حوارات  كانت  معي  

 

  أولاً - حوار مع نفسي  ( مونولوج )

-       لماذا هذا الكتاب ؟

-        لأنه جزء من سيرتي الذاتية ، فقد كتبت كل حوار في ساعات ،  وعن ساعات في عالم الأدب ،  بل أيام وسنين ، خلاصة تجاربي أرويها ، وآرائي أسوقها ...أو ليست وظيفة الأدب هي الكشف ؟

-       نعم ، ولكنك تُبدئ  وتعيد ، ويُكرِّر  أكثر من سؤال هذا المستجوِب   وذاك  ...ألا تخشى من النغمة الواحدة الرتيبة ؟

-         لاحظ أن إجاباتي تتباين حتى لو اشتركت في النتيجة ، ففي كل مرة زيادة أو نقصان ، وتاريخ المقابلة يقول لي أو لك  شيئًا   ، وأرجو الانتباه إلى تطور قد يحدث هنا أو هناك في هذه المسألة أو تلك ....

-       ولكن  ، هل تظن أن هناك من يهتم بهذه التفاصيل ؟

-        يهتم بها  الذي يهتم بالأدب ،  وبحركة أدبنا المحلي ، وبتطور كتابتي  - على المستوى الشخصي .....فإن لم تك هذي فتلك .

-        هل هذه هي كل حوارياتك ومقابلاتك ؟

-         لا ، فأحاديثي الإذاعية وتسجيلاتي التلفزيونية يمكن أن تُجمع في كتاب ضخم ...وقد كانت لي مقابلات صحفية أخرى لم أُثبتها ، إما لأنها ضاعت ، أو لأنني لا أرى في نشرها جدوى .

سؤال ضمن حوار :

هل لك طقوس في الكتابة ؟ هل هناك طقوس كتابة تحدثنا عنها !

يبدو لي أن "الطقوس" كما يسميها الكثيرون أو العادات المنتهجة أو " السلوك الكتابي" - كما أرى - فيها ما يشي بالمضمون، وإذا كان الأسلوب هو الكاتب كما يرى ( بوفون )  فلا بدع إن لاحظنا أن الشكل حتى الخارجي عن النص أو  السابق له ، له علاقة ما بالفحوى أو بصاحبه.

وقد ألف س.ر مارتين كتابه "في تجربة الكتابة" ( ترجمة: تحرير السماوي ) ، فعرّفنا على بعض السلوك الكتابي  لدى المبدعين ، فسيمنون مثلاً يصحو من السادسة صباحًا ويحضر لنفسه القهوة، ويأخذ فنجانه يوميًا" إلى غرفة عمله... الستائر تظل مسدلة ،  فهو يحب العمل تحت المصابيح الكهربائية . سيمنون كان يعمل لمدة ثلاث ساعات يوميًا - أي أنه في التاسعة صباحًا يكون قد أكمل ما يقارب العشرين صفحة دونما استراحة ، وتستمر طباعته كطلقات الرشاش، ويطبع نسختين من كل صفحة خوفًا من أن تضيع إحدى أوراقه... في فترات الاستراحة لا يقوم بأي عمل (ص92).   أما أجاتا كريستي ففي الحمام تأتيها أفضل الأفكار كما قالت،   كانت تجلس في البانيو ساعات طوالاً حتى تجد القصة الملائمة ،  وتضيف:" لا أستطيع وضع التصاميم إلا في الرياح الممطرة، أما إذا أشرقت الشمس فيكون أحب شيء الى نفسي هو الجلوس في الحديقة. وفي الأيام العشرة قبل الأخيرة قبل البدء في الكتابة أحتاج لتركيز محكم. عليّ أن أظل وحدي دون ضيوف ودون تلفون ورسائل (ص 108).

ولم يكن همنغواي يستعمل المكتبة لعمله ،  بل كان يعمل في "البرج الأبيض" المطل على العاصمة هافانا (ص12) - الأمر الذي يذكّرنا  بميخائيل نعيمة و"الشخروب" في أعلى بسكنتا.

والانضباط الصارم وجدناه لدى ألبرتو مورافيا ، فيقول :  " منذ فترة طويلة جداً وأنا أكتب كل صباح بالطريقة نفسها التي أنام فيها وآكل يوميًا. لقد أصبحت الكتابة جزءًا عضويًا في إيقاعي البيولوجي...

ولا بد من الإشارة كذلك إلى مقال كتبه صالح علماني في صحيفة تشرين السورية 2003/05/28 ،  حيث استعرض كتاب " عندما تأتي ربات الإلهام" للمؤلفَين الإسبانيين راؤول كريماديس وأنخل إستبيان. أما الأول فقد كان أستاذاً للأدب الإسباني والأمريكي اللاتيني في جامعات مختلفة ،  وحرر مقالات أدبية ونقدية في صحف كثيرة . وأما الآخر فهو أستاذ الأدب الأمريكي في جامعة غرناطة. وهذا الكتاب يدرس عادات ستة عشرأديبًا في ستة عشر فصلا"، نحو: ألبرتي، نيرودا، بورخيس وأوكتافيو بات وإدواردز...الخ.

فبورخيس -  مثلاً -  كان يغطس في الصباح الباكر في حوض الاستحمام ليستغرق في التأمل ،  وليناقش الحلم الذي حلمه الليلة الفائتة، وليدرس إن كانت فكرة الحلم تنفعه في صياغة  أدبية ما، فإذا اهتدى إلى البداية والنهاية لم تكن لديه صعوبة في استمرار معالجته النص.

يقول علاء طاهر في كتابه الخوف من الكتابة ( ص 60 ) أن فيه  نصوصه نجد المرايا ، التيه ، النمور ، الأنهار المدارية ، مدن غريبة .....  

ومن الجدير أن نذكر أن ماركيز كان يؤمن بأن الأزهار الصفراء  على منضدته تجلب له الحظ، وقد ذكر أنه يستهلك مئات الأوراق حتى يستخلص قصة في اثنتي عشرة صفحة.

أما الحديث عن يوسا وانضباطه ودقته فيذكرنا بنجيب محفوظ الذي كان يمر في وقت محدد في أثناء تجواله في القاهرة ،  فتُضبط الساعة حسب مروره بذات المكان . ولكن المفاجئ في سلوك يوسا الأدبي أنه كان يكتب وأمامه دمى لأفراس النهر.

ولم يعش بروست مع نساء ، بل عاش مع سائقه الخاص الذي كان يصحبه بسيارته إلى تلك الحفلات الليلية التي لا تنتهي ، فبروست كان ينام طيلة النهار ، ثم يخرج ليلاً متوجهًا إلى صالون أرستقراطي تجري فيه حفلات الكوكتيل ، لذا كانت رواية البحث عن زمن ضائع تتصف بمناخ هذه الحياة الغريبة . ( انظر كتاب : علاء طاهر : الخوف من الكتابة ).

وإذا عدنا إلى أدبنا ، و طالعنا في العمدة لابن رشيق فسنجد أنه أفرد للشعراء العرب الضروب التي بها يُستدعى الشعر ،  فكثيّر عزة  كان يطوف في الرياض المعشبة ،   بينما  كان الفرزدق يركب ناقته ،  ويطوف منفردًا في شعاب الجبال وبطون الأودية والأماكن الخربة.  وأما جرير فكان  يشعل سراجه ويعتزل ، وربما علا السطح وغطى رأسه رغبة في الخلوة ، بينما ذو الرمة كان يخلو لتذكر الأحباب

 ( انظر نماذج أخرى في العمدة ج 1 ، ص 180 )

وكنت قد قرأت أن شاعرنا  شوقي كان يكتب في المقاهي وعلى أوراق علبة التبغ ،  وكان يترنم في شعره قبل أن يكتبه ، وذلك في تجواله على شاطئ النيل، وأن نزار قباني كان لا يستخدم إلا الورق الملون في كتابته ، وكان هناك من الشعراء ( عزيز أباظة وسواه  )  يرتدي أبهى ملابسه وأفخمها.... وكأنه سيلاقي عروسه . وقد تعرفت إلى أديب - لا يحب أن أذكر اسمه -  بأنه من  الذين يُعدّون للكتابة عدتها، فيرتب  هذا الطاولة والأقلام والورق، ويحضر  القهوة، ويستمع الى الموسيقى الكلاسية .

       ونحن بالطبع لا نستطيع أن نصل بين خط السلوك وفحوى النص تمامًا، ولكن ذلك يحتاج الى دراسة متأنية  ومسؤولة، والافتراض هو  أن ثمة علاقة ما -  كما أشرت - .

   وسأحاول أن أبيًن ذلك من خلال سلوكي الشخصي (وعذرًا لأنني أذكر نفسي بين عظماء أنا تلميذ لهم، فقد طُلب مني -  أصلاً-  أن أكتب هنا عن سلوكي أو طقوسي الشخصية :

 إن النظام والانضباط والدقة أهم ما أهتم به، والصدق مع النفس  هو العمود الفقري لكتابتي، فإذا ورد وارد القصيدة وكنت سائقًا كتبت بعض أبياتها  وأنا أقود سيارتي، وإن كنت على فراشي ليلاً فإنني أدوّن الوارد والنور مُطفأ ( خشية من تعكير الصفو على العائلة)، وإن أطلّت الفكرة أو الومضة  أو الإشراقة لجأت إلى الهدوء لأتابع ما أحسه ويختلج في مشاعري وفكري.

 لماذا أقول " الصدق " وهو وصف أكثر منه سلوكًا ؟

 السبب -  أنني أحاول أن أتهرب من هذا الخاطر أو الكتابة بسبب كثرة انهماكاتي ،  وحبي للقراءة الذي لا يكاد  يفسح لي مجالاً  ، وبسبب يأس مستور من عدم جدوى الكتابة ،  وبسبب االتساؤل الملح : ومن يقرأ  هذا الكلام  ؟ ولكني لا أجد مناصًا ، فالكتابة ليست ترفًا لدي ،  والصدق يستلزم أن أكون إياي . 

أقرأ بصوت عال كل ما أكتبه، وفي قراءتي يتبين لي إيقاع  الشعر بتلقائية، وألاحظ كيف يرتفع صوتي وينخفض مع وتيرة دمي. بعض قصائدي كانت تأتي إثباتاً لمقولة ووردزوورث  إن الشعر "  فيضان تلقائي " -   spontaneous overflow   ، فتولد القصيدة كاملة دون أن أغير فيها حرفًا - على سبيل المثال: " ند في أضرحة عراقية " التي كتبتها والدمعة ترف على مآقيّ.  أما القصائد التي أقرأها على نفسي بإلقائي المتفاعل فقد أجد فيها كلمة بحاجة الى تغيير، أو أن هناك  معنى جديرًا  بي علي  أن أتوسع فيه أو أختزله ،  فأفعل ذلك أسوة بـ " عبيد الشعر"  الذين اشتهروا في الجاهلية بسلوكهم الكتابي الذي كان يمتحن الجملة الشعرية مرة بعد مرة ، قراءة بعد  أخرى ،  وأمام هذا وذاك (زهير في حولياته، عبيد بن الأبرص، الحطيئة وعدي بن زيد...)

ولعل في هذا إيجابًا -  أيضًا إذ  أن الشاعر لا يعتبر كلماته كمالاً مطلقًا، وقد توصل إلى ذاك لاحقاً العماد الأصفهاني الذي  رأى في التغيير دلالة على "استيلاء النقص على جملة البشر".

أما كيف تولد قصيدتي، فالأمر يتعلق بما شُحنت به ،  أو عبّئت فيه  أشجاني وأحلامي وعاطفتي. تأتيني جنية الشعر ( ولا أقول شيطانه ، ولعل هذه القناعة خاصة بي لم أسمع أن أحدًا سبقني فيها من العرب ، ولا شك أن هناك تأثرًا  من الغرب فهي مستقاة من المـوزا ) فأتبعها بلباسها المغري  الشفاف. هل الصورة أوشكت أن تكون جنسية ؟  إذن فاسمعوا ما أقول:

انحنت لي قليلا

 فبدا تكوّر نهديها 

 فرمقت الزغب الأبيض.

في شهوه

 ومضينا في الـــ    كلام

 وفي الـــ   قصيده

عندما أختم قصيدتي  أحب أن أقرأها أولاً على  رفيقتي (تسمي نفسها"  الأذن الأولى " ) هي تسمع ، وأنا أقرأ وأراقب تعابير وجهها ،ثم أستمع الى تعليقها ،  ولكني مع ذلك ولتعذرني - لا أتقيد به.

أما كتابتي النقدية والبحثية فهي من قبيل القصدية، فأنا معنيّ مثلاً بفكرة أو بنص أو بأديب أحب أن أعرّف به ،  أو مبدأ شعري أو فكري...

أقرأ أولاً ماذا كُتب في موضوعتي ، وأعطي كل ذي حق حقه، فلا أسرق من هذا وأنتحل، أو أنكر على ذاك فضله، فقد جعلت رائدي الصدق-كما قلت - ، وفي ذلك أتصالح مع ضرورة الكتابة في عصر يتنكر للكاتب والكتابة .

أبحث عن متلق يستمع إلي وأشترط فيه (في قرارة نفسي دون الإفصاح عن ذلك ) أن يقدّر جهدي، فلا يتوقف لدى الملاحظة التي لا تروق له ، وينسى أن الأذن تسمن  و " يهوى الثناء مبرز ومقصر " .

شرط كتابتي أن يكون هدوء حولي لأركّز فكرتي ،  وأغوص في أعماقها شعراً ونثراً.

فهل هذا الصدق وهذا الهدوء وهذه الدقة تنعكس في كتابتي؟

 أدع الجواب للمتلقي الذي أرجو  أن يكون موضوعيًا.

                                                                              وجّـه السؤال : كمال الرياحي تونس

                                                          للنشر في مجلة عمان ( الأردن )

 

لقاء أيمن اللبدي لصحيفة الحقائق اللندنية

مع الدكتور فاروق مواسي

1 ـ تقدم في مقدمة موقعك الإليكتروني عن دافعك وعن تقنية تعاملك في أمر الكتابة دليلا نوعيًا ونقتطف للقارئ منها ما يلي :

أكتب لأنني مضطر أن أقدم الثمرات ، وكأنني شجرة قد تكون عذبة شهية، وقد لا تكون ، ولكني أحس أن هناك من يسعد بها ، أعيد تركيب الأشياء والعناصر كطفل ،وأتجشم مسؤوليتها كرجل ، وأنقد طبيعتها كشيخ ...أكتب حتى لا أموت....

في أي النصوص ترى نفسك أكثر ألفة مع ما قدمت ؟ في النقد ..في السرد ..في القصيدة ؟

- لا بد إلا أن أجد نفسي في النص ـ أي نص وفي أي نوع أدبي ، حيث يكون النص مسكونًا في ذاتي وذاتي مسكونة في النص أولا أو قبلا ، وذلك من خلال نسيج لحمته ( أو مضمونه ) الصدق وسَـداه ( أو مبناه ) اللغة . واللغة هي عشقي أعلّمها وأتعلمها ، وهي التي تشف عن كوامن حبي لمجتمعي ، فتنطلق أداء موظفًا آنًا ، وجماليًا يطوف في فضاءات شتى آنًا آخر . المهم ألا أنطق عن ثرثرة ، بل في هوًى أستحبه ، وأدعو لأن يحبه سواي ، ويسعدني أن أجد لي رفقة درب .

س2- فاروق مواسي ، اسم له دلالة ثقافية مميزة وإنجاز أكبر من أربع وعشرين حجّة حتى الآن ـ أطال الله عمرك ـ ما الذي تحقّق في أولويات الإنجاز عندك ؟ و ما الذي تبقى ؟ وكيف تراه متبرعمًا في بعد الزمن القادم ؟

-عذرًا عزيزي أيمن ـ لم أفهم معنى أربع وعشرين حجة ، فقد بدأت الكتابة منذ عام واحد وسبعين ولي نحو أربعين إصدارًا ، أما الرقم أربع وعشرون فلا يعني إلا مجموع كتبي النقدية ( 12 ) والدواوين ( 12 ) ويمكنك تحوير السؤال ) - تحققت لديّ ـ في تصوري- قصيدة الصدق الرهيفة المنبجسة من معين عميق يشف عن ألم وأمل، يتعانقان في غمرة الشوق ـ وبريقه في عيني - ، يلوّحان في دلالات ثلاث: ذاتية ووطنية وشمولية. _ ما وسعتني الطاقة أو الحيلة _ ماذا تبقى من كتابتي أو ماذا يتبقى ؟

لأترك غيري يقول ما يراه فيّ إن كان قد قرأني .

ثمة الكثير الكثير من الموضوعات واللقطات مما يدعوني لأن أدلي بدلوي، أرأيت الآلاف المؤلفة من الكتب؟ فما أكثر ما تدعوك منها لأن تقرأها ، ولا تملك لمتعتها وقتًا؟ وعلى غرار الكتاب، كل شيء جميل يدعوك ، ولا ... لا يمكنك أن تستأثر به كله. فطاعة النص / كل طاعة مستحبة هي قدر الاستطاعة ، وتتمثل هذه الطاعة بالتماثل معها كتابة أو قراءة أو موقفًا نقديًا. آنـًا أقول- وخاصة بعد اطلاعي على القمم الشامخة في الأدب الغربي ، وعلى نماذج عظيمة من تراثنا :

وماذا أضفت يا فاروق في هذا الخضّم؟ هل أقول أشعر بالصفرية؟ والله يحدث الاعتراف كثيرًا وأنا أخاطب بعض العمالقة في مكتبتي .

وآنـًا أتصفح ما كتبت وما عملت وما استغللت فيه من وقتي جيّدا، أقول لم أكن فاروقـًا واحدًا!

وبين هذا وذاك تتبرعم الرؤى الإنسانية التي قد تجد لها من يرافقها أو من يضرب عنها صفحـًا !

س - 3 باعتبارك أحد القامات الأدبية العريقة التي رفدت الحركة الثقافية الفلسطينية ما وراء خطهم الأخضر وخطنا الفلسطيني الأحمر ، ماذا يوجد هناك من جديد ؟ هل ترى تبلورًا لتميّز من نوع ما ؟ وفي أي مجال ؟

لا أؤكد أن هناك ما يميّز أدبنا في الداخل في هذه الآونة ، فالحالة أشبه بخواء أدبي، اللهم إلا بعض الكتابات هنا وهناك هي وَمضات لا تدل على اتجاه. ولكن ، من جهة أخرى - فثمة مشاركات لكتابنا في المدارس والمؤسسات التعليمية ، يقرءون عليهم ، ويناقشون الطلاب ، وهذه ظاهرة إيجابية للغاية ـ فيها التواصل مع الأدباء واحترام عطائهم ، وفيها مثار اهتمام وطني ضروري وملح ، خاصة وأن كتابتنا عادة تعبر عن قضايانا وإنسانيتنا ، رغم أن هناك من يدعو إلى سلخ أدبنا عن قضيته ، وألا يعانق همومنا حتى يظل في دوائر التهويم ، أو ـ في أحسن التصور - يبحث عن العمق الذي لا يسبره إلا نفر قليل .

في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات نشأ لدينا مسرح شعري جديد لم يواكبه سميح القاسم مثلاً بعد أن أبدعه. ونشأ تيار الكنعانية ( ولي بعض التحفظ من مسألة أولية الحق التاريخي فيها وكأن هناك أحدًا سيقضي بين خصمين ) ، وهذا التيار أبدع فيه أحمد حسين ، وأظن أنه نسيج وحده في منطلقاته ومؤدياته .

وكانت مجلة (الجديد) حتى أوائل التسعينيات - تبعت روحـًا أدبية متميّزة. ولها كتابها الذين رسخوا ثقافة إنسانية وإبداعية ، وكانت الوسائل الفنية المستجدة في النصوص على أنواعها وتبايناتها دليل التواصل مع الثقافة العربية والغربية، بل كانت هناك مراوحات مع الثقافة العبرية التقدمية ... فتوقفت هذه المجلة، وأصبحت ذكرى ، وموئلا للباحثين _ إن وُجدت _ .

كما لم تحافظ مجلة أخرى هي (الشرق) التي يحررها د . محمود عباسي على المستوى الرفيع الذي انطلقت منه.

وبعد، فالانحسار اليوم هو بادٍ شعرًا ونثرًا ، وتقدير النقاد الجادين أو العارفين بيننا وذوي الأهلية يكاد يكون منعدمًا في أجواء الصحافة الاستهلاكية والمادية والأثرة والحسد وعدم القراءة والبحث عن القشور.وما دمنا لا نعطي كل ذي حق حقه على المستوى الإبداعي فثمة مشكلة !

إذا أصررت على سؤالك عن تميّز في نوع ما لدينا، فبإمكاني أن أشير إلى الاتجاهات النقدية الأكاديمية التي هي جدّية أكثر من سواها- قياسًا بما أقرأه في الجامعات الفلسطينية المختلفة-. ولعل السبب يعود إلى استخدام أكثر من لغة في متابعات الأبحاث الجادّة.

ولكن هذه الدراسات والأبحاث ـ مع ذلك- لا ترقى إلى مستويات مجلات الدراسات اللغوية والأدبية التي تصدر في جامعات المغرب العربي.

ويبقى التميز لدينا في كتابة النص الملتزم ـ بكل دلالات ذلك ، أقول ذلك بعد اطلاعي على ما يصدر في العالم العربي بكل تيارات الأدب الواعية واللا واعية .

س4- ما الفارق بين أن تكون أديبًا أكاديميًا أو أ ن تكون أديبًا صحفيًا ؟ وأنت جمعت من التجربتين معًا ؟

سميت منهجي النقدي (الوسطي) ، إذ آخذ من الأكاديمية الدقة في الاستشهاد، والتصدي للانتحال، وأتحمل المسؤولية في توصيل الرسالة التي أكتب من أجلها، فالكتابة لا تنطلق من عدم، بل من منظور يبررها أو يبرر لها؟

ويأخذ النقد لدي الناحية الشخصية الذوقية وعنصر المشاركة ، وهذان - ولا شك - يتواصلان مع الاتجاه الصّحافي اليومي. فمن قال إن النقد الصّحافي هو سلبي عمومــًا ؟ ألم يكن نقد العقاد والمازني وشكري والرافعي وطه حسين ومارون عبود صحافيـًا؟

بل أرى اليوم ضرورة أن تكثر هذه الكتابات في الصحافة لترقية الذوق لدى بعض القراء الذين لا يعرفون المطبوعة إلا الصحافة. ( لاحظ أن التعبير " نقد صحفي " يكاد يكون شتيمة ، ولكن يمكن أن نهذب العبارة بقولنا " النقد في الصحافة " أو " النقد الصحافي " ، ويبدو أن المسكوكات اللغوية تفعل فعلها .

س5- في الداخل الفلسطيني نهضت مطبوعات ثقافية جديدة وأفل بعض منها واستمر البعض الآخر ، ترى كيف تقوّم التجارب الورقية الثقافية عبر الدوريات والصحف ؟ ماذا أنجزت وفيم قصّرت ؟

منها الصالح ومنها الطالح ، ومنها ما هو دون ذلك! المؤسف أن مجلة ( الجديد) توقفت .

هذه المجلة التي خرّجت أدباء " المقاومة" ـ حسب تعبير غسان كنفاني ، أو " المعارضة"-حسب تعبير غالي شكري- أو الاحتجاج- حسب تعبير أدونيس-.والمصطلحات الثلاثة قيها تحريك للراكد واختلاف عن السائد .

وقد كنت - في أعداد الجديد الأخيرة - من هيئة تحريرها، ومن أمتع ما قمت به أنني دوّنت المناظرات النقدية التي كانت تجريها المجلة للتداول حول قصة واحدة أو قصيدة - على غرار ما فعلناه مع قصيدة

" الهدهد" لمحمود درويش أو " قريتي" لعبد الحكيم قاسم. وأذكر في هذا السياق أن الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي كان قد قرأ مادة "الهدهد" لينشرها في مجلة إبداع، فامتدحها لي كثيرًا، وأكد على أنه سينشرها، وهيهات.

أما السؤال عن بدايات مجلات وانتهائها فهذا أمر مألوف ومعروف. لكني أضيف أنني رأست تحرير مجلة " مشاوير " التي أصدرتها رابطة الكتاب العرب في أواخر السبعينيات ، وقد توقفت بعد سنتين ، وكان ذلك مجرد نشاط عابر لا أظن أنه ترك أثرًا جديًا .

أما السؤال - بماذا قصّرت المطبوعات عامة ؟

إن أيًا منها لم تؤلف جماعة كجماعة (شعر) أو جماعة (إضاءات) أو (أصوات)،..... استثني من ذلك

عندنا " مشارف " التي أسسها إميل حبيبي ، فحصلت على دعم مزدوج من السلطة الفلسطينية ومن وزارة الثقافة الإسرائيلية ، وما لبثت مساعدته سهام داود أن واصلت إصدار المجلة ، وأنا أحس أن للمجلة مريدين هم في حلقة تحرص المحررة على أن يكونوا معًا ، ويذودون عن كتابة بعضهم البعض ، مع أنهم يكتبون أشتاتًا ، وبلا رؤية أو منظور مشترك ، أو على الأقل من قواعد ثقافية متباينة ، فمنهم من لا يحسن قراءة جملتين ويفهم مقروءهما ، ومنهم من أنهى الدراسة الأكاديمية الجادة

س6- أنتم من الذين استجابوا مبكّرًا لتحدي المعلوماتية ونشط عبر موقعه الخاص وعدد من المواقع الأخرى ، كيف تنظرون إلى هذه التجربة في تحقيق منجز مميز عدا تحقق التواصل الإنساني الثقافي العابر للحدود العاجزة الآن أمامه ؟

أسعد جدًا بهذا التواصل من خلال موقعي الذي تجاوز رواده السبعة آلاف - حسب الإحصاء المثبت في الموقع - ، ومن خلال المواقع التي أكتب لها. حيث ً أتعرّف أولا ً إلى أدباء وكتابات أدبية لم تكن أحلم بالاتصال بهم أو بها .

وثانيًا يعرفني العالم العربي بعد أن أدار لنا ظهره ، لأنه اكتفى بالثلاثي (درويش ،القاسم، زياد) ، ولم يعد يستوعب أن هناك أصواتًا أخرى . فهذه التجربة على الشبكة عرفتني أن هناك قراء لهم أذواقهم ومشاربهم ، وأن هناك من يفرح بنا،ونفرح به ، وليس أدل على ذلك من تعرفي إليك يا أيمن وإلى ناصر ثابت ، وأنتما من طولكرم ( بلدياتي ) التي لا يستغرق الوصول إليها بالسيارة أكثر من عشر دقائق . وهكذا أجد نفسي في المواقع السورية التي حرمنا من دخولها بغيًا واستكبارًا ، وأخذت مقالاتي وقصائدي تظهر في عشرات المواقع بعد أن كان الحرمان والحظر والتعالي على هويتنا الخاصة بعض ما يعكر علينا الصفو والاعتزاز بلغتنا ووجودنا .

تغمرني سعادة حقيقية وأنا أتصفح عشرات المواقع ، وإذ أبحث عن مادة فأجدها ، أو أقوم بجولة في عالم الحروف فتتراقص لي أبهى وأزهى، بل أذهب إلى أن قراءتي في الكتاب أو في الشبكة لا تختلفان وهما يتقاسمان الوقت ليتنازعا في سبل إمتاعي وإقناعي .

س7- انتقالا عبر عقد التسعينيات، كيف تقيمون التواصل الذي انفتح على جانبي الخط وفي الوطن العربي مع التجربة الفلسطينية والحركة الثقافية الفلسطينية ؟ ما الذي لم تروه بعد مما كنتم تتوقعونه ؟ وما الذي تطمئنون لإعلان ولادته ؟

الانفتاح المستجد هو على واقع الثقافة الفلسطينية في الضفة والقطاع بعد أوسلو، إذ في الفترة قبل ذلك كان الكتّاب الفلسطينيون ينشرون في صحافتنا "الجديد"، "الشرق"، "الإتحاد" كما كنا ننشر نحن ـ كتاب الجليل والمثلث - في "الفجر" و"البيادر". وكانت اللقاءات الثقافية متواصلة، وكنا كأننا الشجرة الواحدة لها غصون مختلفة.

