صور من الطفولـــــة
1

صور من الطفولــة              صور من الطفولة                 صور من الطفولة

 

لم تكن تعرف أو تتقن الألعاب التي يلعب بها لِداتك، وإن جرؤت ولعبت أثَرت سخريتهم، وإن حدث وإن غَلبت أنزلوا بك العقاب، فما أسهل أن تصل صفعة إلى خدك دون أن ينتصر لك أحد.... كنت ضعيف البنية، رقيقا طريًا، لذا فلا مناص من اللجوء إلى الكِتاب... أو إلى الصلاة لتجد ملاذك.... إلى الكتاب لتحاوره ويحاورك دون أن يمد يده عليك ، وإلى الصلاة لتهرب من مجتمع كان أكثره يبحث عن طفل غض الإهاب ليفعل فيه الأفاعيل .

وكان أبوك يجلس إلى آلة الخياطة يقرأ صحيفته، أو يحادث جلساءه- وهم كثر- يقص عليهم أو يستمع إلى قصصهم..... بينما أمك تروح وتغدو في ساحة الدار ، فإذا لم تجد أحدًا  تحاد ّه رفعت عقيرتها بالشكوى والتذمر. وكنت بين أخوات - الكبرى منهن تطالبك بأن تكون رجلاً فتلعب البنانير، وألا تهاب أحدًا، والصغرى تتحداك بأنها  تحفظ جدول الضرب أفضل مما تحفظه أنت ....

قال لك أبوك وهو يمسك بيدك يوم 21/5/1949 وكنت تقف وإياه تراقب دخول اليهود الأوائل إلى بلدك - هؤلاء الذين كنت تتخيلهم دائمًا بأنهم شقر وعيونهم زرقاء:                         "سوف ينتصر العرب بعد سبعة أيام، وسيتراجع هؤلاء الأغراب" ولما مضت الأيام السبعة قال :         " إنها سبعة أشهر" ........ولما مضت الأشهر السبعة قال  : " إنها سبع سنين"..... وظل مصرًا حتى رمقه الأخير، وهو يقول "سبع..."  .

وكان أبوك قد أصر على أن تدخل الصف الأول بعمر أقل من سبع سنين- كما كان  الحال والمتبع  آنذاك- وذلك لكي تنهي دراستك مبكرًا، وستكسب سنة اقتصادية في عمرك- هكذا أوحى لك-لكن نتائجك في الصف الأول خيبت أمله، فترتيبك كان الثاني والأربعين ....فكنت  " أشطر " من اثنين فقط ، وسرعان ما حدث انقلاب معاكس  في الصف الثاني، فإذا بك في الترتيب الثاني .

كنت في تراوح بين النقيض والنقيض. تارة تؤمن ولا "تقطع فرضًا"   تصلي في زاوية الدراويش القريبة من سكناك ، بل تؤذن من على مسجد القرية القديم، وكان يهمك ساعتها أن تسرّح نظرك على المنازل التي بدت كلها تحت مرمى النظر، فأنت في عليائك تؤذن: الله أكبر ، الله أكبر. بل بلغ بك الأمر إلى أن تؤم المصلين القلائل، وقد طلبوا ذلك منك بعد أن غاب القائمون على ذلك (أو غابت الخيول...) لانشغالهم في مزارعهم- في شك أوراق الدخان، حيث كان ذلك الشغل الشاغل لمعظم السكان  .

ومن جهة أخرى، بدأت بذور الشك في ذهنك تكثر من التساؤل عن طبيعة الخلق والخالق ، وما كنت لتجرؤ على ذلك، لولا أن ترددت على الكيبوتسات لتعمل فيها، وهناك سمعت من يقول بالأرض والإنسان.

***

تشهد أنك كنت والعائلة حول مائدة الإفطار التي كان لها أهمية خاصة، وكنت تحرص عليها تنتظرها دقيقة بدقيقة، وبعد أن ضرب مدفع الإفطار ، ووصلت بضع لقيمات إلى الأفواه ، فإذا بطائرة أخذت تقصف، فذُعرت أنت وأهلك، وتركتم المائدة ....وألفيت نفسك في ضيافة وأخوال أمك في النزلة الشرقية  ( شرقي بلدك... وهي طلعة عالية  )  ، وقضيت أسابيع هناك حتى تنفرج الحال، فإذا بطائرة تحلق فوق النزلة هذه المرة، وإذا بك تنام في ملجأ رطب عميق أنت والعشرات. وبقيت في ذهنك ذكريات عن ألعاب الطفولة، وعن تلك الصغيرة التي كانت تحنو عليك، وما نسيتها فاطمة ........

