تساميـــات لغة الورد بين رونسار وفاروق مواسي

 

قراءة سيكولوجية في نص موسم الأريج للشاعر فاروق مواسي
 

بقلم / سعاد جبر  ( باحثة  وناقدة سيكلوجية ) - الأردن

 

خلدت الذاكرة الفرنسية الشاعر رونسار في أدبياته الرومانسية النازكة في القرون الوسطي ، في ظل لغته الشعرية الملوكية ، وعبقرية مخيلته الفذة ، وقصائدة الحالمة بأكاليل المجد الخضراء التي سطرت دواوينه ، والرومانسية الهادئة التي بلغت قصائده بها مجد الشهرة ومقامات التغني بها في المجتمع الفرنسي آنذاك ، وما زالت في الذاكرة الفرنسية الأدبية حكايا النساء اللاتي أحبهن رونسار في أكاليله الشعرية وهما ماري وهيلين وغيرهما ، وتلك التماهيات الرومانسية هي التي جعلت شعر رونسار على الألسنة ، في ظل قصائده التي سجلت نجواه لحبيبته التي يشبهها بالوردة الجميلة الحالمة ، ولكنه يحذرها أن تذبل وتموت مثل هذه الوردة ، ويحثها على التمتع بالحياة والحب قبل فوات الأوان:

 

يا صغيرتي ، هيا نرى الوردة ..
التي أبانت هذا الصباح ، تحت الشمس رداءها الأحمر
هل أسقطت هذا المساء
طياتً فستانها الأرجواني .
ولونها صنو بشرتك الجميلة ؟
واحسرتاه ! انظري في هذا الوقت القصير .
يا صغيرتي ، قد ألقت الوردة على التراب
واسفاة ! كلَّ جمالها
يا للطبيعة القاسية !

آه لتلك الوردة الجميلة التي لا تعيش .
إلا بين صباحٍ ومساء .
صدقيني إذاً يا صغيرتي ،
أنت في زهرة العمر
وفي خضرته المتجددة
اقطفي شبابك قبل أن يأتي عليه العمر .
كما قضى على الوردة الناضرة .


 

والمتأمل المتدبر في النص يتجلي له صدى فلسفة العصر آنذاك السائدة ، التي توجه الإنسان نحو التمتع بالحياة والتعلق بها ، ويتردد في ظل تلك الأشعار المنطبعة بتلك الفلسفة لغة حتمية الموت وما يعتري تلك اللغة من مشاعر الحزن والكآبة التي تبرز في ذبول وقشعريرة الحروف عند تماس تذكار الموت ومعطياته المؤلمة ، ولكن ليس دوما تبرز مشاعر البغض
والتشاؤم بالموت ، فأحيانا تبرز في أشعار تلك الفترة أن الموت هو الغاية التي يسعى إليها الإنسان في لغة اللقاء بالله
يقول رونسار :

 

هنا يا أيتها الروح ، ستحلقين إلى العلا
وستلتقين بالله
الذي اعشق هنا صورته
ويعتبر الشاعر ذلك السفر المحلق البعيد انه سفر إلى بلا د النور
وأنت تمتلكين أجنحة
تقودك لو أردت ، إلى بلاد النور ؟
هناك الخير الذي تصبو إليه كل نفس
هناك الراحة التي نتوق إليها
هناك الحب والهناء .

 

وفي ظل تلك المقابلة الشعورية بين تألقات رونسار الشعرية ورومانسية موسم الأريج*للشاعر فاروق مواسي؛تبرز مساحات لغة الورد وتجلياته في تلك الواحة الربيعية ؛ التي تجمع بين روح رونسار وهمسات موسم الأريج الدافئة لفاروق مواسي . فهناك لغة إبداعية هادئة في نص موسم الأريج تنساب من خلالها حالة شعورية دافئة في ظل تألقات رومانسية عذبة ، تشكل من خلالها حواراًجميلا بين روح الشاعر وآبهة الجمال في عز تفتح أكمامه الوردية حبا وتساميات رومانسية هادئة :

 

هنا مواسم الأريجْ
تفتحت يا حلوتــي
والصبح رش في الأفق
نورًا وناغى صبوتـــي
الحسن طاف واغتـَـَبـق
ثمالـــةً من مهجتــــي
ولانَ من لون الألق
بما يشفُّ بالندى
في نبضِـــهِ غدقْ

 

ويبرز في النص لغة جميلة وديعة لتألقات الصباح وشفافية الندى، ترتسم من خلالها لغة الاتحاد الشعورية في تساميات متلألئة ندية ،وهنا تحلق الحروف في عوالم هادئة، تبرز من خلالها انعكاسات عوالم الجمال واللذة ،وتعانقات أغصان الربيع ونبض القلب ،حيث تبسط سماءات الكلمات الناعمة أجنحتها في رونق جمالها ،ودفئ مناجاتها العذبة في شفافية التلاقي وعذوبة تساميات الوجدان الهادئ الجميل :

 

هنا مرابع الجمـــالْ
تلوّنـــت في حلوتي
أحسستـــه في قبلتي
شربتــــه في ظمأتــــي
سألته عن لوعتي
يا روعة النواااال !!!