أما بعد ذلك وبعد أن تسنّم بعض الأدباء، الذين وفدوا من الشتات، مواقع أدبية مقررة ، أخذنا نلاحظ نوعًا من الترفع عن النشر لنا، أو على الأقل لا نكاد نستمع إلى التوجه لنا من صحيفة معينة أن نزودها بمواد، وإذ طلبوا فهو من باب رفع العتب ، ومن بعض الأسماء التي " يتوسمون " فيها إحداث الثورة الأدبية .. هناك اليوم شبه انقطاع بيننا وبين أهلنا لم يكن لنا به عهد. كنت أتوقع علاقات وثيقة واتحاد كتاب فلسطيني لنا فيه مندوبون أو ممثلون على الأقل في اللجنة التنفيذية، وكنت أتوقع استمرار المهرجانات الثقافية في بير زيت ـ مثلا - وفي الندوات الشعرية ، ودعوتنا بشكل فعّال أكثر، وكنت أتوقع استمرار جائزة فلسطين ، وأن تكون أيضًا من حظ الأهل في الجليل والمثلث، وتوزيعها دون أن يقرر توزيعها مقرر واحد وأوحد ، هو صاحب الحول والطول ..

س8-    ماذا رأيتم من أصداء للأدب الفلسطيني عند الآخر المحتل ؟ هل يقرأ الجلاد الضحية؟

يهتم الإسرائيليون بكل ما ينشر، ولهم معاهد أبحاث، ومتابعات وأرشيفات، ويراقبون كل كلمة ويستمعون إلى كل صوت. وأنا لا أغالي في ذلك، فهم جدّيون في دراسة القضايا أكثر منا. هم يقرءون صرخات الضحية وتحديها ، ويعرفون مدى تأثير الكلمة، ومتى؟ وأين؟ وإلا فما الذي دعاهم إلى أن يغتاظوا لقصيدة لي عن اعتقال الشيخ رائد صلاح....؟ وقد عبّروا عن ذلك في وسائل مختلفة أعرف تفاصيلها. ولماذا يصادرون كتبًا لشفيق حبيب .. مثلاً - علمًا بأنه أصدر كتبًا أكثر ، وفيها موقف وطني لا يقل عما في هذا الكتاب المصادَر.

لا أنكر أن بين الإسرائيليين من هم في صفوف اليسار الذين يسمعون أصواتنا، بل منهم من يكتب معبّرًا عن رفضه لهذا الواقع. وحتى لو كان العدد من بينهم قليلاً، فنحن نشجع هذه الأصوات، ونترجم لها، ونعرّفها في مدارسنا وندعو إلى تضافر الجهود معها.

س9- بعض النقاد دفع عن تهمة أزمة النقد ، وأعاد الكرة إلى ملعب الشعراء أنفسهم في مقالات ظهرت مؤخرًا في الصحف ، بصراحة ووضوح ما رأيكم في مسألة أزمة النقد ؟ هل هي قائمة فعلا ؟

ليست هناك أزمة في نظري، فالكتابة النقدية انتقائية، ولما أن كان عدد النقاد أقل -وهذا هو الطبيعي- فلا يمكن أن يكتب الناقد عن كل أديب أو عن كل ظاهرة أدبية. فالأمر يتعلق برغبته في أن يطرح رؤية أو فكرة، أو أن يقدم نصًا راق له، أو يود أن يعالجه بكل تجلياته كما هو...

النقد يحتاج إلى وقت للدراسة ومراجعة المصادر، وهذا الوقت كان يجب أن يعوَّض عنه ماليًا أو مكانة رفيعة في الصحيفة ـ على الأقل من حيث الإخراج والمونتاج - ، وذلك مما يحفز على العودة إلى الكتابة.

وإذا أردت أن أُجمل : هناك كتابات متواصلة لأكثر الذين يكتبون النقد. والسؤال الذي يجب أن يُسأل: لماذا توقف هذا الناقد أو ذاك عن عطائه ؟ وهذه مسألة فيها نظر !

س10- البعض يرى أن قصيدة النثر أصبحت علة وعالة على الأدب العربي ونقل عن محمود درويش استنجاده بالناقد السعودي عبد الله الغذامي من مليشيات قصيدة النثر ، ما رأيكم في هذا كـله ؟

- محمود درويش أول متهم بتسويق هذه الكتابة النثرية الصرفة، فهو ينشرها في "كرمله" ويترفع عن نشر قصيدة فيها أبعاد وطنية شفافة ، لا لسبب إلا أنه يُعبِّر عنها في قصيدة التفعيلة (ولا تسل عن التقليدية من حيث الشكل). إنه يروّج لأسماء معينة، وكأنها هي الشعر والشاعرية.

أما موقفي أنا من قصيدة النثر فهو ليس موقف المعارض، فالماغوط في رأيي من أعظم الشعراء. وثمة قصائد جميلة لطه محمد علي ولأنطون شماس ( حين كان يكتب ) ولأديب كمال الدين ولحسن النواب ولفرج بيرقدار ولفرج العشة ولآخرين كثيرين ، لا أملك إلا أن أحبهم .

المهم : أعطني القصيدة الجميلة الشفافة الرائعة لا المستعلية علي هي وصاحبها . أقول ( استعلاء )، لأن أصحاب مجلاتهم يستنكفون عن النشر لي ـ مثلاً - باسم المستوى الرفيع الذي ينشدونه - ويا سبحان الله - ! ولن أذكر من هم حتى لا أترك لهم أو عليهم فسحة ومساءلة .

س11- الأسماء الشعرية الفلسطينية مؤخرًا شكّلت قائمة جديدة في داخل الخط الأخضر وخارجه ، بينما ليست هناك أسماء روائية جديدة وخاصة نسائية ، لماذا ؟

صحيح أن هناك أسماء شعرية جديدة في قائمة أدبائنا ، ولكن الأعمال النثرية عادة تحتاج إلى رويّة وتدبر ودراسة متواصلة وعمق أكثر، فالمسألة ليست مجرد خطرة أو ومضة .. كما في الشعر - بل هي بناء محكم ونسج مدروس. وأنا لم أقتنع أن لدينا رواية ذات مستوى رفيع، فحتى إميل حبيبي - الذي طبلوا له وزمروا - كتب نصوصًا ولم يكتب رواية.

من الأقلام النسائية التي أتوقع لها العطاء والإبداع دينا سليم، فقد لاحظت قوة السبك / الصياغة لديها ، وهي متواضعة تتقبل النقد بدون غروريات أو ادعاءات .وقد أصدرت لها دار العودة رواية " الحلم المزدوج " ، وأظن أنها بحاجة إلى وقفة متأنية .

س12- في الترجمة لك تجارب كثيرة ، وترجمة الأدب تحديدًا مهمة عسيرة فما هي معاييرك الخاصة التي تضعها أمام هذه المهمة في الاتجاهين من العربية ولها ؟

كم بودي أن يكون المترجم على اطلاع معقول على اللغتين ، وأن يستشير أهل اللغة الأخرى وسابري أغوارها - لدى مجابهته تعبيرًا بحاجة إلى تريث ، وهكذا أفعل ؛ بل سأصدر قريبًا مجموعة مترجمة عن العبرية وسأضع النص في اللغتين ، حتى يكون ذلك نوعًا من الاستغراء / التحدي للتنقيب عن أي مأخذ ، وهذا يدعوني إلى مداورة النص ومحاورته أكثر وأعمق .

ويبدو لي من سؤالك أنك تحس عدم رضاي عما تُرجم من العبرية وإليها ، ويا ليتني أفضي بسريرتي وسري حتى أبين مدى الزيف في ترجمات كثير من نصوصنا التي ترجِمت ، حتى بدا الأمر " كله عند العرب صابون " ، ولكني لن أفعل ذلك ما دام هناك عدم اهتمام بمدى صدقية النص وأمانته في النقل ، وما دام كل شيء بالمجان ، ووقتك وجهدك ورأيك وإخلاصك في موضع تساؤل ، وممن ؟ من أمثال من قال فيهم المتنبي " ضعيف يقاويني قصير يطاول ُ ".

س13- كيف ترى تجربة المواقع الالكترونية الثقافية ؟ وما هو مبعث قلقك حول تجارب من هذا النوع إن وجد ؟!

إن كثيرًا منها يستضيف أقلاما جادّة، ويحررها نخبة من المثقفين المتابعين للحركة الأدبية. وأنا إذ أُحيي القائمين عليها أدعو لأن تغربل المواد أكثر_ تلك المواد التي تصل إليها ، وتنشر المواقع المادة خِلوًا من الأخطاء اللغوية ، وذات صبغة أدبية تروع المتلقي حقًا .

مبعث قلقي أن تضيع هذه المواد، فأنا لا أضمن بقاءها بعد عَقد من السنين مثلاً، فأنّى لي ، أو من يضمن لي أن أجد مادة معينة قد يكون (فيروس) جديد منهجي اقتحم الحاسوب ، وشاء أن يقضي عليها ويُخرجها إلى دوائر ومربعات. لا لسبب إلا لكي يشفي هذا المعتدي آفة العدوان والإيذاء ، فينتشي بذلك أي انتشاء .

س14- كلمة تود أن ترسلها عبر الحقائق ، تفضّل ، ولك المساحة الفضائية بانتظارك ....

كلمتي للزعامة الأدبية التي ارتأت لنفسها أن تكون القمة المقررة لمستوى النصوص أن تطامن من كبريائها غير المبرر ، فقل لمن يدعي في العلم معرفةً حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء

_ وأن ينطلق النقد من منطلق حب للعطاء وتقدير لصاحب النص، وأن يظل الناقد نزيهًا موضوعيًا يقول كلمته، لا جارحًا ولا متحديًا، وما أجدره أن يبحث عن بعض ما يشفع لصاحب النص حتى تظل الثقة بالناقد الجدي والمسؤول أمرًا لا مشاحّـة فيه . 

                                                   أيلول 2004

لقاء جمعية المترجمين العرب مع د . فاروق مواسي

 

هل من تعريف سريع بأديبنا الكريم؟  

 - لأوفر عليكم صفحات من هذا الحوار، يمكنكم الرجوع إلى رابط موقعي المنشور في سيرتي الذاتية المرفقة ،  حيث فيه سيرة مختصرة، وقائمة بمؤلفاتي.

ما هي مواهبك، وهل من هوايات لا زلتَ تمارسها حتى الآن؟

 - أهم هواية هي المطالعة واقتناء الكتب، وما أحبَّ الساعات التي أقضيها في مكتبتي بين آلاف العناوين، أخاطب المؤلفين ويخاطبونني، وأسمع أصواتهم وهم يحاورونني، أعاتبهم أحيانًا على قصور ما، وأندهش كثيرًا لغزارة معرفتهم، فأقول: يا بييّ! متى سأدرك ذلك؟ أما بعضهم فيعاتبني بسبب قصوري عن قراءة كتابه مثنى وثلاث ورباع.

الكتابة ليست هوايتي، بل هي قدري، وأكتب لأني مضطر أن أعبر عن مسألة أو صورة أو جمالية شفافة. وأدعو القارئ لأن يزور موقعي ليقرأ في الصفحة الأولى لماذا أكتب؟

لكل مبدع تجربته الخاصة والمميزة فهل لنا أن نعرف ما هي ملامح هذه التجربة عندكم؟

أما تجربتي فانطلقت بعد قراءات ومتابعات، وكان النص الشعري أو النقدي ومنذ البدء فيه أناي ذاتي  أو ذوبها. كنت أقرأ وألخص ما أقرأ، ثم ما لبثت أن ألفيت نفسي قادرًا على الصولة والجولة ، فأحسست بأن لدي ما أضيف.

ولعل ما شجعني أنني وجدت الناس اتباعًا للمألوف، فإذا قالوا "طه حسين" رددوا كالببغاوات "طه حسين"، وعندها أجد رفضًا حادًا لمجرد معارضته، أو حتى بسبب إبداء رأي مستقل فيه، فمن أنت حتى تنتقد هذا العَلم أو ذاك؟ ثمة خانات محظور عليك أن تمس بها....

ومضت الأيام، فكنت إذا قرأت نصًا لي جديدًا حاول أصدقائي من المتأدبين أن ينزلوه إلى الدرك الأسفل من النقد، فما كان مني بعد أن ثبطوا من عزيمتي، إلا أن قرأت لهم نصًا على أنه للسيد يحيى بن يحيى الليثي (اخترعت هذا الاسم)، وقلت لهم إنه شاعر صوفي راق لي، وقد عاش في العصر العباسي، فكان رد فعلهم إعجاب منقطع النظير، بل أخذ أحدهم ينسخ القصيدة ليحفظها .... فاستأذنت منه، وأخذت ورقته لأثبت اسمي على النص، وقلت له: هذا من شعري ..... فبهت الذي كفر بي. وكنت أشارك في المسابقات الإذاعية التي كانت مثار تنافس ومجالاً أظهر فيه قدرتي، وكانت هذه في مواضيع أدبية مختلفة، وغالبًا ما كنت أفوز، بل كنت أفوز.

قصيدتي الأولى كتبتها مخاطبًا المتنبي، وقد تأثرت به كثيرًا لكثرة ما أحفظ له (لا أقل من ألف بيت، ربما بسبب مسابقة كانت عنه:

يا أبا الطيب أنصت       روحك الصغرى تغني

إن يكن مجدي سماء       أنت رب منك  فنـي

لن يكون الشعر شعرًا     دون أن يرقى  بفـن

إن شعري مسكراتٌ       من دنان الخمر  دنّي

شعبنا حي عريـق       ثورة لم  تستكـنِّ

حب أوطاني عظيم      في  هواها  لا  تلمني

وجدير بالذكر أن لدي دفتر شعر أسميته "أشعار ليست للنشر" (المكنونات)، وفيها الكثير الكثير من الغزل وبعضه فاحش، ومن السياسة، وبعضه يحبسني مباشرة. وأغلبه ليس بمستوى الشعر الذي أدعو له من حيث المستوى الفني ، فليبق مكنونًا في حياتي.

ما هي الكتب التي تجذبك وتطالعها غالبًا؟

  -كتب اللغة، وكتب النقد الأدبي، وأشعار هنا وهناك تروق لي، فأنا يجذبني النص لا صاحبه، ويمكن أن تذهلني قصيدة لكمال السبتي مثلاً ولا أرى في قصائد معينة لأدونيس أثرًا في نفسي؛ باختصار: أنا مستقل في فكري وفي آرائي، فلو قال مليون واحد إن متشائل إميل حبيبي رواية لتحصنت برأيي، وقلت: هي ليست رواية وإنما نص جميل. ولي آراء في "عمالقة" الأدب واحدًا واحدًا، وليس لدي قدسية لأحد، وما أكثر ما آخذ على إدوار سعيد مثلاً، بيد أنهم يعدون له ملفًا تلو الملف. من هنا فإن الكتاب الجدد المتميزين يعرفونني بتشجيعي لهم كتابة وتعريفًا وتقديمًا (لاحظ: مؤلفاتي في موقعي الخاص، وانظر كم عرّفت وأحببت من الأدب الجديد الواعد!

 

هل لديكم مشاريع مستقبلية وهل يمكن للمترجم أن يتقاعد؟

ما أكثر ما أنوي إصداره:

bullet مجموعة أبحاث ودراسات،
bullet مجموعة مقالات بعنوان ( تمرة وجمرة ) وهي ناجزة للطباعة،
bullet مجموعة شعرية مترجمة للعبرية وربما تكون مشتركة مع الإنجليزية،
bullet المجلدان الأول والثاني لأعمالي الشعرية الكاملة (قريبًا جدًا، وسيُعرض في معرض فرانكفورت كما أخبرني الناشر-
bullet *قصائد لشعراء عبريين من ترجمتي بعد اختياري ....وووو

القسم الثاني من السؤال منقطع عن قسمه الأول: وأجيب، عافيتي تحدد توجهي وحماستي واستمراري وابتكاراتي المتواصلة، ونشاطي المعهود، ولكن .... ثمة من يعطي هذه العافية، فله الحمد أولاً وقبلاً.

ما هو تعريفُكَ للمترجِم؟

هو الذي يسبر غور النص الأول فيعايشه، فيحب المترجم أن ينقله للآخر، لعل فيه فائدة له أو تعريفًا بما يحب هذا المترجم أن يرسله، أو أداء وظيفي يحاول أن ينقل نصًا من غير إخلال، حيث أن المترجم يعرف في قرارة نفسه أن الإبداع في الترجمة فن يجب عليه أن يستحصله حتى يُعجِب ويُرضي، وهي قدرة ومهارة وتذوق معًا.

هل تعتقد أن المبدعين العرب من أمثالك قد نالوا حقهم من الأضواء أو الانتشار؟ ولماذا؟

              -        الله         وكيلك،لا !!
والسبب أننا حُجبنا بظهور أسماء "عمالقة"، فمن فاروق مواسي؟ ومن فلان هذا. حتى يتطاول عليهم؟!!

وعزائي لنفسي أنني لا أقرأ لكثير منهم خمس جمل بدون أخطاء في اللغة، ومن يخطئ في اللغة دون معرفة أولا بأصولها فهو لا يعني شيئًا في حسابي المرصود للغة الفصيحة، ويمكن أن أقرأ شعره -مثلاً- وكأنه مكتوب بالعامية، وأنا أحب أن أقرأ شعر العامية كذلك، فأحب جمالية النص برغم ذلك أو معها !!!

وعزائي ثانية أنه لا يصح إلا الصحيح، والأمور بخواتيمها.

هل من الضروري تعليم المترجم وتدريبه على أن يكون حياديًا في الترجمة؟

نعم، فالترجمة أمانة لا خيانة، ولا بد أن نعلم أوليات الترجمة، ولا بد من دورات مكثفة، وجهد، ومتابعة، فالتعلم يتم فقط بالمتابعة والتمرس. والترجمة مسؤولية، وقد تكون كلمة ذات مفعول سحري أو مفعول غضَبيّ، فقد ترجمت ذات مرة كلمة إلى العبرية، ولم أُوفق في اختيار الكلمة العبرية الدقيقة، فكاد أن يقع خلاف في الجلسة، لولا أنني تداركت نفسي، فصححت خطئي، وبفضل الكلمة التي "شرفت" في اللحظة الحرجة - بقيت الجلسة مفتوحة.

وأذكر أنني كنت أضيف تفسيرًا ما بسبب حماستي لموقف فلسطيني مثلاُ، حتى لاحظ أحد الإسرائيليين ذلك، فقال: هذا رأيك أم رأيهم؟؟!! كنت تود أن يقولوا ذلك!!!!
الحيادية أمانة، ولكن هل هذي تتيسر دائمًا؟؟!! (أنا) الإنسان متواصلة مع تجليات نصوصه، واللبيب اللبيب من كبح جماح هواه، وظل إلى الموضوعية أقرب.

 مَن في رأيك مهمته أصعب: المترجم الفوري (الترجمان) أم المترجم التحريري؟

الفورية أصعب، فأنت ملزم بمتابعة جمل هذا الذي يطيل عليك، (في تجربتي القليلة هنا كنت أطلب منه أن يتوقف حتى أستوعب، لأنني أحيانًا أسرح، وخاصة إذا لم يعجبني المتحدث)، ثم أنت مراقَب لغويًا ، خاصة وأنت تدعو ليل نهار إلى الحفاظ علىاللغة.
في التحريري ثمة تنقيح ومراجعة ومساءلة لصاحب النص هاتفيًا -إذا أمكن-، وكثيرًا ما فعلت ذلك -من باب- قال بلى، ولكن، ليطمئن قلبي.

هل تعتقد أن اللهجات العامية واللغات الأجنبية في الإعلام والإعلان والإشهار تشكّل خطرًا على اللغة العربية؟

إلى حد بعيد، وقد كنت أظن أن المشكلة هي لدى عربنا في الجليل والمثلث الذين يطبعون لافتاتهم بالعبرية الفصحى، ولكني وجدت العواصم العربية التي أتيحت لي زيارتها لا أقل كرمًا منا في التخلي عن عربيتها، ثم، أليس هناك خطر حقيقي على عربيتنا ما دامت الرسائل للمسؤولين، وللجامعات، وللمؤسسات ليست باللغة العربية، وإذا كانت بالعربية فهي ليست خالية من اللحن والهمزات العجيبة .... أم تراني أغالي؟؟؟ أؤكد لكم أننا نكتب في الداخل بالعبرية أكثر من لغتنا، وفي المغرب العربي بالفرنسية، وفي ...بالإنجليزية، ونحن لا نكاد نذكر لواء آخر - بلغة تُفرض

عليه فرضًا هذه المرة.

إلى متى سيبقى تأليف المعجم العربي عملاً فرديًا في حين أصبحنا اليوم نعرف أن التأليف المعجمي صار صناعة تعتمد على فرق في الجمع والمتابعة والمراجعة والتنقيح والتجديد؟

حتى تكون ميزانيات مخصصة للدارسين؛ فأعطني ميزانيات أعطك برامج!!! والعمل الجماعي يظل أفضل حتى لو تحفظت بعد قليل -فيما يلي-.

هل يمكن ترجمة الشعر -حصرًا- هل يمكن أن تحقق الترجمة نفس التأثير في الثقافة واللغة المترجم إليها؟

يقول المثل الإيطالي (الترجمة خيانة) traditorre traditorre وأرجو أن أكون قد كتبت إملاءها صحيحًا- كما أملاها علي أستاذ إيطالي، وقد وضع على الحرف الأخير إشارة فوقية ليس السبيل إليها في حاسوبي، ولفظ جناسها أمامي. فقد قالوا ذلك، لأنهم يعرفون أن نقل التجربة تمامًا مستحيل، ولكن ما العمل؟ أنكتفي بنقل الحضارة الأوروأمريكية مثلا بتجلياتها العلمية، ونتخلى عن أدبياتها فـ (رائحة الجوز ولا عدمه) كما يقول المثل الفلسطيني.

ثم إننا معنيون أن يتعرفوا إلينا، فيدرسوا في أي فلك نحن نسبح، لأن اللقاء الثقافي لا مندوحة عنه، فهو يهيئ اللقاء الفكري، ويجعلنا نسبح مع موجة واحدة، وبالتالي نفسح أبوابًا إنسانية، ونفتح المؤصدة منها.

ترجمة الشعر هي الأصعب، لأن في الشعر رموزًا وأبعادًا وظلالاً للفظة، ولها معان مركزية ومعان هامشية، وتلبس الاستعارات حللاً فيها شفافية أحيانًا وفيها غموض أحيانًا، وفي كلتا الحالتين "يعلَق" المترجم.

 ما رأيك بإنشاء الجمعية الدولية للمترجمين العرب؟

من يهتم بجمعية هنا أو جمعية هناك؟ - مع إجلالي لجهودكم - فالباحث عن مترجم يعرف لمن سيتوجه في الميدان الذي يخوضه، وما يهمه هو الكسب المادي المتاح من وراء هذه الترجمة، وما يهم المترجم هو أن يكسب مبلغًا معقولاً لقاء جهده، فهل الجمعية يمكنها أصلاً أن تحقق مبتغى هذا أو ذاك ؟؟؟ أم تستطيع الجمعية حفظ حقوق المترجم في عصر السرقات وأكل الحقوق؟؟!!

هل نطمع من أستاذنا بأن يحكي لنا عن موقف طريف قابله أثناء عمله كمترجم؟

ترجمتي هي قليلة، وتتركز في الشعر العبري، لكني أراجع ترجمات عن العبرية في ميادين مختلفة، فأفحص دقة الترجمة، وأنقح اللغة، ويظهر اسمي على أغلب الكتب الدراسية الصادرة لدينا تلك التي تُرجمت عن العبرية. وثمة طرائف كثيرة تجابهني: فأحدهم يترجم عن العبرية (شجوياس محمود) بمعنى أن محمودًا جُنّد، فإذا بالمترجم يجعلها (بأن جويس محمود) -ربما بتأثير جيمس جويس- ظانًا أن الفعل هو اسم شخص. وقد ترجم أحدهمprehistoric وهي بالعبرية مأخوذة تمامًا بحرفيتها - التي تعني قبتأريخي فقال لا فُض فوه (بقرة تاريخية) لماذا؟ لأن (بارا) بالعبرية تعني بقرة.

ومن البلاء أن بعضهم يترجم الكنايات حرفيًا فـ "صدره واسع" مثلا تصبح معنى حرفيًا لقياس الصدر، و"يده طويلة" مثلها، وكذلك "قلبه أبيض" و "لسانه قصير" ومثل ذلك كثير، وخاصة في الأمثال التي يحتاج المترجم إلى بحث عن مثل مطابق في اللغة التي ينقل إليها، لا أن يُترجم ترجمة حرفية.

ومن المترجمين من لا يتروى، فيعرف هل المقصود في (ذكر) مثلا هو المذكر، أم عضو التذكير، أم مجرد ذكر الشيء وعدم نسيانه، أم أنه فعل أمر يطالب بالتذكير، أم أنه طقس من طقوس الصوفية، ومنهم من لا يفحص معنى الكلمة فـ ( عسعس الليل ) هي في ترجمته طال، والموشح هو (البالاد) و (بريّتي) هي بئري و (المعلّقات) هي التي كانت معلقة ربما بحبال أو مرتبطات بسبب من الأسباب ....وقد جمعت مئات من هذي الأخطاء.

هل ترجمت لك أشعار ؟ من ترجمها ؟

نعم، لي ديوان بالعبرية بعنوان (الأحزان التي لم تُفهم)، وقد ترجمت أشعاري أولاً بنفسي، لكني عندما أطلعت أحد الأدباء العبريين ممن يتقنون اللغتين رفض ترجمتي، واقترح علي أن يقوم هو بالترجمة لقاء مبلغ زهيد، فوافقت، وليتني لم أفعل -ليس بسبب المبلغ- بل لأنه كان يبتعد عن المعنى الأصلي بسبب قصوره عن معناه، فمثلا:

طار طير نحو أيك
نحو مغنى
ليس يفنى

فقد أردت من وراء كلمة (مغنى) وطن، منازل بدليل قول الشاعر:
مغاني الشعـب طيبًا بالمغاني      كمنزلة  الربيع      من    الزمان
فجاء المترجم (واسمه روجيه تابور) وجعلها بمعنى الغناء )

فأين السارح من الرائح ؟؟؟

وقس على ذلك الكثير، وعذرًا يا روجيه على هذه الفضيحة!

ما هي المشكلة الأولى التي تجابه المترجم إلى العربية ؟

اللغة، فاللغات الأخرى الحية تتجدد وتتفاعل وتتقبل كلمات وتعابير كما هي من لغات عالمية وغير عالمية، دون أن يطرف لها جفن. أما نحن فنتردد، ونركن إلى مجامع لغوية تسوّق لنا أكثر من لفظة للمصطلح الواحد، فتضيع هذي كلها في معمعة التنافس مع التعبير الأجنبي، وتبقى (فيديو) أقوى من كل بديل، ويحار المترجم مع تعابير مثل (مودولاري)، (موروتوريوم)، رومانتي (حتى الخلاف يكون في كتابتها: رومانسي، رومانطيقي، رومانتيكي ...) وقس على ذلك الكثير الكثير!!

وهل ثمة إمكانية حقًا لتوحيد أي مصطلح ؟

لا أظن. نقطة!

ومن يشك فليسأل مصطلح (التضمين) كم يشمل من معانٍ؟ فهو نقل حرف جر إلى آخر، وهو الجريان في الشعر (وبعضهم يسميه التتميم)، وهو الاقتباس من الشعر والنصوص، وهو ... هل أتابع؟

نحن بحاجة إلى احترام أنفسنا أولا، فنحترم لغتنا ثانيًا، فنحترم لغويينا ودارسينا ثالثًا، فنحترم جهودهم رابعًا، فنتبناهم وكأنهم جزء لا يتجزأ منا، ولا يجري ذلك إلا بعد أن يتحلى كل منا بالحديث الشريف "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" وأضيف: "وعن لغته" - التي هي هويته، ومعنى وجوده.