وعدتم إلى باقة- إلى القرية التي لم يُهدم منها سوى "طابون" إثر ذلك القصف الذي سبب الهجيج.ومن الطريف أن طائرة أخرى (وقد تكون هي نفسها) عادت بعد بضعة أيام لتقوم بنفس التجربة، لكنك لاحظت العم علي العبد الله وغيره وهم يحاولون أن يتحدوها، كل ببارودته، وكنت مع الأولاد تردد بجد هذه المرة: " طيارة حرامية تحت السيف مرمية".......

*   *   *   *   *

 أكثر من منزل أقامت به   عائلتك إلى أن بنى والدك بيته الجديد ....بعد أن باع حصته من الأرض  اضطرارًا  . وكنت ترقب البناء وهو يُبنى مدماكًا فوق الآخر  ، فتُناول البناء الطين تارة ، أو المسامير طورًا  ...وأين أقيم البيت ؟

أقيم على نفس المكان الذي صُرع فيه الضابط العميل أبو عثمان قبل بضع سنين من الشروع في البناء  .وفي أيام سكناك الأولى كنت مذعورًا ترتجف كالقصبة ، فالمنزل قريب من حركة المسلحين والجيش . وكنت تسمع أصوات التهديد والعيارات النارية كأنها تُطلق من منزلك  ، فلا تفيق كل صباح إلا والفراش مندّى .

وأنت لا تدري وحتى اليوم لا تدري ما علاقة والدك بالثوار ... ولماذا  كانت الطاولة الطويلة قرب آلة الخياطة مكدسة بالأسلحة ، وقد غُطيت ببطانية . كنت تحرص على كتمان الأمر بناء على طلب والدك وإلحاحه ، وكنت تقرأ الخوف في عينيه .

ولا زلت تذكر كيف كان أبوك يلعب بآلة منها ، ولعله كان ينظفها ، وكنت تجلس على عتبة البيت تأكل بطيخًا ، فإذا بعشرات الطلقات من حولك ومن فوقك . ونجوت كما قالوا " بأعجوبةالأعاجيب  . ولم يكن يهمك من الأمر إلا أغلفة الطلقات الفارغة تسابق لتجمعها ولتباهي بها ،

فتركت الحشد الذي أتى ليطمئن عليك أو ليستطلع حقيقة ما جرى لتستأثر بالعيارات الفارغة .

ولم ينجح الموت ثانية معك ، وذلك عندما دعستك الدراجة التي كان يقودها أحد أبناء  بلدك ، وكان يسابق راكبًا آخر  .... فأوقعك ، وسلخ جلدة رأسك مرة واحدة ... حتى أعادها مكانها أديب الخرطبيل طبيب طولكرم المشهور . وبقيت ردَحًا طويلاً تتردد على المستشفيات ، آنًا  تركب حمارًا ، وطورًا تركب سيارة  تبعًا لحالتك الصحية  ....وكم كنت في السيارة تأخذ في التعجب لأن الأشجار تتحرك على جانبي الطريق ....

ويلتقي بك صاحب الدراجة  أكثر من مرة ، ولا ينسى أن يداعبك  ، ويقول - " إنه عدَّل رأسك ..!! "

ثم انقلبت بك وبمرافقيك سيارة أخرى ( ولم يكن ببلدك أيامها إلا سيارات ثلاث، فخرجت سالمًا ، بينما جُرح معظم الركاب .

*      *    *     *

 

وما زلت تذكر سفراتك مع أبيك  ، إلى نابلس حيث أصررت ببكاء وحرقة على أن يشتري لك سيارة ألعاب ، فأبى وأبى .... وكذلك إلى عين غزال بلد جدتك عائشة أم أبيك  ، حيث تعرفت هناك إلى دار الشيخ شاكر الذين أحببتهم ، وما زلت تذكر هناك العين والبئر والدار ، وماذا كنت أكلت ، وكيف كانت الطريق متعرجة إليها .

