إبـحار في الذاكـرة .. عن دراسة لنظير شمالي
 

 

من الدراسات الفلسطينية التي أراها إبحارًا حقيقيًا في عباب الذاكرة الوطنية، دراسة الكاتب نظير أحمد شمالي عن " شواهد ناطقة في صمت القبور ". وهي دراسة تتوقف على ثلاثة مقابر في عكا ( مقبرة النبي صالح علية السلام، الشيخ مبارك أو الشرقية، ومقبرة المسيحيين )، قرأ الباحث فيها الخطوط ، وتقرى الزخرفة، واستقرأ النقش ..

(مجلة الأسوار لصاحبها يعقوب حجازي، العدد 17/1997 ص 245-3.9)

والدراسة هامة أولا لأنها تتناول مبحثًا لا يجتذب إلا نادرًا في تاريخنا وتراثنا الفلسطيني، وثانيًا لأن الكاتب كان دقيقـًا في أداء ا لمعلومة أو النص ، وجاءت لغته سليمة صاغها بمعرفه وتأن وتدقيق، وبطباعه متميزة حتى أنني لم أجد خطأ طباعيًا ، وقد شفعت الدراسة بصور توضيحية للقبور مبرزة الحروف والزخرفة ، وكأنها صوره حية - ولا يخفى ما للصور من أهمية في كل دراسة تراثية.

بدأ الكاتب دراسته بأهمية زيارة القبور في التراث الإسلامي ذاكرًا أسماء بعض المغتربين ، ليدل بذلك على صدقية الآية " وما تدري نفس بأي أرض تموت ... " . ثم تناول الباحث مسائل فقهية كرفع القبور وبنائها وتجصيصها والكتابة عليها، وخلص إلى القول - إن الحنفية كانت تكره تحريمًا الكتابة على القبر ، إلا إذا خيف ذهاب أثره فلا يكره . وقال ابن حزم لو نقش اسمه في حجر لم نكرّه ذلك.

تطرق الكاتب إلى ملامح حضارية في الوثائق الحجرية باعتبارها مرآة تعكس بعض صور الحقب التاريخية ومناخاتها ، ورأى فيها جزءًا متممًا لتاريخ لم يكتبه التاريخ، وذهب إلى أن ثمة حاجة ماسة لدراسة ما يلي :

أ‌- الملامح الفنية (الخط ، الزخرفة، طرائق وأساليب البناء...)

ب‌- الملامح التاريخية والاجتماعية والاقتصادية (الأحداث، الوظائف، الحرف والمجموعات السكانية)

ج- الملامح الثقافية والأدبية (اللغة، الشعر ، الفكر، الفكر...) "

وقد أكبرت الكاتب وهو يحاول أن يحصر أسماء الأسَر العكية- مسلمة ومسيحية- التي طوتها دفاتر الأيام ، فرتبها همزبائيًا، وشكلها ، مما يدل على حرص وجدية معًا .

كما أكبرت هذا الجهد في التدقيق في حساب الجمّل الذي بنيت علية التواريخ الشعرية ، فأجرى ذلك على كل ضريح.

توقف الباحث كذلك على هؤلاء الشعراء المغيبين أصحاب الأبيات الشعرية كناصر عيسى الرامي (1887- 1965)، ووعدنا أن يتقصى معرفة هؤلاء الشعراء. كما توقف على خطاطين قدموا لوحات إبداعية فنية هي - في رأيه- معرض يطرح العديد من النماذج الخطية " حتى نستطيع أن نعتبر بعضها تحفًـا فنية في جودتها وإتقانها ".

أما التوريق الزخرفي فقد عمد الكاتب إلى شرح سبب الاهتمام بالنخيل ثم بالسرو في التكوينات الزخرفية ؛ ولاحظ الباحث كذلك أن الطرابيش الحجرية كانت تتوج رؤوس شواهد القبور لعلية القوم ، بينما كانت العمائم الحجرية تتوج شواهد قبور علماء الدين.

ولا ينسى الباحث أن يلحق بدراسته بعض الوثائق الهامة - كرسالة صفية ابنة الشيخ اسعد الشقيري، حيث تطالب فيها السلطات الإسرائيلية بالكف عن هدم قبر والدها وقبور ذويها ، تقول فيها :

"إن للموت جلالا ورهبة وللموتى وذكرى" .

بذل الباحث جهدًا وهو ينقل أبيات الشواهد بدقة، وهو يبدي ملاحظاته وتصويباته ، وهو يهتم ويحاول أن يأخذ الشيء من مصدره ، فاقرأ معي مثلا من اعتنائه العلمي :

" سمعت اسم مقبرة الشيخ مبارك فقط من السيدة جميلة درويش - أم نبيل (دلال سابقا) وهي من مواليد عكا 1919، التي أكدت لي أنها سمعت هذا الاسم مرارًا من والدتها وجدتها... كما يدرج ملف هذه المقبرة في مكتبة لجنة الأمناء في جامع الأنوار (الجزّار) في عكا".

ولولا أن الكاتب عمد إلى الحشو أحيانًـا كإضافة خطبة قس بن ساعدة - للدلالة على حتمية الموت ليس إلا، ولولا أنه لم يتطرق إلى رفع القبور والكتابة عليها لدى المسيحيين (ما دام يتحدث عن مقبرة لهم كذلك) ، لجاءت الدراسة متماسكة متسقة بالإضافة إلى أصالتها وضرورتها.

لقد أحسن نظير صنعًا وهو يخوض في بحر لا يحسن إلا القليل الأقل أن يعوم فيه، وما له فيه من نظير.