- ألديك محاولات لابتكار ترجمات ، وأنت عضو مجمع اللغة العربية في حيفا؟

نعم، ومن ترجماتي لمن همspecial care pupils المُستَرعَــون - أي الذين يحتاجون إلى رعاية منا، فالترجمة (معوّقون) هي حادة ولئيمة. وترجمتupdated  مُحَـتَّـن (منحوتة من لفظتي: حتى الآن)، وقد نجحت، رغم أن بعض أصدقائي أحب أن يستأثرها لنفسه، فأضاف لامًا بدون ضرورة ذوقية حتى على أسلة اللسان، فقال: مُحـَتْـلَـن ، ومما "قهرني" أن واضع القاموس العبري الجديد استخدم الأخيرة .. ويا تعبي ...!!!

أما الأماكن التي أعمل بها والكتب التي أراجعها فتسوّق كلمتي، وهذا نصف عزاء.
ومن ترجماتي (مَشْـرى) للمجمع التجاري، و(الموجِّه) للريموت كونترول، و(المَعْـشَـب) للمسطح الأخضر .. وغيرها مئات مما ابتكرته أو مما أدعو له من اقتراحات سُبقت فيها، وأعكف أنا والأستاذ جميل غنايم - وهو مترجم عن العبرية أثق به - على إصدار كتيب فيه ألفاظ مما لليس مثبتًا في المعاجم.

- نرى أن لديك جرأة في وضع الكلمات وابتكار التعابير ، هل لذلك تأثر ما - مما سُبقت فيه ؟

نعم، فأنا معجب بجرأة منير البعلبكي منذ أن أخذت أفتح معجمه (المورد) في ترجمة التعابير الإنجليزية، فله ابتكارات أبدع فيها على غرار: (تحأرضي، بيمِهَـني، دو وعيي، الفوبنفسجي، سمرئيات، مدَوْلَـب ....إلخ) وجرأتي تأتت كذلك - ربما بسبب ملاحظتي الدقيقة لتطور اللغة العبرية الدينامية بصورة تبعث على الإبهار، هذه العبرية لها تأثير في الشارع العربي في الداخل، فنجد مزجًا عجيبًا بين اللغتين في الجملة الواحدة، حتى سميتُ اللغة المستجدة بين ظهرانَينا (اللغة العِـرْبـِيّـة أرجو قراءة مقالي عن هذي اللغة في مادة "من الأدب" في موقعي، فهناك أؤكد لكم أنكم ستستمتعون من المقال الساخر .

- هل أصدر أعضاء المجمع لديكم بعض الترجمات أو المعاجم ؟

لم يصدر المجمع إلا أعمال مؤتمره الأول، ولكن الأعضاء فيه كانوا أعضاء اللجنة العليا لشؤون اللغة العربية، وهذه توقفت في زمن حكم الليكود، وقد أصدرت اللجنة العليا كراسين تحت عنوان (المنهل) ضما مئات التعابير واقتراحات لترجمتها من العبرية إلى العربية، فهنا تكمن المشكلة الكأداء، وهي التي تجابهنا، ففي كل يوم لديهم تعابير عبرية يسوّقونها، وتنجح غالبيتها، لأن لهم وزارة ثقافة واحدة، ومجمع لغوي واحد، وصحافة تتبنى قرارات هذا المجمع، ومدارس ومؤسسات تصل إليها هذه القرارات.

- هل تظن أن المؤتمرات التي تعقد لتدارس الترجمة هي ذات جدوى ؟

أظن أنها مهمة جدًا، بحيث تكون هناك ورشات عمل، ومتابعات، وموازنات، فلو أحضرنا مثلا نصوص الترجمات الأربع (القط، عوض، جبرا، وعبد المقصود) لفصل من فصول هاملت -مثلا- سنجد أن جبرا (في رأيي، ومع أني أحبه) لم يكن دقيقًا، وإنما كان يحفز ذاته الشاعرة، فيحذف ويضيف.

بالمناسبة، لدي هواية نسيت أن أذكرها في مكانها أعلاه، وهي أنني أحب متابعة الترجمات الفورية والكتابية، فكم من مرة كنت أراقب المترجم عن الألمانية أو الإنجليزية أو العبرية، وأضع السماعة بشكل يفسح لي مجالاً لسماع الأصل -المتحدث من جهة، وأسمع من السماعة الترجمة من جهة أخرى، فأتعلم غالبًا، وأنقد أحيانًا. وهكذا فعلت مع هاملت بترجمة جبرا، وغير ذلك لا يعد.

- ألديك موقف أو وجهة نظر أو آراء تتعلق بالترجمة وهي جُماع رأيك ؟

  أرى أن نقبل الألفاظ العلمية العالمية، وبدون فلسفة، فقد قبلنا قديمًا وحديثًا، فلنبق مورفولوجيا وأبستمولوجيا كما أبقينا كهرباء وفيتامين، وإذا أمكن أن نجد تخريجًا لـ (أيملت) فهو أفضل من "أرسلت رسالة بالبريد الألكتروني"، فأنا أقبل (إيميل) معتبرًا إياها مختصرة من الأحرف الأولى لـ ( إيصال معلومة يتسلمها المتلقي) وعلى ذكر الاختصارات -إننا بحاجة لها، فقد كانت في تراثنا بعض منها، ولكننا اليوم نرتدع عن صياغات جديدة، فذلك أشبه بالكفر.

يعرف زملائي في اللجنة العليا أو في مجمع اللغة أنني أحب أن أختار أحيانًا بديلا من الدخيل، فأبحث عن كلمة ليس لها معنى منافس (مصيبتنا هي المشتركات، وتشاركنا لغات أخرى في العالم، لكن اللغة العلمية المحددة تأبى ذلك) فمثلا أحب أن نترجم virtual  استيهامي (أفضل من افتراضي أو وهمي أو عملي أو خيالي ....إلخ) فمن يستخدم (استيهام ؟) المأخوذة من وهم؟ فلماذا لا نتفق عليها فقط.

ومثل آخر ترجمة experiment التي تتعلق بما يمر فيه الإنسان من تجارب شعورية متباينة، فهي تُترجم إلى: تجربة، اختبار، تجريب، وفي رأيي أن لفظة (عَيْشِــيَّة) لو اتفقنا عليها هي الأجزى، و(نعايش) كذا وكذا بدلاً من أن نمر في هذه التجربة، واللفظة الثانية مستخدمة بالطبع. وما أكثر ما لدي من اقتراحات، وكم أحب من القارئ أن يوافيني بما يقترحه إذا كان لديه بعض المصطلحات التي يرى أنها الأوفق!

bullet وعندي أن المختص في مجاله هو أحق بوضع المصطلح ما دام يعرف العربية ويعرف اشتقاقاتها.

ماذا تنصح ؟ ماذا تضيف ؟

أود لو تكثر الترجمات عن العبرية، فبالله عليكم هل يجوز أن يمر بيالك أكبر شاعر عبري ويمر تشيرنخوفسكي وراحيل ووووو دون ترجمة جدية إلى العربية (بل ما الذي تُرجم؟ وهل كانت هناك مراجعة لأي كتاب صدرت ترجمته من قبل أن ينشر؟ هل هناك معاهد دراسات؟ مكاتب توثيق لما يصدر في إسرائيل؟

أم أبقى ساكتًا؟    فرحم الله من قال خيرًا فغنم  ،  أو سكت فسلم.
وقبل أن أودعكم فما زال لدي الكثير مما أحدثكم، أرجو ألا أكون قد أثقلت عليكم، وأنا أنتظر تعقيباتكم وحبكم ....                    

                                                                      تشرين الثاني 2004

 

                    

حوار مع الدكتور فاروق مواسي                      

  أجرى الحوار  لمجلة بلسم  : مؤيد أبو صبيح

 

1- كيف تقرأ لنا المشهد الثقافي بشكل عام  عند عرب 48 ؟

 

يكاد المشهد هذه الأيام ينسدل على بعض المفارقات أهمها:

       أدباء قدامى لا تكاد أذهانهم تتفتق عن إبداع جديد ومؤثر، وأدباء "حداثيون" يطهون أنفسهم في حساء الذات. وبين هؤلاء وهؤلاء تندر الصورة الشعرية وتنحسر القصة. ولا تسل عن المسرح والنقد؟ والرواية؟ إنها -  إن وجدت  -  فهي غير جدية... فوضعنا ليس على ما يرام!

       صحافة تملأ صفحاتها بالهش من الكتابات ،  ومع ذلك تحاول أن تتبنى مقالات هنا وهناك - ومن العالم العربي -  تكتب عن محمود درويش، أو سميح القاسم حتى تتابع " الأنماط " الأدبية والقوالب المسكوكة، ولا جديد تحت الشمس أو القمر.

       مجلات ثقافية أكثر ما فيها مصاب بالأنيميا، ولقاءات وندوات لا تخرج منها بطائل(إلا ما ندر وبظروف مبررة) ومع ذلك، وبالرغم من ذلك نجد القصيدة المفردة هنا وهناك، ونجد المقالة الفذة هنا وهناك، ولا نكاد نجد صانعًا للحرف نشير إليه بالبنان، ونطمئن إليه كل الاطمئنان.

هل يستمر هذا الانحسار؟ والى متى؟ وكيف السبيل إلى تجاوزه؟ أسئلة بحاجة إلى معاودة. وسيبقى مفتاح أي سؤال أو لغز كامنًا في مقولة "أعط الخبز للخباز"!

 

 2- يسجل لك حسب رأي الشاعر العربي سميح القاسم  رفدك للحركة الأدبية هناك من خلال مؤلفاتك  الأدبية،  ما هي أبرز الإضاءات التي من الممكن أن تحدثنا عنها ؟

 يقول الصديق الشاعر سميح أنني قدمت كتبًا رفدت الحركة الأدبية، وأظن أنها شهادة أعتز بها، بقدر ما أعتز بأربعين إصدارًا أصدرتها في الشعر والنقد والقصة والمقالة واللغة. وحبذا أن يذكر سميح في لقاءاته- وبعد ما يستفسرون منه عن أدباء الداخل -  بعض الأسماء حتى نقول " والله، هناك من يُذكر؟"

ثمـة  كتب أعتز بها ضمت أبحاثًا لي نحو "هدي النجمة" ، وكتب فيها دراسات ، نحو " أدبيات مواقف نقدية-" . بالإضافة إلى أشعاري التي هي أبنائي وفلذات دماغي...

عندما أقرأها أستعيد تجربتها، فأترنم أحيانًا، وأتألم أحيانًا.

 

3-  لك عشرات المؤلفات على صعيد الشعر والكتابة النقدية والبحث والدراسات هل تعتقد ذلك في جهد من التميز؟

 إن النتاج الأدبي هو جهد أو ثمرة جهد، وربما يجمع بينها أو ينظمها سلك النقد. فشعري نقد للحالة الذاتية أو لما أعانيه، والقصة والمقالة نقد مباشر أو غير مباشر، وتصوّر لما سيكون من خلال منظور نقدي بحت، والنقد لديّ نقد مدروس: لماذا أكتب؟ ولمن أكتب؟ وقبل ذلك: هل أكتب؟ وأين؟ وماذا؟

 

   4-  احتفى بك عدد من الشعراء الزملاء في أكثر من مناسبة .. ما صدى ذلك على الصعيد الشخصي  وعلى الصعيد الإبداعي؟ 

لم يتم الاحتفاء بي إلا كتابةً في عددين من مجلة الشرق  الصادرة في شفاعمرو.

أما اللقاءات الثقافية الاحتفائية فلم يكن لي فيها أدنى حظ، علمًا أن غيري احتفي به أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة.

"الشرق"  أكرمتني لأنني حررت فيها، وعرفوا جهدي، فلم يجازوني جزاء سنمار. والعددان هما توثيقيان في البيبليوغرافيا -  ضروريان  للباحث في أدبنا المحلي .

 وحتى لا أنكر فضلاً قام به الشاعر عبد الناصر صالح في طولكرم، سأذكر ما قام به - فقد أقام أمسية تكريمية لي ما لبث أحد المتحدثين فيها أن عرّج على توفيق زياد ونسيني...

5-  كان لك تجربة في العمل الصحفي الثقافي حينما رأست تحرير مجلة

( مشاوير) ، هل لك أن تحدثنا عن هذه التجربة؟

 

حررت ( مشاوير) في آخر السبعينيات، كما حررت في مجلة ( الجديد) ومجلة

 ( الثقافة) ومجلة (48) واليوم في مجلة (مواقف) ومجلة "جامعة" الأكاديمية.

يقول لي بعض أصدقائي  بنوع من الغمز : "لو يترك الأمر لك لما صدرت أي مجلة"، وبالطبع هذه سلبية فيّ لا مجال للمباهاة فيها. ولكن، قدّر الله أنني مع مجموعة تحاول أن تؤكد دائمًا أن طلب الكمال من المحال. فليس لنا والله إلا القبول والمثول. أحيانًا أسأل نفسي: " يا ولد! متى تكف عن طموحاتك؟ ثم من قال إنك على ما يرام بالتمام؟!  اهدأ أو بلغة الجاهليين " اِرْفَأْ على ظِلْعك"!

6-  أنت مترجم نهم عن العبرية للعربية ما ابرز ترجماتك ؟ 

لست " نهمًا" بقدر ما أنا متذوق. فإذا قرأت نصًّا راق لي بالعبرية وخاصة من الشعر الإنساني الذي يكتبه نفر من شعراء العبرية- أحاول نقله إلى لغتي. أحب أن تظهر ترجمتي مع النص الأصل حتى يوازن القارئ، ويرى مدى طاقتي على معالجة النص وسبر غوره.

ترجمت قصائد- ربما سأصدرها قريبًا-، وذلك حتى يطلع القارئ العربي على لون آخر   - حتى لو من باب "اعرف خصمك!"

ولمن يرغب بقراءة نوع من هذه القصائد المترجمة على شبكة الانترنيت فإنني أدعوه للتصفح أو البحث عن قصائد (يوسي سريد) التي ترجمتها في موقع كيكا، وهو موقع يسهل الوصول إليه.

7- لك موقع على الشبكة ، وثمة أدباء آخرون منكم لهم مواقع ، فما رأيك في مدى مساهمة هذه المواقع أدبيًا ؟

 موقعي مع موقع الأخريين تركي عامر وصالح زيادنة وموقع الأديبة ريتا عودة في تقديري ناجحة، بدليل عدد الزوار الذين يتصفحون مواقعنا، و بدليل أن كثيرًا من هذه القصائد أو النصوص فيها ما يدعو إلى ما يدعو إلى التواصل والحميمية  ،  ويحمل أبعادًا إنسانية.

8-  هل من سبيل للتواصل بين أدبائكم  - في الداخل وبين العالم العربي ؟

 إن عددًا منا لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة هو الذي يدعى لحضور الندوات والمهرجانات والمعارض، وتتكرر الدعوة لهؤلاء الأشخاص أنفسهم، وهيهات أن يدعى اسم جديد - وبسبب قدرته الأدبية وحدها.

شخصيًا: أشارك في بعض المؤتمرات النقدية بفضل دعوة أصدقاء، وسأكون بإذن الله- في مؤتمر النقد الأدبي في جامعة اليرموك في أيار الجاري .

 وجدير بالذكر أنني  أعددت ملفًا خاصًا في مجلة الآداب (7-8/2003) تحت عنوان: حجر الزاوية -  الحركة الثقافية في الجليل والمثلث- وقد ضم هذا الملف مواد شعرية ونثرية وحول المسرح والفن التشكيلي، وكتب فيه نخبـة من أدبائنا، ولاقى العدد أصداء واسعة أعتز بها. ويمكن لهذا العدد أن يقدم صورة عن وضعنا الأدبي عامةً ،  بالرغم أن كثيرًا من مواد هذا العدد كان قد كتب قبل سنين.

 

  حوار مفتوح مع الشاعر د. فاروق مواسي

                                                                 

                                                                               حاورته: ألطاف أبو هنطش

 

(في نطاق وظيفة تخرج عن الشعر الفلسطيني كلية العلوم التربية رام الله، بإشراف د. نادي ساري الديك).

 

س: ماذا يعني لك الشعر؟

ج: أجبت عن هذا السؤال بصور مختلفة تبعًا للموقف من العلاقة الجدلية بين الشعر وبين الحياة أي ماذا يجب أن يعكس؟ الذات خاصة؟ أم الذات المعبرة عن الهم الجمعي؟ هل هو الفيض التلقائي حسب مصطلح ووردزوورث أم هو عملية بنائية تنبثق من الشعور ، وكلها كنت قد عايشتها فعلاً وصدقًا، الآن في ساعة الكتابة أرى أن الشعر يعني لي التعبير الصادق عن الوجدان، ولن أكتب إلا ما يعتمل ويتفاعل في احتدام بالغ وتواصل مع نفسي ومع المتلقي. شعري هو أناي ( يُراجع ما كتبته عن الشعر القصائد من ص 67-74) من ديوان ما قبل البعد.

س: هل كتابتك التزام إبداعي أم طرح سياسي؟

ج: إنها التزام إبداعي صادق، تعبر عن فاروق مواسي، وبالتالي تعبر عن همومه التي تتلاقى وهموم مجتمعه، وفاروق هذا له جوانب وحالات وأشجان ، وأحاديث ذات شجون ، وهو يحسّ القضية ويتألم ،  ويعشق ، ويرفض.... وقد تكون بعض انطلاقته سياسية، أو قد تكون السياسة لبسها ولبسته، فكونت شخصًا هو نسيج متفرد بمعنى individual

س: كيف ترى قصيدتك عند كتابتها؟ بعد كتابتها؟ وبعد مرور فترة عليها؟

ج: في المرحلة الأولى وعندما أقرر نشرها أعجب بها، وإلا فلن أنشرها، وبعد كتابتها أو بعد نشرها استمع إلى ردود الفعل، فأقدسها إذا وجدت متلقين غير جديين، وأحترمها إذا أثارت نقاشًا. أما بعد سنين فأرى كل قصيدة بمنظارها الحدثي أو المنطلق من التجربة. لو أردت نشر قصائدي في مجموعات جديدة لما حذفت أية قصيدة . وكثيرًا ما أتساءل عند قراءة قصيدة  قديمة:كيف استطعت أن تهتدي إلى هذه المعاني؟ اليوم أنت يا ولد لا تستطيع أن تكتب سطرًا مما كتبت. دائمًا أتهم نفسي أنني لا أستطيع أن أجاري قصيدة الأمس.

ولكني عند ولادة القصيدة الجديدة التي جاءت بعد ولادة مكتملة النضج أحزن ...لأن شعراء آخرين هم الذين يُطبل لهم، وهم الذين يُحرق لهم البخور... فأقول لقصيدتي: يا قصيدتي لك الله، ولك الناقد الذي لا بد أن يقدَم!

س: هل تسعى من خلال شعرك أن تشكل جمهورًا..؟

ج: يهمني أن يرضى الجمهور الواسع عن قصيدتي الوطنية، ولا يهمني من هذا الجمهور أن يرضى عن القصيدة الفكرانية العميقة (  إلا القارئ المتعمق  عندها أسعد به ) . "الجمهور" كلمة مرنة، وقد ناقشت هذا الموضوع في مقالة لي في كتاب أدبيات مواقف نقدية.

س: الشعر هل هو لديك هواية؟ أو عمل؟

ج: بالطبع هو ليس عملاً أرتزق منه، فالشاعر عادة يكتب ويتحرى النشر، ويتعب، ويدفع الكتاب إلى المطبعة، ويوزعه على الأصدقاء، ولا يكاد يكون هناك تعويض ما.

والشعر ليس هواية كذلك بمعنى ترفي، بل هو قدري ولعنتي وحبي ومُجتلاي.

س: كيف ترى الوطن من خلال فاروق شاعرًا وفاروق إنسانًا؟

ج: نشرت مجموعة (يا وطني)، وهي ليست الوحيدة التي ضمت قصائد وطنية، والوطن خلال كتابتي هو المكان والزمان في الوطن، هو النباتات والطيور، والمواقع والتضاريس والتربة والماء والهواء، وهو الناس وعلاقاتهم وانفعالاتهم، وما أتمناه فيه هو أن الإيجاب فيه يستمر، والسلب أن ينحسر . هنا تتلاقى الشاعرية والإنسانية في حضن الوطن. وهنا لا بد من استذكار دراسة صبحية الصالح عن شعري: (البعد الإنساني في شعر مواسي)، وقد نشرت في مجلة الشرق ( آذار 1980 ).

س: هل هناك حلم تخاف منه؟ وهل هناك حلم هرب منك؟

ج: أخاف من حلم هو حلم يقظة، من سيناريو تشريد جديد في هذا العالم الأفّاق الذي يمر على ما يجري مثّلا في العراق مرور غير الكرام، الأحلام الصهيونية لم تقفل الباب... أما الأحلام التي هربت مني فقد أصبحت واقعًا، وبعضها هرب لأنني لم أستطع النفاذ إلى جوهره، ولله في خلقه وأحلامهم شؤون. عبرت عن أحلام وقضايا ومسائل وجزئيات كثيرة تتمازج فيما بينها على أرض الواقع.

س: ماذا يكره فاروق مواسي؟

ج: الظلم على المستوى العام، وعلى المستوى الشخصي فإنني أغدو منه مقهورًا وفي الحديث الشريف: ( أعوذ بالله من الفقر ومن قهر الرجال) ويقول عنترة:

فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل            مر مذاقته كطعم العلقم

ومن الطرفة أن أذكر أنني من برج الميزان!

قلت في قصيدة لي محتجًا:

                          ( فلماذا يسكت أولاد الكلبه

                            وأناخوا الركبه

                            والظلم يسود الكون)

 

س: هل هناك حلم تسعى لأن يتحقق؟

ج: مشكلتي أن لي أحلامًا وطموحات أكثر من طاقتي ووسعي، فأكلف نفسي أن أعمل مثلاً لخلود الجمال، والفن، والفكر، أصبو لأن تكون اللغة العربية طيّعة على جميع الألسن سليمة قوية، أن أرى وطني مزدهرًا بالحق والخير والجمال والبعد عن الغيبيات غير المجدية، وأن يتشبث العرب بروح العلم ومزاجه وجدواه، على المستوى الشخصي أسأل الله العفو والعافية، أو تظل لي حرية الاختيار والإرادة، وأن أبقى قارئًا حتى الرمق الأخير.

س: هل تسعى للحصول على جوائز شعرية؟

ج: حبذا ذلك، فهذا يدل على الاهتمام بشعري وعطائي، وأنا لا يهمني أن يقال عني (شاعر) فربما لأنني أحمل أكثر من صفة: الدكتور، المربي، الناقد...

وقد أسماني المرحوم عصام عباسي، (كشاجم فلسطين)،وهي اختصار لـ كاتب وشاعر وأديب وجواد ومؤلف، وبالمناسبة فأنا لا أحب أن يستعمله الآخرون عند تقديمي في المحاضرات.

 س: هل تملك السيطرة على القصيدة ؟

ج: أحيانًا نعم، وذلك عندما أبنيها، أحوّر وأغير فيها، وأحيانًا لا، فقصيدة( ند على أضرحة عراقية) مثلاً كتبت على نفَس واحد، وكانت هي التي تُملي علي الكتابة.

س: هل أنت شاعر صريح؟

ج: في صراحتي راحتي، وأحيانًا وجع رأسي، فقصيدة غزلية مثلاً من شانها أن تقيم علي القيامة من قبل زوجتي، لأنها تعرف أنني لا أكتب عفوًا أو عبثًا أو من غير نار خفية، التابوهات( المحرمات) في الدين والسياسة والجنس أعالجها بصراحة وأن تكن أحيانًا غير متناهية.

س: ما رأيك في الوضع السياسي القائم الذي  يتعلق بالقضية الفلسطينية؟

ج: رأيي أننا يجب أن نناقش الخصم، نصل إليه في كل سبيل حتى نفند حججه، وحتى يزول منه منطق القوة، وأظن أننا نسير في هذه الطريق التي ندفع فيها ثمنًا باهظًا وتنازلات على حساب دمائنا... لقد وقع الشعب الفلسطيني بين قبضة عدو مسلح بالتكنولوجيا وبالعلم والثقافة والخبرة، ولكنه مع ذلك تبنى مواقف ليس فيها أدنى عاطفة أو إنسانية، وله منطق سياسي يحتاج منا إلى دراية وخبرة مكافئتين..وبالمناسبة فلعلي من الشعراء القلائل الذين يوجهون بعض قصائدهم للعقل الإسرائيلي.

س: هل تنتقد قصائدك؟ أم تترك ذلك للجمهور ؟

ج: لأني أصلاً ناقد، ولي ما يزيد على عشرة كتب نقدية، فمن الطبيعي أن أحاسب قصيدتي أولاً ولا أحابيها. ولكم مزقت قصائد لأنها لا ترقى إلى مستوى حسّي النقدي، أما عن الجمهور فقد أجبت عن ذلك السؤال في سؤال سابق.

س: هل هناك تأثير للدين في كتابتك الشعرية؟

ج: هناك تناصات كثيرة في القرآن الكريم والحديث والصوفية في نسيج قصائدي. الدين عندي هو حضور الحضارة الإسلامية في فكري، وليس الحضور الشكلي المحض.

كتبت مرة قصيدة (من وحي الهجرة النبوية)، وقد استمعت مؤخرًا إلى بعض الطلاب يقرؤونها، فسرني ذلك.

أما رأيي العام فهو أن الشعر يجب أن ينطلق، أن يكون حرًا أن يعانق الكون كله.

س: هل ندمت على كتابة قصيدة ما؟ ما السبب؟

ج: لو ندمت لما أعدت نشرها. هناك قصائد كتبتها في رثاء بعضهم، وكذلك في غير الرثاء ولم أنشرها، لذا فلا مجال للندم إلا على الوقت الذي هدرته...

س: هل تعتبر الطبيعة ملهمة لك؟

ج: شعري ليس فيه وقفات وصفية من الطبيعة وعنها. الطبيعة عندي هي الوطن، المرأة، الإنسان في الطبيعة، فإذا وقفت عند الجبل قرب مضيق جبل طارق، فما يهمني هو الحدث الذي كان، وليس المنظر الجميل مع أنه كذلك. وقيسي على ذلك.

س: هل تستخدم الرمز؟

ج: الرمز وارد كثيرًا في شعري وفي تضاعيف قصائدي، ولا نكاد نجد قصيدة عمودية أم حرة إلا وفيها رموز تاريخية، أسطورية، دينية، فولكلورية، فلسفية، صوفية، وإبداعية مطلقة.

 

س: هل تأثرت ببعض الشعراء قدامى ومحدثين؟

ج: تأثري يتم من خلال قراءاتي الكثيرة المتباينة، وهناك معالم خفية تؤدي إلى المتنبي من القدماء وإلى السياب، عبد الصبور من المحدثين. وقد يجد الدارس أثرًا لشكسبير أو لطاغور أو لريتسوس أو شيركو بيكه س... إلخ

قلت إن( شعري أناي) وأناي هي كما قيل- (مجموعة خراف مهضومة).

س: هل تعتمد شكلاً شعريًا واحدًا ؟

ج: لا، فلي قصائد كثيرة على الصياغة التقليدية، وخاصة قصائد الرثاء أو القصائد التي تلقى في المحافل الوطنية، أما قصائد التفعيلة فهي الغالبة على قصائدي. وجدير بالإشارة إلى أن لي بضع قصائد من قصائد النثر كتبتها في حالات تضطرني إلى الخروج من أي إيقاع أو تطريب، وأذكر مثلاً منها(أمام مضيق جبل طارق) في (الأندلسيات) التي كتبتها، والقارئ يدرك لماذا خرجت أنا هنا من الوزن.

 س: هل تمزج في قصائدك بعض اللقطات النثرية؟

ج: نعم، أحيانًا عن طريق الحوار، وأحيانًا عن طريق تقديم التعليقات البدئية أو خلال النص، وأحيانا لذكر اقتباس ما.