وكيف تنسى عين غزال وأهاليها الذين تقاطروا على بيتكم بعد هجيجهم ، ومن العجيب أن ساحة الدار الضيقة اتسعت للمئات ، فكانوا يتحلقون هنا ويقفون هناك  ، وقد وصفت هذا المشهد فيما بعد يوم أن كتبت قصيدتك - حبي فلسطيني ، فقلت :

ما زلت أذكرهم في الدار في حلَق

                              هذي تنادي ، وهذا واجم دونـــي

عين الغزال ، وكانت عين مهجتهم

                              فقلت  من بــعد قولاً غيـر ممنون  :

" قد كنت أبكي لأحباب الهوى زمنًا

                              فهل لي الآن من باكٍ فيبكـيـنـي " !

 

*  *  *  *  *

وكان أصحابك من بعض أقربائك قد علموك أن تتاجر بالنحاس وبالبصل ، وطلبوا منك أن تكون حارسًا في أثناء القيام بموبقة ما  ...وأن تكون مدخنًا مدمنًا لسجائر ...تجمعونها أحيانًا وتعيدون صياغتها من ألأعقاب  ، وأحيانًا من ورق اللوز اليابس ....ودخّنْ عليهــا تنجـــلِ ،  و " زينة الشاب سيجارته  "  .

كنت تذهب أحيانًا إلى المدرسة ببنطلون مرقَّع ، وآنًا حافيًا أسوة بالكثيرين ....وما زلت تذكر احتجاجك على خبر نشرته آنذاك صحيفةاليومعن زيارة مدرسة الطيبة لباقة ، وكيف أن أهل باقة قابلوهم بالحفاوة  ...فقلت :  " عال والله ! هذي فضيحة وعليها شهود !!" .

وحفظت جزء عم غيبًا، وكنت تتباهى بحفظك، حتى إذا سألك عمك مصطفى عبد اللطيف عن معنى "عليهم نار مؤصدة" عرفت أن هناك ضرورة لمجالسة من هو أعلم منك، ومن يستطيع أن يهديك، وهكذا كنت تجالسه.... وظل له أثر كبير عليك.

وكنت تقرأ القرآن على ضريح خالك الذي افتقدته، فقد صرعته طلقة مجهولة غادرة. وعشت طفولة حزينة مع أم باكية لا يجف لها دمع، وكم شهدت حلقات الندب والتعديد، وأسمعك الكثيرون معنى أن يكون الظلم.

كما بكيت على شقيقتك الرضيعة (فريدة) التي شاهدت موتها وهي تتساقط أنفسًا " تساقط درّ من نظام بلا عَقد" كما علمك ابن الرومي فيما بعد -، وعرفت معنى الموت في بيتك أنت. فعلمت أن البيت كان قد فقد سابقًا أربعة من إخوتك بسبب مرض أو بسبب "حسد"...(وظل حاصل الجمع في نهاية الحساب خمسة أبناء وسبع بنات).

كان الطعام قليلاً، ولم يعرف الناس منذ أشهر للبُرّ طعمًا ، فكانوا يأكلون خبز الشعير، والكراديش خبز الذرة-. زيتهم الكوكازين، وسكرهم أحمر تحبو به صراصير حمراء صغيرة، فلا تكاد تميز في انهيال السكر بين القطعة والحشرة. وكانت المدرسة تقدم لطلابها حبوب زيت السمك التي يجب أن نتناولها قسرًا ومع تهديد المعلم.

ومضيت تحت إلحاح والدك مع فتية أكبر منك متجهين إلى المستوطنة القريبة لتقايضوهم البيض بالخبز. وكنت في الطريق الجانبية تلاحظ أن الحارس يطاردكم، بل يضرب بالسياط بعض أفراد المجموعة، ومع ذلك تظل الأهازيج على الألسن، ولا زلت تحفظ:

مولاي صل على المصطفى          صلاة تدوم ولا تنقضي

وكانوا يقنعونك أن هذا القول هو تعويذة، ولا يمكن أن يؤذيك أحد.