 

فهناك بين رونسار وفاروق مساحات الكلم الهادئ الجميل على بساط تفتحات الورد الندي الجميل ، ورؤية الوجود في ظل أنسام عبيرية منسابة إبداعاً وتألقاً ، هناك نبض واحد في قلب رونسار وفاروق هو عين شمس الورد في تألقات بهو جمالها ورفرفة أجنحتها على قيثارة السطور الناعمة المبدعة .
ولا يسعني في نهاية مطاف مقالتي إلا أن أزجي كل تحايا الإبداع الوردية النازكة المعبقة بالياسمين لمبدعنا الألق  د. فاروق مواسي وكل إبداع وأنت متتاليات إبداع لا تنتهي .

  1. الكاتبة الأستاذة سعاد جبر
    هل يجوز أن نقارن نقديا بين أديب فرنسي من القرون الوسطى وبين أديب عربي فلسطيني معاصر؟
    أحد  الأمرين:
    إما أن يكون الفرنسي سابقا لعصره بقرون
    وإما أن يكون الفلسطيني متأخرا عن عصره !
    ثم ماذا تعنين بالقراءة السيكولوجية؟
    لم أر سيكولوجيا هنا- أم انها مجرد اسم؟

                                                                                 حسام الرحبي

 

رد   سعاد جبر:

تحايا الورد العطر لك أخي حسام الرحبي
الـ
نص بإبداعه روح متألقة في مساحات الفكرة اللامعة والعاطفة الجياشة والتصوير المرهف مهما كانت مساحات الزمان وإسقاطاته عليه ، النص بجوهر تألقاته وعبق تسامياته مهما تنازعته لغة المكان وتفاوتت تماهيات الأنا بكل لغاتها عليه ، وأتوقع أنك تسرعت بالرد ولم تأخذ حق الأناة في القرءاة والتأمل السابر في النص ، فالإبداع ماهية واحدة لاتتنازعها لغة الزمان والمكان وتماهيات الأنا ، لأنه حقيقة خالدة في الروح وتساميات رفضها في الحياة من جهة ولغة عبقريتها وتفردها من جهة اخرى

والمدخل السيكولوجي في النص هو اللغة الشعورية الدائرة في النص وتمثلها الحالة الرومانسية في التعبير الفردي في النص بكل معاني تجلياته وتفرده من جهة ...وعذوبة المشاعر المنسابة فيه من جهة اخرى ، واللغة السيكولوجية رؤية شمولية تبتدئ بلغة الأنا الصامتة والناطقة في النص ومداخلها النفسية التحليلية وتتسع لتمتد نحو اللغة والكاتب ولغة المونولوج الدائرة او الحوار الثنائي في النص وتحاوره مع الطبيعة والروح كيفما كانت  ،  ليمتد نحو بنية الكلمة واختزال السرد وبلاغة الكلمة في ظل رؤية شمولية جامعة ، وليست القراة السيكولوحية كلمة تسرد هباء منثورا ،
والنص الذي بين يديك لو أعطيته أيها القارئ ؛ حق التأمل الفطن ولغة التذوق العالية له لما تبادرت  إليه أسئلتك المتسرعة بالنقد والتعليق ، النص روح ومشاعر ناطقة قبل أن تكون كلمات تسرد سجالا لذات التعليق دون إدراك أبعاد النص وتدبره ، ولكن لامشكلة ،  فتلك ظاهرة عارمة عبر لغة الصحافة والأنترنت والتعليقات السريعة المندفعة ،  وهي ما أسميها " لغة الوجبات السريعة في القراءة لا التدبر السابر في النص "  ، وهذه أزمة الثقافة العربية لأنها غدت قشورًا في كم كلمات لا ثقافة كلمة في روح  و في تساميات إبداع -  تنسك;ب علمًا وبناء منطقيا أكاديميا على النص ، والكلام في هذه الأزمة يطول والإسهاب به يطول ، وردك بحد ذاته أزمة في الثقافة العربية ، تحتاج إلى مطارحات فكرية لحلها ، لأن أمثال ردودك التي لاترى ألا بنصف عين كمّ لاينتهي في عالمنا العربي ، وأمنيتي الحالمة أن تزول تلك الأزمة في عالمنا العربي  ، وتُحترم الثقافة وكتابها ،  وتقدر جهودهم ....وهذا محال جد محال في ظل ثقافة الصمت المكفهرة التي تطبق مآسيها في عالمنا العربي ، ولتصبح ثقافتنا العربية على إبداعات حالمة تقدر فيها الثقافة وسكانها الصامدين يوما ما!!! في أزقة الأزمة وانسحابات الوعي والحضارة بكل ما تعنيه تلك الكلمة من معان وتجليات في كل ما نعي وما لانعي من قضايا الحياة وأدبياتها وكافة أبجديات لغات الحوار فيها .

 

عودة للسابق