س:ما هي علاقتك بالمتلقي؟

ج: علاقة إنسانية، يهمني المتلقي الذكي البارع في التقاط الإشارات، ولا يهمني شيئًا ذلك الذي لا يقرأ.

والقراءة كما نعلم قراءة الأسطر، بين الأسطر، وما وراء الأسطر كما يقول هاريس.

 

س: ماذا تعني لك الأنثى؟ هل أشغلت حيزًا في شعرك؟

ج: الأنثى هي الرقة والجمال والعذوبة، هي الصوت العذب الذي يسرّي على النفس. هي المشاركة الوجدانية الأخاذة التي تعطي للرجل معنى التكامل بقدر ما يعطي هو المرأة إحساسها بالتفوق. المرأة نقطة قوتي ونقطة ضعفي.

قصائدي الغزلية أكثر من أن تحصى، فكثير منها كتبته لبعضهن ولم أحتفظ به. بعضه فيه شبق جنسي، وبعضه يعني الأرض بقدر ما يعني المرأة، ولا بد من ذكر بادرة قد تكون جديدة في الشعر العربي عامة وهي أنني كتبت قصيدة غزلية لزوجتي أم السيد أثارت غيرة زوجات بعض الشعراء الآخرين فكتبوا لهن .

س: ما هي أكثر قصيدة لك أحببتها؟

ج: أجيب في كل مرة عن قصيدة تختلف عن الإجابة السابق، الآن لو طلب مني تسليم قصيدة لمؤسسة عالمية مثلاً- لكنت أختار (الشيخ والبحر) وهي عن مسجد قيسارية الذي أضحى حانة، وربما في وقت آخر أقول (الأندلسيات)... إلخ

س: ما هي أول قصيدة كتبتها؟

ج: كانت هناك قرزمات كثيرة لم أنشرها، منها على سبيل المثال قصيدة وجهتها للمتنبي قلت فيها:

 يا أبا الطيب أنصت               روحك الصغرى تغني

أما أول قصيدة معترف بها (نشرًا) فهي (حلم السلام) موجهة إلى فدوى طوقان بعد لقائنا الأول إثر نكسة حزيران ومطلعها:

ما عدت أقبل أن أطيق مذلتي            وورائي الآمال تنفي غربتي

س: لو كتبتها اليوم، هل تكتبها بنفس الأداء؟

ج: طبعًا لا، لأن التجربة في كل آن تختلف عما سبق، وهذا أمر طبيعي. فهل (أنا) (أنا) اليوم كأنا الأمس.

س: هل تجري تغييرات على القصيدة لحظة كتابتها؟

ج: في بعضها نعم، وفي بعضها لا، الأمر يتعلق بمدى جيشان العاطفة، وصدق الانفعال، واحترام الموقف، وطبيعتي النقدية كما قلت تلزمني على أن أحاسب كل كلمة ول فكرة حسابًا عسيرًا.

س: هل هناك طقوس معينة للكتابة لديك؟

ج: لا، فأنا أكتب أنّي حلت الفكرة وخطرت الصورة، واستجاشتني الكتابة، أحيانًا أكون سائقًا سيارتي، وآنا أكون على فراش النوم، وآنًا وأنا بين كتبي بعد ومضة أشعلها كتاب ما أو قصيدة ما.

س: هل تحضر للكتابة بعض ما يستلزم أجواءها؟

ج: لا أحضر إلا استرسال أفكاري، وطريقة انسياب المعاني وأدائها. الورقة والقلم دائمًا مرافقان لي أبديان.

س: من أين لك هذه الجرأة في طرح أفكارك؟

ج: الجرأة لا تشترى، بل هي تولد مع الإنسان، كالرائحة مع الزهرة والصوت مع العصفور. وأنا لا أدعي أنني جريء في كل موقف، بل هي موجات ودفعات وأحوال تأتي تبعًا للموقف. أحجم أحيانًا ولا أجابه، وأتصدى أحيانًا وأتحدى.

س: وعن التمزق الذاتي؟

ج: الإنسان بطبيعته عرضة للتردد والمواقف والصراعات المتباينة، وهو يختار أحيانًا في أي مسلك يسلك وأي خطة ينتهجها، ونحن في عصر الحداثة نشاهد الظلم وهو يسود الكون ونشاهد القلق الوجودي والمعاناة الإنسانية على مستوى الشعوب التي تنشد حريتها وكرامتها. نشاهد معالم العولمة والبهتان فغي طرحها ، واستخدام المقاييس بمكاييل مختلفة لا بمكيالين فقط.

هذا هو التمزق في الإنسانية، فلا بدع، إذا وجدنا هنا وهناك ولدى الشاعر عامة ولديّ خاصة مقاطع فيها تمزق ذاتي.. فلو قرأتِ (أغسل خوفي) لوجدت هذا التمزق بسبب سلطة التدين ومحاولتي للبحث عن خلاصي، أنا شاعر أجدد وأبدع في الأشكال الشعرية والأنماط البنائية في المفردة والجملة، ومع ذلك تجدين لدي قصائد الصياغة القديمة، إنها قديمة صياغة، لكن فيها الكثير من معالم الجدة أيضًا فمثلاً:

مرابع النور تهمي من أواصرها

                                من علم اللوز نورًا حفظ تلقين

مراتع الشمس تبدو في مناظرها

                               فتنتشي نسمة في حضن ليمون

أليس في مثل هذا الشعر إيحاء وصور متوالدة؟!!رمز لقضية ومعايشة لها؟ ليس المهم ما هو الشكل ،  بل ما هي الصور؟

يخطئ الكثيرون في اعتبار القصيدة التقليدية أنها مباشرة بالضرورة.

 

س: وما هو الحال مع الغموض؟

ج: الغموض لدي مستحب،وهو خلاف الإبهام والتعقيد أطالب القارئ أن يكون مسلحًا بمعرفة أولية عن الشعر وتوليداته، ولا يهمني كيف يقرأ أو يفهم. الغموض هو كغموض المرأة الجميلة التي لا يسلس قيادها لأول نظرة، بل هي المرأة التي تعطي وتمنع، تراوح وتجذب، تؤمّل بقدر ما تكون عصيّة، الجمال الغامض الذي لا يتكشف مجانًا هذا هو الأحب.

س: هل شعرك يجنح إلى الخيال؟

ج: الخيال لدي هو من ضرورة تقديم الصورة الفنية، والصورة لا تتأتى من عالم بعيد عن عالمنا الواقعي، ومن فنتازيا غريبة مبهمة.

 س: هل كانت هناك مناسبة ما حاولت أن تعبر عنها شعريًا، ولم تفلح؟

ج: نعم، وكثيرًا ما يحدث ذلك، السبب أن الحدث يجب أن يقنعني داخليًا ونفسيًا وبعمق لا بتمثيل. أنا لا أنجح في الكتابة أو الخطابة إذا لم يهزني الحدث.

س: ما هي مشاريعك الحالية؟

ج: أن أواصل الكتابة، وأصدر كتبي، وأعيد نشر قصائدي للأجيال الجديدة

- أن تترجم بعض أعمالي إلى لغات أخرى.

- أن أشارك في مؤتمرات عربية وعالمية حتى يكون الإثراء المتبادل.

- أن أحاضر عن أدبنا الفلسطيني وأعرّّفه، وأقدم النماذج الجميلة فيه.

.....وهناك الكثير الكثير الذي ينتظرني وأنتظره.

س: وطموحك على المستوى العام؟

ج: أظن أن طموحاتي الشخصية كلها تصب في الطموح العام، فأنا لست (التينة الحمقاء) في شعر إيليا أبو ماضي.

س: هل تعبر عن قضية فلسطين نثرًا كما تعبر عناه شعرًا؟

ج: لي كثير من المقالات، وبعضها سياسي واجتماعي وفكري، فأنا ابن هذا الشعب، أفرح لفرحه وآسى لمآسيه. ولي نشاطات سياسية واجتماعية محلية كثيرة، وخاصة في المجالات الثقافية.

س: هل تعتبر الشعر الوطني لديك شعرًا سياسيًا؟

ج: أنا لا أحب التعبير (الشعر السياسي) الشعر هو شعر وإيحاء، وجدير بنا ألا نلصق به وصفًا حادًا ومباشرًا، قد تكون بعض قصائدي مؤداها سياسي محض. وهذا لا غضاضة فيه. وفي هذا السياق اذكر أن بعض المعلمين استُدعي بسبب قراءته قصيدة لي في غرفة المعلمين، ويبدو أن قصيدتي تزعجهم أحيانًا.

س: هل تناولك النقاد بالنقد؟

ج: وما أكثر ذلك، ومن مشروعاتي المستقبلية أن أصدر جميع المقالات التي تناولت شعري، حتى ولو أن بعض ما جاء فيها لا أوافقه، فالأمانة تقتضي إيراد المادة بنصها.

 

س: ما هو توجهك السياسي الرسمي إذا أمكن أن تعرفنا؟

ج: لم انضم لحزب رسميًا، اللهم أنني كنت من مؤسسي الحركة التقدمية، وقد كنت كذلك عضوًا في اللجنة المركزية فيها، وما سوى ذلك فلم أعلن رسميًا أنني ضمن أية فئة سياسية.

علمًا بان توجهات الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة هي التي تفاعلت مع كثير منها، وليس أدل على ذلك من كتابتي  في (الجديد) و (الإتحاد).

س: هل تعرض شعرك على أحد قبيل نشره؟

ج: نعم على زوجتي، وكما قالت هي بلغتها : (أنا الأذن الأولى له).

س: كيف تبدأ قصيدتك؟

ج: تبدأ القصيدة تهويمة أو دندنة إيقاعية لمعنى معين، ثم تتجمع صور القصيدة وتُملى علي.... أقول إن لي جنيّة شعر (وليس شيطان شعر) على طريقة اليونان، وهي التي تناغيني وأناغيها حتى تلد القصيدة.

س: إلى ماذا تطمح في القصيدة؟

ج: إلى أن تكون في دوائر ثلاث على مستوى التوصيل.

- دائرة ذاتية، وهي البعد الذي يقرأه كل قارئ، ويجد فيه نجواه.

- دائرة وطنية أن يجد القارئ بعدًا فلسطينياً عميقًا.

- دائرة إنسانية أن يقرأها القارئ الكوبي أو السنغالي مثلا - فيجد فيها طاقة خلاقة من الإنسانية الشمولية. وبالفعل فإن لدي عشرات القصائد مما يمكن أن يحمل الأبعاد الثلاثة.

 

 لقاء مع الشاعر د. فاروق مواسي

أجرى اللقاء :رياض حسين

 

- دكتور فاروق الشاعر ، الناقد ، الباحث ، كيف ترتب هذه الألقاب في تقديرك ومن أنت بشكل عام؟

أنا أتعاطى الأدب ، والواقع إن الأدب سواء أكان قصة أو قصيدة أو مقالة نقدية أو بحث ، كل ذلك هو في دمي ، وأكتب ما أحس به ،  ويكون ذلك بدافع هو قدري أكثر مما هو إرادي ، أنا شاعر - كما يبدو لي -  لأن الشعر هو النبض الأول الذي ألتمسه دائمًا وهو وجداني ،  وأرى أنني لستُ بعيدًا برغم شاعريتي التي تحمل الخيال المجنح والأفاق الواسعة عن العلم في البحث الأكاديمي ؛  إلا أن ذلك يشكل كلاً واحدًا هو فاروق مواسي.

- من إجابتك أرى أنك تعتبر نفسك شاعرًا في المقام الأول بالرغم من أنك مارست كتابة الشعر في فترة متأخرة من عمرك؟

- أنت تخطئ في ذلك ،  فأنا قد بدأت كتابة الشعر وأنا في الثاني عشر ، ونشرته في مطالع السبعين ،  وكانت القصائد عن القضية الفلسطينية والإحساس بها منذ هذه السنوات ،  وخاصة بعد أن عانيت المأساة التي أحس فيها كل منا ، وليس أدل على ذلك من قصيدة كتبتها لفدوى طوقان قلت فيها:

والعهد يا  فدوى     يراودنا                   إلى حلم السلام لشعبنا المتشتت

حبي لأهلي لم يدعني صامتًا                   صمت الجنادل أبكمًا في عزلــة

- اشتركت في وضع برامج التعليم للغة العربية... هل كل ما وضعتموه أنت ورفاقك يكفي ؟ وإذا كان هنالك نقص فأين هو؟

أولا: لقد درسنا أنا والدكتور فهد أبو خضرة والأستاذ إلياس عطا الله معظم  المناهج في العالم العربي ،  ووجدنا أن السبيل الأمثل لتعليم القواعد هو عن طريق النص ،  ونحن نعلم مادة في الإعراب الوظيفي ،  بحيث يستطيع الطالب معرفة اللغة و إتقانها وإيجادها بدون أن يكون هنالك حواشٍ لا ضرورة لها ، هذا المنهاج الذي نعكف عليه الآن  خاص بالقواعد ،  وأملي أن يبدأ به المعلمون من غير كلف .

ثانيًا : بالنسبة للأدب... فالأدب لأول مرة - و المعلمون يعرفون ذلك حق المعرفة ويلاحظون كيف أن الأدب المحلي الفلسطيني له دور حتى ولو كان هذا ليس شاملاً لجميع الإطارات ،  وقد غمط شعراء بارزون ... . هذه حقيقة إلا أن مجرد البداية في تعليم قصيدة لحنا أبو حنا أو ميشيل حداد أو فهد أبو خضرة أمر يسر الخاطر ،  فلا يمكن أن نعلم هذه القصيدة أو تلك  إلا بعد أن نتحدث عن مسيرة الأدب الفلسطيني ، عن حاضر الأدب الفلسطيني وأين نحن منه . ثم حتى قصيدة حنا أبو حنا مثلاً " من هديل الحمامة المطوقة " تفسر بالتفسير الفلسطيني الثوري الذي يجب أن نعلمه لطلابنا ، ونفس الشيء أقول عن قصيدتي " المسرح والهموم "... هل هي انهزامية كما يظن البعض ، لا.. لأن هذا الشعر الذي اخترناه للمنهاج -  برغم كل ذلك-  فيه نفس فلسطيني.  إذن نحن قد خطونا خطوات إلى الأمام... أما النقص البارز الواضح فهو أن شعر محمود درويش مثلاً" أحن إلى خبز أمي" لا يسمحون بتدريسها ،ويرون فيها خطرًا  ، أو قصيدة سميح القاسم " سيرين" يرون فيها أيضًا خطرًا ، ذلك لأننا في دعواهم -  سنعلم عن كل سيرين وعن  القرى المدمرة ، وقصيدة راشد حسين عن صندلة:

مرج ابن عامر هل لديك سنابل

                                           أم فيك من زرع الحصاد قنابل

حذفوها بعد الموافقة عليها في  المنهاج .

هناك بعض القصائد التي تمس حسب ادعاء بعض الأطر بالمشاعر الدينية لبعض الطوائف.... هل يحق لهذه الأطر معاقبة الأستاذ الذي يدرسها أو مطالبة وزارة المعارف بإلغائها ؟

قطعًا يجب أن تكون للقصيدة بنية مستقلة ، وتقف تبعًا لتحليل الناقد أو المعلم أو الطلاب ، يجب ألا يكون تعليمنا إطلاقا تلقينيًا ، بحيث أنت  تبدي رأيك والطلاب يستمعون .. اليوم يجب أن يكون التعليم مشاركة ،  بحيث يجب أن تشرك الطالب في رأيه وتناقشه.... والمعلم الناجح حقًا هو الذي يشارك طالبه دون أن يملي عليه أي تصور وأي فكر ،  وإذا كنا حضاريين حقًا فيجب أن ننشد هذه الوسيلة ،  ونجعلها في سلم أولوياتنا ،  ونتخلص من ألانا الفوقية ، ومن القسرية في التفهيم ، وأن نكون مشاركين للطلاب في عملية التعلم ، قصيدة نزار قباني أو أدونيس أو صلاح عبد الصبور تعالج مسائل دينية حقًا ، ولكن الهمم هو كيف نعلم القصيدة دون أن نتطلع إلى بنية القصيدة وفهمها المضموني -  عن طريق المعالجة النفسية والحضارية والاجتماعية لهذه القصيدة، أما أن القصيدة تقول إنه يؤمن ولا يؤمن فهذا لا يعنيني إطلاقاً ولا يعني الطالب ، المهم في قطعة الأدب  هو كيف عبر هذا الشكل عن مضمون العمل .

 

- ننتقل إلى نوع أخر من الأسئلة التي تختص باتحاد الكتاب العرب ورابطة الكتاب والاتحاد العام للكتاب، أنت كأحد المؤسسين... ماذا قدمتم لأبناء شعبكم والفكر العربي من خلال هذه المؤسسات إذا كان قُدم شيء كهذا ؟

- بصراحة أنا من المؤسسين لاتحاد الكتاب العرب ، كنت قبل ذلك مسؤولاً في رابطة الكتاب العرب التابعة لاتحادات الكتاب في دولة إسرائيل ، وكان الهدف الرئيسي لاتحاد الكتاب هو طبع الكتاب وتوزيعه ، وأن نشجع الكتاب الشباب ، أن نبني حركة أدبية ، أن يكون هنالك نواد ثقافية تستقبل الأدباء، أن تكون الحركة الأدبية رائعة ومقبولة ولها أثرها في مجتمعنا ، هذا كان هدفي ،  ولكني رأيت أننا عندما أسسنا اتحاد الكتاب وقد كنت من المؤسسين الأوائل -  إن لم أكن المؤسس الأول ، كان هدفي أن يكون لهذا الاتحاد أثره الاجتماعي والفكري والسياسي والمنهجي ،  ولكني وجدت أن السياسة هي التي كانت تحرك كل شيء ، وأنا بالرغم من أن دمي وكل شيء بي يتعلق بالسياسة إلا أنني لا أوافق أبدًا أن يكون هدف الاتحاد والرابطة الأول والأخير إصدار بيانات واستنكارات ، هذا ما يُحدث لدينا نوعًا من الشلل ،  وأقول لك بصراحة مثلاً إنني خاطبت جماعة الرابطة قبل أن يؤسس الاتحاد على أن نكون كلنا معًا ...فكان الدكتور جمال قعوار يقول إنه لا يمكن إقامة اتحاد في ظروفنا الراهنة ، كان يرفض ،  وعلى نفس المنوال  كان المرحوم فوزي عبد الله.... وبشيء من الاندفاع  أقاموا جسمًا آخر اسمه " الاتحاد العام..."  وأنا لا أرى مبررًا لهذا الجسم ، كلنا يجب أن نكون جسمًا واحدًا فعالاً عمليًا ،  والسياسة يجب أن تكون في جوهر  كتاباتنا ومؤلفاتنا ، فأن تحضر اجتماعًا أدبيًا لا بد إلا  أن تطرح قضية سياسية ، أنت لا يمكن أن توافق على الممارسات السلطوية، لكني لا أريد أن يكون هدفنا الأول والأخير من وجودنا الاستنكار.. الاستنكار ، كل الاحترام ، الاستنكار هو واجب وشيء أولي ويومي ، لكنه ليس عمل اتحاد الكتاب ، من يعرف اتحاد الكتاب أصلاً أو رابطة الكتاب ؟

يجب أن نكون ضمن إطار عملي ، قمنا  بإصدار مجلة 48 التي  يفخر فيها كل قارئ جاد  ، لكننا بعد ذلك ..ماذا فعلنا ؟ لم نفعل شيئًا ؛  فرابطة الكتاب - مع الأسف أو الفخر- لا أدري هل هو  أسف أو فخر -  قامت بنشر زهاء عشرين كتابًا لأدباء من الرابطة  على حساب الرابطة  ، صحيح أن لديهم إمكانيات مادية وطاقات لا أعرف من أين يأتون بها ،  ونحن لا نملك هذه الطاقات أو قد تكون هذه الطاقات موجودة لكننا لا ندري أين هي . هم نشروا عشرين كتابًا ونحن لم ننشر أي كتاب لأحد منا ..... إذا كان هنالك مشكلة فإنني لا اعرف من المسئول عنها . الاتحاد العام هو  برئاسة سميح القاسم ( وأنا نائب رئيس ،  ولكني لم أحس أنني أعمل أو أشارك أو أقوم بعمل أحس فيه أنني نائب رئيس ) ، وهو -  باختصار -  لا يُفهم ما هو معناه ،  وقد يغضب مني صديقي سميح القاسم ، لا أفهم ما ضرورته حتى الآن ، نحن نذهب إلى اجتماعات اللجنة التنفيذية إلى حيفا ، مشاوير.. ووقت ...وتعب ... لماذا ؟ وماذا نبغي ؟  وماذا يريدون منا في الاتحاد العام ؟ هل جماعة الرابطة لهم مواقف ؟ إنهم يلتزمون ويتشددون في الطلبات من سميح ، باختصار لا مخرج من هذه الأزمة ، هنالك أزمة قائمة بين الرابطة والاتحاد ، أزمة حقيقية صحيحة ، لا ثقة بين الواحد والآخر... ليقولوا ما يشاءون ،  ولكن هذه حقيقة صحيحة ، وهذا ما دعاني إلى الاستقالة رغم أن أبا علي يرفض قبولها ،  وسميح قال لي أنا حر في الاستقالة من اتحاد الكتاب... ولكنك لم تقدم لي استقالتك من الاتحاد العام ، وأنا لا أرى ضرورة للإشارة في الصحافة والإعلام باستقالتي ، ماذا يفيد سواءً أعلنت إنني استقلت أم لم استقل ، ماذا فعلنا أصلاً لأخبر إنني استقلت ؟

- هل افهم من أجابتك أن الشاعر سميح القاسم لا يعرف ماذا يجري في الاتحاد العام ،  أو أنه يغطي عما يجري ولا يريد أن يعرف الجميع بذلك ، ثم إنك تقول إنه ربما توجد مصادر مادية في اتحاد الكتاب ....وأنت لا تعرف عنها شيئًا ما هي الحقيقة؟

- حسب معلوماتي وحسب اعترافات سميح القاسم هنالك ميزانية وإمكانيات يحصل عليها من جهات رسمية معترف بها ،  وأنا كنائب رئيس من حقي معرفة كل شيء ،  والمسألة المادية ليست هي التي تهمني فقط وأدت إلى استقالتي ، فأنا أستطيع إصدار  كتاب على حسابي الخاص... لأنني أثق أن هنالك قراء يستطيعون شراء كتابي ولست بحاجة لأحد .

 

- أنت كناقد مطلع على الشعر العربي... سأعطيك بعض الأسماء من شعرائنا وأرجو أن ترتبهم حسب مقدرتهم الشعرية ،  وما هي إيجابياتهم وسلبياتهم ؟

أولاً الفكرة رائعة ، وأرجو أن تسأل كل من تقابلونه عن هذه الأسماء الأدبية برغم الحساسية التي قد تؤذي واحدًا وترضي أخر، سأقول لك رأيي ،  وطبعًا رأيي غير ملزم .

أحمد حسين :  صاحب ملكة شعرية رهيبة ، القصيدة أو الجملة الشعرية عنده ذات مجاز بسيط ،  لكنه يحوي في ضمنه فكرة ، القصيدة عنده ليست سلسة ، بل يعتمل فيها أكثر  من طاقة فكرية ،  مع أن هذا الشعر فيه أبداع ،  إلا انه يظل صعبًا للقارئ .

 

فاروق مواسي :   رأيي الشخصي في نفسي -  رغم صعوبة ذلك -  أقول إنني أبحث عن الكلمة المموسقة ، عن الفكرة التي تؤدي هذه الموسيقى ، والموسيقى التي تؤدي إلى هذه الفكرة بشكل انفعالي صادق.... ولا أزعم ولا أرى أن هنالك شاعرًا فلسطينيًا  يمكن أن ينطلق بإحساسه الصادق في قصيدته مثل فاروق مواسي ،  فأنا اكتب قصيدتي وأنفعل عند إلقائها ،  وأعيشها حقًا.

سميح القاسم:يعجبني إلقائه وفنه في الأداء ،  ومقدرته العظيمة في اقتناص اللحظة الشعرية ، لكني أحيانًا أحس ببعض الافتعال لديه ،  وكأنه يلاحق أو يجاري موقفًا جرت عليه الناس، ولا يمكن أن أفهم مثلاً ، تقدموا تقدموا ، قد توافق مشروعًا عامًا عاديًا ملائمًا للطبيعة أو السجية البشرية أو للحماس النفسي الشائع ،  لكنه لا يمكن أن يكون سميح القاسم كما أعرفه مثلاً من خلال قصائده الأخرى .

طه محمد علي : أرى أنه نسخة ثانية لمحمد الماغوط الذي استطاع أن يكون عملاقًا في صوره وابتكاراته وبساطته ،  فجاء طه محمد علي ليشيع هذه الفلسطينية الرائعة ، فكان أخاذًا.... ولا أؤاخذه  إن كان  كلامه موزونًا أو غير موزون ، يبقى بالنسبة لي جميلاً ظريفًا وأحب أن أقرأه .

شكيب جهشان: شاعر له حماسته وانفعاله ، لكنه أحيانًا يواصل تواصل الحنين مع الإنسان البسيط الفلاح وهنا عظمته ،  مثلاً (  أذكر ) -  قصيدة شكيب جهشان الصادقة ،  لكنني من جهة أخرى أجد النثرية الشائعة الباهتة كثيرة في مواقف أخرى -  كخطابه لأحد البطارقة أو رجال الدين المسيحيين الذين زاروا الناصرة ، فأشعر أن شعره متفاوت بين طريقتين ، وحري به أن يخلص لنفسه ولشعره أصلاً.

حنا أبو حنا: رغم أننا على خلاف في مواقف هنا وهناك في مواقفنا ...يعجبني فيه الشعبية وهو يتحدث عن الإنسان الفلسطيني البسيط كصادق النمر مثلاً ، هذه الحنينية أو البساطة أو الشعبية هي التي تميز حنا أبو حنا ،  وأنا أهنئه إذا تقدم أكثر في مثل هذه القصائد وترك طريقة" عيون تتنهد" هذا الكلام الذي لا طائل له.

جمال قعوار : مع كل حبي وتقديري اللغوي والمعرفي له لا أحس أنه شاعر -  إلا إذا اعتبرنا الشعر اتكاء على التراث  وجريًا مع المناسبة ، مرة واحدة أحسست أن له قصيدة رائعة ،  فكتبت له رسالة إلى بيته  ، والقصيدة هي رثاء زوجته الأولى ، وما زالت القافية ترن في أذني حتى اليوم ، وربما هذه القافية تشفع له أن يكون شاعرًا.

- هناك انتقاد في الفترة الأخيرة على سميح القاسم بأنه سطحي في كتاباته فما رأيك في ذلك ؟

هو ليس سطحيًا ، وأنا أترنم على نظم الجملة على اثنين هما :  أحمد حسين وسميح القاسم بالرغم أن الاثنين يختلفان في الأداء والطريقة والأسلوب .

- بعض الأدباء يقولون إن سميح القاسم يأتي في المرتبة الثانية بعد أحمد حسين في الشعر ....فما رأيك بصراحة ؟

 لا.... أحمد حسين هو القاص المتميز ،  وهذه حقيقة ، فأما الشعر فأترك المرتبة الأولى لسميح ،  وأنا اترك لك أن تترك السؤال أو تحذفه إذا لم تعجبك إجابتي  .

