع لي سيكارة مليحة لوجع أسناني " :  ويضيف معلقًا :

"ولم تكن تملك من الأسنان إلا ضرسًا أو ضرسين".

ومن المثير للابتسام حقًا مشهد نزّال ( ؟؟ ) الذي رفض إتمام الحراثة قبل أن يأتوا له بعروس:

* "إسه إسه بدي أتجوز أو مفيش حراثة"..............

" قلت: كلها حراثة في حراثة يا فرحان..."  ( 149 )

ويعلق بروح الفكاهة على من يطلب منه أن يبتعد عن دار أم سعاد لأن لها عينًا زرقاء شريرة:

فيقول:  " صحيح أني لم أستجب.... فقد كانت لي مآرب أخرى  : (وهو يشير بذلك إلى حبه لسعاد). ص 150

وكذلك ينقل لنا هذا الجو الفكاهي لجده الذي لم يره الناس يصلي ،  ومع ذلك يؤكد أنه سيدخل الجنة، فسيستغل هذا الجد خصام حراس الجنة مع صاحبه  ليتسلل هو إلى النعيم....

وهذا الجو الفكاهي يشحنه حتى في خطابه للينا الأجنبية التي تدافع عن الحق الفلسطيني:

* " - تتجوزيني يا لينا... أنا مجنون شو رايك؟

تجيبه بسرعة غير متوقعه: آه شو يعني؟ وأنا كمان مجنونة...."

ويبدو لي أن (  موتيف ) أو متردِّدة  (الجدة) هو من أقوى عناصر القص لديه ،  فجدته كانت تفاخر بعدد رؤوس الحلال، وكان العدد يختلف ما بين حكاية وحكاية، وحينما يحتج الحفيد تقول له بغضب: "أنا مش شاطرة بالعد" ص 11

تناديه الجدة بغير اسمه.. وتكرر ذلك " يا علي ! "، ولكنه يقول لها "أنا اسمي سرحان مش علي ...."

- أعرف ي&ا حمار. أتراك تظن أنني خرفانة كما يقول أبوك " ( 11 ) ،  ثم سرعان ما توضح له أن أخاها اسمه علي ،  وهو الذي كان مناضلاً ومن رجال المقاومة، وأنها تود أن ترى الحفيد يكمل المسيرة.

وهكذا كان الراوي يقول لنا  في السرد القصصي:

 " وكان اسمي الحركي علي"

هذه الجدة واسمها (لخضراء) تظل هي وعصاها التي أحضرتها من فلسطين فعّالة في عدد من القصص، فعندما انتشل اليد الصغيرة المقطوعة من بين الجثث كان يمسك بعصا جدته  ، وهو يساهر أسئلته ألأولى في غرفة الجدة. (ص 89).

وعندما توشك الخضراء على الموت تطلب منه:

"- سكّت القواريط بدي أموت بهدوء

ثم أضافت بصوت أعلى: اسمع يا أحمد.... أريد بعض براعم اللوز... دثرني باللوز ! "

وينهي الراوي سرده "وضعنا ذاكرة اللوز وأريجه فوق صدرها... ثم ماتت جدتي.. ص 112

ونتعرف إلى  جدة ثانية للراوي هي (ريما) التي كانت تحلم بالرجوع إلى البلد ، وإنك ترى  " في جبينها  وديان الحكاية وهضابها. في عروقها بيادر وتعرجات السنوات الراحلة ومنعطفاتها في الغصة والرحيل". ( ص 41 )

وعندما ينقلها الراوي إلى أرهوس في الدنمرك (حيث يقيم الكاتب حقيقة هذه الأيام) كانت الحاجة تصر على أن تموت في وطنها. يمازحها الحفيد  بأنها ستموت في هذه الحدائق الجميلة التي تراها  في بلاد الغربة... لكنها سرعان ما تغضب وتنهره ،  وتؤكد على أنها ستموت في الوطن....

 ويشاء السرد القصصي أن تحصل على شهادة مواطَنَة  ، وبعدها ستسافر إلى الجليل لزيارة الأهل والأرض ،  فتقضي هناك نحبها بين أقربائها ،  ويتحقق حلمها .

وتبقى  ( الخضرا)  هي الجدة التي ظلت عالقة في ذهن الراوي وفي أكثر من قصة، فحتى في حواره مع صديقه المقاوم:

* " - ألم تسرد لك جدتك الخضراء حكاية؟..........

- ما حدث لنا من تشريد وعذاب لا يحتاج إلى قصة.

أما عن جدتي فلأحزانها ودروبها حكايات كثيرة..."

وعندما انشغلت العائلة على صحة الحفيد حضرت الخضرا- " بحبها وأدعيتها ومباخرها وبعض شتائمها الذهبية...." ص 151

ولعل هذا الاستشهاد الأخير يدل على أهمية الجدة من طاقة  السرد لدى الكاتب، وكذلك على هذه اللغة الشعرية التي أضفاها على القص ، ونلاحظ مع ذلك وفي ذلك هذه الروح الفكاهية المتمثلة " بالشتائم الذهبية " ،  وبنقل الجو القروي الذي كان يستمده من "كهوف الذاكرة"  التي تتواصل مع  تلك البرتقالة - الرمز التي يراها في فلسطين ويراها فيها .