وفي المستوطنة اعتقلوك لأنك بدون تصريح، وأمروك بأن تمسح المبنى أنت وزملاؤك، فكنت تنقل لهم الماء بالدلاء، وتتعرف إلى الصنبور الذي تقرر أنت قوة دفع الماء فيه.

وفي تردادك لاحظت أن بيوتهم هي أجمل، وأن لديهم الحدائق، وأنهم يشربون الماء البارد من الثلاجة، وأنهم يتحدثون بلغة قريبة المفردات من لغتك، ولذا حفزك الأمر على أن تدرس العبرية قبل أن تتعلمها في المدرسة. وشجعك على ذلك أبوك الذي عمل سابقًا في بيارات الخضيرة، وكان يتقن تركيب الجمل الأساسية التي يضطر لها في عمله، بل كان يدِل  بها على أصحابه، ويكرر "من عرف لغة قوم أمن مكرهم".

كنت مع طلاب صفك تصطفون أمام بناية الحاكم العسكري تحملون أعلام إسرائيل "الفتية" (هكذا وصفوها  لكم) وتنشدون -  " بعيد استقلال بلادي.... غرد الطير الشادي" وتنتظرون "سعادة" الحاكم الذي لا بد له من كلمة ترحيب، يلقيها بعربية لها لكنة غريبة عجيبة ...كنتم تضحكون منها وتكتمون الضحكة.

ولكنك في الصف السادس ترددت على بيت محمد السبع الشاب المرهف المثقف الغاضب الهادئ الذي اختطفته يد المنون مبكرًا بعد أن أعياه الداء. وكان هذا متحدثًا يحسن تنظيم الشبيبة، كريمًا في بيته، فمضى ،  ولم يبق له أي أثر، ولا تدري أين كتاباته التي كان يقرأها عليك، فما من قريب له يحفظ ذكره، وأمسى أثرًا بعد عين.

وتعرفت بسبب "السبع" على الشبيبة العربية الطلائعية، واستمعت إلى محاضرات، وشاركت في ندوات ومخيمات عمل وتنظيمات ضد الحكم العسكري "الجائر"، بل انطلقت في الأمسيات لتخط بخط يدك على الشوارع والجدران: "فليسقط الحكم العسكري".

وعرفت معنى العمل السري، فإذا بك مع بعض أقرانك تؤسسون جماعة "دعاة التقدم" تهاجمون الرجعية المحلية والمحسوبين على الحاكم العسكري، وعلقت بعض الشعارات والمنشورات على الجدران، وقعدت تسترق السمع إلى الأصداء التي كانت تُكبر عملك أنت وجماعتك.

وفي الصف الثامن تعرفت إلى الحزب الشيوعي، وشاركت في خلية كانت تقام في منزل سكرتير الحزب في القرية، وكان يحضرها المعلم نمر مرقس الذي كان شعلة نشاط حزبي وسياسي، وكان يكرر على مسامعك أسماء تختلف عن أسماء الصحابة، ويقتبس جملاً لم تكن أحاديث شريفة أو أبيات شعر.

كان أكثر معلميك من اليهود العراقيين، وذلك بدءًا من صفك الثالث، فكنت تلاحظ هذا الخلط بين الضاد والظاء لدى بعض المعلمين منهم ،  وكنت تقلد اللهجة التي ينطقون بها.

 ففي الصف الأول كان المعلمون من طولكرم ونابلس قد ودعوك. والتحقوا بأهليهم. وقد تعرفت إلى بعضهم - فيما بعد يوم أن جمعتكم سنة سبع وستين .....

 وفي الصف الثاني كانت غرفة صفك قائمة تمامًا على الحدود. وكنت والصغار تسمعون دويّ الرصاص المتواصل، كما تلاحظون حركة تهريب البضائع من وإلى.....

وعلى الحدود كنت تشاهد اللقاءات في الأعياد مع أبناء الشعب الواحد، يجتمعون، ويتذاكرون، ويبكون. وعرفت معنى أن تنقطع عن خالتك التي تزوجت في قلقيلية، وعن أقربائك من عين غزال الذين أصبح عنوانهم كما كنت تقرأ على رسائلهم " شارع وادي الرافدين11 -  بغداد".