- هل يحس فاروق مواسي أنه مطارد ومظلوم من الآخرين؟

- أحيانًا أحس أنني مغبون أكثر من مطارد ، وذلك  عندما أجد بعض الببغاوات  التي تردد الكلمات ملوكة ومطروقة ،  وتحاول أن تمس بي وبكتاباتي من أجل أن تنجح في وجودها ،  أو أن تجد مكانها لأول مرة.... أفكر أن العلاقة الاجتماعية والعلاقة الشخصية لها تقرير أدبي في الموقعة الأدبية ،  إذ أجد نفسي أنني بعيد عن الأضواء ،  ولا أجد الأصداء الكافية -  مثلاً احد النقاد المصريين طلب مني عندما ألقيت قصيدتي في لندن أن أصور هذه القصيدة حتى يكتب عنها في جريدة الأهرام ..لأنه معجب بها ، فما لبث أن كتب هذا الكاتب في "برج بابل " أنني كنت اخطب ولا أقول شعرًا . ولم يدرك مع سعة إدراكه - أن قصيدتي " الخروج من نهر الظمأ "  كانت تنفيسًا عن الواقع المأساوي الذي نعيشه مع إخواننا في الضفة والقطاع ،  ولا ينقص القصيدة  مجازات واستعارات وطاقات شعرية ....وأتساءل :  إذا كانت هذه خطابة.... فكيف  يكون الشعر ؟

ثم إنني أحس بالغبن ...لأنني لم أجد حتى الآن الناقد المنصف والجاد الذي يأخذ أقوالي وكلمات وينقدها بجد ودون تحامل .... ولا ادري لماذا ؟ هل يعود إلى مقولة "  صعوبة شعري " ؟

أحس بالغبن عندما استقبل المعلمون كتابي " الجنى في الشعر" والجنى في النثر استقبالاً طيبًا في السنة الأولى.... ثم انقلبوا عليهما في السنة الثانية.... وقالوا إنك تقتل الإبداع .....على إثر ذلك أخذت  أحس أن الناس لا تصدق مع نفسها .

- ما رأيك فيما كتب حتى الآن عن أطفال الحجارة وهل عبر الكاتب أو الشاعر الفلسطيني عنهم وعن قضيتهم وما يجابهونه من ظلم وتعذيب  ؟

- أقول لك إن الطفل الفلسطيني أو الشخص الفلسطيني الذي يحمل الحجر ضد الغاشم المحتل لا يعرف شعرنا كلنا ،  إلا إذا كان هذا الشعر فيه ملامسة شعبية يومية وأغنية ترف على مسامعه ، فتنطلق منها حنجرته وإلا فإن هذا الشعر الغامض الذي نكتبه أحيانًا قد يسيء إلى القضية أكثر من معالجتها . نحن بحاجة إلى القصيدة التي تغنَّى  ، وحتى الآن لا نكاد نجدها ولا أعرف لماذا ، أين القصيدة التي فيها الرعوية الإنسانية البسيطة ، أين شعر الأطفال وأدبه ؟ ماذا أعطينا له ؟ نحن بحاجة إلى تغيير حقيقي والى إنسانية الإنسان الفلسطيني.

نشرت في صحيفة  الأسوار 14 / 9 / 1990

 

 

 

 

 

 

سنة اللغة العربية- إنجاز هام!!

 

- هل لك أن تحدثنا عن نشاطكم في سنة اللغة العربية  ؟ ما هي طموحاتكم ، وماذا تتوقعون من دعم ؟

إن الفعاليات والنشاطات أعراس الهوية، ولا يتوقع أحد أننا سنقدم أبحاثًا عجز عنها مؤتمر الخرطوم في تعليم اللغة، ولا نقول إننا سنجيب عن الأسئلة حول وظيفة اللغة الفصحى في حياة الفرد العربي في المجتمع المحلي. وليس من وكدنا أن ندرس أسباب ازدواجية اللغة، ولا أن نناقش طريقة تعليم(المحفوظات) التي كانت، ولا مسالة التسكين في آخر الكلمات في حديث المثقفين. فمثل هذه النقاشات تقحمنا في جدل من أجل الجدل، وفي أجواء المهاترة والاستعلاء، وما أكثرها اليوم!

      منذ بضع سنوات أخذت وزارة المعارف تتبنى فكرة "الموضوع المركزي على مدار السنة" فخصصت عامًا للديموقراطية، وآخر للقانون، وقد يكون العام القادم مخصصًا للهجرة اليهودية، فماذا يضيرنا إذا وازينا قرارات الوزارة بقرارات وتطبيقات تلائمنا؟ فالشرح عن الديموقراطية والحفاظ على القانون لهما مدلولات  ومداخل خاصة في وسطنا.

      فهل يتوقع أحد أن تكون لنا وزارة خاصة تزودنا بالموارد المالية  والإمكانات العملية؟ وهل نجدد إذا قلنا إن ثمة تمييزًا وإهمالاً يوجهان إلينا. فلنكلف أنفسنا ما في وسعها، وليظل النضال رائدنا، ولنبدأ حتى بالقشور كما سماها البعض فهذا أفضل بكثير من التكتّف والقعود للثرثرة والتشكيك.

      ثم، من الذي أوهمهم بالمساواة حتى أخذوا يطابقون وضعنا بوضعهم؟ هل الغرف الدراسية ووظائف التفتيش والعلماء النفسيون والاستشارة التربوية والتعليم المهني و.. و.. كل هذا بخير حتى أخذنا على الوزارة هذا التقصير فقط؟ وهل يتوقع أحد منا اليوم أن يعمل المركز التربوي لوزارة المعارف في إيجاد الأشرطة والوسائل الفنية باللغة العربية؟.

      لنقم بما نستطيع القيام به، ولندع أغنياءنا- ممن انعم الله عليهم ولا يشعرون أن نقصت ميزانيتهم قليلاً- أن يتبرعوا ويركزوا أنفسهم لغة وموقفًا ومع ذلك، لنطالب بتطبيق ما وعدت به الوزارة من جوائز تربوية في المجال اللغوي وقد اشترطت في منشورها على ما يلي:

أ) أن تكون للمدرسة خطة شاملة للتربية اللغوية.

ب)أن تكون قد قامت بنشاط مبرمج في :

1-    تعيين مواعيد ثابتة للمطالعة.

2-    وجود مكتبة مدرسية.

3-    أن يكون المعلمون والمربون على اطلاع دقيق مسجل على وضع المطالعة الشخصية لكل طالب.

4-    وجود مكتبة صفيّة.

5-    أن يقرأ كل طالب خمسة كتب على الأقل.

6-    قيام المدرسة بنشاطات مركزية مثل أسبوع الكتاب، معرض كتب، لقاءات مع أدباء، مسابقات، إعداد لافتات وزوايا خاصة لتشجيع المطالعة، نشر أنباء عن كتب جديدة

7-    قيام المدرسة بفعاليات يشارك فيها الأهالي لتشجيع القراءة.. انتبه! كم من الأهالي مستعد في الحقيقة للمشاركة!.

وقد أشار الأستاذ محمود أبو فنة إلى أن الوزارة " قررت أن تمنح شهادات تقدير وجوائز مادية تشجيعية للمدارس والطلاب الذين سيمتازون بفعاليات ومبادرات تسهم في تعميق التربية اللغوية وتؤكد الالتقاء والإثراء المتبادلين بين اللغتين الشقيقتين العربية والعبرية"( المواكب عدد شباط 1990) وسواء وفت الوزارة بوعدها أم لم تف، فجدير بمن يملك الغيرة اللغوية أن يقوم بواجبه، ولا يتخاذل حتى في الأشهر المتبقية من هذا العام المدرسي،لأن كل نشاط لغوي وثقافي وحضاري مطلوب دومًا، ولا نحدد له فترة زمنية، وإذا حددناها فإنما على سبيل التذكرة وتحفيز الهمة.

- هل لك اقتراحات عملية لتطوير مشروعكم اللغوي ؟

  كنت قد اقترحت في اجتماع لجنة المتابعة في سخنين أن تصدر كل شهرين مجلة خاصة، تلخص نشاطاتنا وفعالياتنا، لأن هذه المجلة ستكون بالضرورة محفزًا للمتقاعسين.. ولم يتحقق لنا الأمر. وهاءنذا أقترح اليوم في "كل العرب" أن تتبنى كل سنة موضوعًا مركزيًا موازيًا لما يتبناه الوسط العبري، فإن لاءمنا أخذنا به، وإلا كيّفنا الموضوع لظروفنا واحتياجاتنا. وإذا لم نحصل على الموارد المادية فعلينا أن نطالب الوزارة من جهة، ومن جهة أخرى أن ندعم كل فعالية بطاقاتنا وإمكاناتنا، فكم من مسجد أقيم؟! وكم مدرسة أقيمت بسواعدنا! فلماذا لا يكون حظ لغتنا-معشوقتنا- حظًا وافرًا نجود له بالنفيس فبل النفس.

      إن افتعال الخلاف في. هذا المضمار بين وزارة المعارف ولجنة المتابعة ليس له ما يبرره، فالمحاضرون الذين يفدون إلى المدارس يأتون بدعوة من مديريها. وليس من الضروري أن نتركز كل مرة على نقاط التشابه مع العبرية، كما تفترض وزارة المعارف اليوم، فاللغتان من أصل واحد، وهذه بديهية، وكل اجتهاد في العربية أو العبرية هو اجتهاد مبارك وهذه الوزارة- في منشورها- تطالب بإجراء مسابقات في التعبير الكتابي ،  فهل من المنطق إجراء ذلك بالعبرية؟ ويتطرق المنشور كذلك إلى الاهتمام بالخط العربي وإلى التعبير الشفوي وإلى التركيز على شخصية أدبية و.. فهل تقوم مدارسنا بذلك بالعبرية الفصحى؟.

      إن مدير المعارف العربية - الشخصية التي عملت وراء الستار من أجل تبني الوزارة للموافقة على سنة اللغة العربية والعبرية في مدارسنا، مدعو لمواصلة موقفه البناء والايجابي.

      سأجمل القول: لنستمر في أخذ أمورنا بأيدينا للحفاظ على لغتنا وأدبنا. ومن يعمل القليل أفضل من الذي يبيع الكلام، وكل خطوة، وكل كلمة، وكل موقف، هو لنا ولطلابنا، ومن يدري فقد نقول عن هذه السنة: "هذه سنة لها ما بعدها " وحيا الله من يعمل.

 

صحيفة "كل العرب" في الجمعة 6\4\1990

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حوار قصير مع د. فاروق مواسي (نائب رئيس الاتحاد العام للكتاب الفلسطينيين في إسرائيل)

 

لن أقدمك للقراء ،  فكتاباتك وكتبك وفيرة، ولكني سأسالك عن آخر ما أصدرت" قبلة بعد الفراق" ما مضمونه؟

قصائد لحمتها الرفض للاحتلال وسداها حب هذا الوطن.

       هل كتب عنها النقاد في العالم العربي؟

علمت تلفونيًا أن مقالا نشر في صحيفة "المساء" في القاهرة، ولكن يهمني ما كتبته فلسطين الثورة في تقييم الكتاب... وأنا أعتز بهذا التقريظ...

       وماذا مع ديوانك بالعبرية "الأحزان التي لم تفهم" هل كتبته بالعبرية؟

كتبت فيه قصيدة واحدة فقط بالعبرية، وقرأتها في مهرجان الشعر العالمي الأول في القدس، ولاقت استحسان الجمهور. أما سائر القصائد فقد ترجمها روجيه تابور عن  قصائدي بالعربية.

       نقرأ يوميًا عن نشاطك في سنة اللغة العربية، عن أي المواضيع تحاضر؟

أود أولاً التأكيد على أهمية هذه السنة رغم تحفظ بعض الزملاء ،  وكم أسعد عندما أرى المدارس تستقبل المحاضرين، تعد المجلات، تسمي صفوفها بأسماء أعلام من أدبنا، تجري مسابقات في الإنشاء ، وتقيم نشاطات وفعاليات لغوية متعددة... أقول : ها نحن نعمل ولو القليل،وهذا أفضل ممن يتاجرون بكلام الهواء." وطق الحنك". هذه الصحف تنشر يوميًا عن نشاط مدارسنا، وبعضنا ما زال يتقول ويتفلسف بأنه يجب أن يكون تخطيط مسبق. أقول للمتشاغلين والمتفرجين: وقل: " اعملوا فسيرى الله عملكم "  وسيراه أبناء شعبنا وطلابنا أحباؤنا.

       سألتك أيضًا عن أي المواضيع تحاضر؟

أتحدث عن اللغة: تطورها وحاضرها، وتطلعاتي لمستقبلها.

 

 

       مم تتضايق على الصعيد الأدبي؟

أتضايق من قزم يطاول ويتطاول، من الادعاء والتعالي من غير رصيد. نكرة تريد بالقوة أن تكون معرفة، ضفدع ينق ويقول اسمعوا غنائي. أتضايق من الذي لا يجد إلا الهجوم والنقد اللاذع، وهو لا يحسن صنعًا، وكم تضايقت من بعض الذين تهجموا على كتابي" الجني في الشعر" و" الجنى في النثر" يتطاولون عليهما بعد أن درسوهما وأفادوا منهما. تهجموا على كتب الإنشاء التي نفكر في إعدادها من قبل أن تظهر.

      إن ذهبنا إلى محاضرة قالوا "محب للظهور" ، وإن كتبنا القصائد الغامضة قالوا"محب للتعمية"  ، وفي هذه الأيام سنؤسس جمعية لغوية لتخليص لغتنا من شوائب الخلط مع العبرية وها هم يقولون" من أنتم؟" ولي عزاء أن هناك من يقول "  الله يعطيكم العافية "  ويشد على أيدينا.

       حصلت مؤخرًا على جائزة وزارة المعارف للتفرغ والإبداع. فماذا ستقدم لنا خلال هذا العام؟

سأعمل على نشر سبعة كتب معدة للنشر. وآمل أن أتمكن من ترجمة أطروحة الدكتوراة المكتوبة بالعبرية.... وما أصدق القول:" العمل كثير... والزمن قصير".

 

                                             صحيفة "هذا الأسبوع" حيفا- في: 12\4\1990.


 

لقاء مع الشاعر فاروق مواسي

(عضو لجنة التحكيم في جائزة رئيس الحكومة)

 

       أولاً أرجو أن تعرفنا على هويتك:

- فاروق إبراهيم مواسي اجتزت الأربعين حديثًا  ،  وما زلت اقرأ وأكتب... وهذه خلاصة الخلاصة.

       عرف نفسك: شاعر قاص ناقد باحث.... من أنت أدبيًا ؟

- إن قلت لك "  كلها " يكون نوعًا من الغرور ،  ولكنها الحقيقة مشحونة  بشيء من التواضع.

   في الشعر أصدرت خمس مجموعات هي على التوالي:_

"في انتظار القطار"- 1971- ، "غداة العناق"- 1974-، " يا وطني"- 1977- ، "اعتناق الحياة والممات"- 1979- ، ومجموعة للطلاب" إلى الآفاق"- 1979-.

في القصة:

ستصدر لي مجموعة قصصية عن منشورات البيادر بعنوان"أمام المرآة"

في النقد:

صدر لي "عرض ونقد في الشعر المحلي"- 1976- ، "دراسة عن صلاح عبد الصبور شاعرًا مجددًا"-1979- وفي النقد التربوي" أستاذ قد الدنيا"-1979-.

       ومع هذا النشاط فأنت ما زلت طالبًا في الدراسات العليا:

- نعم فأنا في المراحل الأخيرة من رسالة الدكتوراة وموضوعها: " شعر مدرسة الديوان: العقاد، المازني، عبد الرحمن شكري" وهي قيد الطبع ثم المناقشة... وعند الفراغ منها سأتحدث عن مدى التجديد فيها.

       لابد انك زرت مصر ما دمت تتحدث عن أدبائها.

- بالطبع فقد كنت في بيت المرحوم العقاد ، واجتمعت إلى عائلته ،  وأفدت من كتبه ومن مختاراته ، وقد أهدوني مشكورين مجموعة من كتبه. وأصارح القول إن هذه الكتب لا يجب أن تكون ملكًا لأحد بما فيهم أنا .

       وما هي نشاطاتك المحلية في قريتك باقة الغربية؟

- بالإضافة إلى عملي ضمن إدارة المدرسة الثانوية ،  وإلى تدريس اللغة العربية فيها فإنني قمت ببعض النشاطات أذكر منها .

عقد ندوة اشترك فيها تسعة من أبناء باقة الغربية ،  وذلك في المركز الثقافي في القرية.

إصدار مجلات في المدرسة الثانوية ضمن حصص التربية الاجتماعية منها "آراء وأصداء"،" الباقة"،" أشذاء".

وأعكف الآن على إعداد كتاب عن تاريخ" باقة الغربية حتى سنة 1948" ومن مصادري الهامة في هذا الكتاب ما جمعه الشيخ محمد رشيد صفا الذي اهتم بالموضوع بشكل خاص. بالإضافة إلى ذلك نقوم بندوة ثقافية أسبوعية يشترك فيها الأستاذان محمود غنايم وجمال قعدان ، وتعقد هذه الندوات في بيوتنا.

       أنت ممثل رابطة الكتاب العرب ضمن اتحاد الكتاب في إسرائيل.... ما هي نشاطاتكم؟

- قامت الرابطة بنشاطات في أول مسيرتها إذ أصدرت مجلة"مشاوير" التي حررتُـها أنا وصديقي جورج نجيب خليل، وقد أقمنا ندوات ثقافية وأدبية اشترك فيها بعض أعلام الأدب في بلادنا.

      لقد توقفت"مشاوير" لأنها لم تحصل على دعم مادي أسوة بما تحصل عليه زميلتها "موزنايم" العبرية، إذ تحصل الأخيرة على ملايين الشواقل سنويًا حسب ميزانية الاتحاد. وقد كتبنا محتجين فكانوا كل مرة يقولون لنا قدموا الميزانية .....فنقدم ....ولكن هيهات.

الرابطة مشلولة ، وهي بحاجة إلى وقفة جديدة ، وهي ليست بحاجة حتى للدعم من المعارف إذا انضم إليها الكتاب العرب بمختلف اتجاهاتهم وتياراتهم.

      أستطيع أن أقول إن أهم إنجاز حققناه هو تخصيص جائزة رئيس الحكومة لأديبين عربيين سنويًا. وهذا إنجاز حتى ولو كانت هناك لدى البعض  بعض التحفظات.

 

 

       ما هو تعليقك على جائزة رئيس الوزراء؟ أليس في ذلك بعض ما يثير التساؤل؟

جائزة رئيس الحكومة لا تعيب صاحبها ،  فقد يتغير الرئيس وتبقى الجائزة، ثم من قال إن من يحصل على جائزة رئيس حكومة معين يوافق سياسته بالضرورة.

هذه الجائزة رسمية وهي أقل ما يمكن أن نحصل عليه. طالبنا بهذا منذ سنوات ونطالب بأن يأخذها المستحقون لها، كما نطالب بأن تكون جوائز أخرى من مؤسسات وبلديات.

      إننا نطالب كذلك بجائزة تفرغ للأديب العربي ،  ونطالب أن يمثل أديبنا في جميع المؤسسات.

       ما هي الاعتبارات التي اتخذتموها في قرار منح الجائزة ولمن أعطيت؟

- لجنة الجائزة كانت مؤلفة من البروفيسور دافيد صيمح من جامعة حيفا ، ومن الأديب سمير نقاش الذي حاز على هذه الجائزة قبل سنتين ومني. وكان الاختيار بالإجماع على:

      الجائزة الأولى ومقدارها عشرون  ألف شاقل للأديب ميشيل حداد الذي أصدر ست مجموعات شعرية وأخرى مترجمة للعبرية "تراكمات" ،  كما رعى الأدباء الشبان في مجموعته "غرة على جبين الصبا" وهو يستحق هذه الجائزة لتجديده في الشعر ولجو الألفة الذي يشيع في قصائده وخاصة الأخيرة منها .

      الجائزة الثانية للأديب محمود عباسي وقدرها خمسة عشر ألف شاقل ، وذلك على مسرحيته "وفاء أم" ، وعلى مساهمته للمسرح عامة ،  فمحمود رعى مجلة الشرق ،  وأعد للطبع أكثر من مائة كتاب للأدباء المحليين ، كما ترجم عن العبرية والإنجليزية ،  ويبلغ مجموع كتبه زهاء الأربعين.

       لنعد إلى مجلتكم "مشاوير" ما هي  الإنجازات التي حققتموها عند إصدارها؟

-        قدمت أسماء جديدة نعتز بها اليوم كياسين حسن وأسامة حلبي.

-        ترجمنا من الأدب العبري والأدب العالمي -  الأمر الذي انفردنا به.

-        نقلنا من الأدب العبري المعاصر ،  وأبقينا على الصلة مع أدبنا في الخارج.

ضمت مجلتنا مختلف التيارات الكتابية ،  ولا تعجب إن قلت إننا نشرنا مادة ضد أدب محرريها.

ومن العجيب أنها حوربت من أكثر من جهة ،  وفي هذا القول إشارة.

       ما هي مشاريعك للمستقبل؟

- بعد أن أحصل على الدكتوراة خلال الفترة الوجيزة بودي إصدار عدة كتب ، وأنت كما ترى أنها بحاجة إلى دار نشر قائمة معدة.

-        أنطولوجيا الشعر الفلسطيني مع مقدمة.

-        دراسات في الشعر الفلسطيني.

-        من أحشاء اللغة (دراسات لغوية).

-        تاريخ باقة الغربية حتى 1948

-        لغة بدر السياب وصلتها بلغة المصادر القديمة (رسالة الماجستير) .

-        ترجمة رسالة الدكتوراة إلى العربية وهي عن مدرسة "الديوان".

-        إصدار مجموعة شعرية لي باللغة العبرية.

-        شعر فاروق مواسي في ميزان النقد.

صحيفة "الأنباء" في 1/6/1983

أجرى الحوار: إميل خزعل

 

 

 

 

 

 

لقاء مع د. فاروق مواسي (نائب رئيس الاتحاد الكتاب العرب)

 

آلام وآمال في مسيرتي الأدبية

 

التقيت الدكتور الشاعر فاروق مواسي، وبدا لي من ملامحه أن ثمة الكثير مما يحب أن يفضي به، قد يكون همًا يساوره أو تساؤلاً يعانيه، وأنا أعرفه ديناميًا وصاحب مبادرات يقيم الورش الأدبية والمنتديات الفكرية، فما باله اليوم وفي عينيه تساؤل وقلق ؟ قلت له مستفزًا:

       لقد أصدرت مؤخرًا ديوانًا جديدًا هو "الخروج من النهر" فهل هناك قراء حقًا للشعر في مثل ظروفنا الاقتصادية والاجتماعية هذه ؟

- أعترف بندرة القراء وقلة القراءة، فالكتاب الذي كان يطبع منه ألف نسخة صرنا نكتفي بإصدار خمسمائة، يوزع أكثرها إهداء للصحف والأصدقاء. إننا نعاني هذه الحالة وضعًا غريبًا، فلا مشتري، ولا مناقش، ولا ناقد جاد، ولا محتفي بالكتاب ولا ما يحزنون.....

       إذن أنت يائس ...هل أفهم من ذلك أنك لن تعيد الكرّة؟

- لست يائسًا، وإنما سأنشر ،  فهذا قدر أُساق إليه وأنا سعيد.

        ولكن مع ذلك هناك مجلات عربية كثيرة، وكتب محلية تصدر تباعًا بمعدل كتاب كل يومين، إذًا هناك نهضة أدبية وفكرية، وهذه النهضة لا تتحقق بدون قراء، كيف تعلل ذلك؟

- قد تحصل بعض المجلات على إعانات من هنا وهناك، وقد تخسر، وقد يستدر الموزعون جيوب القراء وعواطفهم، أنا لا أنكر أن عندنا قراء. قلت "إنهم نادرون". ففي قرية مثل باقة الغربية لا تجد أكثر من عشرة قراء حقيقيين، بينما تجد أكثر من عشرين يشترون، وهذه النسبة تظل ضئيلة ،  فليس كل من اشترى قرأ، وليس كل من قرأ فهم، وليس كل من فهم ناقش، وليس كل من ناقش كتب ودوّن، هذا إذا استحق ما ناقشه التدوين.

       لكن ما هو السبب؟

- السبب الأول في نظري  لتردي مكانة الكتاب المحلي هو - كثرة الطباخين أو المتسلقين وضياع المقاييس، فالصحف كثيرة ولكل صحيفة "قبيلة". ويختلط الغث بالسمين، هذا إذا كانت مادة ثمينة  أو سمينة حقًا.

      والسبب الثاني هو الكتابة المجانية، فأنا لا اعرف مكانًا آخر في العالم يكتب فيه الكتاب بالمجان- باسم التطور وخدمة المجتمع والتضحية، ونبل المقاصد وسموها وترفعها عن المال. ناسين أن هناك كتابًا حقيقيين هم بحاجة إلى دعم مادي ،  وهذا حق لهم.

       سأسألك على المستوى الشخصي أنت شاعر، ناقد، قاص، باحث، كيف تعرّف نفسك، ألا ترى في ذلك ضياعًا لتحديد هويتك الأدبية؟

- ولماذا لا أكونها جميعًا إذا نبعت من الصدق وعكست واقعًا؟ ليس المهم اسم اللون الأدبي ،  وإنما المهم هو المضمون، وأنا لم أجد أحدًا عاب جبرا إبراهيم لكونه يجمع ألوانًا عديدة، كما لم أجد أحدًا عاب المرحوم صلاح عبد الصبور أو فاضل العزاوي ..... من الطريف أن أذكر أن أحد الباحثين المحليين حدد قصيدة لي وسماها"قصة قصيرة"، وحدد قصة وسماها"قصيدة". احترنا يا قرعة...

 *    ما الذي تجده مثبطًا في مسيرتك الشعرية؟

- يزعجني أن القصيدة الوطنية لا بد فيها من مباشرة إذا أردنا التوصيل والاستثارة والاستقطاب، ومع ذلك يأتي أحدهم ويكتب في مجلة"فلسطين الثورة" التي من واجبها أن تعتز بإبداعاتنا ويقول:" إنه كلام عادي ولا جديد فيه" هكذا بمنتهى البساطة وبأستاذية غير مقنعة وفجة لا تعرف مدى المعاناة في كتابة كل بيت وكل كلمة.

      في رأيي أن الشعر الوطني يجب أن يمازج بين المباشرة والإيحاء، ولا معنى للكلام القاتم والمبهم، إنه ضياع ومتاهة لا نخرج منها بقدر ما تتورط فيها.

ويزعجني أنني لا أستطيع نشر قصيدة الغزل بسبب ظروفنا السياسية وإراقة دمائنا يوميًا.

 ويزعجني أننا لا نعطي الأطفال شعرًا وأدبًا ،  ولدي اقتناع أن الشاعر الجيد لابد من أن يكون قادرًا على إبداع ما هو جيد للأطفال ،  وقد وجدت كتابي  "  إلى الآفاق" - ديوان الطلاب" مقصرًا  ، والقصور ليس مقصورًا علي.

       هل أنت راض عن نفسك ناقدًا في  الحركة الأدبية المحلية؟

- أنا لا أقتنع بالكثير ممن يكتب ،  وأسكت.... وهذا عيب. والصعوبة في نقدي أنني أنطلق من رؤيتي النقدية التي تواكب إبداعي وإنتاجي... وفي هذا ذاتية. حاولت أن أفهم القصيدة بمنهج خاص لي أبحث في كل مرة عن: أ- المضمون. ب- الوسائل الفنية وطريقة الأداء. ج- طريقة توظيف اللغة والألفاظ. د- الإشارات الثقافية أو التاصات  هـ- أسئلة مثارة من خلال القصيدة. فإذا ببعض الأدباء يخرجون كتابيَّ "الجنى في الشعر الحديث "و"الجنى في النثر الحديث " من دوائر النقد الأدبي، لأنها تتعامل والنصوص المدرسية، ولما أن وصلت إلى بعض المعلمين رفضوا استعمال التحليل من قبل الطلاب، لأنه أعلى من مستواهم، ولأنه يجيب عن كل التساؤلات بمستوى نقدي جاد فقالوا إن الجنى جنى على العقول ...يا حرام !!!

      وبرغم ذلك أجيبك: أنني راض عن نفسي ، لأن المعلمين في قرارة النفس يعرفون كم ساهمت هذه الكتب في الرؤية النقدية للقصيدة الحديثة. وإنني أدعو صادقًا بعض المفكرين منهم  أن يحللوا القطع الأخرى التي لم أقم بتحليلها حتى أفيد أنا أيضًا  منهم كما يفيد الطلاب. فالذي يجرب يعرف معنى أن يجرب الآخر.

       نقرأ في مجلة"القنديل" التي تصدر عن مؤسسة"كل العرب" مقالة في كل عدد تحت عنوان"من الأعماق" فما الغرض منها؟

- إنها تركيز على سلبياتنا. اعتدنا دائمًا دائمًا أن نلقي بالثقل ونشير بإصبع الاتهام على السلطة. مرة واحدة علينا أن نحاسب أنفسنا. صحيح أن السلطة لابد أن يكون لها تأثير ما، ولكن أكبر اللوم هو على أنفسنا. فمن القضايا التي عالجتها: زواج البدل والجرائم العائلية التي تحدث، وحشر الأنف والتطفل وخطاباتنا على المنابر، وسباقنا للحصول على مناصب لا نستحقها .....وقس على ذلك.

إنني أتعمد  أن أكتب كل مقالة بصورة فنية تلائم المستوى الأدبي والاجتماعي معًا.

       وما رأيك في "الأبحاث" ومدى كتابتها؟ أين أنت منها؟

- من الصعب أن يجد الباحث موضوعًا يتحدث عنه ويغني القراء، فأنا لا أعرف من سيهتم بذي الرُّمة أو من سيشتري دراسة منهجية من شعر مدرسة الديوان.

      إنني أطمح إلى تحرير مجلة أبحاث فلسطينية تدفع لقاء كل بحث مبلغًا معقولاً ، لأنه ليس منطقيًا أن يتفرغ الباحث أيامًا وليالي ويقبض ريحًا. المبلغ سيكون ولا شك لشراء الكتب والمصادر ، ويجب ألا نقتصر على"شكرًا" ،  أو يشيح أحدهم برأسه قائلا:"هذا المقال لا يساوي شيئًا"بعد أن هلك كاتبه ....وأؤكد أنني لابد من أن أحقق ما أصبو إليه ما دامت عافيتي بخير.

       نشرت بعض القصص... وتوقفت ،  فهل لذلك سبب؟

- القصص التي سميتها "قصص قصيرة جدًا" فيها تركيز وتكثيف ومعاناة وفلسفة حياة، ومع هذا لم تجد هذه القصص لها صدى. تصور أن أحد الصحفيين يكتب في"الديار" عن إحدى هذه القصص: "هذه مقالة" ويتهمني بأنني لا أعرف قواعد القصة؟! أليس هذا من المضحك المبكي ،  وخاصة من كاتب ناشئ. لقد اعتادني الجمهور شاعرًا وناقدًا واكتفى، ولا أدري إن كنت سأنشر قصصًا في وقت لاحق ،  فالأمر ليس بيدي. هناك دافع داخلي يرغمني ويقول:"اكتب" .....فأقوم منقادًا  ، وأحيانًٍا لا أعرف ما سيكون المولود ....قصيدة/  قصة/  مقالا؟

 

       لقد أبديت لي بعض التذمر مما نشر في"كل العرب" حول الأدب فهل لك أن توضح للقراء ذلك؟

تذمرت من مقالة للأستاذ فرج سلمان وهو يسخر من الحوار لضم اتحادي الكتاب في اتحاد واحد، علما بأن مقالاته الكثيرة تدعو للوحدة، وقد أنكر علينا الحديث عن المناصب ،  وكأننا نعيش في المريخ، أو كأن هناك أي شعب لا يهمه المناصب، وأظهرَنا وكأننا صغار لا تهمنا قضية شعبنا، باختصار لقد أساء هذا المقال له أكثر من إساءته لنا، وثانيًا ساءني ما كتبه الصديق عمر الزعبي حول تكريم الشاعر الصديق سميح القاسم وكان الأمر جريمة ،  وأنا إذ أبشره أن سميحًا رفض التكريم إلا أنه يؤلمني جدًا هذا الرفض ،  فليس التكريم لشخص سميح، وإنما هو للمرحلة الأدبية التي قطعها سميح وإلى النضال والمثابرة. ....إنه تكريم لقضية شعب، وأنا أتطلع إلى اليوم الذي نكرم فيه شخصياتنا من منطلق وطني ،  وأن نعيش حياتنا بدون عقد ..وبدون لؤم.. وبدون حقد... وبدون مزايدات.

       ومع ذلك يبدو انك متفائل في أدبنا وفي شعبنا؟

نعم وأنا اسمي شعبنا هذا "شعب المبادرات" لقد تعودنا أن ننتج، نعمل ولا ننتظر أحدًا  ، لأن أحدًا لن يسعفنا، أقمنا المؤسسات، ألفنا الكتب، نشرنا... ونحن لا نزال نعطي. وأعدك برغم كل ما تذمرت منه أن أبقى سائرًا أعطي وأنتج. فهل اقتنعت بأنني ما زلت متفائلاً.

       الله يعطيك العافية ولك الشكر على هذا الحديث الصريح.

صحيفة  "كل العرب"- الناصرة- في: 4/5/1989

أجرى الحوار: عبد الرحمن مجادلة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 مع د. فاروق مواسي شاعرًا وناقدًا

 

في منزله الجديد في باقة الغربية وفي مكتبته الضخمة التي يعتز بها صاحبها أيّما اعتزاز كان لي هذا اللقاء مع الدكتور الشاعر فاروق مواسي.

 وقد ارتأيت أن أطرح عليه بعض التساؤلات التي قد يجد القارئ فيها بعض ما يشفي غليله من التعرف إلى طبيعة الأدب المحلي وما يعتوره أحيانًا من صعود وهبوط. أهداني المضيف كتابه الجديد"حديث ذو شجون"، فكان لابد من أن أجاذبه  هنا أطراف الحديث:

       ما هي رسالتك في هذا الكتاب، وهل هناك إطار يجمع هذه المقالات الاثنتين والثلاثين؟

- هذه مقالات اجتأدبية.

       تعني اجتماعية -أدبية؟

- نعم. عالجت من خلالها قضايا أرمي من ورائها الإصلاح في المجتمع،لأن ذلك أهم ما يشغلني في معركتي من أجل الحق والحرية والجمال والحب. الأديب هو في مركز الأحداث ،  ولا يمكن أن يقف على حدة ما دام اللهب يطاله. هنا أنقد، ومع النقد أطرح حلولاً.

       ولكن، هل  ثمة ردود فعل لما تكتب من معالجات؟

- لي مقال في الكتاب بعنوان:"لكل صوت صدى"، وفي هذا إجابة. وهنا يطيب لي أن أذكر ما وافاني به الشاعر أحمد طاهر يونس الذي نيّف على الثمانين، إذ يقول:

" فلله درك يا دكتور على معالجتك لمشاكلنا الاجتماعية، وما أكثرها ،  وكيف رأيتك تنقد بغير إجحاف، وتصف الدواء بتجارب المربي القدير."

وأنا أعتز بهذه الرسالة وبردود فعل منصفة أخرى... ولا شك أن كل كاتب يجد المتعة بمثل هذا الدعم وهذه الحرارة.

       في تصفحي السريع لهذه المقالات رأيت أن لك مواقف ومفاهيم لمعاني الوطنية والأخلاقيات في المجتمع العربي، ألا يدل ذلك على أنك تنكأ جروحًا؟

- فليكن! وهذا أول ما على الكاتب أن يقوم به، لا أن يدغدغ ويداري ويواري. لقد أحسنت في سؤالك إذ توضح أن لي موقفًا، والإنسان أو الكاتب هو موقف.

   في مقالك"امرأة طامحة"-ص51- تقول عن"حنان عشراوي إنها أثبتت قدرتها على قيادة الدفة،"        

      "وإن المرأة العربية إذا أُعطيت الإمكانية والظروف كانت أهلاً لكل مسؤولية تناط بها،وليست    

       رهينة المحابس ،  فالمرأة التي قصرنا اهتمامنا عليها ضمن دائرة جنسية ضيقة (نابعة من عقدنا- نحن  الرجال) كانت بيانًا وسحرًا هذه المرة على لسان هذا "الحنان" الرائع ، والجلد الأخاذ ،  والموقف النبيل والجمال والطيب"

- ما رأيك- على ضوء ذلك  فيما كتبته دالية بشارة في "الاتحاد" 2/9/1994 حيث رأت انك تنظر"إلى المرأة كجسد،  وتعمل على تجريدها من إنسانيتها في الشعر أو في المجتمع" وذلك من خلال ديوانك الأخير"ما قبل البعد"؟

- أولاً: تعرفت إلى دالية بشارة في "الورشة الأدبية" التي كنت أقيمها وأشرف عليها، وقد شجعتها على النشر وكتابة النقد لتمارس موهبتها. ولكنها في هذا المقال اشتطت وخلطت جملاً وأبياتًا قيلت في سياقات أخرى ،  وجعلتها كأنها موجهة للمرأة، ولا يثبت أي اقتباس ما تدعي به، فقصائد الغزل من الطبيعي أن يكون التركيز فيها على الجسد ونعمته، لكن هذا الشكل لا يمكن أن يكون بدون مضمون، وحتى القصيدة التي أحزن فيها على المرأة التي تحتضر وهي تزف ابنتها، هذه الابنة التي ستعشق الحياة كأمها تراها دالية بمنظار سلبي رغم ما يشع في هذا الموقف من إنسانية. والقصيدة التي أتعاطف فيها مع "عانس"، والتي "لا يسأل عنها رجل يمنحها سره" لا ترى دالية في هذا الموقف تعاطفًا ونقدًا لمجتمع يضطهدها، بل تذهب بعيدًا في خيال غير صحي، وكأن الرجل ليس ضروريًا لها. ولن أتحدث عن قصورها في سبر أغوار القصائد الوطنية والقصائد الموجهة لمحمد عفيفي مطر ومحمد على طه ولعكا.

       على ذكر هذه القصائد، ما هو الخط أو السلك الذي يضم قصائد "ما قبل البعد"؟

- الديوان مبني من ثلاثة أقسام: الأول "كشف في دفتر الوطن" والثاني "مكاشفات" والثالث "كشف في دفاتري- قُصَيّدات".

       لي ملاحظتان: الأولى- استعمال "الكشف" في كل قسم والثانية- تصغير قصيدة إلى قُصيّدة، فهل أنت تبحث عن الجديد والطريف دائمًا؟

- في تقديري أن القصيدة يجب أن تحمل عناصر مستجدة فيها، وإذا كانت عباراتها مطروقة ومعانيها مسروقة فلا كانت... نعم، قصائدي ليست نسخًا مكرورة.

       لفتت نظري قصيدة كتبتها لزوجتك عفاف بعنوان "رفيقتي" نشرت في "الاتحاد"- 27/5/1994 فهل هي أول قصيدة غزلية يكتبها شاعر في زوجته في حياتها؟

قلت في مقدمة القصيدة"فإلى أم السيد أهدي هذه القصيدة لعلها تكون بادرة في أدبنا تدوّن لحسابها" وقد تفضل الدكتور سليم مخولي فكتب في "الاتحاد"(2/9/1994) وكأني قلت إن قصيدتي "فتح" في الأدب العربي ...وشتان بين معنى "فتح" "ولعلها تكون بادرة". أما إذا أراد الزميل أن يسخر من وراء هذه الكلمة فسامحه الله. وأما إذا أراد أن يتحفنا ب"قصيدتين عطرتين" للشاعرين العماد مصطفى طلاس وميشال سليمان فلا ضير في ذلك، على أن يكونا حقًا في اعتبار النقاد أنهما شاعران، أو على الأصح أن تكون القصيدتان شعرًا حقًا.

       ولكن هل وُجه لك نقد في ديوانك الأخير؟

- نعم، فقد كتب الشعر محمود مرعي مقالة في بانوراما (16/7/1994) وقع فيها أخطاء جسيمة منها

- اعتبار الأخطاء الطباعية "أخطاء إملائية" علمًا بأنه يقول "لعلمي بالدكتور أن مثل هذه الأمور لا تغيب عنه...."

- اعتبار (عِبْرات) جمعا لعبرة خطأ، مع أن طالب المدرسة الثانوية يعرف أن كل اسم ينتهي بهاء التأنيث يمكن جمعه جمعًا مؤنثًا سالمًا ..

- تخطئة "ضرجوا دمه"  ، وهي صحيحة على سبيل المجاز وليس "خطأ شنيعًا"

أما ملاحظاته العروضية فإنني أجلّها رغم أنني أتحفظ من التقيد بها، لكن الكاتب كان على معرفة ودراية، وهو لا يهرف بما لا يعرف، فله الشكر.

       الشعر يبقى كاملاً على صفحات الكتاب، فكيف يتواصل والجمهور؟ أليس عن طريق الغناء؟!

- التواصل قد يكون عن طريق القراءة وإنعام النظر، واليوم اختلفت أساليب التلقي. المهم أن تجد المتعة والمشاركة الوجدانية والفكرية. قديمًا ربطوا الشعر بالغناء، فهذي المجموعة الأدبية اسمها "الأغاني"، والبحتري أراد أن يشعر فغنّى، والعربي أذنه ألفت الإيقاع طويلاً بالقافية والوزن والرتابة، فترتفع وتائر وتنخفض في الإلقاء، لهذا يصعب الانتقال، مع أن الانتقال قد حصل.... ولا رادّ له.

       ولكن ما رأيك في قصيدة النثر؟ أليس ذلك مجرد صفّ كلام؟

- لا يمكن أن يكون صفّ كلام في كتابات محمد الماغوط مثلا، له معاناة، لا يهمني هنا الشكل الشعري. اقرأ معي هذه القصيدة للشاعر اليوناني (ريتسوس) أو هذه للشاعر الكردي (شيركه بيكه س ) هل تسأل هنا عن وزن أو بحر؟ فلماذا يجب أن نسأل في القصيدة العربية؟

       ولكنك لم تكتبها، فلماذا؟

- كتبتها مرتين، وكنت مضطرا إلى الخروج من أي نظام صارم، وفي ظني أنهما من أجمل شعري .

        هل يعني ذلك أنك تؤيد هذه الكتابة؟

- أتحفظ، ولا أشجع كل شخص أن يلج هذا الباب، وإلا أغرقنا في نثرية مريعة.

       كيف ترى الشعر في بلادنا محليًا، وعربيًا، وعالميًا؟

-  محليًا: نحن نقرأ لبعضنا البعض، وتبرز أسماء لدينا، ويعرف الواحد نفسه من خلال ندواته مع الجمهور أو تلقّيه لردود فعل من القراء.

-        وعربيًا: فنحن أضيع من الأيتام، ولا بأس هنا أن أُنحي باللائمة على هذا الإغفال لأدبنا (إلا القليل الأقل)، وأنا- شخصيًا- أشعر أنهم يعاملوننا من فوق- أقصد صحافة مصر وصحافة بيروت- وقد يكون لي عودة إلى هذا الموضوع.

-         وعالميًا: فإن شعرنا قد ترجم إلى كثير من لغات العالم ، وفي هذا مبعث اعتزاز.

        يرى الناقد صبحي شحروري أن ليس هناك أدب فلسطيني حقيقي فما رأيك؟

- أخالف هذا الرأي من خلال قناعة أولاً- هو هذا المزج بين فلسطين والحبيبة- صوفية جديدة-، وهذا السريان الذي يجري من دم إبراهيم طوقان و عبد الرحيم محمود وأبي سلمى في شرايين شعرائنا وهو رسالة تواصل، ولا أريد أن أركز على فكرة (الكنعانية)- التي لا أتحمس لها  ، ولست مقتنعًا بها- دليلاً فلسطينيًا يتعمده الكثير من شعرائنا ويتقصدونه من خلال تلاحم فلسطيني مثبت.

        كيف ترى على ضوء هذه"الفلسطينية" علاقة الكتاب على جانبي "الخط الأخضر"؟

- العلاقة ليست مُرضية، رغم وجود تواصل هنا وهناك ضمن دعوات موجهة. فمثلا لقد غضبت لأن جامعة النجاح أقامت يومًا دراسيًا عن إبراهيم طوقان، ولم يُدع أحد من شعرائنا وأدبائنا في المثلث والجليل. كم كنت أحب مثلاً أن أشارك محاضرًا في الندوة ،  أو أن تكون لي مداخلة. ولكن يبدو أن عربنا ليسوا مسجلين في أية دفاتر، والدعوات إلى عمان ومؤتمراتها الأدبية والثقافية محرمة علينا، بل إن الجوائز التي تقدمها أو قدمتها المؤسسات الفلسطينية هنا لا تأخذ أحدًا منا بالحساب.

       في هذا التسجيل سيلاحظ المتلقي أنك غير راض إجمالاً عن الواقع الأدبي... فهل استنتاجي بمكانه ؟  وهل أنا على حق؟

البحث عن الأفضل لا يجعلني أقبل الاستقرار ، ولا أقبل القناعة السلبية... إنني أنشد الأفضل على المستوى الاجتماعي والأدبي والفكري، والأدب إذا لم يحمل مع رسالته الجمالية رسالة موازية أو متداخلة(سيّان) اجتماعية فإنه ليس أدبًا.

      وأنا لست قانعًا بما حصّلت.... وشعار منـزلي كما قرأته:"وقل رب زدني علمًا"، ومن العجيب أنني أتحسر أو أتضايق كثيرًا لأنني لم اقرأ كتبًا معينة، ولم أجد وقتًا لها- على كثرة ما اقرأ- ويحضرني قول الشافعي:

"كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي

 وإذا ما ازددت علمًا زادني علمًا بجهلي"

 

وبهذا ودعت الدكتور مواسي راجيًا له الصحة والعطاء ...حتى يظل خادمًا لأمته وقضيته، شاكرًا له هذا الحديث الآخر الذي هو كذلك ذو شجون.

صحيفة "الاتحاد" 7 تشرين الأول 1994.

أجرى اللقاء: خلدون الشيخ علي

 

 

 

 

 

 

 


 

التحام الأدب والسياسة في منظار الشاعر د. فاروق مواسي

 

أصدر ما يزيد على الخمسة وعشرين كتابًا ما بين الشعر والدراسات والنقد والقصة القصيرة ، وكتب في النحو والصرف، وهو معلم ومحاضر فعال في الحركة الأدبية والاجتماعية والسياسية في فلسطين 48 ، وكاتب في المجلات والصحف داخل الخط الأخضر.

إنه د. فاروق مواسي من مواليد باقة الغربية عام 1941م والذي زار عمان لأول مرة قبل أيام، وكان للدستور هذا اللقاء الذي تم التركيز فيه على الجوانب الأدبية والإبداعية لفلسطينيي 48.

وأفضل شيء لتقديم د. فاروق مواسي هو تقديم المقابلة ذاتها ،  والتي بدأتها بالسؤال:

       أريد أن تحدثنا أولاً عن تجربتك الأدبية الخاصة، في ظل ظروف فلسطيني الـ 48 الغريبة. أشير هنا إلى العزلة الفلسطينية في المحيط الإسرائيلي.

- ولدت في قرية باقة الغربية في المثلث، وفيها أعيش. وعندما دخلت القوات الإسرائيلية قريتي كان عمري يناهز السابعة. تركَنا معلمونا الذين كانوا قد توافدوا إلينا من نابلس ومنطقتها، وبقينا أضيع من الأيتام..، ليس بيننا وبين اللغة العربية إلا ما نستمع إليه من الإذاعات، وكتب متناثرة تمزقت لكثرة ما استعيرت، ومن حسن حظي أن لي والدًا كان قارئًا، فكان في سفراته إلى يافا يقتني لي الكتب، ويحفزني على الدراسة، فاقرأ الكتاب أكثر من مرة، فتخيلوا كيف سينشأ شاب وهو يطالع كتاب (العمدة) لابن رشيق، وعليه اسم صاحبه "موسى عبد المجيد سمور- دير ياسين"، ويكتشف الفتى فيما بعد أن دير ياسين - هي هذه القرية التي أطاحت بأهلها مجزرة. ولكن..... أين موسى؟ وتعرفت على مجلة "الآداب" البيروتية في مكتبات المعاهد والجامعات، فراق لي خطها القومي، كما راقت لي تجربة الشعر الجديد التي دعت إليها، وتابعت فيها باب"قرأت العدد الماضي"، فتكونت لي حاسة نقدية، فأخذت ألخص الكتب التي تصل إلى يدي، وأعلق أحيانًا. ولا بد من الإشارة كذلك إلى مجلة "الجديد" التي كانت تزودنا بالثقافة العربية اليسارية، فكانت تقتبس مواد من مجلة"الطريق" اللبنانية ، وتدعو إلى الواقعية الاشتراكية التي اغتنينا منها في ظروفنا السياسية العصيبة ،  أو كما قلت "الغريبة"... إنها عصيبة ،  بسبب الحكم العسكري الجائر الذي فرض علينا تباعًا حتى سنة 1966، إنها سياسة اللاسياسة التي انتهجوها نحونا وما زالوا، فرافق أبناء جيلي هذا المد الثوري بدءًا من الناصرية واستقلال الجزائر وثورة العراق.... وانتهاء بقضايا عالمية مثل فيتنام التي كنا نراها صورة مصغرة لإمكانية تحررنا. ولذا فلا بدع أن ارتبطنا إنسانيًا وعالميًا بالشعر اليساري، فعرفنا نيرودا ولوركا وماياكوفسكي والبياتي وسواهم. وهذا الموقف الملتزم جعلنا نقف (وما زلنا) ونلقي الشعر في مهرجانات خطابية وسياسية. وأنا أعرف أن الجمهور وخاصة في كفر ياسيف والناصرة جمهور محفز محرك، وأظن أن هذا الجمهور بالذات كان مُستنبَت محمود درويش وتوفيق زياد وسميح القاسم. ولن أضن هنا باعتراف، وذلك أنني قرأت مقطوعة أمام جمهور في الجليل، فإذا بهم يصفقون لي بحرارة. وإذا بي أنفعل جدًا من حرارة اللقاء معهم.... وإذا بالمقطوعة في اليوم التالي تصبح مطولة.

      خلاصة القول: الجمهور له تأثيره على مسيرة الشاعر. وجمهورنا متلاحم معنا. على الأقل هكذا كان.

        الأدب الفلسطيني داخل الخط الأخضر ظلت له مواصفاته المباشرة، ولم يتأثر كثيرًا بالتجارب العربية والغربية ،  فهل خدم ذلك الأدب الفلسطيني؟ وهل كانت هناك تأثيرات على مستواه الفني؟

صحيح أن شعرنا فيه الكثير من المباشرة والتسطيح، ولكن ذلك ليس تعميمًا، فشعرنا رافد من حركة النهر العربي الزاخر، بل إنني أذهب إلى القول إن شعرنا بخطابيته التي لا تعيب قد خدم قضية الشعر الجديد، فأخذ الجمهور يصغي إلى شعرائنا وإلى وقع كلماتهم وروح معنوياتهم وبناء عباراتهم، يصفق لها، ويعجب بها، رغم أنه لم يسبر غورها- أحيانًا-.

 إن الجمهور يعي أن هذا الشاعر يحمل قضيته، فهو لا يسأل عن تفسير كل كلمة أو معنى هذه الجملة، يأخذها معنى كليًا، يستشفها إحساسًا، ثم إن شعرنا جعل الغزل ذا بعد جديد، فحمّل الأرض دلالات المعشوقة، وألبس المعشوقة ثوب الأرض، تمامًا كالصوفية التي كانت تُقرأ على مستويين، فمحمود درويش عندما يقول:

      " عيناك شوكة في القلب توجعني وأعبدها"

      أو عندما أقول أنا:

      "أتيتك مترعًا بالشوق والتذكار يحدوني الحنين

       على شفتي أغنية تلم الضوء من عينيك"

فإن شعرنا هنا يندغم غزلاً  وقضيتَه ، وذلك  في شفافية أو بوح ليس بالضرورة أن يكون من المباشرة، مع أن المسائل نسبية في القياس.

      ثم من قال إن أدبنا لم يتأثر بالتجارب العربية؟

نغالط أنفسنا إذا أنكرنا دور الشعر اليساري الواقعي والملتزم، ونغالط كذلك إذا تجاهلنا دور الإذاعات العربية التي كانت تحمل في أوائل الستينيات زخمًا من العطاء الفكري والفني.. لم نكن غصنًا مقطوعًا عن الشجرة ، بل كنا غصنًا غطته الأشواك ،  وحجبته عن سائر الأغصان.... غصنًا تنكر له الأخوة حتى بُعيد سنة 1967، يوم عرّف محمد دكروب على أدبنا فأخذت الصحافة العربية تُبدئ القول وتعيد في نضالنا الشعري أكثر مما هو عليه في شعرنا النضالي، وحتى استجار محمود درويش أو استثار  في مقولته:     "أنقذونا من هذا الحب القاسي".

       يرى بعض النقاد أن الأدب الفلسطيني خارج موقع الاحتلال أكثر حلمًا من الأدب في الداخل. درويش قال:"إن خروجه من فلسطين جعله أكثر قدره على سعة الأفق"؟!

- الحلم حلم في الداخل أو في الخارج تبعًا لمستوى الشاعرية، وتبعًا للحدث.... أدبنا في الداخل حمل الألم والأمل معًا، راوح بينهما في عناق متفائل ، وقد يرى المتابع لشعرنا أننا سجلنا معاناتنا واحدة تلو الأخرى في قصائد متباينة ومتفاوتة في مستواها الفني، لكنها جميعًا تلتقي في بؤرة الحب لهذه الأرض التي انتهكت، وعشق لهواء هذا الوطن وطيوره ونباتاته وبحره ،  وعلى ذكر البحر أرجو أن أكون قد بلغت في هذين البيتين من قصيدة لي:

      يا بحر هل كانت  بلادي درة                  منهوبة الآصال   والأسحار

      يا بحر يا وحيي وبث عواطفي          أنت الصديق، فهل يطول إساري

    

أعود إلى مقولة درويش الجديدة، وأذكره بأننا هنا في الداخل أيضًا اطلعنا على الثقافة العربية بشكل جيد، بل إنني أزعم أنني- مثلاً مطلع أكثر من الكثيرين من أدباء العالم العربي على حركة الأدب العربي الحديث في الأقطار العربية كلها. فوسائل الإعلام توصلنا اليوم بكل أفق، ومع ذلك فلا إنكار أن محمودًا  سبح في بحر، وكنا نسبح في نهر، وأنه حضر المؤتمرات والندوات التي حرمنا منها، وأعترف كذلك، بأنني شاركت في مهرجان لندن الثقافي الذي أقامه رياض الريس سنة 1988، فأثرى هذا المهرجان تجاربي الأدبية من خلال لقاءات ومعرفة لم تتح لي آنفًا.

       ما تأثير الأدب العربي على الأدب الصهيوني، ثم ما تأثير الثقافة الإسرائيلية على نتاج الأدب المحلي للعرب المقيمين منذ سنة 1948؟

- الإجابة عن هذين السؤالين تستلزم مستفيضين، ولكني سأقدم لك إضاءات فقط. بخصوص الشق الأول، فإن أكثر من تأثروا بالأدب العربي أولئك الأدباء اليهود الذين هاجروا من الشرق من الأقطار العربية، ترفدهم ثقافتنا وأدبنا، فمهما حاول سامي ميخائيل في كتاباته أن يتنصل من ذلك فإن طابع الثقافة العربية متأصل فيه - فميخائيل نشر في السنوات الأولى لقدومه إلى إسرائيل بعض القصص باسم سمير مارد ،  وشمعون بلاص هو باحث يكتب الروايات بالعبرية. وهي في مجملها ذات نفس لا يغاير أصداء كتابتنا وروايتنا.. طالعت في صغري كتابًا بالعبرية كتبه ( سملنسكي) من يهود أوروبا الذين وفدوا إلى فلسطين قبيل 1948، والكتاب بعنوان (أيام العرب) لوحات قصصية رائعة تدل على شدة تأثره بالجو العربي..والأجواء العربية هذه أثرت على القادمين الجدد كان برنر وسواه يعتبرونها المثل الأعلى. ولأنهم يوحون بذلك إلى أن العرب في فلسطين هم الذين حافظوا على التراث العبري الذي كان منذ فترة الهيكل، فالجد موسى هو من سلالة موشه حتما؟؟!!

      أما عن الشق الثاني، فالثقافة الإسرائيلية أثرت في كتابتنا بصورة قليلة وهامشية، وإذا كان هناك من تأثير ما، ففي الألفاظ العبرية والأساليب اللغوية التي اقتحمت-طوعًا أو كرهًا- كتابتنا، وهناك شعراء منا كتبوا نتاجهم بالعبرية منهم: د. نعيم عرايدي وأنطون شماس، بدعوى أنهم يجدون قراء أكثر وانفساحًا أو طاقة أكبر. ولابد من ذكر تأثير التوراة على الشعر المحلي حيث أن التوراة تراث إنساني غير مقصور على اليهود في البلاد، ولكني أرى هذا التأثير كذلك، لأن أغلبنا قرأ التوراة بالعبرية لا بالعربية. فكتب شعراؤنا عن إرميا ومراثيه وعن حبقوق وعن إشعيا وتناصت التوراة في كثير من نتاجنا.

       في مسألة التطبيع الثقافي مع إسرائيل. هناك من يرفض التطبيع لموقف سياسي بحت، وليس خوفًا من عظمة الثقافة الإسرائيلية.. وهناك من يرفض التطبيع خشية انقراض تدريجي للثقافة العربية.

-       أرى هذا المصطلح مأخوذًا من الطبيعة في التعامل، أو أن تجري الأمور على الطبيعة؟ وفي رأيي أن كل حوار هو مفتوح ومتاح، ولكن لا يعني ذلك أن توافق على ما لا تؤمن به. الحق بيّـن في منطقه ووضوحه ، أو كما قيل في التراث: الحق سجسج والباطل لجلج، فليكن ، أو ليجرِ كل لقاء حتى لو مع ألد الأعداء.. وأصدقكم أنني أبحث بسراج وفتيلة عن متطرفين يطالبونني بالترانسفير لأناقشهم  ولأقزمهم أمام الحقائق.. وكنت في موقف لا احسد عليه في مدرسة دينية متطرفة، كنت أقرأ أشعارًا فلسطينية. هنا دوري ووظيفتي، وضرورتي هنا أكثر من ضرورة إقناع أخوتي من أبناء شعبي.

      إن الضعيف هو الذي يخاف المجابهة، ولا إخالنا ضعفاء، بل إن الكثيرين في الشارع الإسرائيلي يعارضون أي لقاء بين عرب ويهود بسبب خشيتهم على اندماجهم ...أو اندثارهم. ليخافوا هم ولينكمشوا، أما عن التزمت غير المبرر فأنا ارفضه، وسأسوق مثلا:

      حضرت مناقشة الدكتوراة لصديق فلسطيني في جامعة الأزهر، وكان من المناقشين للأطروحة د. عبد المنعم خفاجة، وإذا به في ثنايا خطبته يهاجم محمود درويش، لا لسبب إلا لأنه صرح يومها أنه قد تثقف الثقافة العالمية عن طريق ما ترجم إلى العبرية.

      استشاط المحاضر غضبًا وقال: وهذا شاعرهم يعترف بتأثير العبرية عليه.... إنه يريد إظهارهم بأنهم  ذوو حضارة وثقافة.... إن أحرفهم مدنسة المداد.. الخ...

      فهل موقف أستاذنا خفاجة مثالي، وهل نبقى متطرفين : إما إلى هذا الطرف أو ذاك؟ فلماذا لا آخذ الأمر باليسر والحذق من خلال الاعتزاز بهويتي وكينونتي وحقي في وطني.

      شئنا أم أبينا فقد اختلفت اليوم وسائل الرفض، ويجب أن نتطلع إلى كل الجهات. ومن شاء أن يقرأ تزمتًا آخر فليطالع عدد مجلة إبداع كانون الثاني 1995.

        بصراحة هل هناك لديكم تسليم بما يجري.. القبول بما هو قائم!

- ظلت تساؤلات تلاحقنا، ونحن نتشبث بفلسطينيتنا، ونقر بكوننا مواطنين في إسرائيل بمزدوجتين أو بدون مزدوجتين. عندما وقع الزلزال لم يستشرنا أحد. تسنى لي أن أقول  لشارون يوم زار باقة بلدي :  لو استشاروني لرفضت وجودك في فلسطين. وهيهات. صارعنا كيدًا وتجهيلاً وسلب أرض وقتل روح. ورغم ذلك بقينا نقتنص حرية الكلمة.

      اقترحت في مقالة نشرتها في صحيفة الندوة (16/3/1990) أن يتفرغ عشرة من باحثينا على مدار سنة لتقديم شهادات استخلاصية قد تؤدي بنا إلى خطة، وستكون ثمة أسئلة مفتوحة على غرار،

أ‌.         هل نضالنا المثابر في الكلمة والموقف فقط يساعد فعليًا إخوتنا في الضفة والقطاع والشتات؟

ب‌.     هل تعاوننا مع القوى اليهودية التقدمية مشروع... وإلى أي مدى؟ ومتى؟ وهل نطالب بحقوقنا في جو عنصري يمنع كل تقدم فعلي للعربي في وطنه؟

وعند قيام الدولة الفلسطينية هل نكون مواطنين فيها وحدها؟ أم نكون بهوية إسرائيلية أم بمواطنة مزدوجة على غرار اليهود الأمريكيين... وأسئلة كثيرة وغيرها، وأنا إزاءها كما المتنبي"على قلق كأن الريح تحتي".

       الحل النهائي لقضية الشعب الفلسطيني حسب أوسلو سينفي بالحل إلى شبه كيان فلسطيني غير معروف الحدود الجغرافية ولا الديمغرافية. إنه يحمل بذور مشكلة. كيف ترى أنت قضية الشعب الفلسطيني؟

- أنا على يقين بأن الدولة الفلسطينية المستقلة ستقوم في الضفة الغربية وقطاع غزة ،  ولابد من الاستقلال-حتى ولو كان شكليًا، وأنا لست متشائمًا أو يائسًا حتى أرى أن ذلك يحل بذور الفشل، بل بالعكس فأنا أرى في هذا الشعب طاقة عظيمة ، وهذا الأردن الرائع الذي أزوره لأول مرة قام على سواعد الأردنيين والفلسطينيين بهممهم وقدراتهم الخلاقة. فلماذا نفترض الفشل للمشروع الفلسطيني في دولته العتيدة أو المرتقبة.... أشير كذلك إلى أن الحدود لا تهم كثيرًا في حسابات اليوم، فالمهم الأهم هو الفعالية الاقتصادية والتأثير على المستجدات والحضور... ولنا في إسرائيل والعالم عبرة.

      أما الفلسطينيون في إسرائيل فيستحقون  ظروفًا  أفضل ، وهم يبغون العيش  في أجواء سلام حقيقي وعادل ومنطقي وإنساني.. وليس ذلك على الله ببعيد، ولا على شعبنا الذي اجترح أكثر من فضيلة تبرر عزته وكرامته.

       كيف ترى تأثير مرحلة السلام على الشعب الفلسطيني وعلى أدبه؟

- في بداية مشروع السلام أو اتفاقياته كانت حماسة الفلسطينيين منقطعة النظير، وقد تسنى لي أن أتجول في الضفة الغربية بين الأعلام الفلسطينية الخافقة، والأزياء العسكرية المهيبة، وأظن أنه لو أتاحت إسرائيل أن تجري الانتخابات في الوطن المحتل لكسبت قضية السلام كثيرًا، ولكن الإسرائيليين المفاوضين يراوغون ويبطئون، ويتهمون جزافًا، ويتسلون ...ويحاولون كسب الوقت ، ولا إجابة شافية لديهم حول مسائل هامة كالمستوطنات والقدس واللاجئين. فوضوح الرؤية في السلام وإليه يؤدي إلى طريق سالكة لا شائكة ....أما اليوم ففي ظني أن حماس قويت بسبب هذا التميع السياسي الراهن وعدم الجدية. والأنكى من ذلك أنهم يمنعون عن السلطة الفلسطينية مقوماتها ، ويطلبون منها ما لم يقدروا هم أن يحققوه، وهم في منتهى بطشهم وإرهابهم.

      أما بالنسبة للتأثير على الأدب فلا أكاد أرى شيئًا يذكر، وربما يكمن السبب أن السلم الحقيقي لم يُجنح إليه.

       وهل ترى أن حركة النقد الأدبي في الداخل في تواصل مع حركة النقد العربي؟

- أما الأبحاث فهي في تواصل اضطراري، فالدراسات الأكاديمية التي تبحث الشعر العربي المعاصر والرواية الحديثة لابد لها من العودة إلى مقالات ودراسات ومعالجات عربية ما قدُم منها وما حدُث ، وأما النقد الانطباعي والذوقي فقد ساير مناهج النقد في العالم العربي ...لكننا في النقد البنيوي أو الشكلاني لا نكاد نجاري مدرسة النقد المغاربية.. وعلى العموم فالنقد في خطواته الأولى رغم وجود بعض الدراسات الجادة هنا وهناك. أما مدارس ما بعد الحداثة والتفكيكية والتأويلية والنفسية فهذه اتجاهات لا نتعامل معها ربما بسبب قلة الثقافة في هذا الباب أو ذاك.

       هل هناك سمات أو خصائص للأدب الفلسطيني في مواقعه الثلاثة (الضفة والقطاع، عرب 48، الشتات)؟

قلت إن سمة أدبنا في الداخل تراوح الأمل والتفاؤل، إنه كما اصطلحتُ عليه أدب واقِنْسي =( واقعي رومانسي) بأغلب نتاجه الشعري. أما الشعر لدى إخوتنا في الضفة والقطاع ففيه الكثير من المباشرة، ويشف عن القليل من المتابعة لما يجري على الساحة العربية الأدبية، وذلك بسبب قلة ذات اليد، وعدم استحصال المصادر والمراجع المستجدة. وعلى كثرة ما أقرأ من أدبهم فقلائل هم الذين أثبتوا أنفسهم-في رأيي- على الساحة الأدبية الفلسطينية، وإن أثبتوا فقاماتهم لا تصل إلى المستوى الذي ارتفع فيه شعرنا لعدة أسباب... وفي اعتبار تباين الظروف.

      أما الشعر في الشتات فأظنه أرصن ، وذلك بسبب الحنين المستبد للوطن، كإرهاصات دحبور وانطلاقات مريد البرغوثي، وقس عليهم أسماء أخرى لاحقة في أدبنا الفلسطيني تؤدي إلى إعطاء صورة إيجابية لشعرنا. ونحن معًا في مواقعنا الثلاثة ظل ذو ثلاث شعب تلتقي للصلاة في محراب الوطن ، وكتابة ما تيسر لنا من معاناة.

صحيفة "الدستور" (الدستور الثقافي)- عمّان 21/4/1995.

أجرى الحوار: موسى حوامدة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 فاروق مواسي... ناقدًا

الشعر المحلي ونقده وأمور أخرى..."

 

صاحب ديوانين {"في انتظار القطار" عام 71 و "غداة العناق" عام 74} - عرفناه دارسًا لغويًا وناقدًا في الصفحات والدوريات الأدبية، وها هو يطلع علينا بمغامرة ليصدر (أول كتاب نقدي يصدر منا وعنا)- كما يقول في مقدمته- ليجمع مقالاته النقدية علها تجد من ينقد النقد ،  فيدلنا إن كان لفاروق منهج نقدي.

      ونحن إذ نلتقي فاروقًا في حديث عن كتابه "عرض ونقد في الشعر المحلي"* وهو يتأهب للبدء بدراسة الدكتوراة في الأدب العربي، فإننا نحمل العديد من الأسئلة التي سنطرحها على فاروق الذي عُرف بصراحته وببساطته الإنسانية. لن نقول عنه الكثير فبين الأسطر التالية سنجد إشعاعات هذه النفس، بكل ما فيها من تواضع وكبرياء .

       عمدت في كتابك إلى تسعة من شعرائنا، وأغفلت الكثير منهم، فهل لهذا من تبرير؟

- لا أنكر أن بعض الشعراء ممن رسخت أقدامهم لم يُنقدوا في هذه المجموعة. وأنا كشاعر أصدقك لو أغفلني أحدهم فيما إذا كتب على غرار كتابي، لتأثرت ولغلوت في السخط،  فأنا لم أتناول شعراء الاتجاه المحافظ، وكذلك لم أتناول شعراء الجيل الجديد. وفي ظني أن الطرفين بحاجة إلى تقييم آمل أن أقوم فيه ببعض القسط.

       إذن فما الذي يجمع الشعراء التسعة؟

- أظن أن  ما يجمعهم هو كونهم مجددين من خلال المحافظة على الموروث. وظاهرة بارزة أنني عالجتهم من خلال قصائد نثرية أو أعمال فيها إبداع، فجمال قعوار لم يلفت نظري في "الريح والشراع"، بقدر ما لفت نظري في "غبار السفر". وسميح القاسم أعتبر سربيته"إلهي.. إلهي..لماذا قتلتني ؟ " تركيزًا وتتويجًا لكل أعماله.. ومن الضروري أن يكون العمل الأدبي الذي تناولته هو قمة أعمال الشاعر، حسب تقديري.

       ماذا تقصد "بالمنهج الوسطي" في نقدك، كما أشرت لنا  في مقدمة الكتاب؟

- إنه-كما قلت في المقدمة-  منهج يأخذ من"الأكاديمي" الدقة في الاستشهادة والحذر في الأحكام، ويأخذ من الذوقي ذاتية جمالية أستشفها من خلال التجربة، وقد عمدت إلى المزج بينهما بحيث حافظت على أبعاد أحكامي ،  فلم أنزلق وراء عاطفة ذاتية إلا إذا أشرت إليها ببعدها الجمالي.

        إذن ما هو الإطار الذي يشمل الشعر المحلي؟ أو هل له ما يميزه في نظرك؟

- أرى أن الشعر في بلادنا هو جزء لا يتجزأ من الشعر في العالم العربي، ذلك لان القارئ عندنا يطلع أولاً بأول على صحافة العالم العربي الأدبية فلا بدع إذا جرى وفق التيار.

      وما دمت تسألني عن مميز بالذات فإنه إذا كان ثمة ما يميز شعرنا فإن طابع الأسى ونغمة التفاؤل يتراوحان في شعرنا ... فإنهما  يتناغمان حتى يندغما.

       هل لك تقييم خاص تنظر به إلى الشعر؟

إذا لاحظت كتابي فإنك تجد في نقد جل الشعراء أن النقد يتركز على المضمون أولاً، ثم على الشكل ثانيًا، ومع أن الشكل والمضمون يشكلان كلاً واحدًا، إلا أنني أحاول أن ألقي الأضواء على الصور التعبيرية الجديدة ،  وعلى الإبداع والإيحاء، والمنطلق الذي خرج منه الشاعر، وكذلك على المقارنة بين ثنايا وتضاعيف إنتاجه. كما أنني أقرأ القصيدة مثنى وثلاث ورباع ،  فإن هزتني فقد أثارتني لأكتب عنها ،  وإلا فأنها ستُحفظ في خزانتي وذاكرتي.

       من خلال قراءتي لنقدك لسربيه سميح القاسم يبدو أنك تبحث عن الجوانب الإيجابية فحسب، هل من تفسير لذلك؟

- الواقع أنني أعتبر سميح القاسم في مقدمة شعرائنا العرب، ليس في بلادنا فقط ..وتنما في الوطن العربي كله، ومع ذلك فإن قولك إنني أبحث عن الإيجاب عنده حكم غير دقيق، فمثلاً أقول (ص12): "والصور عند سميح متراكمة حتى لتطغى علينا ...فلا نعرف ماذا يعني"، فهل هذا إيجاب!؟

       هناك أبيات من الشعر لسميح استشهدت بها، والأبيات تحمل مضامين جنسية هل تريد القول إنها أعجبتك؟

- من هذه الأبيات ما سقته في معرض التدليل على أن سميح رافض، ومنه ما سقته للتدليل على سرياليته في بعض أشعاره، كما أن لهذه الأبيات قيمتها على المستوى الفني، حسب تقديري.

       في نقدك لميشيل حداد، حاولت أن تضرب "ضربة على الحافر وضربة على المسمار"، فبينما تقول" إننا لا نكاد نعثر على ثقافة فلسفية أو اطلاع عميق مستبد" (عنده طبعا) تقول في مكان آخر "لمسنا من عمقه"، فكيف توفق بين القولين؟

- ليس هناك تناقض، ففي القول الأول بينت أن ليس هناك فكرة سارت معه وواكبته طويلاً، ولها دعائم فلسفية أو فكرية مدروسة، وهذا لا يعني أنه ليس عميقًا في بعض أفكاره، ثم إن القول الثاني لا يعني أيضًا أنه عميق، وأرجو مرة أخرى ألا يفهم قولي على محمل التناقض.

       أنت تقول إن لجمال قعوار طعمًا جديدًا ونكهة مستحبة خاصة لديك وإن كانت نثرًا، فهل تريد القول إن المضمون هو العامل المقرر في فهمك للشعر؟

- سبق أن قلت هنا إن للمضمون تأثيرًا بالغًا لكنه ليس كل شيء، ثم إنني أحببت هذه النكهة حتى ولو كانت نثرًا، فمعنى ذلك أن تقسيم الأدب إلى شعر ونثر ليس ضروريًا أصلاً، فالشعر ما قُصد أن يكون شعرًا أولاً، وما كانت فيه كثافة الشعر وإيحاءاته وخيالاته وتوثباته ثانيًا.

       ماذا تعني أن شعر نزيه خير نستسيغه... ولكن لا ننصح بترجمته؟

- أعني أننا نحس بالوهج الشعري مكتوبًا بالحرف العربي أو منغمسًا ملفوفًا به، ولما كانت من مقومات الشعر الفكرة، ففي تقديري أن الفكرة عنده ما زالت في طور النماء، اللهم إلا قصائده الأخيرة التي أخذ ينشرها في "الجديد" و "الغد"، إذ أخذ يمزج الواقعية بالرومانسية، وأدعو هنا  لترجمة مثل هذه القصائد ، حتى تنتقل للشعوب الأخرى ونفتخر لها.

       في نقدك لسالم جبران تحاول أن تفسح المجال لكل شاعر حين تقول "إن حقل الأدب يتسع لجميع الأزهار" لكنك فيما تبعد تحاول أن تنفي بعض الشعراء من دائرة الشعر، فكيف توفق بين الأمرين؟

- إن التوفيق بينهما يأتي في مقالي " الشعر والعبث" (ص83) حيث أقول:"... فمن يظن أن الشعر الحديث والتطفل على مائدته أمر يسير فلابد من إفلاسه يومًا، ولا نستغرب إذا لم نقدر على التمييز بين الضيف والضَّيْفن كما حدث للمحرر الأدبي ،  فالضيفن لابد من افتضاح أمره مهما أوتي من سعه الحيلة ،  ومهما حشر نفسه في المأدبة، ودكاكين الشعر مفتوحة... فمن يستهو دكانًا فليشترِ بضاعته  ،  وإن بان زيفها ذات مرة فلابد من كسادها" .

       هل تعني في قولك بأن سالم جبران علَم بين شعرائنا بحكم موقفه السياسي، إنه سياسي أكثر منه شاعرًا؟

- من الغريب أن هذا السؤال وجهه إلى محرر البرنامج التلفزيوني"جوارير" ،  وقد أجبت أن سالمًا وصف بجرأة وتحد وعنفوان، وهذه أضفت على شعره مسحة البطولة. ومع هذا فإنني أقول في ختام المقال عن سالم إنه من"رواد التغيير ....والأدب أداة، لا يضيره إن وُصفت كلماته بالنثرية ،  أو التقريرية أو المباشرة أو الشعارات أو الخطابية".

       قد يفهم القارئ أنك حقًا مقتنع بهذه الصفات في شعر سالم، فما رأيك؟

- ليفهم القارئ ما يشاء، ولكن سالم جبران شاعر ناهيك من شاعر، شئنا أم أبينا، ومن ذا الذي تُرضي سجاياه كلها!

       حاولت في نقدك لأدمون شحادة أن تبين تأثرات معينة له من شعراء آخرين، وكذلك فعلت في أكثر من نقد، ألا تعتقد أنك تظلم الشاعر لموافقة كلمة عنده لكلمة أخرى عند شاعر آخر؟

- انا لم أظهر ذلك كأمر سلبي، ولكن ذلك معناه أن يظل الشاعر حذرًا من وقوع الخاطر على الخاطر.

       تقول عن أنطون شماس إنك تلج عالمه بمنطق مستعد أن يتعايش واللامنطق، فهل نجحت في ذلك؟

- لا أستطيع أن أقول ذلك ،  فالقارئ هو الحكم، ولكني بذلت جهدًا منطقيًا لأدرس أبعاد كل كلمة عنده، خاصة وأن أنطون يرفضه الكثيرون شاعرًا، وأرجو أن أنهج في دراسة الشعر كما نهجت معه، فقد كلفني المقال عنه من أمري رهقًا، فأنطون شاعر شديد المراس يكاد يكون "مجنونًا".

       علق أحد الأصدقاء على مقال"الشعر والعبث" أنه"مانفستو"فاروق مواسي، فما رأيك؟

- أظن أنني حاولت أن أركز في هذا المقال مفهومي للشعر ، وأن ألمس الجوانب المختلفة لقضية الشعر الحديث. وفيه قبول لمحاولات جماعة"شعر" وتحديد للشعر، وأظن أن في إطلاق كلمة"مانسفتو" بعض المبالغة ،  وربما بعض "الإيرونيا". ولكن مهما يكن من أمر فأرجو أن يتدارس المقال أدباؤنا ويناقشوه ، لأنه فعلاً بحاجة إلى نقاش جدي، وأرجو خاصة من الأستاذ جورج نجيب خليل أن يقرأه ويعلق عليه ،  فهو شاعر محافظ عليه تقع عليه تبعة الرد مع الحفاظ على الصداقة والأخوة بيننا.

       لماذا اخترت لشفيق حبيب قصيدة ونقدتها... ولم تعالج ديوانيه"قناديل وغربان"، و"مأساة القرن الضليل"؟

- أعجبتني القصيدة بحيث سارت عندي أكثر من ديوان، ولقد رأيت أن الحديث عنها يكفي فالمسألة كيف لا كم.

       في نقدك للشاعر جان نصر الله والشاعر أدمون شحادة، حاولت أن تجاريهما في الشعر ، فتكتب أبياتًا ،  ثم ما تلبث أن تهوي على أبياتهما وأبياتك بالنقد الساخر؟ أولاً : هل حقًا ما كتبت يساوي ما كتب كل منهما على حدة؟ وثانيًا : هل هذا أسلوب في النقد؟

- الحق أنني أردت أن أبين من وراء ذلك أن الشعر صناعة يجب أن يحذفها صاحبها ،  أما ما كتبته على سبيل المجاراة فأظنه على نفس المستوى من البساطة، ولعل في هذا الأسلوب إقناع للشاعر وللقارئ، وربما قد تأثرت من مارون عبود ونقداته.

       سؤال شخصي: هل تظن أن شعرك في"غداة العناق"و"في انتظار القطار"، يتجاوز الهفوات التي أشرت إليها عند الشعراء المنقودين؟

- الصراحة أنني كنت لو سمح لي بإلقاء الضوء على شعري ..  وأن أنقده لفعلت ،  ولكني خفت أن أظلم نفسي مدحًا أو قدحًا، وأنا قد أفرط في الحالتين.

       ولكن القارئ يفهم من وراء نقدك أنك تقول  إني "أنا الشاعر"، فما رأيك؟

- لا ادري المبرر لذلك، ولكنني ربما أشير بصورة غير مباشرة إلى أنني منتبه لهذه النقاط، وما يمنع الذين يقرأون نقداتي أن يحاولوا تتبع هفواتي من منطلقاتي.

       أذكر أنني قرأت لك في "الشرق" مقالاً ترد فيه على عبد اللطيف عقل ، وتقول له بما معناه  "لم أجد الناقد الحصيف..." ، وإن شعرك قد ظُلم إذ لم يقيم التقييم الكافي، أما زلت عند قولك؟

- الواقع أن النقد الذي نُقدت به هو إما مدح مفرط لا استحقه، وإما تقييم لمن ليس له باع في الشعر والنقد، فيأتي مدحه أعرج وردحه أعوج، وأمامي ستة عشر مقالاً نقدوا فيها شعري لا تدعوني لأن أفخر، ولكني أفخر حقًا لأن الدكتور هاشم ياغي قد تعرض لي مادحًا في كتابه"حركة النقد الأدبي الحديث في فلسطين" الصادر عن معهد البحوث والدراسات العربية، 1973، (ص 322).

       إذن من أنت فاروق مواسي الشاعر، أم فاروق مواسي الناقد؟

- ولماذا لا أكون شاعرًا وناقدًا  ، وإن استكثرت ذلك علي، فلماذا لا أسير في أول طريق الشعر وفي أول طريق النقد. ومن أصدقائي الأدباء الجادين أسمع اعترافات بنقدي ،  وتقديرًا له  ، وأرى نفورًا من شعري، فإن كتبت القصيدة اليسيرة الفهم قالوا ما هذا؟

       نعود إلى الكتاب، هل وصلتك ردود فعل إيجابية عنه؟

- وصلتني من البروفيسور شموئيل موريه رسالة يقول فيها إن الأدب المحلي كان بانتظار مثل هذا الكتاب، وهو بحث جدير بالتقدير. كما كتب لي البروفيسور ساسون سوميخ عن انطباعاته الأولية المختصرة، وكتبت"المرصاد"تعليقًا مشجعًا، بالإضافة إلى رسائل العديد من الأصدقاء التي غلبت عليها أمارات المجاملة، ولا يسعني إلا أن اشكرهم جميعًا.

       ثمة عقبات في توزيع الكتاب أليس كذلك؟

- بلى، فالكتاب المحلي مظلوم، ولا تتوقع من قراء كثيرين أن يذهبوا  إلى المكتبات ليسألوا:

هل عندك كتاب"عرض ونقد في الشعر المحلي" مثلا! لذا فالتوزيع غالبًا ما يكون عن طريق الأصدقاء، وتصور أن بعضهم لا يعيد المال ...ولا يعيد كذلك الكتب التي لم يتمكن من بيعها. وتصور مثلاً في مدرسة إعدادية قريبة من بلدتي-حيث أعضاء الهيئة التدريسية أصدقائي- لا يباع كتاب واحد، وتصور أن الكرامة تأبى علي ان أتوجه إلى فرد سائلاً إياه أن يشتري كتابي، لأنني بمعنى آخر أستجديه وأتوسل إليه. ثم قل لي بعد ذلك كم ستخسر من كتابك؟ والمضحك المبكي أن بعضهم يكتب لمؤسسة ضريبة الدخل، أنك تربح فيطلبونك في الضريبة لتقدم لهم تقريرًا عن ربحك!!

       سؤال بعيد عن الموضوع، لكن بودي أن أطرحه عليك: فقد سمعنا في باقة عن شاعرين شابين أصدرا ديوانين، وقد أهدى أحدهما ديوانه لك، فهل لك يد في ذلك؟

- الواقع أن كليهما قد أصدر ديوانه بلا سابق اطلاع مني، ولست ازعم لنفسي أن لي يدًا، ولكن ظاهرة الشعر أجدها في كل صف مدرسي أعلمه، وأنا أرعى كل نبتة تلقي أوراقها لي. ومن يظن أن شخصًا واحدًا يؤثر في شاعر فهو خاطئ.

       سؤال أخير، ما هي مشاريعك للمستقبل؟

- صراحة -  أن طبع الكتب هو رسالة ،  وإن شئت فسمه هوسًا ، ولابد من ذلك، ولكني آمل هذه المرة أن تطبع في دار النشر العربي أحد الكتب الأربعة المرتقب صدورها وهي: دراسة عن صلاح عبد الصبور، لغة الشعر عند بدر شاكر السياب، إلى الآفاق (شعر للطلاب)، وديوان شعر ثالث لم أحدد اسمه بعد. وسأتوجه لمكتب صلاح الدين في القدس ....ولكل دار نشر محلية عساها تخفف عني العبء .

 

صحيفة "الأنباء" 4/2/1977.

أجرى الحوار:المندوب الثقافي

 

 

 

 

 زيارة في مكتبة  د. فاروق مواسي

مكتبتي ملأى بالأصوات ....والكتاب متعتي ونزهتي

 

مع الكتب يعيشون ساعات طويلة ليخرجوا إلى الناس بفكرة جديدة وكنز ثمين. يضيفونه إلى ينبوع المعرفة ليفيدوا به الآخرين.

في هذه الزاوية يقوم مندوبنا بزيارة لمكتبة ويحاور صاحبها  حول  الكتب وأثرها في حياته.

عندما أشرفنا على منزل الشاعر الدكتور فاروق مواسي- المنزل الذي أحب أن يسميه الشاعر حنا أبو حنا"الزَّهراء" لرحابته وجماله وموقعه، لم يكن يدور بخلدنا أن مواسي الذي يتهمه الكثيرون بالتعالي في العلم والمعرفة  يزين منزله بالآية الكريمة:"وقل رب زدني علمًا".

هكذا إذن هو يعترف بالنقص في المعرفة، وهكذا يبين لنا مدى اهتمامه وعشقه للعلم وتواضعه.

ولم يكن يدور بخلدنا أيضًا أن تكون مكتبته بهذا الحجم وهذه السعة-غرفة طولها عشرة أمتار، وعرضها أربعة، تمتلئ برفوف الكتب من الأرض حتى السقف، قد تصل الكتب والعناوين إلى عشرة آلاف، والأهم أنها مرتبة حسب مواضيع وحسب تفريعات،هنا المجلات المجلدة: الآداب، المجلة، إبداع، الجديد، مواقف، المواكب، الشرق، الناقد، أدب ونقد، البيادر، الفجر، الأدبي، فصول، القاهرة، الكرمل الفلسطينية، الكرمل الحيفاوية، مجلة النجاح للأبحاث، اليوم السابع،فلسطين الثورة، الأقلام العراقية، عالم الكتاب، الهلال والعربي وغيرها وغيرها كثير.

      وهنا الكتب التراثية ودواوين الشعر القديم... وكتب نادرة ذات قيمة أدبية رفيعة، كتب في النحو واللغة، كتب فلسفية، تراثية، موسوعات،معاجم، كتب حديثة نقدية... ودواوين الشعر الحديث- مجموعات كاملة- ودواوين الشعر المحلي مرتبة هجائيًا ، لا تكاد تجد كتابًا ناقصًا من كتب سميح أو حنا أو جمال أو حسين مهنا أو شفيق أو ميشيل... الخ وهناك مجموعات نجيب محفوظ... ومجموعات روائية... وأخرى مسرحية عربية، وهناك المحليات. هناك الكتب المترجمة إلى العربية، وهنا الكتب باللغات الأجنبية، العبرية، الإنجليزية والألمانية... رحلة ..وطواف ...وانبهار ...وروعة.

      كان الشاعر يقدم لنا القهوة ببسمته التي تصاحبه، وكانت تبدو عليه سيماء الاعتزاز والبشاشة. قلت سأسأله سؤالا أولاً، لابد أنه  كان قد سُئله مئات المرات، وقد يكون سؤالاً ساذجًا:

       هل قرأت كل هذه الكتب؟

لم يرق له السؤال، فبالله كيف يمكنه أن يقرأ كل صفحة من هذه الكتب. أجاب :

- هذه المكتبة هي في الأساس مراجع ومصادر، وأنا أنتقي ما قد يلزمني في كتابتي وأبحاثي ودراستي وتدريسي.

       ولكن متى بدأت بجمع الكتب؟ وهل أنت مؤسسة حتى تقتني ما اقتنيت؟

- بدأ أبي- رحمه الله- في شراء الكتب الأولى، حيث كان تاجرًا للأقمشة والألبسة، فعندما كانت تأتي البضاعة من يافا كانت تأتي معها بضعة كتب، عرفت منها في صغري روبنسن كروزو لديفو، وفقه المذاهب الأربعة والإمامة لابن قتيبة والعمدة لابن رشيق...

وفي سنة 1967 بدأت التهم الكتب قراءة وشراء، وذلك بعد أن تعرفت إلى مكتبة المحتسب في القدس ، والقطب في نابلس ، والطبري في طولكرم ،  وعصفور في جنين... وزادت القراءة ...وزاد الشراء مع تأسيس مكتبة عباسي وتعرفي إلى معرض الكتاب في القاهرة.

لا تسأل كيف أشتري ومن أين؟     ففي كل سفرة أعود حاملاً معي رزمة..... الكتب هي غذائي ومتعتي ونزهتي.

       ولكن قد يظل كتاب واحد له أثر في نفسك، فما هو؟

- قد يعجب البعض إذ قلت إن القرآن-الذي حفظت أكثر آياته غيبًا- هو أستاذي الأول في اللغة، فقد قرأته كله وأنا صغير اثنتي عشرة مرة. كتاب اكتشف فيه دائمًا شيئًا جديدًا، وأنا أعجب بكتاب محيي الدين درويش"إعراب القران الكريم وبيانه" ، وقد عرفت عن المؤلف  من شاعرنا أحمد دحبور، فعند لقائي به في منتزه عبلين مؤخرًا حدثني عن درويش وعن طرائفه.

      وكان أستاذي الثاني المتنبي وديوان شعره، وأتحسر لأنني لا أجد الوقت لحفظه أكثر، فقد حفظت مرة ما يربو على خمسمائة بيت من قصائد له  مختلفة، وهي رصيد لي يسعفني في أكثر من سياق أو مجال.

       هل تأثرت به في شعرك؟

- نعم، تأثرت به، وظهر ذلك جليًا في قصيدتي الأولى حيث قلت:

يا أبا الطيب  أنصت         روحك الصغرى تغني

إن يكن مجدي  سماء        أنت رب،  منك فني

لن يكون الشعر شعرًا        دون  أن  يرقى  بفني

إن شعري مسكرات       من دنان الخمر    دنـي

       لنعد إلى المكتبة، كيف تحس وأنت تعمل فيها؟

- أصدقك أنني أحس بالعلماء والأدباء أحياء، وما اصدق الشاعر الذي قال:

لنا جلساء ما  نملّ     حديثهم

                              ألبّـاء مأمونون غيبًا ومشهدا

يفيدوننا من علمهم علم ما مضى

                             ورأيًا وتأديبًا ومجدًا وسؤددا

وهذا الإحساس لازمني كذلك في أثناء كتابتي قصيدة"أغنية إلى الإنسان بابلو نيرودا"(ديوان غداة العناق) قلت في وصف موته وكأني أتخيل مكتبته:

من يتساقط

فرماد وحديد ولهيب من جمرات

في مكتبة ملأى بالأصوات

       هل تعير كتبك؟ متى؟ وهل ترجع الكتب إلى مقرها؟

- أصدقك أنني أعرت الكثير ولم يرجع، ولكن هذا لا يمنعني من تزويد طلاب الماجستير والدكتوراة على وجه الخصوص بالمراجع المطلوبة، فهذه مسؤولية، وأنا مضطر  إلى أن أقوم بها على المستوى الأخلاقي والاجتماعي. أما طلاب الشهادة الأولى فقد خصصت بجانب المكتبة-غرفة ضيافة خاصة للمطالعة والتلخيص، وكنت أتمنى أن تكون لدي ماكنة تصوير ليصور من يشاء ما يشاء.

       هل توافق قول الشاعر:

فمعشوقي من الدنيا كتابي

                           فهل شاهدت معشوقًا يعار

- لا أوافق على الشق الثاني. أما انه معشوق فو الله هذا صحيح، فالكتاب بالنسبة لي سرج السابح، وهو أعز مكان وخير جليس، وأقرأ ما يقوله الجاحظ عن الكتاب في كتابه"الحيوان". حتى ترى مدى هذا الحب للسِّفر، فقد كتبوا فدرسنا ونكتب فيدرسون.

- فهمت أن مكتبتك معدة أولاً لأبحاثك ودراساتك ، فكيف تختار المصادر ؟

- أتصفحها أولاً ، وأعرف موادها والفهرست ومبناه ، وأسأل نفسي إن كان هذا الموضوع يهمني أم لا ؟ فإذا كان الجواب سلبًا فإنني لا أقتني الكتاب حتى ولو مجانًا ، وإذا كان الجواب إيجابًا أقتنيه وبأي سعر ، وإذا ترددت وكنت بين بين فإن سعر الكتاب يقرر اقتنائي أو عدمه ...

- كم ساعة تخصص يوميًا للقراءة ؟

- معدل قراءتي خمس ساعات ، وهي تتضمن قراءة الصحف والمجلات الأدبية الكثيرة التي أكتفي بمعرفة مضامينها للإفادة منها مستقبلاً ...ويعلم الله أنني أكثر المتابعين للإصدارات المحلية ، ويندر الكتاب المحلي الذي ليس له مكان في مكتبتي  ، ويندر الأديب الواعد الذي لا أعرفه إما عن طريق الورشة الأدبية التي أقمتها وشجعت فيها الكتابة الجديدة ، وإما عن طريق الصحف ...

- رأيت كتبًا عبرية كثيرة ، هل لك أن تحدثنا عن مضامينها ؟

- إن أكثرها إهداء من أدباء عبريين ، ولي علاقات وطيدة مع كثير من أرباب الكلمة ، وأعتز باهتمامهم بآرائي وملاحظاتي رغم تباين قراءاتنا ، وأكثر ما يعجبهم بي طريقة إلقائي للشعر باللغتين ، فهم يغبطوننا على إيقاع الشعر العربي ...ينصتون وكأنهم في عالم سحري باهر .

- معروف أنك ناقد وشاعر ، بل إن المرحوم عصام العباسي سماك ( كشاجم ) في مجلة الحصاد ، وكل حرف من اللقب يدل على صفة ، وهي على التوالي : كاتب ، شاعر ، أديب ، جواد أو جامعي ، مؤلف  ؛ وفعلاً أصدرت في الأنواع المختلفة ...ألا ترى أن هذا يبعدك عن التركز في ميدان ما ؟

- أنا أكتب بصدق ما أحس ، ولا يهمني اللون الأدبي ، فليكن  الأصل  هو النص أو الكتابة ، وليكن اهتمامنا بما يقال أولاً وأخيرًا ...وقد أفاجِئ إذا قلت إن لدي رواية هي ( الحب البعيد ) كتبتها ولم أنشرها ، بسبب عدم اقتناعي بمستواها  ، فأنا قبل كل شيء ناقد ، فعلي بنقد الذات قبلاً ، وطبيعتي النقدية تتأتى مقالة وشعرًا وتعليقًا وملاحظة ...وأما إحساساتي فتنطلق شعرًا ، وقد يكون هذا ضمن دائرة النقد الشعوري .

- أصدرت ما يربو على السبعة والعشرين كتابًا ، فهل لديك نسخ من إصداراتك الأولى ؟

- أصدقك لا ، رغم أننا كنا أولاً نطبع ألف نسخة من كل كتاب  ، ولكن كان هناك من يحفل بالكتاب ، من حزب أو مؤسسة أو أصدقاء  ....أما اليوم فمعدل ما يُطبع خمسمائة ، ورغم أن عدد القراء ازداد بالضرورة إلا أن الإقبال على كتبنا قد انحسر ...

- كيف ترى علاقة الصحافة في العالم العربي مع كتابنا ؟

- إنها علاقة المـنّ ، فإذا نشرت ( أخبار الأدب ) القاهرية لأحدنا فذلك من باب أنهم ( من فوق ) ويجدر بهم  مراعاتنا بين الوقت والآخر ، ربما لأننا فلسطينيون ، وربما للتنويع الآني ...أشعر أنهم عامة يعاملوننا بكثير من التعالي  والأستاذية  ...ولا إخال مجلة ( الناقد ) عن ذلك ببعيدة ، فقد توجهت إلي أولاً ، ونشرت لي أربع مواد ، ثم أقسمت ألا تنشر شيئًا ، وربما لأن المستوى هبط دفعة واحدة ....ولا يعلم السبب إلا الله والراسخون في العلم أمثالهم .

- وكيف صحافتنا في البلاد ؟

- كنت أنشر في إحدى الصحف فإذا هناك من يسيء إلى مادتي تأخيرًا أو مونتاجًا أو ...والأنكى من ذلك أن أحد المحررين أضاف جملة على مقالة لي وهي من بنات أفكاره التي لا أوافق عليها .....

وهناك صحيفة أخرى يشترط  محررها علي أن أرسل له  بمادة مختصرة ، فهو لا يخصص لي صفحة ولو كتبت ما كتبت  ، وهناك صحيفة هزيلة تنتفخ عبثًا حتى تبدو سمينة ، وما درت أن هناك من ينشد :

أعيذها نظرات منك صادقة                    أن تحسب الشحم في منى شحمه ورم

- وما هو مشروعك لسنة 1995  ؟

-                                                                   - أولاً أن أصدر أطروحة الدكتوراة أشعار الديوانيين ، وأن أصدر كتابي قصيدة وشاعر ، وهو قراءات في الشعر المحلي ...وأن أصدر مجموعة أخرى من شعر الأطفال  ...، وأن أصدر الطبعة الثانية لمجموعتي القصصية ( أمام المرآة ) .

-                                                                  - في نهاية الزيارة يحضرني قول سأتصرف فيه : يا فاروق أنت فيك الكتاب ومنك الكتاب وإليك الكتاب ...

-                                                                   - الشكر الأوفى ...فأنا لا أتصور أي عالم آخر أعيش فيه دون كتاب  حتى ولو كان جنة

صحيفة "الصنارة" في 10/1/1995.

أجرى الحوار: ناجي ظاهر.

 

 

 

 

د. فاروق مواسي:

"صلتنا بكم كتاب ومجلة وإذاعة" يتيسر الكتاب المشرقي ...

ونسعى وراء المغربي........

 

كيف تم تأسيس اتحاد الكتاب العرب  الذي أسستموه مؤخرًا ؟

- كانت الفكرة تراودنا منذ فترة. وقد كانت في الوسط العربي في الجليل والمثلث  محاولات لروابط صغيرة، لكنها لم تكن تجمع كل التيارات الأدبية المعروفة، وهكذا جاء الاتحاد ليكون أول تجمع يضم الأدباء المعروفين في البلاد ،  ويزجهم في نشاطات أدبية ،فكرية واجتماعية. وهو يضم اليوم، أي بعد مرور أقل من سنة على تأسيسه، أكثر من مائة  عضو، ما بين شاعر وروائي وقاص وأستاذ أكاديمي.

       هلا رسمت لنا خارطة  للواقع الثقافي في الأرض المحتلة !

- أتصور أن موقعنا الأدبي هو موقع خاص بسبب الظروف التي نعانيها.

وبما أن الأديب هو ابن واقعه، فهو ملتزم بذلك الواقع. وهذا الالتزام يكاد يكون صفة شاملة لأدبائنا.

إن دور النشر القائمة عندنا قليلة، وأبرزها" دار الأسوار" في عكا، وهي دار خاصة يشرف عليها يعقوب حجازي، تقوم بدور حميد في نشر الأعمال الأدبية المهمة للقارئ عندنا، مثل أعمال غسان كنفاني، ومحمود درويش، بالإضافة إلى أعمال أدبائنا المحليين.

لكن الشائع لدينا هو أن يطبع الأديب كتابه على نفقته الخاصة، ويقوم بتوزيعه بنفسه، وكل أديب يصل إلى الجمهور بقدر اتساع علاقاته مع المثقفين الآخرين وأصحاب المكتبات.

أنا مثلا، أطبع كتابًا لي في الناصرة بألف نسخة، فأقوم بإرسال عشر نسخ إلى صديق في عكا، ومثلها إلى صديق في القدس، وهكذا... والأصدقاء هم الذين يقومون بتوزيع الكتاب على أصدقائهم.

    أما الصحافة الأدبية لدينا فأبرز عناوينها مجلة "الجديد" والملحق الأدبي لصحيفة "الاتحاد". وهناك منشورات أخرى لا تصل شهرتها إلى القارئ المحلي لسبب أو لآخر. ويبقى نشاط الكتّاب اليساريين مَعلمًا بارزًا في صحافتنا.

 

       هل من نواد أدبية؟  

-  لدينا ما يسمى بالورشة الأدبية للأدباء الشبان، والتي تأسست قبل سنتين، ثم عند تأسيس      الاتحاد قام بتبنيها ورعايتها. وتهدف الورشة إلى تشجيع ناشئة الأدباء، واستضافة أديب معروف  يناقش معهم كتاباتهم، ويساعدهم بخبرته.

    ولدينا ظاهرة أخرى، وهي دعوة الأدباء إلى المدارس الثانوية المختلفة، للالتقاء بطلبة ا لمراحل المنتهية. وهذه المدارس عربية تقع تحت سلطة المجالس المحلية في القرى العربية. أي أننا وباختصار نتفاعل  بكل وسيلة للوصول إلى هدفنا، وهو تعرف طلابنا إلى واقعنا الأدبي  والاجتماعي، وتهيئة دفاعات جديدة من محبي الأدب.

 

       هل يتيسّر لكم الإطلاع على الحركة الأدبية في الوطن العربي؟

- أستطيع القول إن معظم المجلات الثقافية في الوطن العربي تصلنا بطريق أو بآخر.بعض منها يأتينا من أوروبا، والبعض الآخر يحمله إلينا المسافرون إلى مصر. ولعل النقص الوحيد هو الكتاب المغربي. ومع هذا، إذا سمعنا بصدور كتاب لمحمد بنيس أو محمد برادة -  مثلين - فلا بد  من أن نحصل عليه .

    أما لقاءاتنا الأدبية مع الأدباء العرب فمعدومة بحكم حرماننا من السفر إلى  البلاد العربية، عدا عن بعض المناسبات النادرة التي تقام في باريس أو لندن حيث تلتقي أسماء معدودة من أدباء فلسطين بالأدباء العرب.

       باعتبارك مدرسًا للغة العربية في مدرسة ثانوية، ما هو مستوى تعليم العربية في مدارس الأرض المحتلة، وهل هناك خوف على أبناء الجيل الجديد من التهويد؟

- لقد كنت أحد الذين تولوا تصحيح دفاتر الامتحانات هذا الصيف، وقد فرغت من ذلك قبل أيام، وخرجت بانطباع جيد جدًا عن مستوى الطلاب. لكن هذا الانطباع ذاته يتضاءل إزاء الألم الذي يبعثه في نفسي بعض الدفاتر التي تدل على أمية مطبقة.

     وحتى لو لجأت السلطات إلى اختبار بعض المعلمين بطريقة غير سليمة، إلا أن المعلم العربي يعرف دوره ومسؤوليته، ويتصدى للأمانة الملقاة بين يديه.

ونعتز بأن الكثيرين منا يطرحون قضايانا الفلسطينية داخل صفوف الدراسة بدون خوف أو وجل.

إن موضوع اللغة العربية هو جزء من الكيان العام والوجود اليومي، وهو أول شروط حفاظنا على هويتنا.

ويجب ألا ننسى دور الإذاعات العربية في تعميق صلتنا بالأقطار العربية التي حرمنا من التواصل معها. كما أن شعراءنا وأدباءنا الفلسطينيين تركوا لنا ذخرًا قيّمًا نتزود به، وروحا قومية تعي أن ما يجري على الساحة السياسية هو أمر طارئ وعارض.

    مجلة الحوار ( باريس ) - العدد 16 تشرين الأول- أكتوبر 1988

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المرصاد على الخط

 مع الشاعر فاروق مواسي-

نائب رئيس اتحاد الكتاب العرب في إسرائيل:

 

       نتحدث إليك في ساعة متأخرة بعد أن عدت من الناصرة..

- كنت من بين الذين حضروا المؤتمر القطري الأول لدعم مكانة الإنتاج الفكري والفني العربي، واسمح لي بأن أنوه هنا أنه لا علاقة بين اتحاد الكتاب العرب الذي تأسس مؤخرًا وهذا المؤتمر الذي حضره عدد لا بأس به من العاملين في حقل الأدب والفن ،  فالاتحاد لم يتخذ موقفًا معينًا من هذا المؤتمر ،  وقد استمعنا من وزير المعارف إلى وعود بدعم النتاج العربي في مختلف مجالات الإبداع وهذا حق حرمنا منه حتى الآن .

        ومع ذلك تفوح من هذه المبادرة رائحة حزبية انتخابية..

- لقد أعلن القائمون على هذا المؤتمر وفي مقدمتهم الدكتور محمود عباسي أن هذه المبادرة هي غير حزبية أو سياسية ،  والدليل على ذلك أنه دعي لحضورها أدباء من مختلف الانتماءات الحزبية والسياسية في الوسط العربي، ونحن في نشاطاتنا ومساعينا نهدف إلى دعم الإنتاج العربي وتحقيق وحدة الصف لتزيدنا قوة وثباتًا.

       وليس سرًا أن البعض يتهمون اتحاد الكتاب الجديد بالحزبية..

- إني أنفي هذه التهمة كليًا، فالبعض عارضوا أن يتولى الشاعر سميح القاسم رئاسة اتحاد الكتاب العرب ، لأنه عضو في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، ولكنهم تناسوا أني عضو اللجنة المركزية للقائمة التقدمية للسلام ...وفي الوقت ذاته نائب رئيس اتحاد الكتاب. لقد سعينا إلى أن يكون الاتحاد الجديد شاملاً وممثلاً لمختلف التيارات ،  وحضر مؤتمره التأسيسي أكثر من أربعين  أديبًا ، والباب مفتوح أمام الجميع للانضمام إليه.

       يلاحظ أنكم تركزون على الناحية المادية في معالجة قضايا الأدب العربي في بلادنا..

- لاشك أن الهموم المالية لها تأثير على كل إنسان، والأديب هو جزء من المجتمع   ولكن همومنا الرئيسية تتمحور حول ما يعاني منه شعبنا الفلسطيني سواء في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين ،  أو في المخيمات في لبنان ....وجميعنا نعيش هذه الهموم ،  ونحاول التعبير عنها، كل بطريقته الخاصة. ونحن لا نستطيع أن نقف كالمتفرج إزاء مختلف أساليب القمع والاضطهاد وإغلاق الجامعات.

        وأملنا كبير في أن نستطيع، من خلال اتحادنا الجديد، أن نؤدي الواجب الذي يفرضه علينا انتماؤنا القومي.

 

                                                                                صحيفة "المرصاد": 16/9/1987.)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مع المؤلف: فاروق مواسي

"الجنى في الشعر الحديث".

 صدر مؤخرًا بعض الكتب التحليلية لمادة الأدب العربي المطلوبة في امتحانات البجروت، ومن أبرز هذه الكتب الجنى في الشعر الحديث، ولأهمية هذا الكتاب بالنسبة للمعلم والطالب فقد ارتأيت إجراء هذا الحوار.

       ما هي أهمية هذا الكتاب بالنسبة للمعلم والطالب؟

1- ندرة المواد التي تعالج قصائد الشعر الحديث ، وإن وُجدت فهي ليست مطروحة بشكل منهجي.

2- إن كتاب"المختار" ليس فيه شروح ،  الأمر الذي يجعل الطالب مضطرًا لنسخ ما يمليه المعلم ، فيضيع بذلك جو النقاش المثمر والمجتمع ، عدا  عن ذلك أن بعض المعلمين لا يتذوقون الشعر الحديث.

3- ان الكتاب فيه منهج لتقديم القطعة الأدبية.

       هل لك أن تحدد لنا ما هو منهجك في تناول النصوص؟

إن القصيدة يُنظر إليها من جوانب أربعة:

أ- مضمونها.

ب- شكلها ،  وذلك في الأساليب الفنية (المعمارية والتكنيك) وطريقة توظيف الألفاظ.

ج- الإشارات الثقافية التي تتعلق بها وتستوحيها.

د- الأسئلة التي تثيرها من بعد قراءة القصيدة.

       لماذا اختصرت تراجم الشعراء؟

لأنني جعلت وكدي القصيدة ،  وليس حياة الشاعر، ولا تهم حياة الشاعر إلا بقدر ما تخدم النص ،  فلنوجه طلابنا إلى الأدب أكثر من تاريخ الأدب.

       ما هي أهمية المصطلحات في نهاية الكتاب؟

لقد لاحظت أن المصطلحات مرتبة لكي تساعد الطالب على فهم ما يقرأه ،  فالإقواء أو الترصيع أو التصريع مثلاً بحاجة إلى توضيح ،  وقد جعلت مقابل المصطلح اسمه بالإنجليزية في كثير من الأحيان ، وخاصة إذا كان المصطلح في الأصل ليس عربيًا.

       لقد شرحت لنا ثلاثا وثلاثين قصيدة ،  وهذه هي مادة الوحدات الخمس في البجروت، فما هو حال القصائد الأخرى التي اختارها معلمون آخرون؟

- أنا لم احلل جميع القصائد، وإنما حللت القصائد التي يختارها أكثر المعلمين، وإذا بقيت هناك بعضها فالأمر منوط بالمعلم أن يسير حسب المنهج نفسه إذا أحب.

       لقد بدأت الكتاب بتمهيد تاريخي وأنهيـته بكشف الأسماء ، والنصائح العشر للطالب ، فهل تعتقد أن ذلك يساعد الطالب؟ وكيف؟

- اللمحة التاريخية ضرورية، والكشاف يعلم الطالب الصورة الأكاديمية للبحث. أما النصائح فهي تلخيص رأيي في ضرورة ترجمة الأدب للحياة.

       الأسئلة التي وضعتها أكثرها إبداعي وتقويمي وتحليلي حسب سلم بلوم فلماذا لم تضع أسئلة أسهل منها؟

- الأسئلة السهلة متروكة للمعلم يعطيها كما يحلو له ، ولكني أثبتّ الأسئلة التي يشترك فيها الطالب بمنتهى الجدية... ويبحث هو والمعلم عن الإجابة التي ليس من الضرورة أن تكون أحادية الاتجاه. ثم إن الأسئلة هي في إطار أسئلة البجروت.

               والآن إلى الأسئلة من نوع آخر.

       ما هي مشاريعك للطلاب؟

سأعكف على دراسة النثر الحديث: مقالة، قصة، رواية، مسرحية، نقد... وسيصدر في كتاب قادم ، والأمر يتعلق بالناحية المادية ،  وعندي مشاريع أخرى سأعلن عنها في حينه.

صحيفة "الصنارة" في 10/1/1986

 

 "الميدان- للثقافة والأدب والفن"

تستطلع الآراء في العام الجديد ، والسؤال هو :

 ما هي توقعاتك في السياسة والأدب  ؟؟:

 

    -   أما السياسة هنا فقد بانت لكل ذي عقل بأن شعبنا يتعملق، وعدوه يتقزم. وضريبة الدم اليومية كانت وستظل إيذانًا بالفجر المشرق، تحمله رؤانا وعزائمنا، وإن غدًا لناظره قريب جدًا.

       وفي السياسة العالمية، بدت ثورات التصحيح في العالم الاشتراكي لنهج إنساني قويم. ومن الجدير ذكره، أن الدول الاشتراكية الحقيقية لم تسفك فيها الدماء ولم تُصَب بالدمار، في أثناء عمليات التقويم هذه، لأن التربية الإنسانية راسخة في وجداناتهم... وفي هذا عبرة لمن اعتبر.

      لن أضيف كثيرًا في السياسة، لأن الصحف هذا الأسبوع ستذكركم بالكثير، وستتأكدون صدق الطريق الذي اختاره الشعب الفلسطيني البطل حتى يقيم دولته، ويخفق علمه. لكني سأبشركم أن عملية الديمقراطية وإقرار التعددية الحزبية سيصيبان العالم العربي، قريبًا مع إطلالة قرننا القادم  ، وستقرع الأبواب بعد هذه السنين العجاف والكبت المقيت، ولن يجدي بعض ا